إسلام ويب

فرحة رمضان - صائمون احتساباًللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من طبيعة الإنسان أنه يفرح بفضل الله تعالى، وبنعمه، ولكن مع ذلك تختلف فرحة الناس فمنهم من يفرحون لأمور دنيوية بحتة، ومنهم من يفرحون فرح المؤمنين المتقين الطائعين، وهذا هو الذي يجب أن يتمثله المسلم وخاصة في شهر رمضان، وعلى المسلم أن يكون صومه وجميع أعماله إيماناً واحتساباً للأجر والثواب عند الله تعالى: وقد بين الشيخ حفظه الله تعالى أن العبرة بحسن العمل لا بكثرته.

    1.   

    فرح الناس بدخول شهر رمضان

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله وخيرته من خلقه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    ما يزال المسلمون في هذه اللحظات ينتظرون إعلان دخول الشهر الكريم المبارك، وقد تطلعت قلوبهم، واستشرفت نفوسهم إلى سماع أصوات المدافع وهي تبشر بدخول هذا الشهر الكريم.

    ولا شك -أيها الإخوة- أن هذا الخبر الذي نترقبه وننتظره هو من أعظم ما يُفرح به قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    اختلاف فرحة الناس بدخول شهر رمضان

    أيها الإخوة: لعل كل الناس -بل أكثرهم- يفرحون بقدوم هذا الشهر ودخوله، لكن أسباب الفرحة تتفاوت تفاوتاً عظيماً.

    فمن الناس من يكون فرحه بدخول هذا الشهر؛ لأنه تاجر يعتقد أنه سوف ينمي بضاعته ويروجها في هذا الشهر، ويرى مِن إقبال الناس على شراء ما يحتاجونه، من المأكولات والمشروبات وغيرها في هذا الشهر الكريم ما يكون مصدر سعادة له وهذه فرحة دنيوية بحتة، نحن لا نلوم هؤلاء على فرحتهم تلك، فإن الإنسان مجبول على حب المال، قال الله عزَّ وجلَّ: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات:8] ومن الخير: المال، فالنفوس جُبلت على حب المال غالباً وقد صلى أصحابُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً معه صلاة الفجر، فلما سلم وقام تعرضوا له وسلموا عليه، فتبسم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، عرف ما الذي جاء بهم، قال: {أظنكم سمعتم بالمال الذي قَدِم من البحرين قالوا: أجل يا رسول الله قال -عليه الصلاة والسلام-: أبشِروا وأمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُفتَح عليكم الدنيا كما فُتحَت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها؛ فتهلككم كما أهلكتهم} والحديث متفقٌ عليه، عن أبي سعيد رضي الله عنه.

    فمن الناس من تكون فرحته فرحة مادية بحتة، ومن الناس من تكون فرحته فرحة العابث اللاهي الذي لا يذكر من رمضان إلا إيقاد المصابيح، وسهر الليالي، والجلسات الطويلة المتصلة، والمباريات الرياضية التي يسهرون عليها حتى وقت السحور، أو لا يذكر من رمضان إلا السهر أمام الشاشة؛ لمشاهدة الأفلام، أو مشاهدة البرامج التي تضر ولا تنفع، فيكون فرحه برمضان لا يعدو فرحة مادية دنيوية ضارة، تكون على الإنسان وبالاً في دينه ودنياه وعاجل أمره وآجله.

    ومن الناس من لا يتذكرون من رمضان إلا المسابقات والمنافسات في أمور لا خير فيها، وكثير من الشباب ربما كان جُلُّ همهم في رمضان ومصدر فرحتهم وسرورهم، هي الذكريات التي يعيشونها في رمضانات مضت، والسهرات الطويلة، وأنواع من الأسفار والمغامرات والمسابقات والمنافسات، التي لا يفرح بها مؤمن أبداً.

    ومن الناس من يكون فرحه فرح الصبيان الذين لا يذكرون من شهر رمضان إلا ألوان الأطعمة المتميزة التي يتعاطونها في هذا الشهر الكريم، على حين لم يكونوا يتعاطونها قبل ذلك، فلا يفرح من هذا الشهر إلا بمثل هذه الأمور، كما يفرح بها الصبيان الصغار الذين لا يعرفون رمضان إلا بتغير البرامج وتغير الأطعمة ومواعيد الإفطار والغداء والعشاء وغيرها.

    لماذا يفرح المؤمن برمضان

    من الناس من يكون فرحه فرح المؤمن، الذي يفرح برمضان؛ لأنه شهر القرآن، شهر الصيام والقيام والعبادة والدعاء والتضرع إلى الله -عزَّ وجلَّ- شهر المغفرة والعتق من النار.

    من الناس من يفرحون برمضان، كما كان يفرح به أصحاب محمد -عليه الصلاة والسلام- فكان -عليه الصلاة والسلام- إذ يبشرهم برمضان، لم يجد ما يبشرهم به في مقدم هذا الشهر الكريم، إلا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري وصحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه: {إذا دخل رمضان فُتِحَتْ أبواب السماء} وفي رواية: {فُتِحَتْ أبوابُ الجنة، وغُلِّقَتْ أبوابُ النيران، وصُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدَةُ الجن} فبذلك كانوا يفرحون؛ لأن فتحَ أبوابِ السماء، وفتحَ أبوابِ الرحمة وأبواب الجنة، تكرم من الله -عزَّ وجلًّ- على عباده، وسِعة رحمته، وكثرة مغفرته، وكثرة عتقائه في هذا الشهر الكريم من النار، ولذلك جاء في الحديث، في رواية الترمذي -رحمه الله- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا كان أول ليلة من رمضان...} ونرجو أن تكون هذه الليلة، التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم هي التي نعيش ساعاتها الآن ونترقبها {إذا كان أول ليلة من رمضان غُلِّقَتْ أبوابُ النار؛ فلم يُفتح منها باب، وفُتِحَتْ أبوابُ الجنة؛ فلم يُغلق منها باب، وينادِي منادٍ: يا باغي الخير هَلُمَّ وأقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله في كل ليلة عتقاءُ من النار}. فهذه مصدر فرحة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي وَجَدَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يبشر أصحابه به؛ لأنهم لم يكونوا يفرحون إلا بما يكون مقرباً لهم إلى رضوان الله تعالى ورحمته، ومباعداً لهم عن عذابه وسخطه، وهكذا يفرح المؤمنون قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    مصدر فرحة المؤمن في رمضان: أنه يؤمل أن يكون فيه في ركب التائبين، الذين غُفرت لهم ذنوبُهم، ومُحيت عنهم سيئاتهم، وتجاوز الله تعالى عن خطاياهم، فساروا في موكب المؤمنين التائبين الطائعين، وما تدري -يا أخي الحبيب- ماذا يكون مصيرك بعد هذا الشهر الكريم، فإن الإنسان ما هو إلا نَفَسٌ يدخل ولا يخرج، أو يخرج ولا يدخل، ورُبَّ إنسان أصبح ولم يمسِ، أو أمسى ولم يصبح، أو نام ولم يستيقظ، أو استيقظ فلم ينم، وإنما هي آجال مكتوبة مضروبة قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34].

    وقد شَذَّ من هذا الموكب الكريم -موكب المؤمنين المطيعين الفرحين المسرورين بمقدم هذا الشهر الكريم- شَذَّ منهم فئة من الناس، تخلت عن حقيقة إيمانها، وأصابها بمقدم هذا الشهر الذعر والفزع والحزن؛ لأن أحبابهم وأصحابهم من الشياطين قد تخلوا عنهم -كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم- حين سُلسِلوا وصُفِّدوا في الأغلال، فلم يستطيعوا أن يَخْلُصوا في رمضان إلى ما كانوا يَخْلُصون إليه في غيره، فبقي شياطين الإنس منفردين شاذين، فأصبح الشهر ينـزل عليهم نـزول الألم الذي لا يكادون أن يطيقوه، يعدون أيامه ولياليَه عدّاً، وينتظرون خروجه بفارغ الصبر، وفي الوقت الذي يكون رمضان فيه للمؤمنين قربة ومزيداً في الطاعة، فإن هؤلاء يكون الشهر -والعياذ بالله- عليهم وبالاً ومقرباً إلى سخط الله عزَّ وجلَّ:

    فكم من إنسان يتتبع عورات المؤمنين في هذا الشهر، ويبحث عن زلاتهم وسقطاتهم، وينتظر غفلاتهم، فيفضي إلى ما حرم الله -عزَّ وجلَّ- إلى مال حرام، أو نظرة حرام، أو جريمة يتمكن منها في غفلة الناس، وفي غفلة من أعين الرقباء، ومثل هؤلاء أمرهم عجب؛ فإنهم قد رضوا لأنفسهم طريقاً غير طريق المؤمنين، وانسلخوا عن هذه الأمة، فإن فرحَتْ حزنوا، وإذا سُرَّت ابتأسوا؛ لأنهم اختاروا طريقاً آخر غير طريق الإيمان وغير طريق التوبة.

    مضى رجبٌ فما أحسنتَ فيه     وولَّى شهرُ شعبان المبارَكْ

    فيا مَن ضيَّع الأوقاتَ جهلاً     بحُرمتها أفِقْ واحذر بوارَكْ

    فسوف تُفارق اللذاتِ قسراً      ويُخلي الموتُ كُرْهاً مِنك دارَكْ

    تدارَكْ ما استطعتَ مِن الخطايا     بتوبةِ مُخْلِصٍ واجعلْ مدارَكْ

    على طلب السلامة مِن جحيمٍ     فخير ذوي الجرائم مَن تدارَكْ<

    1.   

    معاتبة النفس

    أيها الأحبة.. ألا ترون أنه جديرٌ بنا جميعاً أن نعاتب أنفسنا في مثل هذه الليلة، والله إن نفوسنا لجديرة بالعتاب، يا نفس، كم شهراً صمتِ؟!

    كم سنة أدركتِ رمضان، ثم خرجتِ منه كما دخلتِ فيه، بل ربما كنتِ على حالٍِ أقل مما دخلتِ فيه في رمضان؟!

    كم سمعتِ في هذا الشهر من موعظة؟!

    بل كم حفظ الناس من أحاديث وآيات وموعظات وأبيات سمعوها في مدخل هذا الشهر الكريم وفي لياليه العامرات، بالذكر والعبادة؟!

    لا أقول: كم موعظةٍ سمعتِ؟ بل كم موعظة رأيتِ بعينيكِ؟!

    كم جنازة شيَّعتِ؟!

    كم من إنسان واريناه في حفرته ثم خرجنا من المقابر وقد أنكرنا قلوبنا، ما تغيرت إلا إلى أقل مما كنا نصبو إليه؟!

    بل كم من موعظة أدركناها في نفوسنا؟!

    رُبَّ إنسان منا أشرف -يوماً من الأيام- أو كاد أن يقع في حادث، وربما أصابه مرض شديد ظن أن فيه حتفه وهلاكه، وربما شاهد أباه أو أخاه أو قريبه وهو يلفظ أنفاسه، وربما وضع الإنسان يديه على رأسه -يوماً من الأيام- وهو يظن أنه في آخر أيامه ولياليه، أو آخر ساعاته ودقائق عمره، ثم خرج من ذلك كله، والقلب لا يزداد إلا قسوة، والنفس لا تزداد إلا إعراضاً، ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:74].

    جدير بكَ أن تختلي بنفسكِ لحظةً وتتساءل: هذه المواعظ التي سمعتُ وأعظمها مواعظ الله -عزَّ وجلَّ- فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:185] فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية:6].

    هذه المواعظ التي سمعتِ، بل هذه المواعظ التي رأيت أين كان مصيرها؟!

    هل زادت العبد قرباً من الله عزَّ وجلَّ؟!

    هل زادته بصيرة في نفسه؟ هل زادته خوفاً من الله؟!

    هل زادته رغبة في الجنة؟!

    هل زادته خوفاً من النار؟!

    هل زادته إقبالاً على الطاعة؟!

    هل زادته إعراضاً عن المعصية؟!

    هل زادته زهداً في الدنيا؟!

    أم أن العبد يسمع بأذُن ويخرج الكلام من الأذُن الأخرى، ولربما تلهب سياطُ الموعظة ظهرَه لحظات، ثم بعد ذلك يغفل في الغافلين، ويشرد في الشاردين، ولا يتذكر من ذلك شيئاً قط، إلاَّ أنه يقول: طالما سمعنا هذه المواعظ فمللنا منها، نعم يا أخي الحبيب سمعتَ الكثير، سمعتَ الخطباء في أيام الجُمَع، وسمعتَ المواعظ في المساجد، وسمعتَ الكلام في مطلع شهر رمضان، لكن السؤال الكبير الذي يجب أن تسأله نفسَك: ماذا كان أثر هذه المواعظ في قلبك؟ هل حركت ساكناً؟ هل قوَّمت معْوَجَّاً؟ هل أصلحت فاسداً؟ أم أن هذه المواعظ لا تزيد الإنسان إلا غفلة؟!

    ألم تسمع -يا أخي!- كلام حبيبي وحبيبك محمد -عليه الصلاة والسلام- وهو يقول فيما رواه مسلم، عن أبي مالك الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: {الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك}.

    رُبَّ إنسان أخذ القرآنُ بيده فأدخله الجنة، ورُبَّ آخر دفع القرآنُ في قفاه إلى النار، فهو حجة لك أو عليك.

    فهذه المواعظ هي حجة للعبد إن آمن بها وعمل، أو حجة عليه إن أعرض عنها وتنكر لها.

    فيا أخي! لا تظن أن المسألة مجرد استماع، أو برامج اعتاد الناس أن يسمعوها، إنما القضية أنك تُسأل يوم القيامة عن أمر علمته، فماذا عملت فيه، سوف يُقال لك: عَلِمْتَ فما عَمِلْتَ؟ وليس صحيحاً، أن الحل هو الإعراض عن الموعظة؛ لئلا تكون حجة عليك، بل إن الذي يعرض عن الموعظة خشية أن تكون حجة عليه، هو أعظم إثماً وجرماً ممن يستمع للموعظة ولا يعمل بها، إنما قد يُعذَر إنسانٌ لم يجد مَن يَعِظُه، ولا من يذكره، ولا من يقرأ عليه كتاب الله عزَّ وجلَّ، ولا من يقرأ عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من يبين له الحلال والحرام فهذا قد يكون معذوراً من بعض الوجوه، أما من وجد السبيل، ووجد مجالس الذكر والعلم، ووجد الموعظة، فهذا ينبغي له أن يبادر ويسارع إليها، وأن يجعل من هذه الموعظة سبيلاً إلى القربى إلى الله عزَّ وجلَّ.

    1.   

    الأمة تعيش أحداثاً جساماً قبل رمضان

    أيها الإخوة! يقبل رمضان على الأمة في هذا العام، وفي هذه السنة، يقبل ووجوه الناس غير الوجوه التي كان يعرف، سيتنكر لرمضان كثيرون، وسيتغيرون عليه عما كانوا عليه بالأمس.

    لقد عاشت أمة المسلمين من رمضان في العام الماضي إلى رمضان في هذا السنة عاشت أحداثاً جساماً، سبحان من يرث الأرض ومن عليها! وسبحان من يعلم الغيب! لا يعلم الغيب إلا هو، من كان يدري ماذا سيجري لهذه الأمة بعد شهر رمضان؟

    لقد تغيرت أشياء كثيرة، وتبدلت أحوال، ونـزلت بالأمة نكبات وملمات وأزمات ومصائب عظام، نسأل الله -عزَّ وجلَّ- أن يجعل عاقبتها للمسلمين خيراً، وأن يعوض المسلمين عنها خيراً مما فقدوا.

    لقد عاش المسلمون آلاماً جسيمة منذ الحج في العام الماضي، ثم مروراً بشهر الله المحرم، حيث حصل فيه اجتياح العراق للكويت، وما ترتب على ذلك من آثار وأحداث، إلى هذا اليوم الذي لا زال المسلمون يضعون أيديهم على قلوبهم، خوفاً مما يُخبأ في أيامٍ وليالٍ الله تعالى أعلم ما يكون فيها، وفي هذا عبرة أيُّ عبرة، فإن الأمم تقيس مدى تقدمها أو تأخرها ليس بالسنة، بل أحياناً باليوم، وربما بالساعة أو الدقيقة، أما المسلمون فإن الأيام والليالي تجعلهم دائماًَ وأبداً، يعيشون في خوف وترقب، ويعيشون في وجل مما قد يكون، وعلى كل حال فإن المؤمن مهما نـزل به من بلاء، ومهما ألمت به من مصيبة إلا أنه يعلم أن ذلك بقضاء الله تعالى وقدره، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح: {عجباً لأمر المؤمن! إن أمرَه كلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيراً له} فربما يتساءل كثير من الناس، كثير من المؤمنين يتساءلون: ماذا بين هذا الشهر الكريم الذي نعيشه الآن وبين الشهر الذي قد يدركه منا من كتب الله تعالى له أن يدركه في العام القادم ماذا تُرى سيقع للمسلمين، أفراداً وشعوباً وأمماً؟ ماذا سيحدث لهم؟

    إن المؤمن الذي ينظر بعين التفاؤل والأمل والثقة بوعد الله عزَّ وجلَّ هو على يقين أن الله تعالى سيجعل هذا العام والأعوام المقبلة، للمسلمين خيراً في دنياهم ودينهم، وسيجعل منها سبباًَ إلى وصول المسلمين إلى ما يصبون إليه، من عز ونصر وتمكين، وستكون -بإذن الله تعالى- سبيلاً إلى إقبال الناس إلى ربهم، وتوجههم إلى الله عزَّ وجلَّ، فإننا جربنا أن الهزائم والنكبات التي تعيشها الأمة تكون دائماً عكس ما يريد أعداؤها، تكون سبباً إلى إيقاظ الأمة، وإحياء قلوبها، وإقبالها إلى ربها، وقد حصل للمسلمين خير كثير من جراء الهزائم والنكبات التي ألمت بهم مما واجهوا عدوَّهم اليهود، أعداء الله ورسوله.

    ولا شك أن الناس يترقبون إعلان هذا الشهر، فنحمد الله تعالى على أن بلغنا هذا الشهر الكريم، ونسأل الله تعالى أن يكتب لنا أجر صيامه وقيامه، ونسأله -عزَّ وجلَّ- أن يجعلنا فيه من عتقائه من النار، إنه على كل شيء قدير، اللهم بارك لنا في هذا الشهر، اللهم ارزقنا صيامه وقيامه، اللهم اجعلنا فيه من عتقائك من النار، اللهم أعنا فيه على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم أعنا على نفوسنا، اللهم أصلح فساد قلوبنا، اللهم وفقنا لما تحب وترضى من صالح الأقوال والأعمال، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

    والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    النية أساس العمل

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

    أما بعد:

    أيها الإخوة الصائمون، هذه الليلة الثانية من ليالي شهر رمضان المبارك لعام: (1411هـ).

    نظرة إلى وجه صائم

    أيها الإخوة! كل مَن رأى وجه أحد من الصائمين في هذا المساء؛ عرف أنه قد أمسى صائماً، وكيف لا يعرف ذلك، وهو يرى شفتيه وقد يبُسَتا وتقلصتا من أثر الصيام والجوع والعطش، وقد يرى أثر السكينة والإيمان ظاهراً جلياً على محياه، فإن كل مسلم يمسي في مثل هذه الأيام صائماً، حتى العصاة، حتى أولئك الذين بلغت بهم قلة الدين ورقة الورع وضعف التقوى، أن يُفَرِّطوا في صلوَاتهم، فإنهم لا يجرءون على ترك الصيام، بل تجدهم صائمين مع المسلمين، فمن باب أولى أن يكون روَّاد المساجد، وأهل حلق الذكر والمصلون، أن يكونوا هم أيضاً من الصائمين، وهذا مما ليس فيه شك ولا ارتياب، لكن الأمر الذي لا أدري هل هو منكَ على بالٍ، أم أنكَ عنه من الغافلين؟!!.

    إنه ليس كل صائم صائماً، فرب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر والتعب، وفرق أي فرق بين من يصوم عادة، وبين من يصوم عبادة، فرق أي فرق بين من يصوم طمعاً في ثواب الله وجنته وخوفاً من ناره وسخطه، وبين من يصوم انسجاماً مع قوانين المجتمع، أو مراعاة للعرف العام والوضع العام للمجتمع، أو حياءً من الناس، أو خوفاً من السلطان، فرق بين هذا وذاك.

    النية تبارك الأعمال

    أيها الإخوة: إن النية والاحتساب هي التي يبارك الله تبارك وتعالى بها العمل ويزكيه وينميه؛ فيجعل بها القليل كثيراً، واليسير خطيراً، وما دخل أهل الجنة الجنة بكبير عمل عملوه، ولا بعظيم جهد بذلوه، أكثر من كونهم محتسبين مخلصين، فيما يأخذون وفيما يَدَعون، وكأن أحدهم يقول: إنما أريد ما أريد، أن أعمل ما أعمل احتساباً لوجه الله، وأترك ما أترك احتساباً لوجه الله.

    إذاً: فصلاح النية، وحُسن القصد، وظهور الاحتساب عند العبد، هو من أعظم أسباب القرب، وأكبر الأشياء التي يتضرع بها العبد إلى دخول الجنة.

    وهذا الاحتساب المطلوب ليس خاصاً في الصيام، بل هو عام في كل عمل، حتى الأعمال الدنيوية العادية البحتة إذا دخلها الاحتساب كان هذا سراً أو (إكسيراً) -كما يقولون- يضاف إليها فيحولها إلى قُرُبات وطاعات وأعمال صالحة.

    صوم العادة وصوم العبادة

    اسأل نفسك -يا أخي الحبيب- حين تصوم: هل تصوم إِلْفاً وعادة؟ أم تصوم وفي أذُنك حديث رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي رواه البخاري وغيره، عن أبي سعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من صام يوماً في سبيل الله باعد الله تعالى بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً} أي: سبعين سنة فأنتَ اليوم صمتَ، فاعقد خُنْصُرَك على أنك صمتَ يوماً، صمتَ صوماً مظهرياً من حيث الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، لكن بقي الشرط الثاني: (في سبيل الله)، فهل كان صومك في سبيل الله؟ إذاً فأبشر أن هذا اليوم الوحيد الذي صمتَه الآن، قد بعَّد -بمقتضى موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق حديثه- بعَّد وجهك عن نار جهنم سبعين خريفاً، فما بالك بمن يصوم ثلاثين يوماً، فما بالك بمن يصوم عشرات السنين، كل سنة يصوم فيها شهر رمضان، ويصوم ما يسَّر الله تعالى له من صيام النفل المشروعة، فهل تصوم هذا اليوم وأنتَ تستذكر هذا الموعود، وتحتسب هذا الأجر عند الله تبارك وتعالى؟ أم تصوم مع الصائمين دون استحضار نِيَّة ولا تصوُّر قصد؟

    وقل مثل ذلك في كل عمل، يبدأ ذلك بأصل الدين والتوحيد الذي يدخل به الإنسان في زمرة المؤمنين، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قد يقولها المنافق رياءً وسمعة، أو خوفاً من السيف، ويقولها المؤمن رجاء ثواب الله تعالى؛ فيحرم الله تعالى عليه النار، ويوجب له الجنة، بكلمة واحدة، فأنت إذا قلت: لا إله إلا الله، هل تقولها عادة جَرَت بها عادتك ومضت على لسانك؟ أم ترطب لسانك بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وأنت تتذكر ما رواه عتبان بن مالك رضي الله عنه، قال: {غدا عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، -أي: أتاه في منـزله- فقال -عليه الصلاة والسلام-: ما من عبد يقول: لا إله إلا الله يبتغي بذلك ما عند الله، إلا حرم الله عليه النار} حرم الله عليه النار بكلمة واحدة، مع أن هناك من قالها رياءً وسمعة، فلم تغنِ عنه شيئاً قال تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1] إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً [النساء:145].

    إذاً: قضية الاحتساب في الشهادة في أصل الإيمان، هي السر الذي يكون به العبد مؤمناً مسلماً، ويَدخُل الجنة ويُحرَّم على النار.

    وقل مثل ذلك في الصلوات الخمس مثلاً، فهل أنتَ تؤدي الصلوات الخمس بحسب العادة، أو كما يقول بعض الشباب: من أجل أن يثبت الإنسان شخصيته، وأنه فردٌ مُنْتَمٍ إلى هذا المجتمع، موافق له في عاداته وأخلاقياته وتقاليده؟ أم أنك تؤدي هذه الصلوات الخمس احتساباً، وتتذكر حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي رواه أصحاب السنن بسند صحيح، أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: {خمس صلوات كتبهن الله على العباد، مَن أتى بهن، ولم يضيع شيئاً منهن استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة}.

    إذاً: أنتَ تؤدي الصلوات الخمس، احتساباً لوجه الله تعالى، ويقيناً بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، من أن مهر دخول الجنة بعد الشهادتين أداء هذه الصلوات الخمس، وبين من يصلي بهذه العقيدة وبهذه النية، وبين ذاك الذي يصلي رياءً أو سمعة كما بين السماء والأرض، بل كما بين الجنة والنار، قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّيْنَ * الَّذِيْنَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُوْنَ * الَّذِيْنَ هُمْ يُرَاءُوْنَ * وَيَمْنَعُوْنَ الْمَاعُوْنَ [الماعون:4-7].

    وأنتَ تتوضأ وضوءك للصلاة، هل تتوضأ وضوءاً عادياً مألوفاً، ربما تنتهي من الوضوء وأنت لم تتذكر أنك تتوضأ؟ أم أنك تقوم بهذا العمل الجليل وأنت تسمع بأذُنك وتؤمن في قلبك، بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه: مسلم، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء} أبواب الجنة الثمانية تفتح لك خلال دقيقتين فقط، تقوم بهما بعمل الوضوء بنية واحتساب، فتُفتح لك أبواب الجنة الثمانية، تختار أيَّها شئتَ لتدخل منها، والحديث رواه الترمذي وزاد: {أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين}.

    وأنت تقرأ القرآن، سواءً كنت تقرؤه في مثل هذا الشهر الكريم، الذي هو شهر القرآن، أم تقرؤه في أي وقت من ليل أو نهار، هل تقرأ هذا القرآن هَذَّاً كَهَذِّ الشعر، همُّك الوصول إلى نهاية السورة أو إلى نهاية الجزء، أو إلى نهاية المصحف، أو أن تقول للناس: ختمت القرآن مَرَّةً أو عشراً أو مائة؟ أم أنك تقرأ وأنت تعلم أن لك ما أخبر به الصادق المصدوق -عليه صلوات الله تعالى وسلامه- في حديث ابن مسعود، الذي رواه الترمذي بسند صحيح: {من قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول: "ألم" حرف، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ}.

    إذاً: احسب وأنت تقرأ القرآن، أن الحساب يوم القيامة على قراءتك القرآن، ليس بعدد السور التي قرأتَها، ولا بعدد الأجزاء، ولا بعدد الصفحات، ولكن بعدد الحروف، فاحسب كل حرف تلفظ به فمك عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وبإمكانك أن تحسب سورة من أقل سور القرآن الكريم عدداً في الآيات، كسورة العصر -مثلاً- أو سورة الكوثر، واحسب عدد آياتها، ثم عدد حروفها، واضرب ذلك في عشرة لتعرف مقدار ما أعد الله لك من جزيل الثواب، إذا كان هدفك الأجر والاحتساب في مثل هذا العمل العظيم.

    صيام رمضان وقيامه إيماناً واحتساباً

    وأنت تصوم في شهر رمضان أو في غيره، هل تتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: { من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه}.

    من صام رمضان إيماناً بوجوب الصيام، وإيماناً بأنه من أركان الإسلام، وإيماناً بأنه قربة إلى الملك العلام، واحتساباً للأجر عند الله تعالى على ذلك الصيام، أي: أن الإنسان يجوع، يمسه الجوع ويمسه العطش، وقد يصيبه الصداع في رأسه، وقد يصيبه الضعف في بدنه؛ لكنه يفعل ذلك كله احتساباً وهو يفرح به، يفرح بهذا الجوع، وبهذا العطش، يفرح بما يلقاه في سبيل الله؛ لأنه أثر العبادة، وقد كان الناس أهل الدنيا وأهل الماديات يفرح أحدهم بما يصيبه من أجل حبيبه.

    إن كان سركم ما قال حاسدنا     فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألمُ

    أفلا تقول هذا أنت لرب العالمين؟ إذا كان هذا الألم الذي تلقاه هو من أجل الله ولوجه الله واحتساباً، فإنك تفرح وتُسَرُّ به؛ لأنه أثر العبادة، وهو يُرضي الربَّ جلَّ وعلا، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث الصحيح المتفق عليه: {لَخَلُوفُ فَمِ الصائم أطيبُ عند الله من رِيح المسك}.

    الرائحة الكريهة للناس، من أثر خلو المعدة من الطعام، أطيب عند رب العالمين من رائحة المسك الفواح.

    وهكذا الحال بالنسبة للقيام، هل تقوم موافقة للناس أو معهم، أو استحساناً لأصوات القراء الفضلاء؟ أم أنك تقوم ابتغاء ما عند الله، ورجاء أجره وثوابه، وتطلباً لما أخبر به صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه، عن أبي هريرة: {من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه} قد يقول كثير من الإخوة: وهل يقوم الإنسان إلا إيماناً واحتساباً؟

    فأقول: مع أن أكثر المصلين إنما يصلون إيماناً واحتساباً، والذين يأتون لغير ذلك من الأغراض، سواء كانت أغراضاً دنيوية، أم أغراضاً سيئة، هُم -بحمد الله- قليل، إلا أن الذين يأتون إيماناً واحتساباً، بينهم من التفاوت في المنازل بَون عظيم وفرق شاسع: فمنهم من يأتي بنية، ولكنها نية غامضة مبهمة غير محددة، ومنهم من يستحضر النية في كل عمل، وفي كل حركة، وفي كل ليلة، ويتذكر هذه الأحاديث، وهذا من بركة حضور مجالس الذكر، وسماع المواعظ، أن العبد إذا سمع ما وعد به الله تعالى، أو ما وعد به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كان إقباله على العمل والعبادة إقبالاً بصدق ونية واحتساب، وليس إقبالاً بحكم العادة والإلف.

    ولهذا يقول الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه في كتاب الإيمان: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحُسبة، ولكل امرئ ما نوى، يقول: فدخل فيه الإيمان كما سبق: {مَن قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله} والوضوء -كما سبق أيضاً- والصلاة -كما سبق- والزكاة، والحج، والصوم، والأحكام، كل ذلك إنما هو بالعمل والنية، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونِيَّة}.

    ثم ساق البخاري -رحمه الله تعالى- قول الله تعالى: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [الإسراء:84].

    كل يعمل على شاكلته أي: على نيته، فهذا يعمل للدنيا، وذاك يعمل للآخرة، العمل واحد والثمرة مختلفة، يَرِدُون مورداً واحداً، ويَصْدُرون مصادر شتى، بينهم من الفروق كما بين المشرق والمغرب، أو كما بين السماء والأرض، بل كما بين الجنة والنار، ولذلك جاء في حديث عمر رضي الله عنه: {العمل بالنية} وفي لفظ: {إنما الأعمال بالنيات}.

    النية تدخل في أعمال الدنيا

    أيها الإخوة! ليس هذا الأمر مقصوراً على العبادات فقط، بل حتى أعمال الدنيا، فالعبادات أمرها معروف، لكن حتى أعمال الدنيا، إذا اقترن بها الاحتساب واقترنت بها النية تحولت إلى قُرُبات يُثاب عليها العبد، فأما موضوع الأعمال الصالحة فحدِّث ولا حرج، خذ -على سبيل المثال- القتل، هل هناك أعظم من أن يقدم الإنسان رقبته لتقطع في معركة من المعارك أو في موقف من المواقف؟ هذا أعظم الجود.

    يجود بالنفس إن ضن البخيل به     والجودُ بالنفس أقصى غاية الجودِ

    لكن فرق بين مَن يُقتل في سبيل الدنيا، أو يُقتل من أجل المغنم، أو يُقتل من أجل الزعيم والرئيس، أو يُقتل من أجل الوطن والتراب والطين، فرق بين مَن يُقتلون في سبيل الطاغوت وبين مَن يقتل في سبيل الله تعالى صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، ولهذا في الصحيح: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {يا رسول الله! أرأيتَ إن قُتِلْتُ صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، يُغفَر لي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، ثم نـزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فتغشاه من الوحي ما كان يتغشاه، فلما سُرِّي عنه قال: أين السائل؟ قال: ها أنا يا رسول الله! قال: كيف قلتَ؟ قال: أرأيت -يا رسول الله- إن قُتِلْتُ صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر، يُغفر لي؟ قال: يغفر لك كل شيء إلا الدَّين، أخبرني بذلك جبريل آنفاً}.

    إذاً: الاحتساب لا بد منه في كل عمل عظيم، كالقتل، أو عمل يسير كالخطوة التي تمشيها إلى المسجد، أو الغصن الذي تعزله عن الطريق، أو الكلمة الطيبة التي تقولها لفلان أو فلان، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: {كان رجل من الأنصار ليس بـالمدينة رجل أبعد من المسجد منه، وكانت لا تخطئه صلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فقيل له: يا فلان! لو اشتريت حماراً تركبه في الرمضاء وفي الظلماء -كان يأتي على قدميه إلى المسجد- قال الرجل: ما أحب أنَّ بيتي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يُكتَب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي}.

    إذاً، الاحتساب وارد في هذه الحالة فأنا أمشي أريد أن يُكتب لي كل خطوة أمشيها إلى الصلاة، وكل خطوة أعود بها من المسجد إلى بيتي، فلما قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، قال: {قد جمع الله لك ذلك كله} وفي رواية لـمسلم -أيضاً-: {فإن لك ما احتسبت} فما دام المسألة مسألة احتساب فكل خطوة تمشيها إلى المسجد مكتوب لك أجرها وبرها وذخرها عند الله تعالى، وكل خطوة تمشيها من المسجد إلى بيتك راجعاً فهي مكتوبة لك أيضاً.

    الاحتساب يدخل في ترك المعاصي

    أيها الإخوة! هذا في الطاعات، أما في الكف عن المعاصي فالأمر كذلك؛ فرق بين من تجنب الخمر -مثلاً- لأنه يخشى أن تضر بصحته، أو يخشى أن تكون فضيحة له، أو يخشى أن تذهب بعقله فحسب، فهذا عمله حسن، وهو من خصال المروءة، وقد كان بعض أهل الجاهلية يتركونها، ويقول أحدهم:

    فلا والله أشربها صحيحاً     ولا أشفى بها أبداً سقيماً

    ولكن ليس له الأجر الذي لذلك الذي ترك الخمر وهو يقرأ قول الله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90] ويسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتفق عليه أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: {من شرب الخمر في الدنيا، ثم مات ولم يتب منها، لم يشربها في الآخرة}.

    إذاً يترك الخمر في الدنيا، ولو كانت نفسه تميل إليها أو تشتهيها، ويتوب منها، ويقلع عنها؛ لأنه يَرِدُ في اعتباره وحسابه ادخار ذلك لخمر في الجنة لا تقاس بخمر الدنيا، قال الله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد:15] إذاً: يحتسب بترك الخمر خمر الجنة يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ [الطور:23].

    ومثله: لباس الحرير، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: {من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة}.

    ومثله: ترك نساء الدنيا بالحرام؛ لأنه يريد عند الله تعالى حوراً حساناً أُعْدِدْن للرجال الصالحين المؤمنين الأتقياء الأعفاء، ولو تطلعت نفسه، وتاق ضميره، وتحركت شهوته، إلا أن اليقين الصادق بموعود الله تعالى في الجنة يجعله يدخر هذا الأمر، ويترك العاجل لموعد غيب لم يرَه، ولكنه آمن به، ولذلك كان أعظم ما مدح الله به الأنبياء أو الصالحين هو الإيمان بالدار الآخرة، والإعداد والاحتساب له، قال الله -عزَّ وجلَّ-: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ [ص:46] خصصناهم بخصيصة، ميزة، نعمة أكرمهم الله تعالى بها وفضَّلهم، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46] وارد في حسابه ذكر الدار الآخرة، وذكراها، والإعداد لها، والترك من أجلها، والفعل من أجلها: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ [ص:47].

    وأعظم ما ذم الله تعالى به الكفار والملحدين أنهم لا يؤمنون بالدار الآخرة، وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ [المؤمنون:74] وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [غافر:27].

    فإذا نسي الإنسان الجنة والنار، ويوم الحساب، ونسي الميزان، ونسي الاحتساب، اختلت الحسابات عنده: لماذا يترك الربا وفيه أموال هائلة طائلة سوف تحصل له؟ لماذا يتركه، إذا لم يكن عنده مبدأ الاحتساب والنية؟ لماذا يترك الحرام وقد تيسر له؟ ما دام أنه ليس عنده نية واحتساب، ولم يَرِدْ في قلبه وضميره وعقله ووجدانه الخوف من الله، أو الرجاء في ثوابه، وهذا هو سبب انحراف المنحرفين، وهو أيضاً سبب طاعة الطائعين.

    احتساب الأجر عند الصبر على الأقدار

    وقل مثل هذا وذاك في موضوع الصبر على أقدار الله -عزَّ وجلَّ- فإن العبد قد يبتلى في نفسه، أو ماله، أو أهله، أو ولده، فهنا يصبر العبد المؤمن صبر المحتسب الراجي ثواب الله -عزَّ وجلَّ- وأجره وموعوده، لا صبر الإنسان الذي لا حيلة له، صبر المضطر الذي ليس بإمكانه الدفع والمنع، ولهذا قرن الرسول صلى الله عليه وسلم الأجر بالصبر، ففي حديث عمرو بن شعيب، -رحمه الله- أن رجلاً مات ابن له، فكتب إليه عمرو بن شعيب -كما في سنن النسائي- كتب إليه كتاباً، يعزيه في ولده الذي هلك، ويقول له: إنه حدَّثه أبوه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: {إن الله تعالى لا يرضى لعبده المؤمن إذا قَبَضَ صفيَّه من أهل الدنيا -يعني: حبيبه-، فصبر واحتسب، وقال ما أُمر به بثواب دون الجنة}.

    فإذا مات قريب، أو حبيب، أو ولد، أو صاحب، فصبر واحتسب، وقام بما أُمر به لم يرضَ الله تعالى له بثواب دون الجنة فيصبر صبر المحتسب، لا صبر المضطر، ومثله حديث أسامة بن زيد، وهو في الصحيحين: {أن ابناً لبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حضره الموت، فبعثت إلى أبيها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- تقول: إن ابني قد حُضِر، جاءه الموت فأتنا، فبعثَ إليها رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول لها: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ فلتصبر ولتحتسب. فأرسلَتْ إليه، تُقْسِمُ عليه لَيَأتِي -حَلَفَتْ: لَتَأْتِي يا رسول الله - فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة من أصحابه، فيهم: سعد بن معاذ، وأبي بن كعب، وغيرهم، فلما رُفع الصبيُّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إذا نفسُه تَقَعْقَع، كأنها شَن أي: أصابه الموت، وروحه تخرج، وهو يعاني سكرات الموت، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودمعت عيناه، فقال له سعد: يا رسول الله! ما هذا؟ تَعَجَّبَ! قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه رحمة، وضعها الله تعالى في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء} المهم قوله صلى الله عليه وسلم: {إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب}.

    فأمرها بالصبر والاحتساب على ما يفوتها من عاجل الدنيا، وكذلك لو فات الإنسان شيءٌ من ماله، بسرقة، أو خسارة مادية، أو ضياع، أو تلف، أو اصطدام سيارة، أو انقلاب سيارة، أو غير ذلك من الأسباب، فإن العبد يتذكر أنه بالصبر يكتب له ذلك صدقة في حسناته، ولهذا روى الإمام أحمد في مسنده، عن أسماء رضي الله عنها قالت: {لَمَّا نـزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بـذي طوى، وهو: مكان قرب مكة وكأن هذا كان يوم فتح مكة- قال أبو قحافة -وهو والد أبي بكر رضي الله عنه، وكان مشركاً يومئذٍ، قال لبُنَيَّة عنده، وهي أصغر أولاده، قال لها: يا بُنَيَّة، اذهبي بي إلى جبل أبي قبيس، فَرَقَتْ به إلى هذا الجبل -وهو جبل مُطِلٌّ على الكعبة- فصعدت به إلى الجبل، فقال لها: يا بُنَيَّة -وكان أعمى- ماذا ترين؟ قالت: أرى سواداً عظيماً قال: تلك الخيل -هذه جيوش المسلمين قد أحاطت بـمكة- قالت: وأرى رجلاً في وسط الخيول يذهب ويجيء، ويقبل ويدبر قال: هذا وازع الخيل -أي: الآمر، الذي يأمر ويقدم ويؤخر، وينظم الجيش- قالت: يا أبتاه، قد انتشر السواد وعَمَّ فقال: معنى ذلك: أن الجيش قد دخل إلى مكة، فهَلُمِّي بي إلى بيتي بسرعة، لا يدركنا الجيش فذهبت به، وأسرعت، فأدركهم الجيش قبل أن يصلوا إلى البيت، فأمسك رجل بهذه البُنَيَّة، وكان في عنقها قلادة من وَرِق -من فضة، قلادة نفيسة ثمينة- فقطعها منها وأخذها، ففتح المسلمون مكة، وجاء أبو بكر رضي الله عنه إلى والده، فأخذ بيده وقال: هَلُمَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل به على رسول الله -صلى الله عليه وآله سلم- وقال: يا رسول الله! هذا أبو قحافة قال -عليه الصلاة والسلام- لـأبي بكر: لو أمرتني، فأذهب إليه. قال: يا رسول الله! هو أحق أن يأتي إليك، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على صدره، وقال له: أسلِم. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، وكان شعره أبيض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلا غيَّرتم هذا الشيب.

    وفي رواية: غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد.

    فجاءت البُنَيَّة إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالت له: يا أبا بكر -وهو أخوها، زعيم من زعماء المسلمين الذين دخلوا مكة فاتحين- قلادتي سُرقت، أخذها رجل. قال: مَن الرجل؟ قالت: لا أدري مَن هو. فقام أبو بكر يصيح بأعلى صوته، يقول: ناشدتُ اللهَ والإسلامَ رجلاً أخذ قلادة أختي إلا ردها. فانتظروا، وما جاءه أحد، فقال أبو بكر لأخته: -وهي بُنَيَّة صغيرة، لكن يؤدبها ويعلمها- يا بُنَيَّة، احتسبي عند الله تعالى قلادتكِ }.

    إذاً: كل قليل كل يسير، ولو كان شيئاً يسيراً لا يؤبه له، تحتسبه عند الله تعالى، فإن الله تعالى يكتب لك أجر ما احتسبت.

    وهكذا كل عمل، حتى أعمال الدنيا، من بيع، أو شراء، أو زراعة، أو تجارة، أو صناعة، أو دراسة، أو إدارة، كل هذه الأعمال بالاحتساب تتحول إلى قربات وطاعات تؤجر عليها، ولهذا جاء في: سنن أبي داود وسنن الترمذي، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: {إن الله تعالى يُدْخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه يحتسب بصنعته الخير...} هذا الصانع هو أول من سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم {... ومُنْبِلُه، والرامي به}.

    إذاً: كل عمل تعمله فإنه يُكتب لك بالنية والاحتساب قربةً وطاعةً إلى الله تعالى، فكيف إذا كان العمل في أصله عبادة.

    فالله الله...! أيها الأحبة المؤمنون، وأيتها الأخوات المؤمنات، أن يستذكر الإنسان ويستحضر في كل شيء يفعله، وفي كل شيء يتركه، وفي كل شيء يفوت عليه، أن يحتسب النية عند الله تعالى.

    العبرة بحسن العمل لا بكثرته

    والعجب كل العجب أننا قد نتنافس في أعمالنا الصالحة الظاهرة، فنتنافس أينا أكثر صلاة، أو أينا أكثر صياماً، أو أينا أكثر عملاً، أو أينا أكثر قراءة للقرآن، أو أينا أكثر صدقة؛ لكن الله تعالى ما قال: ليبلوكم أيكم أكثر عملاً، وإنما قال: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [هود:7].

    فهل نحن نتنافس في الاحتساب والنية، كما نتنافس في الأعمال لذاتها، لا؛ وذلك لأن النيات خفية، لا يعلمها إلا الله، فأنت لا تدري أن الذي إلى جنبك قد تكون نيته نية يدخل بها الجنة، وقد تكون عكس ذلك، وأنت كذلك، والآخر، إذاً: فالنية في القلب سر لا يعلمه إلا الرب -جلَّ وعلا- الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26].

    اللهم أعزَّنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أصلح نياتنا وذرياتنا، اللهم ارزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، وتب علينا يا حي يا قيوم، اللهم اهدنا سواء السبيل، ربنا إنا لِمَا أنـزلت إلينا من خير فقراء، اللهم إنا فقراء إليك، ليس بنا غنىً عن رحمتك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك.

    اللهم اهدنا إلى سواء السبيل، اللهم خذ بأيدينا إلى ما تحب وترضى، اللهم خذ بأيدينا إلى ما تحب وترضى، اللهم وفقنا لصالح الأقوال والأعمال والمعتقدات، يا رب الأرض والسماوات، لا إله إلا أنت، سبحانك إنا كنا من الظالمين.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    نحمد الله تعالى، ونثني عليه الخير كله، ونشكره ولا نكفره.

    ونصلي ونسلم على خاتم رسله وأفضل خلقه وأنبيائه عليه الصلاة والسلام.

    أما بعد:

    أهمية السؤال عن أمر الدين

    أيها الأحبة: سيكون في كل ليلة -إن شاء الله- بعد انتهاء صلاة التراويح نحو عشر دقائق؛ للإجابة على ما يرد عنكم من أسئلة واستفسارات حول شهر رمضان، ويستوي في ذلك الأسئلة التي تأتي من الإخوة الرجال، أو من الأخوات المؤمنات، ولا شك أن سؤال الإنسان عما يُشْكِل عليه من أمور دينه، من أهم الواجبات، ولا يجوز بحال من الأحوال، أن تسمع -أحياناً- بعض الناس يسأل عن حادثة وقعت له، قبل عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة، ثم يقول: لم يخطر في بالي أن أسأل عنها حتى الآن؛ فإن الله -عزَّ وجلَّ- يقول في محكم تنـزيله في موضعين من كتابه: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    فمن كان يعلم حكم الله تعالى وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم- فحَسَنٌ، أما من كان يجهل هذا الحكم ففرض عليه أن يسأل من يعلم، وقد جاء أيضاً في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً، وقد ذهب جماعة في سرية فاحتلم رجلٌ، وكان به جُرح، فسأل أصحابه، فأمروه بالاغتسال، فاغتسل فمات فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: {قتلوه -قتلهم الله-، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العِيِّ السؤال} فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من لا يعلم أن يسأل عما أشكل عليه من هذه الأمور؛ حتى يجد فيها الجواب الشافي والعلاج الناجح.

    اختلاف الفتوى

    كما أنني أحب أن أنبه إلى مسألة تُشْكِل على الكثيرين، وهي: مسألة اختلاف الفتوى فربما يَرِد إلى هذا المسجد المبارك، الذي تؤُمه هذه الجموع الغفيرة، من المؤمنين المصلين الراكعين الساجدين، ربما يَرِد إليه عدد من الإخوة المشايخ وطلبة العلم، وقد ترد أسئلة متكررة -أحياناً- ويكون الجواب مختلفاً بحسب اجتهاد المجيب، فيقع عند بعض الناس التباسٌ في ذلك، وتَردُّد وحَيرة.

    والواقع: أن هذا مما لا ينبغي أن يكون فيه التباس؛ لأن الفتوى قد تختلف بحسب اجتهاد المتكلم، وعلى الإنسان إن كان عالماً، أو قادراً على التمييز بين الأجوبة بحسب الدليل، أن يختار من الأجوبة ما يكون الدليل مسعفاً له ومقوياً له، أما إن كان عامياً؛ فإن عليه أن يتبع من يعتقد أنه أعلم وأتقى لله -عزَّ وجلَّ- وأورع وأقرب إلى معرفة الكتاب والسنة، ويترك ما سوى ذلك، أما ضرب الأقوال بعضها ببعض؛ فإن هذا مما لا ينبغي ولا يليق بالمسلم، وكثيراً ما تَرِدُ مسائل يقع فيها مثل هذا، خاصة في هذا الشهر الكريم، وربما يَرِد خلال هذه الأسئلة شيءٌ من ذلك.

    حكم صيام يوم الشك

    السؤال: هذا سؤالٌ عن صيام يوم الشك؟

    الجواب: يوم الشك لا يجوز صيامه على أنه من رمضان، وقد قال جمع من الصحابة، منهم: عمار بن ياسر: [[من صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم]] فلا يجوز أن تصوم يوم الشك على أنه احتياط لرمضان، ولكن مَن وافقَ يومُ الشك يوماً كان يصومه، فصامه؛ فلا حرج، كمن كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصادف يومَ الشك يومُ صيامه؛ فإنه لا بأس أن يصوم، أو صامه لأنه يوم الإثنين، أو يوم الخميس، أو ما أشبه ذلك.

    تبييت النية من الليل

    السؤال: أسمع أن الإنسان إذا أراد أن يصوم في غير شهر رمضان أنه يصوم بنية من الليل، فهل شهر رمضان تدخل فيه هذه النية أم لا؟

    الجواب: كل صيام فرض: يجب فيه تبييت النية من الليل، سواء أكان شهر رمضان، أم كان صوم نذر، أم كان قضاءً، أم ما أشبه ذلك، يجب تبييت النية من الليل، ومعنى تبييت النية من الليل: أن ينوي الصيام ولو قبل طلوع الفجر بلحظة، فمن نوى الصيام، ولو قبل طلوع الفجر بلحظة، فإنه يكون قد بيَّت الصيام من الليل، أما من لم ينوِ هذه النية فإنه لا ويجزئه صومه ذلك.

    أما بالنسبة لصوم النفل، فيجوز بنية من الليل أو من النهار، فلو نام إنسان وليس في نيته أن يصوم، ولما أصبح وطلعت الشمس تذكر أن اليوم الإثنين، وقال: أريد أن أصوم، ولم يكن قد أفطر، فإنه يجوز له ذلك ويجزئه فصوم النفل يجوز بنية من الليل أو النهار، أما صوم الفرض فلا بد فيه من تبييت النية من الليل.

    نصاب المال

    السؤال: هذا يسأل عن نِصاب المال، وإخراج الزكاة بالريال السعودي، وغيره؟

    الجواب: نصاب المال بالريالات السعودية، التي هي العملة الورقية المتداولة عند الناس يختلف بحسب سعر الفضة أو سعر الذهب، وقد قدَّره العلماء في الفترة الماضية بـ(ستة وخمسين) ريالاً عربياً فضياً، وليست الريالات الورقية، فإذا كان ذلك كذلك فإن هذا التفاوت بحسب سعره، سعر الفضة في الأسواق، وأما تقديره بالذهب والفضة، فإن نصاب الذهب يساوي أحد عشر جنيهاً وثلاثة أسباع الجنية، هذا نصابه بالذهب.

    صيام النفل

    السؤال: هذا يسأل عن صيام بعض الأيام الفاضلة؟

    الجواب: ورَدَ صيام يوم الإثنين، والخميس، وورَدَ أيضاً صيام يوم السبت في بعض الأحاديث -وإن كانت الأحاديث فيه متعارضة- وورَدَ صيام (ثلاثة) أيام من كل شهر، وورَدَ أن يصوم يوماً ويفطر يومين، أو يصوم يوماً ويفطر يوماً، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سرد الصيام، أي: أن يصوم الدهر كله، وقال: {لا صام ولا أفطر} وقال: {من صام الدهر كله ضُيِّقَت عليه جهنمُ هكذا}.

    حكم التهنئة بدخول رمضان

    السؤال: التهنئة الشرعية في دخول هذا الشهر الكريم؟

    الجواب: لم يرِد -في الواقع- تهنئة محددة بدخول الشهر الكريم، ولا تهنئة أيضاً بالعيد؛ ولكن إذا هَنَّأ المسلم أخاه بأي لفظ حسن جميل فهذا طيب، مثل أن يقول: بارك الله لك في هذا الشهر الكريم، أوتقبل الله منا ومنك، أو مبارك عليكم هذا الشهر، أو ما أشبه ذلك من العبارات الحسنة المتداولة عند الناس؛ فإن هذا لا حرج فيه، ومن هُنِّئ بمثل ذلك يرُدُّ بنحوه أو أحسن منه، فيقول: بارك الله لنا ولكم، أو تقبل الله منا ومنكم، أو أعاننا الله وإياكم على صيامه وقيامه، فإن هذه من الأدعية الحسنة المشروعة.

    تعويد الأولاد على الصيام

    السؤال: العُمُر المناسب لأمْرِ الأبناءِ فيه بالصيام؟

    الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يصوموا يوم عاشوراء، فتقول الرُّبَيّعْ وهي إحدى الصحابيات الأنصاريات رضي الله عنها- تقول: [[كنا نَصُوْمُه ونُصَوِّمُ صبيانَنا -أي: نأمرهم بالصيام ونعلمهم عليه- حتى إذا بكى أحدهم أعطيناه اللعبة من العهن -أي من القطن- يلعب بها، حتى يكون عند الإفطار]].

    فتدريب الصبيان على الصيام مع المسلمين، مع آبائهم، والإفطار معهم، هذا منهج تربوي حسن، لكن ينبغي أن يُراعَى فيه أن لا يكون في ذلك مشقة على الصبي، فإذا كان فيه مشقة على الصبي، فإن هذا قد يُبَغِّض إليه الصيام، كما إذا كان صغيراً لا يطيقه، أو كان يعجز عن مثله، فإنه يراعى في ذلك حاله، ولا بأس أن يدرب الصبي على الصيام أياماً معلومة، وأن يُعطى على ذلك أجرة، حتى يتدرب على الصيام إذا كان ممن يطيق ذلك، ولا يشق عليه، فإذا بلغ وجب على أبويه حينئذٍ أن يلزموه بالصيام وينهوه عن الفطر، ويبينوا له حرمة ذلك، وأنه أصبح مكلفاً بالغاً يجب عليه الصوم، ويأثم بتركه، وهو أحد أركان الإسلام الذي لا يسع مسلماً أن يفرط فيه؛ لأن كثيراً من الأطفال الصغار يسألون بعد مضي الوقت وفوات الأوان عن أشهر أفطروها في صغرهم، وخاصة النساء، وذلك لأن الفتاة قد تبلغ بالحيض وتستحي أن تخبر أهلها بذلك، فربما لا تصوم، وربما تصوم -أحياناً- وهي حائض، خشية أن تخبرهم أنها حائض، فتتظاهر لهم بالصوم، وهذا كله لا يجوز، فإن المرأة إذا بلغت المحيض وجب عليها الصوم، وإذا كانت حائضاً فإنها تفطر، وتقضي مثل هذه الأيام بعد ذلك، فعلى الأبوين أن يراقبوا أبناءهم، ذكوراً أو إناثاً، ويلزموهم بالصيام متى كانوا أهلاً لذلك.

    حكم قضاء المرأة الأيام التي لم تصمها

    السؤال: إذا كان هناك امرأة لم تصمْ أول عام بدأ فيه الصيام بجهلها -هذا مثل لما ذكرتُه لكم- وكان عمرها ثلاث عشرة سنة، فهل عليها وقد بلغت، وأتتها الدورة الشهرية في رمضان، فهل عليها الصيام؟

    الجواب: نعم، عليها أن تصوم، عليها أن تقضي الأيام التي لم تصمها، وبالمناسبة: لو فُرِض أن المرأة أدركها الحيض في الخامس عشر من شهر رمضان أول مرَّة، فإننا نقول: يجب عليها أن تقضي الأيام السبعة أو الثمانية أو العشرة التي حاضت فيها، وتقضي إذا كانت لم تصم الأيام التي بعدها، عليها أن تقضيها، أما الخمسة عشر يوماً الأُوَل، التي أدركتها قبل الحيض؛ فإنه لا يجب عليها قضاؤها.

    استغلال الوقت في رمضان

    السؤال: بِمَ توجه الشباب الذين يقضون الليالي في رمضان بالجلوس على الأرصفة؟

    الجواب: لا شك أن هذا الشهر فرصة ثمينة، وتحفة أسداها الله -عزَّ وجلَّ- بواسع فضله إلى عباده، والمحروم فيها من حرم، ومن لم يُغفرْ له في رمضان، فمتى يُغفرله؟! ومن لم يتُبْ في رمضان، فمتى يتُوب؟! ومن لم يُقْبِلْ على ربه في هذا الشهر الكريم، ويُقلع عن الذنوب، فمتى يُقلع عنها؟!

    إن مثل هذه التجمعات الطيبة لقراءة القرآن، وحضور صلاة التراويح، وسماع الذكر، إنها تؤثر في النفوس، حتى القلوب القاسية تلين لذلك.

    فعلى هؤلاء الإخوة أن يقبلوا على الله -عزَّ وجلَّ-، وأن يحضروا مواسم الخيرات، لعل أن تعمهم دعوة رجل صالح، أو تشملهم رحمة يفيضها الله تعالى على قوم، فتقول الملائكة: "يا رب فيهم فلان ليس منهم، وإنما جاء لحاجة" فيقول الله عزَّ وجلَّ: "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" فيَغْفِر لك معهم، فحضور مجالس الذكر، وصلاة التراويح، والقيام، وغيرها مع المسلمين من أعظم الأسباب، وكذلك حفظ الصيام من كل ما يخدشه أو يعكر فيه، والحرص على تدارك الأوقات، ومَلْئِها بالذكر والتسبيح وقراءة القرآن، والإحسان إلى الخلق وغير ذلك، وكم هو محزن أن تضيع أيامنا وليالينا النفيسة في هذا الشهر في مثل جلسات طويلة على مشاهدة تلفاز أو غيره، أو أحاديث ضائعة، أو لعب كرة، أو ما أشبه ذلك، مما لا يفيد المسلم في دينه ولا في دنياه.

    استغلال الموظف وقته في قراءة القرآن

    السؤال: ما رأيكم في الموظف الذي يستغل وقت فراغه من العمل بقراءة القرآن؟

    الجواب: هذا حَسَن؛ لأن الموظف، ليس المطلوب أن يضيع وقته، مطلوبٌ منه أن يحفظ وقته، فإذا كان أمامه معاملات؛ فإنه يجب عليه أن يقوم بإعدادها وتجهيزها، وإذا كان أمامه مراجعون؛ فعليه أن يقوم بقضاء أعمالهم، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك فاستغل وقته بقراءة القرآن أو ذكر الله -عزَّ وجلَّ- فهذا حسن، لكن الشيء الذي لا يسوغ ولا يجوز هو أن يكون هَمُّ بعض الإخوة -وهُمْ قليل بحمد الله- إذا وجد شيئاً من الفراغ أن يستغله في النوم، وربما يكون ذلك سبباً في فوات بعض المصالح التي يحتاجها المراجعون.

    علاج النسيان

    السؤال: قرأتُ عدة أحاديث عن تسهيل حفظ القرآن الكريم للذي ينسى كثيراً، وهي تقول: إن على مَن ينسى أن يُصَلي أربع ركعات في ليلة الجمعة، الأولى: الفاتحة ويس، ثم الفاتحة والدخان، ثم الفاتحة والسجدة، ثم الفاتحة وتبارك، الرجاء شرح ما يمكن عمله لتسهيل حفظ القرآن الكريم؟

    الجواب: هذا الحديث الذي أشار إليه الأخ السائل، لا يصح، رواه: الترمذي، والحاكم، وغيرهما، وتساهل بعضهم في تحسينه، بل هو حديث ضعيف، بل هو ضعيف جداً، لا يصح عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في صلاة النسيان شيءٌ، وإنما على العبد الذي يريد أن يحفظ القرآن أمور:

    أولها: التضرع إلى الله تعالى بالدعاء: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني، وأن يسأل الله -عزَّ وجلَّ- أن يرزقه حفظ القرآن، وأن لا ينساه، فيقول: اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نُسِّينا، هذا أولاً.

    ثانياً: عليه أن يكثر من تكرار القرآن الكريم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول -فيما رواه أصحاب السنن-: {تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تَفَلُّتاً، أو تَفَصِّياً من الإبل في عُقُلِها}.

    فالإنسان إذا غفل عن القرآن نسي، فعليه أن يكثر ويردد القرآن الكريم.

    ثالثها: كما عليه أن يتجنب المعاصي، فإنها من أسباب سواد القلب، ونسيان العلم.

    شكوت إلى وكيعٍ سوء حفظي     فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وأخبرني بأن العلم نورٌ     ونور الله لا يهدى لعاصي<

    بركة السحور

    السؤال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: {تسحَّروا فإن في السَّحور بركة} ما المقصود ببركة السحور؟

    الجواب: بركة السحور:

    أولاً: طاعة الرسول -عليه الصلاة والسلام- فإن طاعته هي بركة كلها.

    ثانياً: مخالفة أهل الكتاب، ولذلك جاء: {فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السَّحَر} فإن أهل الكتاب كأنهم لا يتسحرون، فمخالفتهم خيرٌ وبِرٌّ وبركة.

    ثالثاً: من بركة السحور: أنه يعين المسلم على الاستفادة من وقته، فإذا كان قد تسحَّر يكون في بدنه قوة، ويكون لديه رغبة وإقبال على العبادة، بخلاف ما إذا لم يتسحَّر، فإنه يكون في جسده ضعف يحول بينه وبين القيام ببعض العبادات والأعمال.

    شروط لباس المرأة وقص شعرها

    السؤال: هل يجوز للمرأة أن تجعل جيبها خلف ظهرها؟ وهل يجوز أن تَقُصَّ شعرها مِن أمامِها؟

    الجواب: بالنسبة لموضوع لباس المرأة: يسأل الناس أسئلة كثيرة عن ملابس النساء، والواقع: أن الشرع لم يأتِ بلباس محدد للمرأة، إنما أتى بشروط معينة للباس، مثل:

    - أن يكون اللباس ساتراً.

    - أن يكون واسعاً: لا يكون ضيقاً يصف حجم المرأة.

    - أن يكون مباحاً في نفسه.

    - أن لا يكون زينة في نفسه.

    وما أشبه ذلك من الشروط التي يجب أن تتوفر في ثياب المرأة المسلمة.

    أما أنواع الملابس التي قد يسأل عنها الكثيرون: فإن الضابط العام في ذلك: أن الملبس ما لم يكن تشبهاً بالكفار، ولا تشبهاً بالرجال، فإنه جائز، فإذا لم يكن في الثوب تشبه بالكفار، ولا تشبه بالرجال، فإنه يجوز للمرأة أن تلبسه.

    أما قَصُّ الشعر: فالأمر فيه كذلك لا بد له من شروط:

    الشرط الأول: إن كان على سبيل التشبه بالكافرات، مثل: ما تفعله بعض النساء مِن أخْذِ تسريحاتٍ معينة، رأينَها عند بعض الممثلات أو بعض المغنيات، ويسمينها بأسماء خاصة، يَرُوْجُ بين الفتيات في وقت معين قَصَّة معينة، ثم تنتقل إلى أخرى، وهذه قَصَّة فرنسية، وهذه قَصَّة بريطانية، وهذه أمريكية، وهذه قَصَّة فلان، وهذه قَصَّة فلان، وهذه قَصَّة الأسد، وهذه قَصَّة الديك، وهذه قَصَّة الدجاجة، وهذه كذا، وهذه كذا، فإن هذا كله لا يجوز؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من تشبه بقوم فهو منهم}.

    الشرط الآخر: أن لا يكون تشبهاً بالرجال، فإن بعض الفتيات تبالغ في إنهاك قَصِّ شعر رأسها حتى تصبح كأنها رجل، بل يُسميْنَها أيضاً القَصَّة الولاَّدية، تصبح المرأة كأنها فتى، كأنها شاب، ثم تنفش شعرها كأنها رجل والعياذ بالله، والرجل يتشبه بالمرأة، فيطيل شعره وقد يقصه قصاً نسائياً، وهكذا فُتن بعض الناس والعياذ بالله ذكوراً أو إناثاً بتغيير خلق الله تعالى، ومخالفة الفطرة التي فطرهم الله تعالى عليها، فالرجل يشبه المرأة، ويطيل ثوبه، حتى يسحبَه في الأرض شبراً، أو أكثر من ذلك، والمرأة قد تقصر ثوبها، حتى يظهَر بعضُ ساقها، وهذا من تلاعب الشيطان ببني آدم، ومخالفتهم للفطرة، ومخالفتهم لشريعة الله عزَّ وجلَّ.

    أما إذا لم يكن فيه تشبه بالكفار ولا تشبه بالرجال: فلا أعلم في ذلك حرجاً، وقد جاء في: صحيح مسلم أن أمهات المؤمنين كنَّ يأخذن من رءوسهن حتى تكون كالوفره، وإن كان قد نصَّ كثير من الفقهاء على أن قَصَّ الشعر مكروه.

    أسأل الله -عزَّ وجلَّ- بِمَـنِّه وكرمه، أن يكتب لنا أجر هذا المجلس، إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007950047

    عدد مرات الحفظ

    720382425