إسلام ويب

تفسير سورة البقرة - الآية [21]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أمر الله عز وجل بعبادته وحده تعالى لا شريك له؛ وعلل أحقيته بذلك بأنه الخالق وحده لا شريك له، واستحق أن يفرد بجميع أنواع التوحيد، وكل هذا لكي تتحقق التقوى في قلوب عباده المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم ...)

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21].

    بعدما بين الله سبحانه وتعالى صفات بني آدم, وأن منهم المؤمن ومنهم الكافر ظاهراً وباطناً, ومنهم المنافق، أمر الله سبحانه وتعالى الناس أجمعين بعبادته.

    فهو خطاب لسائر بني آدم، سواء كانوا من الصنف الأول أو الصنف الثاني أو الصنف الثالث.

    فليس خطاباً لأهل الكتاب أو للمؤمنين أو للمنافقين، وإنما هو خطاب للناس, فقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة:21] , فهو خطاب عام لهذه الأصناف التي لا ينفك عنها الآدمي إلا في حال عارضة، وهي حال المكره الذي يكون مؤمناً في الباطن ويظهر منه كلمة الكفر إكراهاً, فهذه حال عارضة.

    وإلا فبنو آدم لا ينفكون في حقيقتهم عن الأصناف الثلاثة المذكورة في صدر هذه السورة، فجاء الخطاب بعد ذلك لسائرهم؛ في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة:21] .

    فقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة:21], الناس: اسم عام لهم.

    ومما يدل على أن هذا الخطاب لسائرهم أنه اعتبر ذكر العذاب في حق من كفر, وذكر النعيم في حق من آمن, وهذا هو مآل مجموع بني آدم, فإن مآلهم إما إلى الجنة وإما إلى النار.

    مفهوم العبادة

    قال الله تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] , والعبادة: اسم جامع لكل ما شرع الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة كما عرفها بعض أهل العلم.

    فهذه هي العبادة, وأصلها: معرفة الله وإخلاص الدين له؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مالك : ( من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله ) .

    وهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى وملائكته وكتبه ورسله, فهذه هي أصول العبادة: معرفة الله سبحانه وتعالى وإخلاص الدين له وحده لا شريك له, ولا يتأتى هذا إلا بهذا. وهو معنى متلازم, بل متضمن للشريعة, وإن كان يقع في بعض سياقه متلازماً, فهو في أصله الشرعي معنى متضمن للشريعة على التحقيق.

    أما من ادعى معرفة الله سبحانه وتعالى وهو لا يعبده وحده لا شريك له، فليست معرفته معرفة شرعية, وإنما المعرفة الشرعية هي التي أمر الله بها نبيه بقوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] , وأما المعرفة التي تكون لغير ذلك كمعرفة اليهود المذكورة في قول الله جل وعلا: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146] , وكالمعرفة في قوله: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:14] , فهذا علم الإدراك, ومعرفة الإدراك, وهذه لا تنفع صاحبها إذا لم يستجب لأمر الله ويخلص العبادة له وحده.

    وإنما المعرفة النافعة التي هي الاستجابة، وهي المذكورة في قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال:24] .

    إذاً: قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] , وهذا أمر بهذه العبادة وأصلها, وهي الإيمان المذكور في حديث: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة ) , كما في صحيح البخاري وغيره.

    فقوله: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة:21] , هذا الوصف له سبحانه وتعالى تنبيهاً لعقولهم أنه جل وعلا هو المستحق للعبادة, فإنهم مقرون بأن الله هو الذي خلقهم, وهذا الإقرار بعقولهم أن الله هو الذي خلقهم موجب عقلي لقبول أمره, وعن هذا سيقول الكفار عند الموافاة: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ [الملك:10] , (أو نعقل) لأنهم يعقلون أن الله هو الذي خلقهم, لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ [الملك:10] , فهم لم يسمعوا هذا الأمر, اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] , فلما قال: الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة:21] , هذا خطاب للعقل, يعني: أنتم تقرون بأنه خلقكم, حتى أنه ذكر اسم الرب في قوله: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21].

    المفاضلة بين تقسيم أهل السنة للتوحيد وتقسيم أهل الكلام له

    والخطاب يتنوع في القرآن, فقوله هنا: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] هذا ليس كما يزعم بعض من لا يفهم أوجه السياق العربي, وكلام أئمة الشريعة أن هذا نقض لما يسمى بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؛ لأن الله قال: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] , ولم يقل: اعبدوا الله, فدل على أن الربوبية والإلهية شيء واحد. وهذا كله تخرص في ترتيب الكلام, وإلا من قال: إن التوحيد ليس واحداً, والتوحيد: هو معرفة الله سبحانه وتعالى, وإخلاص الدين له, ولكن مقتضى الترتيب العلمي لما صار الناس يحتاجون إلى بعض أوجه الترتيب ميزت المعاني الصحيحة, فقيل: وجه من هذا المقام يسمى ربوبية؛ وهو ما كان توحيداً لله بأفعاله, ووجه منه يسمى ألوهية, وهو ما كان توحيد الله بأفعال المكلفين التي شرعها الله ورسوله.

    ولما كثر القول في باب الصفات خاصة ميز باسم عند طائفة من أهل العلم، فقالوا: توحيد الأسماء والصفات, فمثل هذه التقاسيم في كلام العلماء, أولاً هي ليست من بدء أئمة السنة, بل هذا التقسيم لو سلمنا جدلاً أن فيه إشكالاً فأرباب السنة إنما تكلموا فيه بعد قيام الموجب لترتيب بعض المعاني في فهم المخاطبين, ولم يأتوا باصطلاح يتضمن معانٍ جديدة, أو يقتضي نقص مفهوم التوحيد عن حقيقته.

    فإنهم إذا قالوا: توحيد المعرفة، وتوحيد الإرادة، أو التوحيد العلمي، والتوحيد الخبري، أو توحيد الربوبية، والإلهية، والأسماء والصفات، ألا ترى أن هذا التقسيم باثنين: التوحيد العلمي والطلبي, الإرادي والخبري, أو التقسيم بثلاثة, فجميع التقاسيم لم تتخرج عن المعنى المراد؛ لأن هذا في أفعال الله وهذا في أفعال المكلفين, أي: إخلاص العبادة له وحده لا شريك له, وهذا المعنى مذكور في القرآن بل أقر المشركون بجملة المعنى الأول, ولم يقروا بالأصل الثاني ولا بجملته.

    إذاً: هي معان مسماة, لكن لما خاض أرباب الكلام وعلماء الكلام في مسمى التوحيد، قالوا: واحد في ذاته لا قسيم له, وواحد في صفاته لا شبيه له, وواحد في أفعاله لا شريك له.

    وهذا الكلام فيه ألفاظ ليست من فصيح اللغة بخلاف الله سبحانه وتعالى فهو رب العالمين، وهو الخالق، وهو الأول وهو الآخر، وهو الظاهر وهو الباطن.

    فإذا نظرت إلى الألفاظ وجدت أن ألفاظ أصحاب السنة أحكم, وإذا جاوزت هذا النظر اللفظي إلى المعنى وجدت أن كلمة: (واحد في ذاته لا قسيم له) جعلوا تحتها من المعاني الصحيحة والمعاني الخاطئة ما اختلط فيه الأمر عليهم.

    ومثله: (واحد في صفاته لا شبيه له, وواحد في أفعاله لا شريك له) وكذلك مسائل تأويل الصفات, وما يسمى حلول الحوادث وتماثل الأجسام ونظريات كلامية سميت حقائق عقلية مع أنهم متنازعون فيها, فحصل فيه هذا اللبس.

    ثم لو سلم جدلاً أن اللفظ فيه صحيح, وأن المعنى فيه صحيح فليس كاملاً؛ فكل طائفة تفسر هذه الجمل بمعنى, فقولهم: (واحد في ذاته لا قسيم له, وواحد في صفاته لا شبيه له) متكلمة الصفاتية يختلفون في تفسيرها، فعند المعتزلة تفسير بخلاف غيرهم وهكذا.

    والظاهر إنك لو تجاوزت هذا وهذا جدلاً فستجد أن ثمة معنى أصيلاً لم يسموه هنا, وهو ما يتعلق بإخلاص العبادة لله وحده, وهو أصل دين المرسلين, اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] .

    وليس المعنى أنهم ينكرونه؛ لأن هذا لا ينكره مسلم, وإنما إبانة أن طريقتهم في ترتيب مسائل التوحيد طريقة قاصرة بعيدة. فإذا كانوا يعيبون موضوع التقسيم فعيبهم في هذا الباب.

    أما ما جرى به بعض كلام العلماء المتأخرين رحمهم الله, فهم لم يجعلوا هذا ركناً على المسلمين, ولا شرطاً في فهم الدين, وإنما هو تقريب للمعاني.

    لكن بلا خلاف بين أئمة السنة، فلو أن قائلاً قال: التوحيد قسمان: توحيد علمي، وتوحيد طلبي, وقال قائل: التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات, وقال قائل: التوحيد واحد وهو معرفة الله حق المعرفة، وعبادته حق العبادة، وإخلاص الدين له وحده لا شريك له. فكل هذا صحيح.

    فلم يفرضوا أسماء ومعاني ليست موجودة في القرآن والسنة, أو تقتضيها لسان العرب, وإنما هي مولدة من علم مخترع, وهو علم الكلام الذي رتب من الفلسفة. ولولا الفلسفة ما جاء شيء اسمه علم الكلام, وهذا يعرفه من ينظر في كتب علم الكلام, لكن لما ترجمت هذه العلوم صنع هذا العلم المركب من مادة من الفلسفة، ومادة من العقليات المجملة، وبعض مجمل الشريعة.

    فالشاهد أن في قوله: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21], تنبيهاً لعقولهم.

    التقوى سبب لسعادة الدنيا والآخرة

    ثم قال بعدها: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:21] , أي: هذا متسلسل, وأنتم تقرون بذلك, وكل هذا تنبيه لعقولهم, لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] , أي: يكون بإيمانكم بالله وحده لا شريك له تحقيق التقوى.

    فتتقي نفوسكم الفساد وذهاب السعادة في الدنيا, وتتقي نفوسكم عذاب الله سبحانه وتعالى، فتتقون غضبه وتتقون سخطه, وتتقون مقته, فهو وقاية لهم في الدنيا والآخرة، وليس العذاب فقط في الآخرة بل حتى في الدنيا؛ كما جاء في الصحيح قبل بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي الذي رواه مسلم قال: ( إن الله نظر إلى أهل الأرض ), أي: قبل بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم, ( فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب, قال: وإنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ).

    نسأل الله جل وعلا بأسمائه وصفاته أن ينصر دينه, وأن يعلي كلمته, وأن يجعلنا من أنصار دينه، وبالله التوفيق, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3047479244

    عدد مرات الحفظ

    738455183