إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [129]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من صفات المسلم البارزة أن يعظم خالقه جل وعلا، فإذا عمل عملاً ذكر ربه جل وعلا، وإذا حلف فإنه يحلف بالله، مراعياً عدم الإكثار من الأيمان، خاصة إذا كان الأمر متعلقاً بشيء من أمور الدنيا؛ لأن ذلك ينافي الأدب مع الله سبحانه وتعالى، وممن لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم: رجل جعل الله بضاعته: لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه.

    1.   

    ما جاء في كثرة الحلف

    قال المصنف رحمه الله تعالى:[ باب ما جاء في كثرة الحلف ].

    قال الشارح رحمه الله: [أي: من النهي عنه، والوعيد].

    قوله: (باب ما جاء في كثرة الحلف) يعني: أن الذي يكثر الحلف لابد أن يأثم، لأنه يحنث أي: يفعل الشيء الذي حلف ألا يفعله، وهذا إثم، وكثرة الحلف غالباً تدل على أن الذي يحلف ويكثر من ذلك لم يقدر الله حق قدره، ولم يعظمه حق تعظيمه، والواجب أن يعرف الإنسان ربه حق المعرفة، ويعظمه حق التعظيم، ولا يعمل الشيء الذي قد يترتب عليه سخط الله وعذابه، فإن الإنسان ضعيف، وإذا تعرض لمساخط الله يوشك أن يغضب الله عليه ويمقته، ثم يهلك بذلك.

    ثم إن الحلف هو في الأصل ذكرك من تعظمه عند الخبر تأكيداً لما تخبر به، وأنك إذا كنت غير صادق فإنه يعذبك، هذا الأصل في الحلف، فلهذا وجب أن يكون الحلف بالله أو بصفة من صفاته، ولا يجوز أن يكون الحلف بغير الله جل وعلا، بل جاء في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).

    لا يجوز الحلف بغير الله

    نحن ممنوعون أن نحلف بغير الله أو بصفة من صفاته كأن نقول: برحمة الله، بقدرة الله، وما أشبه ذلك من الصفات التي يجوز أن يحلف بها، ومن ذلك الحلف بكلام الله أو بالقرآن؛ لأن القرآن صفة من صفات الله، أو تقول: بالله أو بالرحمن أو بالحق، أو ما أشبه ذلك، أو تأتي بالواو؛ لأن أحرف القسم ثلاثة: الواو والباء والتاء، وفي لغة العرب أن التاء تختص بالله جل وعلا، تقول: تالله، وقد جاء هذا في القرآن: حيث يقول المشركون وهم في النار، يخاطبون الذين أشركوهم مع الله: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:97-98] يعني: عندما سويناكم معه في المحبة؛ لأنهم لم يسووهم معه في الخلق والإيجاد والتصرف، هذا لا يعتقده أحد.

    إذاً: الحلف يجب أن يكون بالله أو بصفة من صفاته، وأي حلف يكون بغير الله جل وعلا فإنه يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، ولا يخرج من ذلك شيء من المخلوقات حتى المعظمة والمقربة لدى الله كالكعبة أو النبي أو جبريل أو الملائكة، فهذه كلها لا يجوز الحلف بها، وإنما يحلف بالله جل وعلا، وكثير من الناس يكثر من الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه مخالفة صريحة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن حلف فليحلف بالله أو ليصمت) وقوله: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).

    وهذا الباب قصد به المؤلف وجوب تعظيم الله وتقديره حق قدره كالأبواب السابقة؛ لأن الذي يحلف بالله كاذباً أو يحلف بغيره لم يعظم الله ولم يقدره حق قدره، ونحن ممنوعون أن نحلف بغير الله، فلا يقول قائل: إن الله جل وعلا يقسم بالمخلوقات، فالله جل وعلا لا حظر عليه، يقسم بما يشاء، ويفعل ما يشاء، ولكن نحن عبيد لله، يجب أن نمتثل أمره، وقد أكثر الله جل وعلا من القسم في القرآن بالمخلوقات كقوله جل وعلا: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا [العاديات:1-2]، وقوله: وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى:1-2]، وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]، وقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]، وقوله: وَالْفَجْرِ [الفجر:1]، وقوله: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:1]، وما أشبه ذلك.

    ولكن الله جل وعلا يقسم بما يدل على قدرته، وأنه المتفرد بالخلق والإيجاد والتصرف، وله أن يقسم بما يشاء، أما نحن عبيده فعلينا أن نمتثل الأمر، وأن نكون عبيداً تحت أمره، مجتنبين نهيه، والذي يكثر من الحلف لا يسلم من الحنث، والحنث هو المخالفة لما حلف أنه لا يقع أو يقع .. لا يفعله أو يفعله، ومن أكثر من ذلك وقع في الإثم؛ ولهذا ذكر المؤلف هذا الباب ليحذر منه.

    ثم إن هذا لا يدخل فيه لغو اليمين المذكور في قول الله جل وعلا: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ [المائدة:89] عقدتم يعني: الشيء الذي أكدتموه وعقدتم القلب عليه هو الذي يؤاخذ به الإنسان، أما لغو اليمين فهو الذي يقع في كلام الناس عند مخاطباتهم كأن يقول: لا والله ليس كذا، أو بلى والله إنه كذا، ولم يقصد به الحلف، ولم يقصد به تأكيد الحلف، وإنما يقع في المخاطبات الجارية بين الناس، فهذا يسمى لغواً، والله جل وعلا لا يؤاخذ به، وإنما يؤاخذ بالشيء الذي يقصد أن يحلف عليه ويقسم، فتخبر بشيء أنه كذا أو تخبر أنك لا تفعل كذا، ثم تذهب وتفعله، فهذا هو الذي يؤاخذ بالمخالفة فيه، والمقصود في الحديث الآتي وجوب حفظ اليمين، وكذلك قول الله جل وعلا: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89].

    واليمين بعضه أشد من بعض؛ ولهذا جاء أن من الكبائر اليمين الغموس، واليمين الغموس هي: التي تغمس صاحبها في الإثم أو في النار، وهو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، ومع هذا فالحلف بغير الله أعظم من اليمين الغموس كما قال ابن مسعود : لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً. لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أكبر من الكبائر، وكون الإنسان يحلف على أمر وهو يعلم أنه كاذب لا شك أن هذا يدل على ضعف إيمانه، وقلة مراقبته لله جل وعلا، فيكون توحيده إما ضعيفاً وإما معدوماً.

    1.   

    قوله تعالى: (واحفظوا أيمانكم)

    قال المصنف رحمه الله: [وقول الله تعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89] ]

    قوله جل وعلا: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89] اختلف المفسرون فيها على قولين، وكلاهما حق، وأحدهما ملازم للآخر، القول الأول: أن معنى قوله: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89] أي: لا تحلفوا، وهذا يروى عن ابن عباس؛ لأنه بعدم الحلف يحفظ اليمين، ولا يقع الإنسان في الإثم والمخالفة، والقول الثاني: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89] أي: لا تتركوها بلا تكفير، يعني: إذا حلفتم وخالفتم فكفروا، فإن الله جل وعلا شرع الكفارة في ذلك، ولاسيما في الأمور التي يتبين للإنسان أن فعلها أو تركها أفضل، فإذا حلف الإنسان على شيء ألا يفعله فتبين له أن فعله أفضل، فإن الأولى والأحسن له أن يكفر عن يمينه ويفعله.

    كفارة اليمين

    قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إني والله إن شاء الله لا أحلف على شيء فأرى غيره خيراً منه إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير)، وهكذا ينبغي للإنسان إذا حلف أن يفعل شيئاً فتبين له أن فعله ليس حسناً، بل تركه أحسن؛ فينبغي أن يكفر عن يمينه ولا يفعله.

    فكل ما فيه خير وحلف على الامتناع منه فعليه أن يكفر ويفعله، وإن حلف على أن يفعل شيئاً فرأى أن تركه خير، فعليه أن يكفر عن يمينه ولا يفعله، وكفارة اليمين جاءت منصوصاً عليها في كتاب الله جل وعلا أنها إطعام عشرة مساكين مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ [المائدة:89]، ومعنى (من أوسط ما تطعمون) أي: من خير ما تطعمون أهليكم؛ لأن الوسط في اللغة العربية الخيار كقوله: جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] يعني: خياراً، فالمراد من الشيء الحسن الذي تأكلون منه وترضونه وتطعمون منه أهليكم، وإطعام عشرة مساكين بأن يعطى كل مسكين نصف صاع، ولو صنع طعاماً ودعا إليه عشرة مساكين كفى ذلك، وصار كفارة، هذا الأمر الأول.

    الأمر الثاني: أَوْ كِسْوَتُهُمْ [المائدة:89] والكسوة كما يقول العلماء: إنها الشيء الذي تصح به الصلاة، فلا يلزم أن يكسوه الكسوة الكاملة كلها، فله أن يكسوه قميصاً وسراويل أو قميصاً وعمامة، وما أشبه ذلك، وإن لم يفعل هذا انتقل للأمر الذي هو خير منه وأفضل وهو إعتاق رقبة، فهذه الأمور الثلاثة رتبها الله جل وعلا، بدأ بالأسهل ثم ما هو أحسن وأعلى، ثم ما هو أعلى، فالأسهل الإطعام، والكسوة أفضل وأعلى، ولكنها أغلى، وإعتاق الرقبة أغلى من الجميع، وهذه الأمور الثلاثة يخير فيها الإنسان، فيختار أي واحدة شاء من هذه الثلاثة، فإن لم يجد انتقل إلى الصيام، ولا يجزيه الصيام وهو يجد الكفارة؛ ولهذا قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89]، فشرط الصيام عدم الوجود، وكثير من الناس يبدأ بالصيام رأساً وإن كان واجداً للكفارة، وهذا لا يجزي، بل لابد أن يبدأ بما بدأ الله جل وعلا به، فإن لم يجد شيئاً من الثلاثة انتقل إلى الصيام.

    اليمين الغموس لا تكفر

    الكفارة مشروعة، ولكن الشيء الممنوع أن يعلم أن هذا الشيء الذي يخبر به لم يقع، كالذين يحلفون عند الحاكم على شيء معين إذا توجهت إليهم اليمين، فإذا ادعى شيئاً على إنسان ما، ولم يكن له بينة، فإن اليمين تتجه إلى المدعى عليه، فإن كان يعلم أن الذي ادعى عليه صادقاً فيجب عليه أن يعترف بالحق، وإذا حلف كاذباً وهو يعرف فهذه اليمين التي ليس لها كفارة، وهي اليمين الغموس، وهي أعظم من أن تكفر، وكذلك الذي يحلف على الكذب كما سيأتي في الحديث، مثلاً إنسان يريد أن يبيع شيئاً ما، فيحلف أنه لا يبيعه إلا بكذا، ثم يبيعه بأقل من ذلك، أو يحلف أنه أعطي فيه كذا وكذا وهو كاذب، أو يحلف أنه اشتراه بكذا وكذا وهو يكذب، والصحيح أنه اشتراه بأقل من ذلك، فهذه ليس فيها كفارة؛ لأنه تعمد الكذب، وهي اليمين الغموس التي لا كفارة فيها، وهذا الذي سيأتي فيه الوعيد، أما ما ذكر من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إني إن شاء الله لا أحلف على شيء ثم أرى غيره خيراً منه إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير) فمثاله أن يحلف ألا يدخل بيت فلان، فيتبين له أن دخوله أفضل من عدم الدخول، أو يحلف ألا يكلم فلاناً، أو أن يطلق زوجته فهذا يكفر عن يمينه ولا يفعل ذلك، ومثل هذا الذي تشرع فيه الكفارة.

    معنى حفظ اليمين

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير : لا تتركوها بغير تكفير. وذكر غيره من المفسرين عن ابن عباس : يريد لا تحلفوا، وقال آخرون: احفظوا أيمانكم عن الحنث ].

    وهذا القول الثالث الذي هو: احفظوا أيمانكم عن الحنث هو قول ابن جرير ، يعني: لا تتركوها بلا تكفير، وهنا يقول: احفظوها عن الحنث، والحنث هو المخالفة لكونه حلف وخالف، فإذا حلف وخالف فهو معنى كونه لا يتركها بلا تكفير، يعني: يلزمه أن يكفر. إذاً: يكون القول الأول والثاني: لا تتركوها بلا تكفير أو أنكم لا تحلفوا، وقد عرفنا ما هي الأيمان التي تكفر والتي لا تكفر، فالأيمان التي يحلف عليها الإنسان وهو يعلم أنه كاذب لا كفارة فيها؛ لأنها أعظم من أن تكفر، وقد سميت يميناً غموساً، أما التي تكفر فهي التي يحلف عليها لأجل الامتناع، أن يمنع نفسه أو يمنع غيره، أو لأجل الحض على فعل هذا الأمر، فيتبين له أن امتناعه من هذا الفعل خير من فعله أو أن فعله خير من الامتناع، فهذه التي تكفر، أما الحلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب فهذا كفارته لا تجدي شيئاً، ولا ترفع الإثم الذي فعله.

    كثرة الحلف سبب لزوال تعظيم الله من قلب المرء

    قال الشارح رحمه الله: والمصنف أراد من الآية: المعنى الذي ذكره ابن عباس ، فإن القولين متلازمان، فيلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث مع ما يدل عليه من الاستخفاف وعدم التعظيم لله، وغير ذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب أو عدمه ].

    الذي يكثر الحلف لابد أن يقع في الاستخفاف بالله جل وعلا، وعدم الاكتراث بالإيمان التي يقسمها، كما هو الواقع في كثير من الناس الذين يعتادون هذا، وهذا يدل على عدم تعظيمهم الله جل وعلا وتقديره حق قدره، وبذلك يكون الإنسان آثماً -نسأل الله العافية-، ويكون على خطر عظيم، فالواجب على العبد أن يتنبه لهذه المسألة؛ لأنها كثيراً ما تقع عند الناس، ولاسيما الذين يتعاطون البيع والشراء، فيجب عليهم أن يجتنبوا الحلف، وسيأتينا أن الحلف في البيع والشراء منفقة للسلعة ممحقة للبركة.

    1.   

    حديث: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب) أخرجاه ].

    هذا الحديث على وجازته تضمن معاني جليلة كسائر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه صلوات الله وسلامه عليه أعطي جوامع الكلم، وجوامع الكلم هي الكلمات القليلة التي تجمع فيها المعاني الكثيرة.

    فهنا يقول: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب)، وفي رواية: (ممحقة للبركة) يعني أن الإنسان إذا حلف على سلعته سواء كان بائعاً أو مشترياً فإن هذا قد يكون سبباً لأن يعطى أكثر مما يستحق أو يباع عليه بأقل مما تستحق السلعة، ولكن النتيجة أن يكون هذا ماحقاً للبركة، والمحق هو المحو والإزالة والإبادة والإذهاب، ومحق الكسب معناه ذهاب بركته وإن كانت عينه كثيرة، وإذا زالت البركة فلا خير فيه لا في عينه ولا في الانتفاع به؛ لأن البركة أصبحت ممحوقة، فإنفاق السلعة بالحلف معناه: أنه إذا حلف ألا يبيع إلا بكذا أو أنه قد اشتراها بكذا فإن هذا يكون حاملاً للمشتري على أن يقدم على شرائها فتنفق، والنفاق هو أن يرغب فيها المشتري، فهذا من المرغبات ومن المنفقات للبيع، ولكن النتيجة تأتي عكسية، والحلف في الحقيقة مطلق في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي للإنسان أن يحلف على الشيء الذي يبيعه أو يشتريه وإن كان صادقاً؛ لأن حلفه وإن كان صادقاً يدخل في هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر الحلف كاذباً فقط بل قال: (الحلف)، فمجرد الحلف في البيع منفقة ممحقة، والمفروض على المسلم ألا يحلف كاذباً.

    إذاً: الحديث حتى في الذي يحلف وهو صادق، فيكون حلفه وهو صادق بهذه المثابة (منفقةٌ للسلعة) يعني: يكون سبباً لأن تنفق عند الناس، فيرغبون فيها ويشترونها، ولكن يكون ذلك محقاً للكسب، فكسبه الذي يتحصل عليه ممحوق البركة، وإذا محق الكسب فلا خير فيه، إن أكل منه لم يبارك له ولم ينتفع به، وإن أنفق منه لم يبارك له ولم ينتفع به، فتزول المنفعة والعين نفسها أيضاً، فعلى هذا تعين على العبد أن يجتنب الحلف، فلا يحلف على الشيء وإن كان صادقاً فيه إذا أراد أن يبيع أو يشتري، بل الأمر فيه سعة، (ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه).

    سبب محق الحلف للبركة

    إذا اعتاد الإنسان الحلف رأى أنه لا يستغني عنه، وتصبح أموره كلها ممحوقة، نسأل الله العافية، ولا خير في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن تصور الإنسان أنه في المخالفة يتحصل على كسب؛ فإن هذا الكسب ممحوق البركة، لا ينتفع به لا في استعماله ولا في تحصيله واقتنائه.

    أما كون الإنسان يحلف وهو كاذب فقد سبق أن هذا ليس هو المقصود من الحديث، فهذا أمر آخر، وهي اليمين الغموس التي هي من الكبائر، ولكن المقصود كثرة الحلف على الشيء وهو صادق، والسبب في هذا أن الدنيا كلها ينبغي ألا يهتم بها المسلم اهتماماً بحيث أنه يذكر اسم الله جل وعلا عليها؛ جالباً بذلك المنفعة والمصلحة منها، وإنما يذكر اسم الله جل وعلا على العبادات وعلى الأمور التي يراد بها الآخرة، فالدنيا لا ينبغي ذكر اسم الله عليها بالحلف؛ لأن هذا يدل على الرغبة فيها والتعلق بها.

    وعلى المسلم أن تكون رغبته وتعلقه بالآخرة أكثر، أما في الدنيا فينبغي أن يلاحظ أموراً:

    الأمر الأول: أن يعرف المهمة من وجوده في هذه الحياة، فإنه وجد لعبادة الله جل وعلا، فلا يخالف أوامر الله، ولا يرتكب نواهيه.

    الأمر الثاني: أن يعلم أنه يجب عليه أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، فإذا كان يعرف أن هذا الشيء فيه عيب لا يعلمه المشتري فيبينه، ولا يحلف له ويغره، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)؛ ولهذا لما جلب بعض السلف سلعة قال له من أراد أن يشتريها: أترضاها لي؟ فقال: أنا ما رضيتها لنفسي حتى أرضاها لك! انظر مع أنه لم ير فيها عيباً، ولكنه رغب عنها.

    فينبغي أن يكون دين الإنسان أهم عنده من أمور الدنيا، فإذا أقدم على الحلف فهذا يدل على رغبته في الدنيا، وعلى استخفافه بالحلف بالله جل وعلا وعدم توقيره لله جل وعلا، وهذا هو المقصود من قوله هذا: (الحلف منفقة للسلعة) وهو مجرد الحلف، فمعنى هذا: أن يكون الحلف منهياً عنه أصلاً في البيع والشراء، فينبغي للإنسان أن يجتنب الحلف.

    جواز الحلف بالله عند الحاجة

    الأمور التي يطلب فيها تأكيد الخبر، ولا تجلب منفعة للحالف لا بأس أن يحلف عليها، مثلاً: إذا توجهت إليه اليمين في قضية ما، وطلب منه الحلف، فلا يمتنع من الحلف وهو يعلم أنه صادق؛ لأن الله جل وعلا أمر نبيه أن يقسم فقال: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن:7]، فأمره الله جل وعلا أن يقسم بالله جل وعلا على الشيء الذي يعلمه حقاً، وقال: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي [يونس:53]، وهذا حلف، فأمره الله جل وعلا أن يحلف على ذلك.

    فإذا علم الإنسان الحق وهو صادق في ذلك فلا بأس بالحلف، ولا يتورع من ذلك ويمتنع ويقول: لا أحلف، لأني أخشى أن أقع في الإثم، لا، فإن الممنوع في مثل هذه الأمور أن يحلف ليجلب مصلحة دنيوية له؛ كجلب ربح أو كسب في أمور الدنيا، فهذا لا يصح.

    قال الشارح رحمه الله: [ قوله: (أخرجاه) أي: البخاري ومسلم ، وأخرجه أبو داود والنسائي.

    والمعنى: أنه إذا حلف على سلعته أنه أعطي فيها كذا وكذا، أو أنه اشتراها بكذا وكذا، وقد يظنه المشتري صادقاً فيما يحكي مما حلف عليه، فيأخذها بزيادة على قيمتها، والبائع كذب وحلف طمعاً في الزيادة، فيكون قد عصى الله تعالى، فيعاقب بمحق البركة، فإذا ذهبت بركة كسبه دخل عليه من النقص أعظم من تلك الزيادة التي دخلت عليه بسبب حلفه، وربما ذهب ثمن تلك السلعة رأساً، وما عند الله لا ينال إلا بطاعته، وإن تزخرفت الدنيا للعاصي فعاقبتها اضمحلال وذهاب وعقاب ].

    الحقيقة أن الحديث أعم من ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: (الحلف منفقة للسلعة)، ولم يقل: الحلف الكاذب منفقة للسلعة، بل الحلف مطلقاً، فدل ذلك على أنه ينبغي الامتناع عن الحلف في البيع والشراء مطلقاً.

    والمفترض أن الإنسان إذا حلف أن يكون صادقاً، أما إذا كان كاذباً فهي اليمين الغموس التي ليس فيها كفارة، وهي أعظم من أن تكفر، ولكن المقصود الحلف مطلقاً، وهذا هو ظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله ... ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه) رواه الطبراني بسند صحيح ].

    هذا من الوعيد الشديد، وهذا له منطوق ومفهوم كما هو واضح، (ثلاثة لا يكلمهم الله) المعنى: ثلاثة أنواع وأجناس من الناس، والأشيمط: هو الذي اختلط بياض شعره بسواده، يقال: شمط الشعر إذا اختلط وصار بعضه أبيض وبعضه أسود، وهذا معناه أنه طعن في السن وكبر، وصار داعي الزنا عنده ضعيفاً، والشهوة عنده ليست كالشهوة عند الشاب القوي، فإن هذا يدل على ضعف الدين، وضعف المانع له من فعل الفاحشة، وضعف مراقبة الله، وضعف تعظيم حرمات الله، فأقدم على ذلك وهو محب له، ليس عنده وازع ديني أو خوف من الله أو خوف من عقابه، بخلاف من كان شاباً فإن الشهوة قد تغلبه وتسيطر عليه، ثم إذا وقع في الفاحشة عاد على نفسه باللوم، وأسف وندم، وتاب وأقلع؛ لأنه غلب بأمر قهره، بخلاف الأشيمط فهذا هو السبب في كونه خص بأنه لا يكلم ولا يزكى.

    المراد من نفي كلام الله لأهل المعاصي والكبائر

    المراد بنفي الكلام: كلام الإكرام؛ لأن الله جل وعلا إذا كلم عبده فهو من النعيم العظيم، وليس المقصود نفي كلام التوبيخ أو كلام التعذيب والتهديد كقوله جل وعلا: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]، فالله يخاطب أهل النار، فيكلم من شاء: لماذا فعلت كذا؟ ولماذا لم تفعل كذا؟ من باب التوبيخ والمحاسبة، وهذا من العذاب، وإنما المراد: نفي الكلام الذي فيه إكرام، وهذا يدلنا على أن الله يكلم عباده المؤمنين إكراماً لهم، وهؤلاء خصوا بأنهم لا يكلمون.

    وقد جاء في الحديث الصحيح عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)، فهذا عند المحاسبة.

    وجاء عن عبد الله بن عمر في الصحيحين أنه سئل : كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ يعني: عندما يناجي الله عبده قال: سمعته يقول: (يدني الله عبده المؤمن فيضع عليه كنفه) يعني: يستره عن الناس، فيقرره بذنوبه ويقول: فعلت كذا يوم كذا في مكان كذا، فيتغير لونه، فإذا رأى أنه قد هلك يقول له الله جل وعلا: (سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)، فيعطى كتابه بيمينه، فيبيض وجهه.

    فكونه يستره بأن يضع عليه كنفه لئلا يبصره الناس عندما يسأل فيتغير لونه، وهذا الأشيمط الزاني ليس من هؤلاء؛ لأنه لا يكلم، بل يعذب رأساً. ومثله العائل المستكبر، والعائل هو الفقير؛ لأن الفقر ليس داعياً للكبر والغطرسة والتجبر والاستعلاء على الناس، وإنما يدعو إلى ذلك الغنى والمناصب الرفيعة والرئاسات، فهذه هي التي تدعو إلى الكبر، فالله جل وعلا يقول: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7].

    فالغنى داع للكبر، فإذا وجدت خصلة الكبر في الإنسان بدون داعٍ دل ذلك على أنه شيء متأصل فيه، وأن هذا خلق يتخلق به، وعمل من أعماله، فاستحق المقت واستحق العذاب. أما الثالث الذي جعل الله بضاعته، يعني: أنه اتخذ الحلف بالله مكسباً، إذا أراد أن يبيع حلف أنه لا يبيع إلا بكذا وكذا ويحلف أنه اشتراه بكذا وكذا، فهذا كذلك؛ لأنه رغب في الدنيا عن الآخرة، وصارت الدنيا أرغب عنده مما عند الله، فاستحق أن الله لا يكلمه.

    وقوله: (ولا يزكيهم) التزكية هي التطهير من الأدناس، أي: لم يطهرهم الله جل وعلا من آثار الذنوب والدنس، ومعنى ذلك الهلاك؛ لأن كل إنسان لا يخلو من ذلك، وكل إنسان لابد أنه يقع في مخالفات، ويقع في دنس يدنس به دينه من معاصٍ لا ينفك عنها، وهذا أمر جبل عليه الناس لا ينفكون عنه، (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) وهم الذين يرجعون إلى الله ويتوبون، فمن لم يزكه الله فمعناه أنه لم يتب عليه، وما طهره وما نقاه من عيوبه وآثامه، فيكون هالكاً، فهذا وعيد شديد لمن كانت هذه صفته.

    صفات الثلاثة الذين لا يكلمهم الله ولا يزكيهم

    هؤلاء الثلاثة اتصفوا بصفات ذميمة:

    الأول: فيه صفة الرغبة في الفجور -أي: الزنا- مع ضعف الداعي.

    والثاني: فيه صفة التكبر مع ضعف الداعي إليه، وربما يكون معدوماً؛ لأن الفقير لا يجد شيئاً يدعوه إلى الكبر، والداعي للكبر هو أن يفضل على الناس، إما بالغنى وإما بالمعنى كالرئاسة وما أشبه ذلك، فإذا لم يوجد ذلك فمعنى هذا أنه ليس هناك داع لذلك، ولكنه أحب هذا الخلق الذميم فاستحق العذاب.

    الثالث: الذي جعل الله بضاعته، فقد رغب في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة، والدنيا والآخرة ضرتان، إذا مال الإنسان إلى إحداهما ضر بالأخرى، ولكن هذا ليست عنده مجرد ضرة، بل عنده رغبة متأصلة؛ ولهذا يستخف بالحلف، ويقدم الكسب الذي يحصل له على تعظيم الله جل وعلا وحفظ اليمين الذي أمره الله جل وعلا بحفظه، فاستحق المقت على ذلك من عدم التكليم وعدم التزكية من الله جل وعلا، وهذا معناه أن يكون العذاب ملازماً له، نسأل الله العافية.

    1.   

    فضل سلمان الفارسي رضي الله عنه

    قال الشارح رحمه الله: [ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سلمان منا أهل البيت، إن الله يحب من أصحابي أربعة: علياً وأبا ذر وسلمان والمقداد) ].

    الشيخ: هذان حديثان وليس حديثاً واحداً.

    الأول: قوله: (سلمان منا أهل البيت).

    والثاني: قوله: (إن الله يحب من أصحابي أربعة).

    والحديث الأول ضعيف، والحديث الثاني ضعيف جداً، ولكن في الفضائل يتساهلون أكثر من هذا بخلاف الأمور التي يلزم الإنسان أن يفعلها أو يمتنع منها. وسلمان رضي الله عنه من أفاضل الصحابة، وأصل سلمان الفارسي من فارس من عبدة النار، بل والده كان هو القيم الذي يقوم على النار ويوقدها، وكان سلمان وحيد والده، ليس له ولد غيره، وكان يحبه حباً شديداً، ولا يصبر عنه إذا غاب.

    يقول: أرسلني مرة إلى ضيعة له، والضيعة: إما غراس أو شجر أو أغنام أو غيرها، يقول سلمان : فمررت في طريقي على نصارى يتعبدون، فوقفت عندهم ونسيت حاجة أبي، حتى بعث خلفي من يطلبني ويبحث عني، فقلت لهم: دينكم خير من ديننا فأين أصل دينكم هذا؟ فقالوا: في الشام، يقول: فلما رجعت إلى أبي قلت: يا أبت! وجدت ديناً خيراً من ديننا -وهذه فطرة الله جل وعلا التي خلق الناس عليها، وكون الإنسان يعبد النار، ويتجه إليها، فإنه قد جبل على خلاف ذلك، فإن الله فطر الإنسان على عبادته، والنصارى كانوا يعبدون الله- فلما قال ذلك لوالده، قال له والده: لا بل دينك ودين آبائك خير، فقلت: بل دينهم خير من ديننا، يقول سلمان : فخاف أبي فقيدني بالحديد، فأرسلت إلى أولئك: أن إذا جاء وافدكم من الشام فأخبروني، فلما جاء أخبروه، فاحتال وكسر الحديد الذي عليه وذهب معهم إلى الشام، قال: فقلت لهم: دلوني على خيركم، فدلوني على عالم منهم، وكان من خير الناس وأفضلهم، فأحببته حباً شديداً فلما حضرته الوفاة قلت له: إلى من توصي بي؟ فقال: لا أعلم أحداً على ما نحن عليه إلا رجلاً في مكان كذا في بلد كذا، فذهبت إليه فكان على طريقة صاحبه إلا أنه كان رجل سوء، كان يأمرهم بالصدقة ويأخذها لنفسه فجمع أموالاً كثيرة، فلما حضرته الوفاة، قلت: إلى من توصي بي؟ فقال: لا أعلم أحداً على ما نحن عليه إلا رجلاً في بلدة كذا، يقول: فذهبت إليه، فوجدته على طريقة الأول، من خير الناس وأفضلهم، يقول: فبقيت عنده وقتاً، واجتمع عندي شيء من المال من البقر والغنم، ولما حضرته الوفاة، قلت: إلى من توصي بي؟ فقال: ما أعلم على وجه الأرض أحداً على ما نحن عليه، ولكن قد أظلك زمن نبي يبعث، من صفته أن بين كتفيه خاتم النبوة، وأنه يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وأنه يهاجر إلى بلد ذات نخل بين حرتين، أعطاه هذه الصفات، ومعروف أن النخل لا يكون إلا في المدينة وما حولها أو في نجد، أو في العراق، وليست تلك صفة العراق ولا صفة نجد، يقول: فعلمت أنها في بلاد العرب، فجاء قوم من العرب فقلت: أعطيكم هذا المال من البقر والغنم وتذهبون بي إلى بلادكم؟ قالوا: نعم، فأخذوا ماله، وأخذوه وباعوه على رجل يهودي في وادي القرى، وهذا اليهودي باعه على رجل من يهود المدينة، فبقي رقيقاً مظلوماً، أخذ ماله واسترق، فبقي يعمل في الرق، وكان عند هذا اليهودي نخل، وكان سلمان يؤبر النخل ويشتغل فيه، يقول سلمان: بينما أنا في رأس نخلة إذ جاء أخ لسيدي فقال له: يا فلان! قاتل الله بني قيلة -وبنو قيلة هم الأنصار- يزعمون أنه جاءهم نبي، يقول سلمان: لما سمعت هذه الكلمة كدت أن أسقط من النخلة من شدة الفرح، فنزلت مسرعاً وقلت لسيدي: ماذا يقول؟ فأقبل علي ولطمني وقال: أقبل على شغلك، ما لك ولهذا؟ يقول: فأعرضت عنه، وجعلت أجمع شيئاً من التمر، وعلمت أنه في قباء، أي: الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قدم مهاجراً هو وأبو بكر ، يقول سلمان : فلما أمسى الليل وانتهيت من عملي أخذت شيئاً من التمر وذهبت به إليه، فقلت: هذه صدقة، فدفعه إلى أصحابه وقال: (كلوا) فقلت في نفسي: هذه واحدة، فلما كانت الليلة الثانية، جئت بشيء من التمر وقلت: هذه هدية، فقدم يده وقال: (باسم الله، كلوا)، فقلت في نفسي: هذه الثانية، ثم قمت أتطلع من خلفه لأنظر إلى خاتم النبوة ففطن لي، فحسر الرداء عن كتفيه، فرأيت خاتم النبوة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم، فأكببت عليه أقبله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك؟ فقصصت عليه قصتي، فكان يحب أن يسمعها أصحابه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن فيها عبرة، فقال لي: (كاتب) يعني: اشتر نفسك من سيدك بالمكاتبة، وأمر المسلمين أن يعينوه، فكاتب على مال باهظ، على ثلاثين أوقية من الذهب، وعلى أن يغرس ثلاثمائة ودية، وأن يسقيها حتى تطلع، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعان وقال: (آذنوني عندما تريدون غرسها)، فصار يغرسها بيده صلوات الله وسلامه عليه، فخرجت كلها بإذن الله جل وعلا.

    فالمقصود أن هذه قصة فيها عبرة؛ ولهذا يقال: سلمان الفارسي ولا يعرف والده.

    قال الشارح رحمه الله في الحديث: [أخرجه الترمذي وابن ماجة .

    قال الحسن : كان سلمان أميراً على ثلاثين ألفاً يخطب بهم في عباءة يفترش نصفها ويلبس نصفها، توفي في خلافة عثمان رضي الله عنه ].

    يعني: كان أميراً على الصحابة عندما كانوا يقاتلون في فتوح العراق، وكان هو أحد الأمراء، وكانت له عباءة يلبسها، بعضها يفترشه، وبعضها يتغطى به في الليل إذا احتاج إلى ذلك، فكانت فراشه ولحافه وهو أمير على ثلاثين ألفاً من الصحابة؛ لأن رغبتهم كانت في الآخرة لا في الدنيا، فبقوا على ما هم عليه رضوان الله عليهم حتى بعدما فتحوا الفتوحات ووجدوا الأموال والجواهر، فكانوا يأتون بها إلى الأمير؛ ولهذا لما جمعت الأموال إلى عمر رضي الله عنه قال لما رأها: والله إن قوماً أتوا بهذا لأمناء؛ لأنها أشياء يطمع الإنسان فيها، ولكن طمعهم فيما عند الله، ولا يطمعون في شيء من الدنيا.

    ولهذا أيديهم الله جل وعلا ونصرهم، وأنزل الرعب في قلوب أعدائهم، فأصبحوا كما يصفهم أعداؤهم: رهباناً بالليل، فرساناً بالنهار، إذا ركبوا خيلهم لا أحد يقوم أمامهم، وإذا جنهم الليل تجدهم ركعاً سجداً، هذه صفتهم.

    1.   

    إثبات صفة الكلام لله عز وجل

    قال الشارح رحمه الله: [ قال أبو عبيد: توفي سنة ست وثلاثين عن ثلاثمائة وخمسين سنة، ويحتمل أنه سلمان بن عامر بن أوس الضبي .

    قوله: (ثلاثة لا يكلمهم الله) نفي كلام الرب تعالى وتقدس عن هؤلاء العصاة دليل على أنه يكلم من أطاعه، وأن الكلام صفة كمال له، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أظهر شيء وأبينه، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة من المحققين، قيام الأفعال بالله سبحانه، وأن الفعل يقع بمشيئته تعالى وقدرته شيئاً فشيئاً، ولم يزل متصفاً به، هو حادث الآحاد قديم النوع كما يقول ذلك أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشافعي وأحمد وسائر الطوائف، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، فأتى بالحروف الدالة على الاستقبال، والأفعال الدالة على الحال والاستقبال أيضاً، وذلك في القرآن كثير ].

    في قوله: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم) في نفي كلام الله مع هؤلاء إثبات لكلامه مع غيرهم، فالله جل وعلا وصف نفسه بأنه يتكلم، ولا شك أن الوحي والأمر والنهي كلام، فالله يوحي إلى ملائكته بأمره الذي يأمرهم به، ويوحي إلى رسله من البشر بواسطة جبريل عليه السلام، والذي يأتي به هو كلام الله إليهم، وكتبه التي أنزلها هي من كلامه، وكذلك سائر شرعه الذي يشرعه لعباده؛ لأنها كلها أمر ونهي، والأمر والنهي يكون بالكلام، والكلام صفة كمال، والله جل وعلا له الكمال المطلق، وكل كمال في المخلوق فالله هو الذي وهبه، وواهب الكمال أحق به جل وتقدس، وإنما جاءت الشبه ممن دخل في الإسلام مريداً إفساده، أما المسلمون فلم ينكر ذلك أحد منهم إلا من ضل عقله وفكره، فإن من ضل ينكر ما هو كثير الورود في كتاب الله، وما هو موروث عن رسل الله من كون الرب جل وعلا يتكلم.

    ومن أنكر كلام الله جل وعلا فهو في الواقع ينكر الرسالة، وينكر الشرع .. ينكر كونه سبحانه أرسل الرسل، وشرع الشرائع؛ لأن الرسل ترسل بالأمر والنهي، وإذا لم يكن الأمر والنهي من الله فمن أين يكون؟

    إذاً: عطلوا الله جل وعلا عن كونه يأمر وينهى ويتكلم، فقد وصفوه بالنقص، وقد قال الله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، ومعلوم أن المبلغ لا يسمع كلام الله من الله وإنما يسمعه ممن يبلغه، والمقصود بكلام الله هنا القرآن، فإذا طلب كافر من المسلمين أن يطلع على شرعهم وجب عليهم أن يؤمنوه حتى يسمعوه كلام الله جل وعلا الذي تكلم به.

    والأدلة على هذا متكاثرة جداً، فالذي ينكر كلام الله يلزمه إنكار الرسالة، وإنكار الشرع، بل إنكار الكمال لله جل وعلا.

    والله جل وعلا توعد هؤلاء الثلاثة وغيرهم بأنه لا يكلمهم، فترك كلامهم من العذاب الذي توعدهم به جل وعلا، فيلزم من هذا أنه جل وعلا يكلم أولياءه من المؤمنين ويخاطبهم، وهم الذين اتبعوا شرعه وآمنوا بكلامه، والأدلة على هذا من كتاب الله ومن أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصر.

    إنكار الجهمية لصفة الكلام لله عز وجل

    لم يكن أحد من المسلمين ينكر شيئاً من صفات الله، حتى جاءت فرقة يقال لها: الجهمية، وأول من عرف بإنكار ذلك رجل مشبوه دخيل في الإسلام، يظن أنه من اليهود، وإن لم يكن من اليهود فهو تلميذ لهم تربى في أحضانهم، فأول من عرف عنه إنكار هذا رجل يقال له: الجعد بن درهم ، وأخذ عن أبان بن سمعان ، وأبان بن سمعان هذا أخذ عن يهودي ابن ساحر من سحرة اليهود، ولشناعة قوله وقبحه، لما أظهره نفرت النفوس والفطر عنه، وأنكره كل الناس، بل استعظموا ذلك، ورفعوا أمره إلى أحد قواد بني أمية في آخر دولتهم، وهو خالد بن عبد الله القسري ، فأخذه وقيده، وكان في عيد الأضحى، فجاء به مقيداً إلى المصلى، وقد جرت العادة أن القائد الذي يتولى قيادة الجيش لابد أن يستطيع أن يفصل الأمور ويقضي ويخطب ويصلي بالناس وإلا لا يصلح للقيادة، فلما حضرت صلاة العيد قام يخطب الناس، وفي آخر خطبته قال: أيها المسلمون! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بـالجعد بن درهم ؛ لأنه يزعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عن قوله علواً كبيراً، ثم نزل من على المنبر وقتله، فضحى به، فشكره الناس على ذلك، وأثنوا على صنيعه؛ لأن هذا ملحد خارج من دين الله وشرعه، مخالف للفطر والعقول.

    ثم بعد ذلك نبغ تلميذ له يقال له: الجهم بن صفوان ، ونشر فساده ثم أدرك وقتل، فهذه العقيدة الفاسدة جاءت من هؤلاء، ثم نمت الفتن وازدادت لمن يربيها وينميها قاصداً بها إفساد العقيدة، وقد علم من التاريخ أن الكفار لم يعجبهم الإسلام ولا عقائده، وما استطاعوا أن يواجهوا الإسلام بالقوة أو بالجيوش فأصبحوا مقهورين مهزومين مدحورين، من أجل ذلك ذهبوا إلى تأسيس المؤسسات التخريبية لإفساد العقيدة ومحاربتها من داخل المسلمين، فيدخل في المسلمين من ليس منهم؛ لأجل بث الفساد، وإفساد عقائدهم التي صاروا أقوياء بها، فدخل الكثير في دينهم تستراً وخفية وقصدهم الإفساد، وإلى الآن وهذه المؤسسات التخريبية تبث سمومها في أوساط المسلمين، ولكن أساليبهم وطرقهم تختلف حسب مقتضيات الحال.

    والواقع أن من المسلمين المغرر بهم من ينكر كلام الله جل وعلا، ومع ذلك فالأمر واضح وجلي، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)، والله جل وعلا أخبرنا أنه يحاسب عباده، وأنه سريع الحساب، فهو الذي يتولى حسابهم جل وعلا.

    وقال الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث الشفاعة المتفق عليه: (إن الله يأتي لفصل القضاء، وهم وقوف في الموقف، فيخاطبهم جل وعلا فيقول: أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا؟ فكلهم يقولون: بلى يا رب!)، وما أظن أنه يخلو حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مقطع من آيات الله جل وعلا وكتابه من إثبات أن الله يتكلم ويكلم ويخاطب ويفعل ما يريد جل وعلا، وهو فعال لما يريد، فكيف ينكر مثل هذا؟ وإذا أنكرت مثل هذا فمعنى ذلك أن تنكر عبادته وأنه هو المعبود الحق الواحد، وقد عاب الله جل وعلا على الذين عبدوا العجل والأصنام بأن هذه المعبودات لا تملك رد الخطاب إذا خاطبوها، فهذا دليل على أن المعبود الذي يجب أن تكون العبادة له يسمع من دعاه، ويخاطبه إذا شاء.

    بطلان شبهة من نفوا صفة الكلام لله عز وجل

    قال الشارح رحمه الله: [ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإذا قالوا لنا -يعني النفاة: فهذا يلزمه أن تكون الحوادث قائمة به قلنا: ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل.

    ولفظ الحوادث مجمل، فقد يراد به الأعراض والنقائص والله تعالى منزه عن ذلك، ولكن يقوم به ما يشاء من كلامه وأفعاله ونحو ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة.

    والقول الصحيح هو قول أهل العلم والحديث الذين يقولون: لم يزل الله متكلماً إذا شاء، كما قال ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما من أئمة السنة].

    ثم قال الشارح رحمه الله: [ومعنى قيام الحوادث به تعالى: قدرته عليها وإيجاده لها بمشيئته وأمره، والله أعلم].

    الأصل عند أهل السنة أن الله جل وعلا لا يوصف ولا يسمى إلا بما وصف به نفسه، أو سمى به نفسه، أو سماه أو وصفه به رسوله، ولا يجوز أن نقيسه بالمخلوقات؛ لأن الله جل وعلا غيب، لا أحد يشاهده أو ينظر إليه، وليس مثله شيء فيقاس به تعالى وتقدس.

    فعلى هذا يجب أن نقف مع النص الذي يأتينا عن ربنا جل وعلا، فإذا وصف ربنا نفسه بشيء وصفناه به، وإذا سمى نفسه بشيء سميناه به، وما عدا ذلك يجب أن يرد على صاحبه مهما كان، وكلمة الحوادث لم تأت في كتاب الله ولا في حديث رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يوصف بها الرب جل وعلا؛ ولهذا يقول: هو لفظ مجمل، ولكنهم يصطلحون ويقولون: الكلام والاستواء والنزول والمجيء، وما أشبه ذلك حوادث، ونحن نقول: إنها صفات وأفعال يفعلها الله جل وعلا إذا شاء، ولا يجوز أن نسميها حوادث, وإن سميتموها حوادث وقصدتم المعنى الصحيح، فالمعنى الصحيح يجب إثباته، واللفظ الباطل يجب رده، ويجب أن يعبر عن المعاني الثابتة لله جل وعلا بالعبارات التي جاءت عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ولكن هؤلاء يسمون هذه الأفعال والصفات بأسماء يقصدون بها تنفير الناس عن قبولها والإيمان بها، وليس قصدهم إلا ذلك، ولهذا سموا صفات الله جل وعلا أعراضاً، وقد يسمونها أبعاضاً، فيقولون: يتعالى ربنا ويتقدس عن الأعراض والأبعاض، ومقصودهم بالأعراض: أنه لا يتصف بالسمع، ولا بالبصر، ولا بالعلم، ولا يتصف بالإرادة، ولا بالمحبة، ولا بالرضا، ولا بالبغض، ولا بالغضب، ولا بغير ذلك مما وصف نفسه به.

    ومرادهم بالأبعاض: أنه ليس له يد، وليس له عين، وليس له وجه، وما أشبه ذلك من الأوصاف التي وصف بها نفسه، والذي يعرف مذهبهم يعرف ذلك، أما الجاهل الذي لا يعرف مذهبهم ومرادهم فيغتر بكلامهم ويتصور أنهم يريدون التنزيه، وهم يريدون الكفر والتنقص.

    ثم إن هناك شبهاً يثيرونها في أوجه ضعاف المسلمين، أو ضعاف طلبة العلم، فيقولون مثلاً: قد اتفق العقلاء على أن الحوادث لا تحل إلا بحادث، ومن اتصلت به الحوادث يكون حادثاً، والله جل وعلا هو الأول بلا بداية، كما أنه الآخر بلا نهاية، وما سوى الرب جل وعلا هو المحدث المبتدع بعد أن لم يكن، فمثلاً يقولون عن صفة الكلام التي أنكروها: أنكرنا هذه الصفة لأنها تدل على الحدوث، وإذا قلنا لهم: ما هو الحدوث الذي تدل عليه هذه الصفة؟ قالوا: في قولك: بسم الله الرحمن الرحيم، الباء تكون قبل السين، والسين قبل الميم، وهكذا الحروف كلها متعاقبة بمعنى: أنه يأتي واحد بعد الآخر، فالباء تسبق السين بالزمن والنطق، والسين تسبق الميم بالزمن والنطق، فهذه حوادث.

    إذاً نقول لهم: ما هو الكلام المعقول الذي يثبت لله عندكم؟ قالوا: أن تختلط حروفه وتجتمع أولها وآخرها، ثم تأتي دفعة واحدة، هذا هو الكلام؟! هذا لا يمكن أن يكون كلاماً، ولا يسمع ولا يعقل، ولا يعرفه ولا يفهمه المخاطب.

    ثم يقولون: التعاقب يقتضي النقص، أي نقص يقتضيه التعاقب؟ بل كونه يأتي على الوجه الذي يريده، والوجه الذي يفهمه ويعقله المخاطب فإنه يقتضي الكمال، قالوا: نحن لا نعقل كلاماً إلا ما كان بلسان وشفتين ولهوات وحنجرة وحبال الصوت، لا نعقل الكلام إلا بهذا، يقال لهم: هذا كلامكم الذي تعقلونه أنتم.

    فهذا دليل على أنكم تشبهون الله جل وعلا بأنفسكم، فأردتم أن يكون كلامه ككلامكم الذي تتعارفون عليه، والله أكبر وأعظم من ذلك، فيجب أن يمحى هذا التشبيه من النفس، ومعلوم أن الله لا يشبهه أحد في ذاته سبحانه، فإذا كان كذلك -وهم لا يخالفون في هذا؛ ولا يمكنهم المخالفة- فيقال لهم إذاً: الصفة تتبع الموصوف، فإذا كانت ذاته جل وعلا لا تشبه الذوات، نقول: كذلك كلامه لا يشبه كلام الخلق، وسائر صفاته لا تشبه صفات الخلق.

    ثم يقال لهم: قد عقل المؤمنون الذي آمنوا بالله وبرسله أن الكلام لا يحتاج إلى ما ذكرتموه، فلا يحتاج إلى لسان ولا إلى لهوات ولا إلى شفتين، ولا إلى حنجرة، ولا إلى حبال صوتية، فقد أخبرنا الثقات الذين نقلوا عن رسولنا صلى الله عليه وسلم النقل المتواتر: أن الحصى كان يسبح بين يديه، ويسمعون تسبيحه، وأن الطعام كان يسبح وهو يأكله مع أصحابه، فهل الطعام له فم أو لهوات أو حناجر أو شفاه؟ هل يستطيعون أن يثبتوا هذا ؟! لا. أبداً.

    وقد جاء بالنقل المتواتر: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخطب على جذع نخلة يابس يتكئ عليه -وكان مسجده صلوات الله وسلامه عليه أعمدته من جذوع النخل، وكان سقفه جريد النخل، وإذا هطل المطر يخر من سقفه الماء، وربما سجد في الماء والطين وهو يصلي صلوات الله وسلامه عليه -ثم بعد ذلك أمر غلاماً نجاراً من الأنصار أن يصنع له منبراً، فصنع له منبراً من أعواد الطرفاء- طرفاء الغابة -فجيء به ونصب في المسجد، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على هذا المنبر صار ذلك الجذع الهامد يحن مثل حنين الناقة إذا فقدت ولدها، حتى سمع أهل المسجد كلهم حنينه، وبقي يحن حتى نزل إليه الرسول صلى الله عليه وسلم واحتضنه، فهدأ كما يهدأ الطفل الذي يبكي إذا أخذته أمه، فهل هذا الجذع له لسان وفم وشفاه؟!

    وكذلك يخبرنا ربنا جل وعلا عن الأشقياء بقوله: حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا أي: جاءوا إلى جهنم، حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ [فصلت:20-22] يعني: ما كنتم تفعلون التقوى التي تمنعكم من هذا، وكذلك يقول جل وعلا: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65] الأيدي تتكلم، والأرجل تتكلم، ويقول الله جل وعلا: إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:1-4] صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تحديثها بأخبارها أنها تشهد بما صنع عليها) أي: أن المكان نفسه يشهد على هذا الإنسان فيقول فعل عليّ كذا يوم كذا في وقت كذا وكذا، هذه أخبارها التي تحدثها، وذلك بأن ربك أوحى لها.

    ويقول جل وعلا في قصة داود أنه سخر الطير والجبال تسبح معه، ويقول جل وعلا: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44] ويخبر جل وعلا أن الشجر يسجد، وأن النجوم تسجد، وأن الشمس والقمر يسجدان، وجاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى الشمس وقال لـأبي ذر : (أتدري أين تذهب؟ فقال: الله ورسوله أعلم، قال: إنها تذهب حتى تكون عند العرش، فتسجد وتستأذن في المضي، فيوشك أن لا يؤذن لها، ثم يقال لها: ارجعي من حيث جئت فترجع وتطلع من المغرب، عند ذلك إذا شاهدها الناس آمنوا كلهم) ولكن لا ينفعهم إيمان.

    وهناك أشياء كثيرة لا حصر لها تتكلم وتنطق، وتسبح وتخضع وليس لها ألسن ولا أرجل، ولكن نحن لا نعقل كلامها.

    إذا ثبت هذا في المخلوق فكيف يتصور أن كلام الرب جل وعلا ككلام المخلوق؟!

    فيجب أن ينزه الله عن ذلك، ويجب أن يكون له الكمال المطلق، والأدلة على هذا أكثر من تحصر، ولكن تكفي الإشارة.

    1.   

    الكلام على حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله...)

    قال الشارح رحمه الله: [قوله: (ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم) لما عظم ذنبهم عظمت عقوبتهم، فعوقبوا بهذه الثلاث التي هي أعظم العقوبات]

    وقد تقدم ذكر هؤلاء الثلاثة وهم: رجل جعل الله بضاعته، لا يشتري ولا يبيع إلا بالحلف، والله لا أبيعه إلا بكذا، والله لا أشتري إلا بكذا.. والله إني اشتريته بكذا.. ولا أبيعه إلا بكذا.. وما أشبه ذلك، فجعل الله بضاعته.

    الثاني: أشيمط زان، والأشيمط هو: من اختلط بياض شعره بسواده، يعني: أنه كبر وليس عنده قوة الشباب التي قد تدعوه إلى فعل الفاحشة والباطل، وقد تعمي بصيرته، فيعمى حتى يقع في المنكر، فإذا وقع في المنكر أفاق، أما هذا الأشيمط الزاني فإن فعله يدل على أن حب الزنا متأصل في نفسه فاستحق هذا العقاب.

    الثالث: عائل مستكبر، والعائل: هو الفقير؛ ومن المعروف أن الذي يدعو إلى الكبر هو الغنى وتبوء المناصب العالية، كما قال الله جل وعلا: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7] أما الفقير فلا يوجد عنده شيء يدعوه إلى الكبر، فإذا تكبر دل هذا على أن الكبر أصيل في نفسه، فاستحق هذا العقاب.

    هؤلاء هم الثلاثة: رجل كبير اختلط شيبه بسواده، فأقدم على جريمة الزنا، وآخر صارت الدنيا هي المقدمة عنده، فأصبح لا يبالي بالحلف بالله، وليس لله عنده وقار، فلا يعظمه ولا يوقره، فيحلف على أمر تافه من أمور الدنيا، حتى يتحصل له عشرة ريالات أو خمسة أو أكثر أو أقل ، ولا يبالي، والثالث: فقير متكبر.

    المنفق سلعته بالأيمان الكاذبة

    قال الشارح رحمه الله: [قوله: (أشيمط زان) صغره تحقيراً له؛ وذلك لأن داعي المعصية ضعيف في حقه، فدل على أن الحامل له على الزنا هو محبة المعصية والفجور، وعدم خوفه من الله، وضعف الداعي إلى المعصية مع فعلها يوجب تغليظ العقوبة عليه، بخلاف الشاب، فإن قوة داعي الشهوة منه قد يغلبه مع خوفه من الله، وقد يرجع على نفسه بالندم ولومها على المعصية، فينتهي ويراجع.

    وكذا العائل المستكبر ليس له ما يدعوه إلى الكبر؛ لأن الداعي إلى الكبر في الغالب كثرة المال والنعم والرياسة، والعائل الفقير لا داعي له إلى أن يستكبر، فاستكباره مع عدم الداعي إليه يدل على أن الكبر طبيعة له، كامن في قلبه، فعظمت عقوبته، لعدم الداعي إلى هذا الخلق الذميم الذي هو من أكبر المعاصي.

    قوله: (ورجل جعل الله بضاعته) بنصب الاسم الشريف، أي: الحلف به، جعله بضاعته، لملازمته له وغلبته عليه، وهذه أعمال تدل على أن صاحبها إن كان موحداً فتوحيده ضعيف، وأعماله ضعيفة، بحسب ما قام بقلبه، وظهر على لسانه وعمله من تلك المعاصي العظيمة على قلة الداعي إليها، نسأل الله السلامة والعافية، ونعوذ بالله من كل عمل لا يحبه ربنا ولا يرضاه].

    وهذا محل الشاهد من الحديث في هذا الباب، وهو الذي جعل الله بضاعته، لا يشتري ولا يبيع إلا بالحلف رغبة في تحصيل الربح الدنيوي، وعدم تعظيم الله جل وعلا وتقديره، وقد أمرنا الله جل وعلا بحفظ أيماننا فقال: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89] وتقدم أن معنى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ إما أن يكون: لا تحلفوا، أو يكون المعنى: لا تتركوها بلا تكفير إذا حلفتم بالله، ولكن المؤلف أراد المعنى الأول: لا تحلفوا؛ لأن كثير الحلف لابد أن يقع في المخالفة.

    ومعلوم أن الحلف المقصود به أن يؤكد الخبر بذكر المعظم الذي إذا ذكر عند الخبر يقدر على عقاب هذا الحالف إذا كان كاذباً، هذا هو القصد من الحلف، فإذا حلف الإنسان فالمعنى أنه يقول: أنا أحلف بالله وهو القادر على عقابي إن كنت كاذباً.

    ولهذا السبب منع شرعاً الحلف بغير الله جل وعلا، وصار الحلف بغير الله شركاً؛ لأنه لا يوجد أحد من الخلق يقدر على معرفة ما في ضمير هذا الإنسان، ومعرفة مخالفته، ويقدر على عقابه أو إثابته، فإذا كان صادقاً يثاب، وإذا كان مخالفاً يعاقب، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).

    ومعلوم أن الكفر أعم من الشرك، وأن الشرك أخص من الكفر؛ ولهذا قال: (فقد كفر أو أشرك) فلهذا يتعين على العبد الذي يهتم بنفسه أن يجتنب كثرة الحلف، وإذا حلف على أمر من الأمور يريد المنع من فعل هذا الشيء أو يريد الحض على فعله، هذا في غير البيع والشراء، أما البيع والشراء فقد جاء هذا الحديث خاصاً بهما، فلا ينبغي أن يكون الحلف في البيع والشراء.

    والبائع يجب أن يكون صادقاً فيما يقول، ويجب أن يكون مبيناً لسلعته إن كان فيها عيب، وإذا سئل صدق، ويبتعد عن الحلف، ورزقه الذي أراده الله له سوف يأتيه حلف أو لم يحلف، ولكن بعض الناس لسوء فعله وسلوكه يكون رزقه عن طريق محرم، وعن طريق سيئ؛ لأنه لم يتبع ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وغالباً أن الذي يحلف عند البيع والشراء يكون كاذباً، ولا يلزم أن يكون الحالف كاذباً على الإطلاق، فإنه يوجد من يحلف وهو صادق ولكنه مخطئ في حلفه؛ لأن هذا ليس موضع الحلف، فالحلف له مواضع، وهذا الذي يحلف على البيع والشراء يدل على شدة رغبته في الكسب، وفي تحصيل الرزق، والمسلم يجب عليه أن يرغب في الآخرة أكثر من رغبته في الدنيا، أما الدنيا فهي تبع، إن جاءت بالطريق الشرعي وإلا فلا يطلبها عن طريق محرم، وهذا مسلك المسلم الذي يجب أن يسلكه.

    المقصود: أن الذي يحلف على البيع والشراء غالباً ما يقع في الكذب، ويكون في الجملة واقعاً في الإثم؛ لأنه لا يجوز الحلف في البيع والشراء، وعليه أن يقول: أنا لا أحلف، إن شئت صدقتني وإلا ذهبت إلى غيري، وهذا لا يختص بإنسان واحد، لماذا يحلف بالله عز وجل على أمور تافهة؟ والله جل وعلا يقول: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة:89] ومن حفظها أن لا تبتذل في الأمور التافهة مثل هذه المسألة.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3086718620

    عدد مرات الحفظ

    749490476