إسلام ويب

تفسير سورة البقرة - الآيات [26-28]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يضرب الله تعالى الأمثال في القرآن الكريم، ولا يستحيي سبحانه من ضربها حتى وإن كانت بعوضة فما فوقها، فالله يبتلي بها عباده، فيسلم لها المؤمنون وينتفعون بها، ويعترض عليها الفاسقون ويكفرون بها. وعجباً كيف يكفرون! وقد خلقهم الله ثم أحياهم ثم يميتهم ثم يحييهم، وهو القادر على كل شيء سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة ...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:26-28]

    الحكمة من ضرب الله الأمثال

    يقول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26] , الله سبحانه وتعالى يضرب الأمثال لعباده؛ ليكون هذا تحريكاً لنفوسهم إلى الإيمان, ودرءاً لما في نفوس بعضهم من الشبهات التي عرضت لفطرتهم وعرضت لعقولهم.

    فتأتي هذه الأمثال وهذه البينات وهذه الآيات التي يذكرها الله جل وعلا تنبيهاً للعقول والفطر، وتقويماً لها على الصراط المستقيم الذي جعله الله سبحانه وتعالى هو الأصل في مدركها, فإن الفطرة خير, ولكن البعض قد يخرج عن أصل فطرته, وإلا فإن الفطرة هي خير جعله الله سبحانه وتعالى للمكلف, كما جاء في الصحيحين وغيرهما: ( كل مولود يولد على هذه الفطرة ).

    فيقول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا [البقرة:26] , أي: لعباده, سواء كان هذا المثل بالبعوضة أو ما كان فوقها؛ لأن العباد قاصرون في إدراكهم, ولا بد لهم من المخاطبة بأنواع الأمثلة التي تدرأ عنهم الشبهات الشيطانية التي يزينها أو يلقيها الشيطان في نفوسهم.

    ثم الحكمة من هذه الأمثلة المضروبة وهذه البينات التي من عند الله جل وعلا: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا [البقرة:26] , يضل الله سبحانه وتعالى به كثيراً, فتكون المعاندة سبباً لضلالهم، وليس الحق سبباً يضل به كثيراً, وإنما المقصود: أن هذه المعاندة وهذا الاستكبار، وهذا الاعتراض على الأمثلة التي يضربها الله سبحانه وتعالى، هذه المعاني الموجودة في قلوب الذين كفروا من الاعتراض والمعاندة يكون سبباً لضلالهم, فتكون عقولهم حاجبة لهم عن الحق بما خالطها من الفساد والمكابرة.

    وقوله: وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا [البقرة:26] , وهو الأصل.

    معنى الفاسق ودلالة التعبير به

    ثم قال جل وعلا: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26] , فبين أنه جل وعلا لم يجبر عبداً على الضلال, وإنما الذي ضل إنما ضل بفسقه, وذكر الفسق هنا لأن الفسق في اللغة: هو الخروج, فقوله تعالى: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26] , أي: الخارجين عن أصل الفطرة، والخارجين عن أصل الاستجابة.

    فالتعبير هنا باسم (الفاسق) تعبير بأنسب الملاءمة, وهو ليس مجرداً, بل يدل على أن المخاطب كان على جادة مستقيمة, وأنه كان على هداية مستقيمة بهذه الأمثلة وبما معه من العقل والفطرة إلى آخره, ولكنه عاند ذلك؛ كما قال الله في صدر الآيات: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا [البقرة:26] , فهذا الاعتراض من الكفار الذين في قلوبهم زيغ يكون سبباً لعدم استفادتهم وانتفاعهم بهذا الحق؛ ولهذا قال في تمامها: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة:26].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين ينقصون عهد الله من بعد ميثاقه ...)

    ثم بين الله تعالى أن الفاسقين هم الذين ينقضون عهد الله, والعهد إذا أضيف إلى الله فالأصل فيه أنه الإيمان, وهو الاستجابة, وهو الميثاق الذي أخذه الله جل وعلا على عباده بقوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172] , فتكلفوا الخروج عن هذا الميثاق, وتكلفوا الخروج عن هذا العهد, وسعوا في الأرض فساداً, فبين الله سبحانه وتعالى ما هم عليه من نقض الميثاق, وأن نقضهم الميثاق يكون ملازماً لهم لانشغالهم بالفساد في الأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ...)

    ثم بين الله جل وعلا أن كفر الكفار مناقض لعقولهم بقوله سبحانه: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28] . فالله سبحانه وتعالى هو الذي يقلب الأمور, وبيده ملكوت كل شيء, وهو ربهم وهو خالقهم, وهم إليه صائرون, فيكون كفرهم بالله سبحانه وتعالى خروجاً عن الاستجابة له, وخروجاً عن مدرك عقولهم, فجمعوا بين ترك الشريعة والدين، وبين ترك العقل والاستفادة من البينات والآيات التي يضربها الله سبحانه وتعالى لتكون هداية لمن التاثت فطرته بشيء من شبهات الشياطين, وتزيينهم له الفساد في أمره.

    ثم يذكر الله بعد ذلك ما جاء في قصة آدم وخلقه وحاله مع إبليس، وكيف كان لآدم في هذه الأحوال من التوبة والرجوع إلى أمر ربه, ثم جعله الله سبحانه وتعالى خليفة ونزل إلى الأرض, وصار محلاً للابتلاء, وأنزل الله سبحانه وتعالى على بني آدم البينات والهدى, يهدي به الله سبحانه وتعالى من اتبع رضوانه سبل السلام.

    نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن ينصر دينه, وأن يعلي كلمته, وأن يجعلنا من أنصار دينه, وبالله التوفيق, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3047954622

    عدد مرات الحفظ

    738579394