إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان [1-3]للشيخ : المنتصر الكتاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد فرق الله تعالى في هذه السورة بين الحق والباطل، وأبان عن شبه المشركين وفندها بالطريقة العقلية المقنعة، والأسلوب الراقي الدامغ لشبههم، وأحق الحق بكلماته ولو كره المشركون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)

    قال الله جلت قدرته: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:1-2].

    سورة الفرقان هذه فرق الله بها بين الحق والباطل، وفيها الكلام على كتاب الله المنزل على نبيه وعبده صلى الله عليه وسلم، وما قاله المبطلون عنه، وعن رسول الله المنزل عليه، ولكن الله دحض باطلهم وكذبهم في هذا الكتاب، وفي هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فساق كل كفرياتهم الصلعاء، وأكاذيبهم وافتراءاتهم، وكما يقال: ما أشبه اليوم بالأمس، فهذه الكفريات التي قيلت منذ ألف وأربعمائة عام هي الكفر والظلم والافتراء الذي لا يزال يذكره الكفار اليوم بنفسه وشكله، والكفار منبعهم ومرجعهم واحد، وهو الجحود بالله ورسالاته، والكفر بالكتب السماوية، وما أوحى الله به إلى رسله.

    قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ [الفرقان:1] أي: تعاظم وتقدس، وزاد إنعامه على خلقه وعباده مؤمنين ليشكروا النعمة، وليزيدهم الله من فضله، وكافرين لتقوم عليهم الحجة البالغة،ولا يجدون عند العرض على الله ما يبرر كفرهم وجحودهم.

    قوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ [الفرقان:1] أي: تبارك الله أحسن الخالقين، وتبارك الله منزل الكتاب على عبده، وتبارك الله الخالق الرازق المحيي المميت.

    والفرقان: هو القرآن الكريم الذي أنزله على عبده محمد سيد الخلق صلى الله عليه وعلى آله؛ ليكون كتابه الذي به يفرق بين الحق والباطل، والذي به يعلم هو قبل غيره ما الإسلام عقائد، وما الإسلام أحكاماً، وما الإسلام آداباً، وما الإسلام مآلاً وحالاً ودنياً وآخرة.

    قوله: (على عبده) أشرف صفة يوصف بها نبي هي كونه عبداً لله، والله قد ذكر العبودية في أشرف حالة أكرم بها نبيه صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء، إذ قال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:1]، هذه الحالة التي لم تكن لنبي قبل ولا لرسول، حيث أسري به إلى البيت المقدس، ثم عرج به إلى السموات العلى إلى أن سمع صريف الأقلام، وصار قاب قوسين أو أدنى، ومع ذلك ما زاغ منه البصر وما طغى، وفي هذه الليلة صلى إماماً بالأنبياء منذ آدم وإلى آخر الأنبياء قبله وهو عيسى ابن مريم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالله عندما يصف عبده ونبيه ورسوله بالعبودية له فذلك تشريف ورفعة، وذلك مقام لا يكاد يحله غيره.

    قوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1] هذا الكتاب أنزله عليه وجعله به رسولاً، وجعله به بشيراً ونذيراً.

    (ليكون للعالمين) أي: عالم الإنس والجن، منذ ظهر في هذه البقاع المقدسة وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158] فكان رسولاً للإنس وللجن، قال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن:1]، فقد استمع نفر من الجن القرآن واهتدوا به، فمنهم المسلمون كذلك، ومنهم الجاحدون كذلك، ولا يزال يسمى في مدينتنا هذه المقدسة مسجد باسم الجن؛ لأنهم قالوا: في ذلك المكان أوحي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام سورة الجن، وفي ذلك المكان جاءه الجن مؤمنين به، سائلين عن الكتاب المنزل عليه، طالبين البيان والإيضاح لهذه الرسالة الجديدة؛ الرسالة المحمدية الخالدة، وهذه الآية لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، وهي كقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158].

    فأمر الله نبيه وعبده وخاتم أنبيائه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقف فينادي في الناس كلهم من عاصره ومن لم يعاصره، ومن سمع فليحدث من لم يسمع، وهكذا إلى أن قامت علينا حجة الله، فسمعنا نحن كذلك النداء عن آبائنا وشيوخنا، وهم سمعوه عن آبائهم وشيوخهم إلى المرسل إليه.. إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.. إلى الروح جبريل رسول الملائكة إلى الرسل من الناس.. إلى الله جل جلاله وعلا مقامه.

    قوله: (نذيراً) أي: مخوفاً، ومنذراً، ومهدداً، وموعداً، إذ عندما برز صلى الله عليه وسلم ونزل عند أم المؤمنين الأولى بعد نزول الوحي عليه في غار حراء في هذه المدينة الطاهرة المقدسة نزل إلى زوجه يرجف فؤاده، وترعد نفسه، وهو يقول: (زملوني زملوني!) أي: غطوني، فأخذته قشعريرة نتيجة هذا الحمل الثقيل الذي كلف به، ثم قص قصته على خديجة ومنذ أعلم ذلك لم يكن في الأرض مهتد واحد، وكان الوحي ينزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بين كل الخلائق؛ ولذلك أنزل عليه القرآن ليكون لجميع العوالم عالم الإنس والجن، فمن أدركه من هؤلاء ومن سيأتي بعده إلى يوم القيامة يكون مخوفاً لهم من عذاب النار، ومن البقاء على الشرك وعلى النصرانية التي بدلت وحرفت ثم نسخت، ومن اليهودية التي بدلت وحرفت ثم نسخت، فقد نسخت التوراة والإنجيل بالقرآن الكريم المهيمن عليهما، ونسخت رسالة صاحبيها برسالة محمد صلوات الله وسلامه عليه إلى الناس كافة الأبيض والأسود، كما قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت إلى الأحمر والأسود) وكما قال صلى الله عليه وسلم: (كان النبي قبلي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة) وذاك من خصائصه، وما يزعم من يزعم بأن الأديان الثلاثة عالمية: الديانة اليهودية، والنصرانية، ثم الإسلام فهذا كذب وزور، ومن التحريف الذي حرف به النصارى واليهود دينهم، وتبعهم بعض من لا يعلمه من أفراخ المسلمين الذين تلقوا علومهم عنهم، فهم اسمهم في القرآن وفي التواريخ القديمة: أنبياء بني إسرائيل، وخاتمهم عيسى، وقد جاء في الإنجيل عنه: (إنما أرسلت إلى خراف بني إسرائيل).

    قلت: وقد أكد القرآن المهيمن على الكتب السماوية هذا المعنى فقال: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ [الصف:6]، فجاء مصدقاً لتوراة موسى، وأنه مرسل لليهود فقط، ولبني إسرائيل فقط لا غيرهم، ولو كانت ديانته في أيامها لم تحرف بعد، ولم يحرف الإنجيل والتوراة بعد، ولو آمن بها غير اليهودي لكان آمن بما لم يكلف به ولم يبعث إليه، فنبينا وحده صلى الله عليه وعلى آله هو الذي اختص بذلك، وذاك من خصائصه كما قال في بداية هذا الحديث: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان الأنبياء يبعثون إلى أقوامهم خاصة وبعثت إلى الناس عامة) ومصداق ذلك هذه الآية، ونظائرها في القرآن كثير، وهو مما هو معلوم من الدين بالضرورة، يعلمه العالم والجاهل، ويعلمه الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والمؤمن والكافر، وأن محمداً عندما ظهر -وهو خاتم الأنبياء والرسل- دعا الناس كافة إلى دينه، وكتب قبل أن يموت عليه الصلاة والسلام إلى القياصرة والأباطرة وإلى كسرى وأمثاله، وإلى جميع ملوك الأرض وأمرائه يدعوهم إلى الإسلام؛ لتكون حجة الله البالغة، وليقوم صلى الله عليه وسلم بما كلف به من البلاغ ودعوة الناس كافة عربهم وعجمهم، مؤمنهم وكافرهم، وثنيهم وكتابيهم، يدعوهم إلى الله وحده وإلى رسالته، وأنها نسخت ما سبق قبل: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85]، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19].

    وكما قال عليه الصلاة والسلام: (لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي) وعيسى في السماء الأولى، وسينزل في آخر الدنيا عند قرب الساعة، سينزل إلى الأرض وهو على دين نبينا، فيصلي صلاتنا، ويصوم صيامنا، ويستقبل قبلتنا، ويحج حجنا، وهو يكون بذلك من أتباعه وأصحابه صلى الله عليه وعلى آله، إذ تعريف الصحابي انطبق على عيسى، وهو: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وآمن به ومات على ذلك، وعيسى اجتمع بنبينا ليلة الإسراء والمعراج في السماء الأولى، وقال عيسى لنبينا: مرحباً بنبي الله أخي، فهو قد اعترف به نبياً، ثم نزل معه، ونزل كل أرواح الأنبياء من في الأرض ومن في السماء وصلوا خلفه في المسجد الأقصى، صلى بهم إماماً، وقد تواترت بذلك الأحاديث والأنباء فلا ينكر ذلك إلا جاهل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي له ملك السماوات والأرض...)

    قال تعالى: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2].

    الذي أنزل الكتاب على عبده هو الله تعالى فهو قائله، والقرآن كلامه، وليس كما زعم الأعداء من الكفرة والجاحدين والمشركين، وسيقص الله كفرهم وجحودهم، وسيرد ذلك ويدحضه بالحجة التي لا تنازع ولا تراجع، هذا الله الذي زكى وعظم نفسه؛ ليعلمنا مقامه، ولنتخذ ذلك ديناً بأن الله جل جلاله له ملك السموات والأرض، وهو خالق السموات ومالكها وما بينها، وهو خالق الأراضين السبع وما بينها، وهو مالكها، يدبر أمره من سماواته جل جلاله وعلا مقامه، الذي له ملك السموات والأرض ملك عبودية وخلق.

    قال تعالى ينزه نفسه ويعظمها، ويرد على كل مختلف ألوان كفر الكافرين: وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا [الفرقان:2] أي: لم يتخذ ولداً كما زعم من قال: إن الملائكة بنات الله، وزعم ذلك طوائف من العرب وغيرهم، (ولم يتخذ ولداً) كما زعم اليهود والنصارى عندما قالوا عن أنفسهم: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18]، ولم يتخذ ولداً كما زعم اليهود عندما قالوا: العزير ابن الله، ولم يتخذ ولداً كما زعم النصارى بأن المسيح ابن الله، ذلك أفكهم، وذلك قولهم بأفواههم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولولا أن الله ذكر ذلك لما أبحنا لأنفسنا أن نقوله، ولكن نقوله حكاية لنرد ولندفع ولنكفر أصحابه، ولندعوهم إلى الله كما دعاهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا [الفرقان:2] أي: ليس له ولد، ولم يخلقه، ولم يكن قط يوماً من الأيام، وإنما هي افتراءات وأكاذيب وأضاليل كذبها من زعم ذلك عن الملائكة، وافتراها من زعم ذلك من اليهود، وافتراها من زعم ذلك من النصارى، فالله جل جلاله لا تليق به صاحبة، ولا يليق له ولد، فهو خالق ورازق الكل، والكل له عبد، وليس الولد عبداً.

    قوله: لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [الإسراء:111] أي: ليس في ملكه شريك، فقد خلقه وحده، ولم يحتج إلى عون أحد: لا من ملك، ولا من إنس، ولا من جن، بل هو خالق الملك، وخالق الإنس والجن، وقادر على كل شيء جل جلاله، وكل ما زعمه المشركون من أصنام جعلوها شريكة، ومن بشر جعلوهم شركاء، ومن جن جعلوهم شركاء إن كل ذلك إلا كذب وافتراء على الله، ما أنزل الله بذلك من سلطان، ولم ينزل بذلك دليلاً سماوياً، ولا يقبله دليل عقلي، إن هو إلا السخافات والأكاذيب والأضاليل التي عاش عليها هؤلاء الكفرة، ولا يزال هؤلاء المشركون الضالون من مختلف الملل والمحل من الكافرين يهوداً ونصارى ومجوساً مشركين وملاحدة ووثنيين يعيشون عليها، حتى الذي قال: إنه يعطل ولا يؤمن بشيء، كذب وافترى، فقد جعل الطبيعة شريكاً لربه، وقال: هي التي خلقت، وهي التي صنعت، وقد جعل الإنسان شريكاً لربه فقال: الإنسان هو الذي صنع واخترع، ولا شيء سوى ذلك، فهو قد جاء إلى الإنسان الضعيف الذي كان نطفة، ثم بعد ذلك تسلسل في أطوار الخلق.. إلى أن عاد للضعف مرة أخرى.. إلى أن عاد للفناء وكأنه لم يكن، فكيف يشرك الله في ملكه من لم يكن يوماً موجوداً، ومن هو بعد ذلك فان، وسيفنى يوماً ما، فجاء من التراب وسيعود إلى التراب. فكيف يزعم أنه شريك لله؟ ولكن العقول عندما تضل، ويذهب نورها، وعندما تبتعد عن نور الله ونور دين الله الحق، ونور محمد صلى الله عليه وسلم فإنها تعمى، وصدق الله العظيم: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35] فيهدي لنوره من يشاء، فنوره هدايته، ونوره كتابه، ونوره رسالته، وعندما يخرج النور من بين قلوبهم وصدورهم فإنهم يظلون في ظلام وضلال إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها، ظلمات بعضها فوق بعض كما ضرب الله تعالى مثلاً فيما مضى.

    وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [الإسراء:111] أي: ليس هناك شريك قط، وكل ما قد قيل في ذلك كذب وهراء وافتراء على الله، وكيف يتصور في العقول أن أحجاراً نحتها إنسان وسماها مناة أو العزى أو هبل، ثم يجعلها شريكة لله في ملكه وهي لا تضر ولا تنفع، ولا تعي ولا تسمع، كيف يأتي إنسان إلى ملك خلقه الله من نور فيجعله شريكاً لله وإلهاً مع الله أو دونه؟ كيف تقبل لغة العقول أن يؤتى إلى بشر كعيسى لم يكن قبل موجوداً، ثم كان بعد ذلك، ثم سوف يموت ثم يجعلونه عبداً لله وشريكاً لله؟! كيف يكون العزير إلهاً وهو عبد من أب وأم، من أم تحيض كما تحيض النساء، وتلد كما تلد النساء بنطفة وجماع؟ إن هي إلا افتراءات وأكاذيب وأضاليل يجب على المسلم عندما يتعقل ذلك ويفهمه أن يكثر الشكر لله على أن أنار قلبه وطهر عقله من أن يعتقد مثل هذه الأضاليل والأكاذيب، ومن هنا جاء قول النبي عليه الصلاة والسلام: (الحمد لله على نعمة الإسلام) وكفى بها نعمة! فنحن نشكر الله من كل خلايا أجسامنا، ومن كل حواسنا على أن خلقنا مسلمين، وطهر عقولنا من مثل هذه الأضاليل والأباطيل، من أن نعبد حجراً، أو بشراً، أو جناً، أو ملكاً، أو نعبد أي شيء كان خلقاً لله ولم يكن يوماً موجوداً، وسيفنى يوماً ويفنيه الله ويعيده يوم القيامة للسؤال والحساب والعرض على الله.

    قوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2] هذه الفقرة من الآية الكريمة (فقدره تقديراً) فيها رد على فلاسفة وملاحدة مجانين، والفلسفة تعني الجنون، يأتي الإنسان فيفكر في الأقاويل التي لا دليل عليها، ولا منطق فيها، ولا يقبلها عقل؛ فيسمى بذلك -وهو مجنون- فيلسوف، وهؤلاء الفلاسفة لا يكادون يتفقون على حقيقة من حقائق الكون، فقد اختلفوا في كل شيء حتى في الذات العلية، اختلفوا في الصفات الإلهية، واختلفوا في الأنبياء والملائكة، وكل مجنون منهم يقول ما شاء له هواه، ويسمي ذلك ذكراً، ويسمي ذلك فلسفة وإن هو إلا الهراء والجنون والباطل بعينه، فمن جملة ما قالوه: إن هذا الكون أو الطبيعة الإلهية بفطرتها خلقت دون علم صاحبها تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! وقالوا: هذا الخلق تسلسل من الخلية الأولى، وهكذا تكاثرت فتوالدت كما يثبت ذلك بطبيعة الماء، وطبيعة القمر، وطبيعة الشمس، وطبيعة التراب، فلم يكن هناك تقدير من قبل، فالله رد على هؤلاء السفهاء فقال: (فقدره تقديراً)، قدر الأجل والزمن، وقدر الحياة، والرزق، والهداية والضلالة، كل ذلك بقدر، وكل ذلك سبق في علم الله، وكتبه القلم باللوح المحفوظ، ولم يدع من ذلك ربنا قليلاً ولا كثيراً، وكل ما نقوله وما يخطر ببالنا وما نعمله منذ آدم أبي البشر الأول إلى الإنسان الأخير الذي ستقوم عليه الساعة كل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ بعلم الله وتقديره، وبالأجل المسمى الذي ضرب لذلك، ثم هؤلاء السخفاء المجانين عندما يقولون: الخلية الأولى نقول لهم: الخلية الأولى من الذي أوجدها؟ نعم، الخلية الأولى هي آدم، والله هو الذي خلق آدم، ثم خلق من آدم زوجته، ثم خلق منهما السلالة والذرية والأولاد، وهو عندما يريد أن يغير العادة فقد غيرها كما فعل في عيسى، حيث خلقه من أم بلا أب، وقد خالف العادة في خلق ناقة من حجر صلب، خلق منه ناقة بطولها وعرضها، فالله تعالى يخلق ما يشاء، ويفعل ما يشاء، لا يكرهه أحد جل جلاله وعلا مقامه، وهكذا الله تعالى عندما يعلمنا، وينور بصائرنا، ويرسل لنا السيد الكريم سيد الأولين والآخرين نبينا صلى الله عليه وسلم بكتابه هذا المنزل عليه، أنزله ليكون لنا نذيراً ومخوفاً من النار وعذاب الله، وبشيراً مبشراً بالجنة ورضا الله، ولذلك من أعرض عنه كما يفعل الكثيرون حيث يعرضون عن دروس العلم وعن سماع العلم، وعن تفسير القرآن، والكلام عليه في هراء وضياع، وإذا سألتهم: ما كيفية الوضوء؟ ما فرائضه؟ ما هي كيفية الصلاة؟ إذا سألتك زوجتك عن حيضها ونفاسها ما حكمه؟ يعيش معك حيواناً أعجم، وكأن الإسلام لم ينزل عليه ولم يطالب به، وهو مسلم وتجده في بيت الله: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، وأخبث من هذا أن تجده قريباً منك وهو مدير لك ظهره كأنه مستغن عنك وعن كتابك، وعن دينك، وعن نبيك، وعن ربك، يقول لسان حاله: أنا لا أحتاج لكل هذا، وهكذا أنت ترى الجهل والنفاق! وهكذا أنت ترى الكفر! وهذه إرادة الله لا راد لقضائه.

    قال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [الفرقان:2] أي: لم يخلقه ولده، ولم يخلقه شريك؛ إذ لا ولد ولا شريك، فهو المنفرد بالخلق والرزق، ومنفرد في التدبير والعطاء، وقدر كل ذلك بإرادته حسب أمره وإرادته، لا يكرهه أحد، وليس هناك من يكرهه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون...)

    قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا [الفرقان:3].

    هذه الأوثان التي عبدوها، والأوثان التي جعلوها شريكة لله وأبناءً لله من ملك أو جن أو إنس أو جماد هذه الآلهة هم اتخذوها ولم يتخذها الله ولداً، وليس لها في واقع الحال وجود ولا كيان، اتخذوها هم كذباً وزوراً على الله؛ ليعيشوا عبيداً من تلقاء أنفسهم للجمادات، ولمن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، هذه الآلهة التي خلقوها في أذهانهم، وزوروها وكونوها ولا وجود لها، فهي كالخيالات التي ترى في الأفلام والتي تكتب في الرواية، وهي لم توجد يوماً، ولم تكن يوماً، وإنما الأوهام كونتها، وهي في حد ذاتها لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً.

    قوله: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم:81] هذه الآلهة الزائفة الضائعة لم تخلق شيئاً في حياتها، ولم تستطع ذلك، ولا يليق بها، بل هي مخلوقة، فاتخذوا الملائكة آلهة والله هو الذي خلقها، واتخذوا الجن آلهة والله هو الذي خلقهم، واتخذوا الإنس آلهة والله هو الذي خلقهم، فهم لا يستطيعون أن يخلقوا شيئاً، وقد ضرب الله مثلاً لكل الخلق ملكاً وإنساً وجناً على أن يخلقوا ذباباً، بل على أن يستنقذوا من الذباب شيئاً، فقال الله عنهم: لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73] أي: ضعف الملك والجن، والإنس والذبابة، ولو كان هناك شيء أقل من ذبابة لضرب الله به المثل، وهكذا كان وسيبقى وإلى الأبد، فكل ما يذكر الله لنا الآن قد قيل لمن قبلنا، وكأنه يوحى به جديداً على النبي عليه الصلاة والسلام، فبالنسبة لنا هو إيحاء جديد؛ لأننا نسمعه بعد أن خلقنا، وبعد أن أوجدنا، وبعد أن تأهلنا لذلك، ومن هنا جاء الحديث النبوي: (هو الذي لا يخلق على كثرة الرد، ولا يبلى على كثرة التلاوة) فيبقى جديداً باستمرار، فنستنبط ويستنبط العلماء منه الأحكام والآداب والرقائق، فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، هو الفصل الذي يفصل بين الحق والباطل، والفرقان كما سماه الله تعالى، ما تركه من جبار إلا قصمه الله، وما تركه من حاكم أو ملك أو طاغية إلا وقصمه الله في الدنيا قبل الآخرة وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:127].

    وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الفرقان:3] هذه الآلهة التي اتخذوها ولا وجود لها هي أعجز من أن تخلق شيئاً، بل هي مخلوقة موجودة، بل هي التي أوجدها الله عن غير رغبة منها أو إرادة، هكذا خلقت كما أن الله لم يستفتنا في ولادتنا ولا في أي عصر نكون، ولا من يكون آباؤنا، ولا من تكون أمهاتنا، فهذا عمل الله المنفرد به جل جلاله، فيخلق ما يشاء كيف شاء في الزمن الذي يشاء.

    قوله: وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا [الفرقان:3] أي: هذه الآلهة فوق أنها مخلوقة ولا تخلق شيئاً ولن تستطيع: لا تملك لنفسها أن تدفع عنها الضر، أو تجلب لنفسها المنفعة، إن ضرت فهي عاجزة أن تدفع هذا الضر، وإن نفعت فهي عاجزة عن أن تأتي بالنفع لها، ولكن الله هو النافع والضار، ولكن الله هو خالق كل شيء جل جلاله وعز مقامه، أما هي في حد ذاتها فلا تملك نفسها، ولا قدرة لها على جلب منفعة أو دفع ضر كشأن العباد والخلق كلهم، وما نفعله هو بقدرة الله وإرادته، لولا أن الله خلق لنا الأيدي لما استطعنا أن نحمل، ولا أن نبطش، ولولا أن الله خلق لنا أعيناً لما استطعنا أن ننظر، ولولا أن الله خلق لنا عقولاً لما استطعنا أن نفكر، فهؤلاء الذين قالوا: الإنسان هو الله، أو هو شريك الله، ومن الذي خلق الإنسان؟ لو أن هذا الإنسان سلبه الله عقله وحواسه ماذا يستطيع أن يفعل؟ أين قدرته؟ أين استنباطه؟ أين عمله؟ ولكن الضلال والظلام إذا خيم على قلب إنسان أو عقله ضاعت معه كل الحقائق بالنسبة له.

    قال تعالى: وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا [الفرقان:3].

    أي: لا يملكون حياة فيحيوا، أو يعطوا الحياة لأحد، ولا يملكون الموت فيميتوا أحداً، وكم حاول أناس أن يقتلوا فعجزوا، فإن مات فالله هو الذي أماته؛ لأن هذا لم يتجاوز أكثر من ضرب بالرصاص أو بالسيف، أما الروح فلا يعلم ما هي، وقد يضربه ولا يموت وكم حدث هذا!

    وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا [الفرقان:3] فبعد أن نموت نحيا وسننتشر في الأرض، وهذه هي الحياة الثانية، وهذا هو النشور، وهذا البعث الله وحده قادر عليه، وهذه الآلهة المزيفة المخترعة لا تملك من ذلك قليلاً ولا كثيراً، فهؤلاء على كفرهم وظلمهم وضلالهم لم يكتفوا بذلك، بل أصبحوا دعاة للكفر بكل جهل وحماقة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046356073

    عدد مرات الحفظ

    735990377