إسلام ويب

شرح منظومة الزمزمي [2]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقراءة القرآن في علوم القرآن مسألة هامة أفردت بالبحث والبيان، ومن ذلك قراءة القرآن بغير العربية وإمكانية ترجمة القرآن ترجمة حرفية. وقد اهتم علماء المسلمين بالقرآن اهتماماً لا يوصف حتى ميزوا بين مكيه ومدنيه، حضريه وسفريه، ليليه ونهاريه، شتويه وصيفيه.

    1.   

    فاضل القرآن ومفضوله

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    وقفنا عند قول المؤلف:

    [ والآية الطائفة المفصولة من كلمات منه والمفضولة

    منه على القول له كـ(تبت) والفاضل الذ منه فيه أتت ].

    هنا يتكلم عن فاضل القرآن ومفضوله ومن أراد أن يفك عبارات المؤلف يرجع إلى الكتاب الذي سبق أن أشرت إليه وهو إتمام الدراية لقراء النُقاية، فهذا الكتاب اعتمد عليه المؤلف مع أصله الذي هو النقاية في هذا المتن، فعباراته هي ضبط للمتن ولشرحه.

    المستند في تفضيل الآيات والسور

    هنا الحديث عن فاضل القرآن ومفضوله، ومعلوم من الأحاديث: أن القرآن ينقسم إلى فاضل ومفضول، والتفضيل إنما يكون من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أن التفضيل الذي يترتب عليه أجر، أو أنه يترتب عليه قراءة آيات أو سور في زمن معين، بمعنى: أن تخص بزمن معين، هذا لا يكون إلا للشارع، فإذا ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة آيات، أو سور في زمن معين، أو ورد عنه صلى الله عليه وسلم بيان فضل لسورة من السور، أو ورد عنه صلى الله عليه وسلم زيادة على بيان الفضل بيان الأثر، فإن هذا كله يدل على أفضلية هذه الآيات وهذه السور، وهي التي بنى عليها العلماء كتب فضائل القرآن، وهم حينما تكلموا عن فضائل القرآن يتكلمون عن الفضائل العامة، ثم يذكرون فضائل السور، ثم فضائل الآيات.

    فإذاً مقام التفضيل إنما يكون من النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى: أنه لا بد من وجود نص عن الشارع، ومن اعترض على التفضيل بين السور لبعض الدعاوى العقلية، فإن قوله محجوج بثبوت النص عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن بعضهم اعترض على التفضيل بدعوى أنه قد يفهم المسلم أن السورة المفضولة أنقص من السورة الفاضلة، حتى لو فهم هذا، فهذا خطأ في فهمه، والشارع أحرص على بيان الحق، وعلى معرفة عقول الناس من غيره، فلا يعترض عليه بمثل هذه الحجج التي يدعى أنها حجج عقلية، وهي إنما هي أقرب ما تكون إلى الشبه.

    فإذاً يثبت ما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم.

    سبب أفضلية بعض السور

    ونحن لما نرجع إلى تحرير بعض العلماء ما هو سبب أفضلية بعض السور؟ فهذا يرجع إلى موضوع السورة أو الآية كما ذكر بعض العلماء، فمثلاً: سورة: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، من جهة التعبد، هل تخالف سورة: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] فهذه لها من الأجر مثل ما لتلك: ( لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف.. )، الحديث، فعلى هذا الحديث لا تختلف أي سورة من سور القرآن، بل تتفق في هذه الأفضلية: التي هي جهة التعبد، لكن لما جاءنا حديث: ( أن سورة قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، تعدل ثلث القرآن )، دل على فضيلة زائدة خاصة، فما هو سبب تفضيل هذه السورة؟

    بحث العلماء أيضاً هذا، وهو الذي أشار إليه المؤلف وقال: (والفاضل الذ منه فيه أتت)، يعني: ما أتى في الحديث عن الباري سبحانه وتعالى فهو أفضل لموضوعه، فالحديث عن الباري هو أفضل موضوعات القرآن، ولهذا قال العلماء: إن سبب تفضيل سورة: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، كونها كلها في الإخلاص وفي توحيد الله سبحانه وتعالى، وفي ذكره سبحانه وتعالى.

    فإذاً قضية البحث عن سبب التفضيل مسألة ليس لها علاقة بأصل التفضيل؛ لأن أصل التفضيل يكون من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، أما البحث عن سبب التفضيل فهذه مسألة أو قدر زائد على قضية إثبات التفضيل أو التفاضل بين السور والآيات. هذا باختصار ما يتعلق بقضية: الفاضل والمفضول.

    1.   

    قراءة القرآن باللغة العربية

    ثم قال:

    [ بغير لفظ العربي تحرم قراءة وأن به يترجم ].

    الآن المؤلف يحكي هذه القضية وهي: أن يقرأ القرآن بغير العربية أو أن يترجم بالترجمة الحرفية هنا.

    ترجمة القرآن

    ولنا وقفة هنا في هذه القضية الآن. هل يتصور أن يوجد ترجمة حرفية مطابقة تماماً للفظ العربي؟ الجواب: لا، ولا حتى في اللفظ العربي، بمعنى: أننا لو أردنا أن نغير ألفاظ القرآن بألفاظ عربية، فإنه لا يكون هو النص الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا ضابط في هذه المسألة: أنه لا يمكن بحال أن يغير لفظ في العربية فيؤدي معنى اللفظ القرآني، فضلاً عن أن يؤديه لفظ في لغة أخرى.

    فإذا كانت هذه القضية واضحة، فإذاً أي دعوى بأن يقرأ القرآن بغير اللفظ العربي، فإنها غير ممكنة، أو أن يترجم ترجمة حرفية، فإنها غير ممكنة، يعني: هذا في باب المحالات، وما يسمى بالترجمة الحرفية إن قصد: إن يؤتى باللفظ كما هو في لغة العرب، فهذا من باب المحالات.

    ومن لطائف الترجمة التي نفهم أنه لا تمكن، لو قلنا لأحد المترجمين: اقرأ قول الله سبحانه وتعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]، الذي أشار إليه المؤلف وترجمها للإنجليزية مثلاً، ثم جئنا بإنسان لا يعرف القرآن لكنه يعرف العربية، وقلنا له: ترجم لنا هذا النص الذي حول إلى الإنجليزية إلى العربية، هل يتصور أن يعيده كما هو في نصه العربي؟ الجواب: لا، لا يمكن، ليس فقط في القرآن، في أي ترجمة كانت، لا يمكن أن يعيد المترجم اللفظ إلى أصله العربي إلا إذا كان يعرف الأصل العربي، لكن إذا كان ما يعرف فإنه لا يمكن أن يعيده بحذافيره كما كان.

    المقصد من ذلك: أن من يتكلم عن الترجمة الحرفية لا بد أن يتصور مسألة لكي يحكم، فهي غير ممكنة أصلاً، يعني: هي في باب المحالات؛ لأنها غير ممكنة، فمن يقول ترجمة حرفية، هل يمكن ترجمة القرآن ترجمة حرفية؟ إذا كان مراده هذا فنقول: هذا محال، وإن كان مراده بالترجمة الحرفية شيء آخر، فهذه قضية أخرى، ورجعنا إلى قضية ترجمة المعاني، وترجمة المعاني شيء، واللفظ القرآني شيء آخر، يعني: لا بد من الفصل بين الأمرين، ترجمة المعاني شيء، وترجمة اللفظ القرآني شيء آخر.

    إذاً إذا كان كذلك فإنه لا يتصور قراءة القرآن العربي بغير العربية إلا إذا قيل: إن الذي يقرأ القرآن يقرؤه باللفظ العربي ولكنه يلحن، مثل ما نسمع أحياناً بعض العجم ليس عندهم حرف الحاء وحرف العين، فيقول: (الهمد لله رب العالمين)، فهذا لحن، لكنه لا يقال: إنه بغير اللفظ العربي، نقول: لفظ عربي، لكن وقع فيه لحن، وليس هذا هو مراد المؤلف.

    الخلاف عند عدم قدرة المسلم على قراءة الفاتحة بالعربية

    وطبعاً المؤلف يشير إلى خلاف حكاه بعض الفقهاء في ما لو لم يستطع المسلم أن يقرأ الفاتحة بلغة العرب، هل يجوز له أن يقرأها بغير لغة العرب، يعني: تترجم له فيقرأها بغير اللفظ العربي أو لا؟ هذا خلاف ذكر، ولكن المشاهد أنه لا يكاد يوجد مسلم في شرق الأرض وغربها كائناً من كان، لا يستطيع أن يتعلم سورة الفاتحة بالذات، مما يدل على أن الله سبحانه وتعالى قد يسر هذا القرآن بكل لسان، فإذا تعلمه فإنه يكون قادراً على القراءة، فحكاية الخلاف هي حكاية لسبب فيما لو وقع ولكنه قليل ونادر، وقد يكون في بدايات إسلام المرء، وليس بعد أن يتقن قراءة القرآن، فلا نحتاج إلى مثل هذا إلا إذا وقع بالفعل، وصار مشكلةً في أنه يوجد قوم لا يمكنهم قراءة القرآن بلغة العرب.

    قراءة القرآن بالمعنى

    يقول: (كذاك بالمعنى)، يعني: قراءة القرآن بالمعنى أيضاً لا تجوز، وهذه القراءة بالمعنى لها قضية تاريخية، وبعض القراءات التي وردت في جيل التابعين أو نسبت لبعض الصحابة، بعضهم يحملها على أنها قراءة بالمعنى، ويستدلون بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو حديث السبعة الأحرف، قال: ( ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، وآية عذاب بآية رحمة )، هم يقولون: أن هذا قوله صلى الله عليه وسلم هذا يدل على جواز القراءة بالمعنى، ويستدلون أيضاً ببعض الآثار أن أحد الصحابة كان يعلم أحد التابعين فأبدل كلمة بكلمة، فهذه تعتبر قراءة بالمعنى، لكن نقول: لو ثبتت عن آحاد من العلماء ليس طبعاً من العامة، فإنها لا تقبل لو ثبتت؛ لأن الأصل قراءة القرآن كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

    ومن جعل هذا الحديث شاهداً له فهذا نقول: فيه شبهة، ولكنه لا يدل على ما ذهبوا إليه.

    ومن باب الفائدة: هذا المقطع من الحديث مشكل، يعني: إذا كان حديث الأحرف السبعة بذاته مشكلاً، فإن هذا المقطع بالذات من الأحرف السبعة أيضاً مشكل، والجواب أن يقال: إن هذا المقطع من قوله: ( ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، وآية عذاب بآية رحمة )، أنه نزل مع أول نزول الأحرف السبعة، ثم رفع، والدليل على رفعه: أننا لا نجد في القرآن المتواتر بين أيدينا مثالاً لذلك، في أنه يستبدل آية رحمة بآية عذاب، يعني: أنه استبدل آية رحمة بآية رحمة، أو آية عذاب بآية عذاب، ونجدها موجودة ومذكورة عندنا في القرآن، فما دامت غير موجودة، وقد نزلت بها الرخصة زمناً، فمعنى ذلك: أنها كانت زمناً معيناً ثم نسخت هذه الرخصة، هذا أقوى جواب عن هذا المقطع الذي في حديث الأحرف السبعة.

    وعلماء الوقف والابتداء لهم نظر آخر في الحديث، ولكن حديث الأحرف السبعة لا يدل عليه، يعني: سياق حديث الأحرف السبعة لا يدل على تخريج علماء الوقف، وعلماء الوقف أخذوه من باب الوصل والوقف، فنقول: إن حديث الأحرف السبعة سياقه لا يدل على ما ذهبوا إليه.

    إذاً أجمع العلماء: على أنه لا يجوز قراءة القرآن بالمعنى، وأنه لا يوجد لفظ يمكن أن يؤدي اللفظ القرآني بتمامه، نعم قد يؤدي جزءاً من معناه، ولهذا يقول ابن عطية : أنك لو أخذت لفظاً من القرآن ثم أدرت لسان العرب لتجد لفظاً غيره فإنك لن تجد، يعني: من شدة فصاحة القرآن؛ لأنه لا يمكن أن توجد لفظة يمكن أن تركب مكان لفظة من ألفاظ القرآن.

    1.   

    الفرق بين التفسير والتأويل

    ثم قال: [ كذاك بالمعنى وأن يفسرا بالرأي لا تأويله فحررا ].

    يعني: ويحرم أن يفسر بالرأي، (لا تأويله)، أي: يجوز تأويله ولا يجوز تفسيره بالرأي، يعني: بناءً على قول الناظم، التأويل بالرأي يجوز والا ما يجوز؟ يجوز. والتفسير بالرأي لا يجوز، يعني: إذاً هو جعل التفسير شيئاً والتأويل شيئاً آخر، ونحن إذا رجعنا إلى الأصل نجد أنه قال: ويحرم تفسيره بالرأي، قال صلى الله عليه وسلم: ( من قال بالقرآن برأييه أو بما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار ).

    ثم قال بعد ذلك: (لا تأويله)، أي: لا يحرم بالرأي للعالم بالقواعد، قال: والفرق أن التفسير للسيوطي الشهادة على الله تعالى والقطع بأنه عنى بهذا اللفظ هذا، فلم يجز إلا بنص من النبي صلى الله عليه وسلم، أو الصحابة الذي شاهدوا التنزيل والوحي، قال: ولهذا جزم الحاكم : بأن تفسير الصحابي مطلقاً في حكم المرفوع. طبعاً الكلام هذا فيه نظر، وليس هذا مقام التفصيل.

    ثم قال: وأما التأويل فهو ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله تعالى، قال: فاغتفر، يعني: اغتفر التأويل ولم يغتفر التفسير.

    ثم قال: وقد اختلف جماعة من الصحابة والسلف في تأويل آيات، ولو كان عندهم فيها نص من النبي صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، إلى آخر كلامه.

    الآن التفريق بين التفسير والتأويل بهذا المنظور الذي ذكره الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في شرحه، هل هذا التفريق تفريق صحيح ومعتبر، أو فيه نوع من التخصيص وتخصيص لا دليل عليه؟ يعني: هل هناك دليل على صحة هذا التفريق؟

    التخصيص في التفريق بين التأويل والتفسير

    لو تأملنا لن نجد دليلاً على صحة هذا التفريق، بمعنى: أنه جعل التفسير بهذا المعنى والتأويل بمعنى تخصيص، ومن قاله طبعاً هو قيل قبل السيوطي رحمه الله تعالى، و السيوطي اعتمده هنا، فمن قال بهذا فهو نوع من التخصيص للمصطلحات، وهذا التخصيص إن حكم به على الإطلاق فهو غير مقبول، بمعنى: لو قال هذا العالم: هذا هو الفرق بين التفسير والتأويل لا غير، وأبطل جميع الفروق الأخرى التي ذكرها العلماء، فنقول: إن هذا التخصيص الذي ذكرته في الفرق بين التفسير والتأويل لا دليل عليه، وإنما هو مصطلح خاص، لكن إذا جعل هذا اصطلاحاً خاصاً مثل ما فعل الماتريدي في تفسيره واعتمد هذا التفريق، وكتب تفسيره على هذا المنهج، وحينما نتعامل مع الماتريدي في تفسيره، وهو قد استخدم هذا المصطلح، هل نخطئ الماتريدي من جهة المصطلح، نقول: لا هذا خطأ، أو نقول: ما دام قد اعتمد هذا المصطلح لنفسه، فنحن نحاكمه لمصطلحه، بمعنى: أننا إذا قرأنا في تفسير الماتريدي نحاكمه لمصطلحه، ما التفسير عندك؟ وما التأويل عندك؟ فإذا حكمناه إلى مصطلحه الذي اصطلحه فهذا هو الصواب، لكن أيضاً نقول: إن هذا المصطلح الذي اختاره هو خاص به، وقد طبقه في كتابه، ولكنه ليس هو الصحيح في الفرق بين التفسير والتأويل.

    العمل التفسيري

    ننظر المسألة من زاوية أخرى، (العمل التفسيري)، ما معنى العمل التفسيري؟ يعني: أنا إذا أردت أن أقرأ في التفسير وأعرف الراجح من المرجوح، أو إذا أردت أن أفسر القرآن، هل هذه المصطلحات تكون حاضرة في ذهني، وأفرق حينما أتعامل مع التفسير أو لا؟ لننظر مثالاً: لما نأت إلى قول الله سبحانه وتعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [التكوير:15-16]، فأنت غافل عن مصطلحات التفسير والتأويل كلها، ولو قلت لك: ما معنى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [التكوير:15]؟ تقول: والله أنا قرأت في تفسير ابن كثير فوجدته يقول: إن بعض السلف قالوا: إن الخنس هي النجوم والكواكب، فإذا أردت أفسر الآية تقول: (فلا أقسم بالنجوم والكواكب)، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [التكوير:16]، يعني: حال خنوسها وحال جريانها وحال كنوسها. فالمعنى الآن بالنسبة لك كعمل تفسيري انتهى. لكن لو جاء آخر وقال: لا، أنا قرأت أيضاً أن الراجح: أنها بقر الوحش والظباء، أقول: أنا أفسر، فقلت: يقسم ربنا ببقر هذا الوحش والظباء حال خنوسها وكنوسها، وبينت معنى الخنوس والكنوس في بقر الوحش والظباء والجريان، وبين صاحبك معنى الخنوس والكنوس والجريان في النجوم، فأنا لما اختار هذا القول عمله التفسيري الآن صحيح أو ليس بصحيح؟ يعني: ما الخلاف الذي صار بينك وبينه وهي مجرد اختيار المعنى؟ هل هذا المعنى هو المراد، أو هذا المعنى هو المراد؟ لكن أنت الآن تعتبر في العمل التفسيري مفسراً، أو لا تعتبر مفسراً في هذا المقام؟ تعتبر مفسراً، وصاحبك أيضاً يعتبر مفسراً، بمعنى: أن الاختيار من هذه الأقوال لم يخرجك عن دائرة التفسير؛ لأن فيه أقوالاً متعددة.

    نأتي إلى مثال آخر: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، قال ابن أبي حاتم : لا أعلم خلافاً بين المفسرين في هذا الحرف: أن المغضوب عليهم اليهود، وأن الضالين النصارى، وهو التفسير الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هناك قول آخر، وكل الأقوال التي قيلت بعد ذلك هي مندرجة في النهاية تحت هذا القول، فالآن عندنا قول واحد، لما أقول لك: ما معنى المغضوب عليهم والضالين؟ تقول: اليهود والنصارى، ولما أسأل غيرك يقول: اليهود والنصارى، الآن كعمل تفسيري هل اختلف الآن طريقة تفسيرك في المغضوب عليهم والضالين عن طريقة تفسيرك في الخنس؟ لم يختلف، يعني: أنت الآن في العمل التفسيري سواء كان ما هناك إلا قول واحد، يعني: نقطع على الله أنه أراد بقوله: غَيْرِ المَغْضُوبِ [الفاتحة:7]، اليهود، و الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، النصارى، لماذا نقطع؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فسر هذا، ولأنه لم يرد خلاف بين السلف في أن المراد به هذا المعنى.

    هذا بناءً على قول الماتريدي الذي نقله الآن السيوطي ، ولكن لما نأت عند الْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [التكوير:15-16]، بناءً على رأي الماتريدي الذي ذكره السيوطي ، سيكون تأويلاً وإلا تفسيراً؟ سيكون تأويلاً؛ لأنه الآن عندك اختيار متعدد، فإذا كان اختياراً متعدداً يسميه تأويلاً، يعني: عملك تأويل، وإذا صار قولاً واحداً ليس هناك غيره فيسميه تفسيراً.

    هذا الآن التفريق هل هو داخل العمل التفسيري، وإلا خارج العمل التفسيري؟ يعني: هل هو من صلب العمل التفسيري أو خارج؟

    هو في الحقيقة وصف خارج العمل التفسيري، يعني: هذا وصف أنت تصف هكذا، أنا كمفسر لا يلزمني هل هذا تفسير أو تأويل على رأيك، في النهاية أنا في قوله: غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، مفسر، وفي قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [التكوير:15]، مفسر، الحقيقة أني مفسر، أنا شرحت لك رأيي، والآن أنبه أنه في العمل التفسيري هل يختلف العمل التفسيري بين كوني فسرت في آية الفاتحة وكوني فسرت في آية التكوير اختلف؟ ما يختلف، يعني: العمل التفسيري واحد.

    فإذاً قضية التفريق التي ذكرها السيوطي رحمه الله تعالى هي قضية لا اعتبار لها في العمل التفسيري، وإلا نضطر نقف عند كل آية وننظر: هل نقطع على الله أو ما نقطع؟ والدليل على أننا نقطع هو كذا وكذا، وإذا كنا ما نقطع فهو تأويل، وهذه مسألة طويلة تدل على صعوبة هذا الأمر، ولهذا نقول: إن هذا التفريق غير سليم، وفيه نظر.

    الصحيح في التفريق بين التأويل والتفسير

    طبعاً التفريق الصحيح في أن التأويل يأتي بمعنى التفسير كما هو وراد في القرآن، وكما هو وارد أيضاً عند السلف، وهو الذي عليه جمهور العلماء من المفسرين واللغويين، وأن التأويل ينفرد عن التفسير بمعنى آخر وهو ما تئول إليه حقيقة الشيء، هذان المعنيان للتأويل كل ما قيل من الفروق المذكورة بين التفسير والتأويل غير هذين، فإنها ترجع إلى أحدهما لا محالة، فإن لم يرجعا إلى أحدهما فإن ذلك يدل على إشكال في القول المذكور.

    يعني: كل ما قيل في الفرق بين التفسير والتأويل، فإنه يرجع إلى ما ذكره السلف: أن التأويل بمعنى التفسير، أو التأويل ما تئول إليه حقيقة الشيء، فإن لم يرجع إلى أحد القولين، فهذا يدل على أن في هذا التفريق إشكالاً من جهة أخرى، والمثال الذي ذكرناه الآن في قضية القطع وعدم القطع، هل يختلف عندي وعندك في الحالين أن نقول: أولت قوله تعالى: غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، بأنهم اليهود، وأولت قوله: الْخُنَّسِ [التكوير:15]، بأنها النجوم، أو أقول: فسرت قوله تعالى: غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، بأنهم اليهود، وفسرت قوله: الْخُنَّسِ [التكوير:15]، بأنها النجوم، هل هناك إشكال في العبارتين؟ ما هناك إشكال، إذاً لاحظوا كل هذا التفريق رجع إلى معنى التفسير، وفي النهاية سميته تأويلاً وتفسيراً، وفي النهاية في الحقيقة تفسير، وهو في النوع الأول من أنواع التأويل الذي يطابق التفسير، أو يماثل التفسير.

    مثال آخر: من المشهور عندنا أن المتأخرين يقولون: بأن التأويل صرف اللفظ عن ظاهره، أو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لقرينة. ولما نأت الآن إلى قولهم: (صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المرجوح لقرينة) إذا صح تطبيق هذا المصطلح على آية من الآيات، هو في النهاية تفسير، فإذاً في الحقيقة كل الفروق التي تذكر في الفرق بين التفسير والتأويل هي في النهاية مآلها إلى أحد هذين النوعين من التأويل، إما أن تكون التأويل بمعنى التفسير، وإما أن تكون التأويل ما تئول إليه حقيقة الشيء، وإذا خرج عن هذين فإنه يدل على أن هناك مشكلة في المصطلح، والعلماء قد أطالوا في قضية الفرق بين التفسير والتأويل.

    هذا باختصار ما يتعلق بقضية الفرق بين التفسير والتأويل كما أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى.

    1.   

    معرفة المكي والمدني

    قال رحمه الله تعالى:

    [ العقد الأول: ما يرجع إلى النزول زماناً ومكاناً، وهو اثنا عشر نوعاً.

    الأول والثاني: المكي والمدني.

    مكيه ما قبل هجرة نزل والمدني ما بعدها وإن تسل

    فالمدني أولتا القرآن مع أخيرتيه وكذا الحج تبع

    مائدة مع ما تلت أنفال براءة والرعد والقتال

    وتالياها والحديد النصر قيامة زلزلة والقدر

    والنور والأحزاب والمجادلة وسر إلى التحريم وهي داخلة

    وما عدا هذا هو المكي على الذي صح به المروي ].

    في هذا العقد الأول وهو ما يرجع إلى النزول، كما قال: زماناً ومكاناً، ذكر فيه البلقيني اللي هو صاحب الأصل الأول، ذكر فيه اثنا عشر نوعاً، وزاد السيوطي في التحبير إلى عشرين نوعاً.

    مستند القول بمكية ومدنية السور والآيات

    يقول:

    مكيه ما قبل هجرة نزل والمدني ما بعدها وإن تسل

    الآن أن المكي: ما نزل قبل الهجرة، والمدني: ما نزل بعد الهجرة، هل هو قول مأخوذ عن الصحابة أو عن التابعين أو عن أتباع التابعين؟ يعني: هل ورد عن الصحابة أن المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعد الهجرة؟ الجواب: لا، يعني: من خلال الآثار لا تعطي أن الصحابة كانوا يتعاملون بهذا التفريق المذكور بهذه الطريقة.

    كذلك التابعون لم يذكروا هذا المصطلح، وأول من ذكره من أتباع التابعين: يحيى بن سلام البصري المتوفى سنة (200ه) ذكره في مقدمة تفسيره، و الحسين بن علي بن واقد أو الحسين بن واقد ذكر أيضاً هذا المصطلح، وهم في طبقة صغار أتباع التابعين.

    لكن ما دام لم يذكر في عهد الصحابة والتابعين، ماذا نحتاج نحن لكي نفهم تاريخ المكي والمدني؟ لو رجعنا الآن إلى الروايات الواردة عن الصحابة والتابعين سنجد أنهم يعنون بالمكان، يعني: عنايتهم بالمكان، يعني: نزلت في مكة، نزلت في المدينة، نزلت في جوف الكعبة، نزلت في الحديبية، نزلت في مقفله من تبوك، يعني: يحددون المكان، وأحياناً يشيرون إلى الزمان، يعني: أصل علمهم بهذا الشكل، فأيها يقدم؟ القول المتأخر هذا أو قول الصحابة أو عمل الصحابة والتابعين؟ يعني: عمل الصحابة والتابعين هذا هو الأصل؛ لأن مبحث المكي والمدني الأصل فيه أنه نقلي، هذا هو الأصل فيه، وإن كان قد يدخله الاجتهاد، لكن الأصل فيه أنه نقلي، فهو من مباحث النقل، لا بد أن يروى عن الذين شهدوا التنزيل.

    إخبار الصحابة والتابعين بمكان النزول دون زمانه

    لكن يقع سؤال: هل معنى ذلك لما أقول: إن الصحابة والتابعين كانوا يعنون بمكان النزول، هل كانوا يغفلون زمان النزول؟ الجواب: لا؛ لأنه ما من قول بالمكان إلا وهو يتضمن الزمان، ما الدليل على ذلك؟ الدليل حديث اليهودي مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما قال لهم: ( آية لو نزلت علينا معشر اليهود لجعلنا يومها عيداً، هو يقصد آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3]، يقول عمر رضي الله عنه: والله إني لأعلم أين نزلت، قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة )، إذاً نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرفة، هو حدد المكان أنه في عرفة، لكن لما حدد المكان، هل يفهم منه أن عمر يلغي الزمان؟ لأنه معروف أن عرفة كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة كان بعد الهجرة.

    فإذاً القاعدة هنا أن ننتبه أن كلام السلف أكمل في هذا الباب، فهم يشيرون إلى المكان المتضمن للزمان، وكلام المتأخرين ليس قولاً مقابلاً لقول السلف، يعني: هذا الكلام في الضابط ليس قولاً مقابلاً لقول السلف، بل نجعله ضابطاً، يعني: فرق بين أن نجعله قولاً، ونجعله ضابطاً.

    والصواب عندي أن نقول: إن هذا المذكور هو ضابط في المكي والمدني، وليس قولاً مستقلاً، لماذا؟ لأننا لو قلنا قولاً مستقلاً نحن نصدم بعمل السلف، فالسلف كانوا يعتمدون المكان، ما كان يقول: نزلت قبل الهجرة، نزلت بعد الهجرة، هذا التفريق بهذا الأسلوب ما جاء إلا متأخراً، لم يكن في عهد الصحابة والتابعين، لكن كانوا يعملون الزمان وهو واضح في آثارهم، يعني: واضح جداً جداً.

    مثال ذلك: لما نأت إلى قوله سبحانه وتعالى: مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد:43]، يعني: قيل لـسعيد بن جبير إنه عبد الله بن سلام ، قال: ما شأن عبد الله بن سلام وهذه الآية، إنما نزلت بمكة، طبعاً سورة الرعد مختلف فيها، لكن على رأي سعيد بن جبير أنها نزلت بمكة، اعتبر الزمان وإلا ما اعتبره؟ اعتبر الزمان بوضوح.

    أيضاً مسروق لما جاء عند قوله: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف:10]، قيل له: إن قوماً يقولون: إنه عبد الله بن سلام نفس القضية، قال: إن كانت هذه السورة نزلت في مكة، وإن الشاهد موسى، فإذاً اعتبر الزمان وإلا ما اعتبر الزمان؟ اعتبر الزمان.

    فإذاً ونحن نحرر في مصطلحات العلماء، نجدهم أحياناً قد يجعلون قولاً مقابل قول، وإذا تأملنا نجد المسألة ليست القول المقابل، قالوا: إنما الصواب أن نقول: إن أصل اعتبار المكان، وإنما ذكره هؤلاء المتأخرون من باب الضابط، وليس من باب القول المقابل.

    إذا ما جعلنا من باب القول المقابل ما يحتاج نقول: القول الأول: من اعتبر المكان، القول الثاني: من اعتبر الزمان، مع أن من يتكلم بهذا لم يشر أحد منهم إلى أن عمل السلف على المكان، لا يغفلون المكان ألبتة، ولهذا أنا ألاحظ سورة مكية ومدنية كلها على هذا المنوال، لكنهم لا يغفلون الزمان، إذاً كيف نتعامل مع هذه المسألة؟ نقول: الأصل اعتبار المكان واعتباره لا يلغي الزمان، ونعمل بالضابط الذي ذكره المتأخرون: أن ما قبل الهجرة مكي، وما بعد الهجرة مدني، فإذاً نعمل القول المتأخر، لكننا نفهم أنه ضابط، وأيضاً نعتبر عمل السلف ولا نغفله حينما يبينون أماكن النزول، وإلا لو كان عمل السلف على هذا المصطلح لفقدنا جزءاً من علم القرآن، وهو علم أماكن ومواقع النزول، أين نزل؟ يعني: هذه المواقع سنخسرها، لا نعرف أين نزلت آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، لو كان عمر بن الخطاب يستخدم أسلوب ما قبل الهجرة وما بعد الهجرة، لو قال: هذه نزلت بعد الهجرة بناءً على الرأي هذا، فإذاً نفقد مكان نزولها الذي هو مهم جداً أنها نزلت عشية عرفة.

    الراجح في المكي والمدني من القرآن

    إذاً ليس هناك أقوال في المكي والمدني، مثل ما ذكر السيوطي رحمه الله تعالى لما قال: القول الأول: أنه ما نزل بمكة هو مكي، وما نزل بالمدينة هو مدني، ولم يقل أحد بهذا من السلف، وإنما هم يعتبرون أماكن النزول؛ لأنه جاء بعض من يعترض على القول، يقول: وهذا القول أنه فيه قصور؛ لأن هناك آيات نزلت خارج مكة وخارج المدينة، فلا تدخل بين التقسيم، وهذا ليس بصواب، حكاية القول فيها قصور، والصواب أن يقال: اعتبار المكان بغض النظر عن أين؟ في مكة في المدينة، في تبوك في الحديبية، في أي مكان كان، فإنا نعتبر المكان، يقولون: القول الثاني: باعتبار الزمان، أن ما نزل قبل الهجرة وما نزل بعد الهجرة.

    ويذكرون قولاً ثالثاً هو في الحقيقة ليس بقول، ولا أدري كيف ذكر، لقضية اعتبار الخطاب: ما كان يا أيها الناس فهو مكي، وما كان يا أيها الذين آمنوا فهو مدني، وهذا ضابط في بعض الآيات والسور، ولا تحتمله جميع السور، لكن حكوه هكذا، لكن أقوى القولين الأول والثاني، ثم بدءوا يرتبون على ذلك: أن الراجح هو القول الثاني.

    والذي أراه أن هذا ضابط، وإذا كان ضابطاً لا نحتاج إلى أن يكون هناك أقوال، فننبه على اعتبار المكان، ثم نضيف إليه الزمان.

    ذكر السور المدنية والمكية

    هنا بعد ما ذكر السور المكية والمدنية، وذكر طبعاً السور المدنية، يعني: ذكر منها جملة.

    قال: وما عدا هذا هو المكي على الذي صح به المروي

    وقوله: (على الذي صح به المروي) هذا لا شك أنه مشكل؛ لأنه وقع خلاف في بعض السور مثل سورة: الرعد، يعني: هل هي مكية أو مدنية، يعني: وقع فيها خلاف شديد، وكذلك سورة الحج وقع فيها خلاف شديد، هل هي مكية أو مدنية؟ فليس الترجيح فيها صعب وعسر، يمكن أن يرجع في هذا الموطن إلى كتاب المكي والمدني لـعبد الرزاق حسين أحمد ، وهو كتاب نفيس جداً في باب المكي والمدني، وفيه تحرير لجميع هذه المسائل، ثم الرسالة التي تليها ولعلها إن شاء الله تطبع للدكتور محمد الفالح أيضاً في المكي والمدني؛ لأن الدكتور عبد الرزاق أخذ من بداية المصحف إلى سورة الكهف، ثم أكمل الدكتور محمد الفالح إلى نهاية المصحف، ولعلها إن شاء الله تطبع، فيكتمل بهذا هذا المبحث المتعلق بالمكي والمدني.

    أثر المكي والمدني في علم التفسير

    هناك مسألة في المكي والمدني: ما هو أثر المكي والمدني في التفسير، يعني: هل هو من علوم التفسير؟ فإن كان من علوم التفسير هو مباشرة يكون من علوم القرآن، يعني: هل نحتاج إلى معرفة المكي والمدني لفهم معنى الآية، أو لترجيح قول على قول؛ لأن ترجيح قول على قول يرتبط به فهم المعنى، يعني: من خلال ما ذكرت لكم من أمثلة، نحتاج للمكي والمدني أو ما نحتاج؟ يحتاج إلى المكي والمدني، يعني: هناك مسائل في المكي والمدني يحتاج إليها للترجيح بين الأقوال، يعني: مثل ما ذكرنا عن مسروق وذكرنا عن سعيد بن جبير ، وكذلك في آية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا [النساء:93]، ابن عباس استدل بالمكي والمدني على أن الآية لم تنسخ؛ لأن آية الفرقان مكية، وهذه الآية مدنية.

    فإذاً استخدامات المكي والمدني في التفسير موجودة وتطبيقاته، ومعرفته مهمة في التفسير، أيضاً في الناسخ والمنسوخ، مثل ما ذكرنا قبل قليل عن ابن عباس وهو عمدة الناسخ والمنسوخ، يعني: علم الناسخ والمنسوخ يقوم على معرفة المتقدم من المتأخر، والمكي من المدني، الذي هو علم الناسخ والمنسوخ.

    فإذاً هذا العلم سنجد أنه من العلوم المشتركة بين علوم القرآن وبين علوم التفسير، لكن نحن يعنينا الآن أن نعرف ما هو القدر الذي نحتاجه من علم المكي والمدني في التطبيقات، وسنحتاجه في حال الترجيح.

    علاقة المكي والمدني بفهم معنى الآيات

    هناك أمر آخر أيضاً أحب أن ألفت النظر إليه: أن لا علاقة لها بفهم المعنى، ولكن لها علاقة بتصوير الحال، وهو من يستخدم تطبيقات المكي والمدني لإبراز مثلاً مرحلية دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، المعنى عنده لا يختلف، لكن كلامه عن الآيات هو الذي سيقع فيه تحديد مسار، إذا كانت السورة مكية أو كانت السورة مدنية، ومعنى ذلك: أن التعليق على الآيات بهذه الصورة ليس له أثر مباشر في فهم المعنى، ولا يغير المعنى، ولكن قد يكون هناك فوائد مرتبطة بالتربية والتزكية والدعوة إلى الله، وهذه الفوائد تدخل في باب الفوائد، ولا تدخل في باب التفسير، وهذا ينتبه لها.

    يعني: الآن لما نأت إلى بعض الكتب التي تعنى بالدعوة إلى الله، ويأتي بعضهم ويكتب في التفسير على هذا المنهج على الأسلوب على هذا المنوال، مثل ما كتب سيد ، هو في الأساس كتب كتابات كثيرة مرتبطة بهذا المعنى، هو الآن لما يتكلم عما يسمى بظلال الآية، أو ما يسمى بإيحاءات الآية أو غيرها، هل هو الآن يغير لنا معنى الآية بكلامه الذي يأتي به، أو هي مجرد فوائد يضيفها من خلال القراءة لسياق الآية، وأن هذا السياق مكي؟ هو حقيقة يعطينا فوائد، فإذاً الفوائد والاستنباطات شيء، وفهم المعنى شيء آخر، فالمعنى لا يتغير، ولو تغير المعنى هناك نقول: نعم، هنا في تفسير، لكن الغالب فيمن يتحدثون في هذا الباب أنهم لا يغيرون المعاني، ولا يأتون بمعان جديدة في الآيات، وإنما يذكرون فوائد مترتبة على الآيات.

    بناءً على هذا الكلام ونحن نعرض الآيات أو نسمع من يتكلم عن الآيات، هل هو حينما يتكلم عن الآيات ويأتي بشيء جديد، يغير المعنى الذي ذكره السابقون، أو هو يضيف مجرد فوائد واستنباطات فقط؟ في الغالب أنهم في باب الفوائد والاستنباطات، وهو الذي يقوم عليه ما يسمى بالتفسير الموضوعي اليوم، والذي لا يقدم جديداً في المعاني، يعني: منهجية التفسير الموضوعي لا تقدم جديداً في المعاني، وإنما تقدم جديداً في الفوائد والاستنباطات، ولهذا تسميته بالتفسير الموضوعي هي تسمية فيها تسامح، وإلا الحقيقة هو باب من أبواب الاستنباط، ولو سمي بالموضوعات القرآنية أو البحث الموضوعي في القرآن لكان أدق، لماذا؟ لأن من يأتي إلى هذا المنهج الذي هو المنهج الموضوعي، فهو لا يقدم لنا معنى جديداً، والمعنى الجديد إذا قدم فهو تفسير، يعني: جاء إلى آية وقال: معناها كذا غير ما ذكره من سبقه فهو تفسير، لكنه هو يعتمد على ما ذكره السابقون من المعنى، ويضيف فوائد يرتبها حسب جمعه للآيات المتناظرات بعضها مع بعض، فيستنبط استنباطات كثيرة منها، ويخرج فوائد من هذا الجمع، لكنها في النهاية لا تؤثر على المعنى.

    ومسألة تحديد المصطلحات ستنضبط عندنا أموراً كثيرة جداً، وفي شيوع المصطلحات وتشعبها وعدم وضوحها، سيكون عندنا نوع من الخلط في هذه المسائل، مثل ما في قضية التفسير والتأويل وكثرة الخلاف في الفرق بين التفسير والتأويل، مع أن المسألة محسومة وواضحة في كتاب الله سبحانه وتعالى، ثم في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم في كلام السلف، ثم في كلام أئمة اللغة، كان الأمر واضحاً ليس فيه إشكال، لكن لما بدأت تدخل أسباب خارج قضية اللغة والقرآن، وكما تعلمون قضايا العقائد بالذات أو ما يتعلق بالمذاهب الفقهية أو المصطلحات لها، بدأ يتغير أو بدأت تخرج هذه الخلافات في الفرق بين التفسير والتأويل.

    1.   

    معرفة الحضري والسفري

    قال رحمه الله تعالى:

    [ النوع الثالث والرابع : الحضري والسفري.

    والسفري كآية التيمم مائدة بذات جيش فاعلم

    أو هي بالبيداء ثم الفتح في كراع الغميم يا من يقتفي

    وبمنى اتقوا وبعد يوما وترجعون أول هذا الختما

    ويوم فتح آمن الرسول لآخر السورة يا سئول

    ويوم بدر سورة الأنفال مع هذان خصمان وما بعد تبع

    إلى الحميد ثم إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم

    بأحد وعرفات رسموا اليوم أكملت لكم دينكم

    وما ذكرنا ها هنا اليسير والحضري وقوعه كثير ].

    الحضري نسبة إلى الحضر؛ يعني: ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم وهو في مكة أو في المدينة، يعني: في الحاضرة، والسفري: ما نزل عليه حال أسفاره.

    أيهم أكثر الحضري أو السفري؟ الحضري، ولهذا كل الأمثلة التي ذكرها هي تمثيل للسفري كآية التيمم كما قال:

    والسفري كآية التيمم مائدة بذات جيش فاعلم

    وهذه هي القصة المشهورة عن عائشة رضي الله عنها لما أضاعت قرطها، فأخرت الجيش عن المسير تبحث عن قرطها فأدركتهم الصلاة، وليس معهم ماء، فأنزل الله سبحانه وتعالى آية التيمم، فكان هذا بركة من بركات الصديقة رضي الله عنها.

    قال بعدها: (أو هي بالبيداء ثم الفتح في كراع الغميم ..).

    هذا من الأمثلة التي يذكرها أنها خارج الحضر، يعني: خارج الحاضرة، فإذا تأملنا الآن كل ما ذكره مثل قوله: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا [الحج:19]، لاحظ عن: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا [الحج:19]، نزلت في بدر، فإذاً هي في حال السفر، وليست في حال حضر، أيضاً لما ننظر في قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، نزلت عليه بعرفات، وهو في حال أيضاً سفر، فكل هذه الأمثلة التي ذكرها في حال السفر، وما عدا ذلك فهو في حال الحضر؛ لأن الحضر هو الأصل.

    أثر معرفة الحضري والسفري في فهم معاني الآيات

    والسؤال: هل معرفتك للحضر والسفر يؤثر في فهم المعنى؟ يعني: إذا عرفنا أن آية التيمم نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم في حال سفره، وهم بذات الجيش، هل يؤثر على فهم المعنى؟ هل يتغير المعنى لو أنت ما علمت أنها نزلت بذات الجيش؟ لو ما علمت أن آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، نزلت على رسول صلى الله عليه وسلم عشية عرفة تفقد المعنى؟

    إذاً هذا الباب من علوم القرآن الصرفة، وليس من علوم التفسير، يعني؛ لأن الضابط عندنا هو فهم المعنى، هل يتبين المعنى بهذه المعلومة أو لا يتبين؟ فإذاً هذا هو ضابطه.

    مستند الحضري والسفري

    أيضاً هذا المبحث الذي هو الحضري والسفري نقلي بحت، ولاحظوا أن المكي والمدني الأصل فيه النقل، وما دام قلنا الأصل، فمعنى ذلك: أنه قد يعترض أنه يدخله باب الاجتهاد، ولهذا ذكر بعض العلماء ومنهم الجعبري يقول: المكي والمدني له طريقان: النقل والقياس، لكن أيهما الأصل؟ الأصل النقل، فلا بد أن ننبه على هذه الفائدة أن الأصل النقل، فإذا عدم النقل رجعنا إلى القياس، لكن لا يمكن الاجتهاد في الحضري والسفري، فالأصل فيه النقل، فإذاً هو من علوم القرآن النقلية يحتاج بها إلى نقل، مثلاً لما أقول: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:1-2]، هل نستطيع أنت بالقياس أن تعرف أنها حضرية أو سفرية؟ لا نستطيع أن نحدد هل هي حضرية أو سفرية، لكن لما علمنا السفري قلنا: ما عداه فهو الأصل فيه أنه حضري فقط.

    1.   

    معرفة الليلي والنهاري من الآيات والسور

    قال رحمه الله تعالى:

    [ الخامس والسادس: الليلي والنهاري.

    وسورة الفتح أتت في الليل وآية القبلة أي فولِ

    وقوله يا أيها النبي قل بعد لأزواجك والختم سهل

    أعني التي فيها البنات لا التي خصت بها أزواجه فأثبت

    وآية الثلاثة الذين أي خلفوا بتوبة يقينا

    فهذه بعض لليلي على أن الكثير بالنهار نزلا]

    هنا نفس القضية ذكر الأقل وأحال على الأكثر، طبعاً الليلي نسبة إلى ما نزل بالليل وهو أقل، والنهار ما نزل بالنهار وهو الأكثر، وسورة الفتح كما هو المشهور نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قافل من غزوة الحديبية بالليل. وأيضاً: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144]، اللي هو تحويل القبلة أيضاً نزلت عليه بالليل، وقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ [الأحزاب:59]، التي في سورة الأحزاب: لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ [الأحزاب:59]، أيضاً بالليل، اللي قال:

    أعني التي فيها البنات لا التي خصت بها أزواجه فأثبت

    وكذلك آية الثلاثة الذين خلفوا كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنها نزلت أيضاً بالليل، فإذاً هي أمثلة لما نزل بالليل فقال:

    فهذه بعض لليلي على أن الكثير بالنهار نزلا

    أثر معرفة الليلي والنهاري من الآيات والسور

    ولما نرجع إلى هذا النوع نقول: هل له أثر في فهم المعنى؟ هل يتغير المعنى إذا كان نهارياً أو ليلياً؟ إذاً هذا من علوم القرآن وليس من علوم التفسير، يعني: إذا وجد في كتب التفسير فهو من علوم القرآن التي تضمن كتب التفسير، ولا يلزم أن يكون هو من علوم التفسير؛ لأننا لا ننطلق من إثبات علوم التفسير من كتب التفسير؛ لأن كتب التفسير ذكرت التفسير وزيادة، لكن إذا فهمنا أن التفسير هو فهم المعنى وجعلناه هو الضابط، فسيتضح لنا ما هو الذي يمكن أن يدخل من علوم التفسير ومن الذي لا يدخل.

    1.   

    معرفة الصيفي والشتائي من الآيات

    قال رحمه الله تعالى:

    [ السابع والثامن: الصيفي والشتائي.

    صيفية كآية الكلالة والشتائي كالعشر في عائشة ].

    كيفية معرفة الصيفي والشتائي

    بداية هل نحن نأخذ المعلومات من النص أو من أحواله؟ من أحواله، يعني: هذه العلوم مأخوذة من الأحوال المحتفة بالنص، وليس من النص مباشرة؛ لأن هناك علوماً من علوم القرآن تؤخذ من النص مباشرة، وهناك علوم تؤخذ من الأحوال المحتفة بالنص.

    ولو رجعنا على سبيل المثال للحضري والسفري، هل يمكن أن نفهم من خلال النص من آية التيمم: أنها كانت سفرية، أو نفهم من آية: هَذَانِ خَصْمَانِ [الحج:19]، أنها كانت سفرية، وإنما نعرفها من أحوال، لما علمنا أنها آية: هَذَانِ خَصْمَانِ [الحج:19]، نزلت في الثلاثة من الكفار في غزوة بدر علمنا أنها سفرية، وكذلك آية التيمم علمنا أنها سفرية من حديث عائشة رضي الله عنها، فإذاً هذه فائدة أيضاً تضعونها في الذهن وأنتم تقرءون بعلوم القرآن: أن تنتبهوا إلى أن بعض علومه هي مأخوذة من خارج النص من الأحوال المرتبطة بالنص، وبعض علومه مأخوذة من النص، وسيأتي إن شاء الله بعض علومه المأخوذة من النص.

    قال: (صيفية كآية الكلالة)، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سأله عمر وأكثر عليه السؤال عن الكلالة، قال: ( تكفيك آية الصيف، التي في سورة النساء )، فسماها آية الصيف؛ لأنه لقب لها، يعني: لقبت بآية الصيف.

    وهناك مبحث لطيف في ألقاب الآيات بحثه الدكتور عبد الله الشذري فيمكن الاستفادة منه.

    قال: (والشتائي كالعشر في عائشة ) يقصد آيات نزول الإفك؛ ولما نرجع إلى الأثر نجد أن عائشة رضي الله عنها تقول: ( حتى أنه لينحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شاتٍ )، فأشارت إلى أنه كان شتاءً، فهذه العشر التي تنزل في عائشة كانت شتائية.

    تأثير معرفة الشتائي والصيفي من الآيات على فهم المعنى

    لكن هل يؤثر الآن معرفتنا لكونها شتائية أو صيفية في فهم المعنى؟

    أيضاً الجواب: لا، إذاً نلاحظ الآن أيضاً هذا من علوم القرآن، وأنه لا يؤخذ من النص مباشرةً، وإنما يؤخذ مما احتفت به من القرائن، يعني: ما ثبت به القرائن.

    وهنا فائدة استطرادية، أن أحد خبثاء الرافضة وقد تكلم في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهنا مسألة قد تخفى على من لا يطلع على تراث الرافضة، والرافضة عندهم تحريفات للنص وتحريفات في التأويل، يعني: ادعاء أن النص محرف وتحريف في التأويل، يعني: جمعوا والعياذ بالله التحريفين، يعني: تحريف النص وتحريف التأويل، طبعاً ادعاؤهم بنقص القرآن وإن كان بعضهم يتملص منه بطرائق، لكن هو ثابت في كتبهم وفي كتب من يعتبرونه حجة، فإذا كان أمامك قال: هذا قول فلان ونحن لا نعتبره، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة:14]، في عائشة رضي الله عنها في تفسير القمي وهو من أعلام القرن الثالث عندهم، ذكر: أن العامة -يقصدنا- يقولون في آية الإفك أنها نزلت في عائشة ، وعندنا يعني: عند الرافضة: أنها نزلت في اتهام عائشة لـمارية بالزنا والعياذ بالله، وهذا كذب مركب، ولهذا هذا الخبيث لما تكلم في عرض عائشة رضي الله عنها تكلم وهو عنده هذه النصوص، وهذا النص سار في كتبهم كتاباً بعد كتاب؛ لأن هذه الآية نزلت في اتهام عائشة رضي الله عنها بزعمهم لـمارية رضي الله عنها، وهم براء من هذا كله كما تعلمون، وبعض معتدلي الشيعة مثل جواد مغنية لما جاء عند هذه الآية نص صراحة على أنه قد اتفق العلماء على أنها نزلت في عائشة صراحة، وقال: إن القول الثاني فيه شذوذ، ولهذا أقول: إن مثل هذا الكتاب أو من يتبع مثل هذا المنهج يجب عليه وجوباً الآن -يعني من الشيعة- أن يقوم وينادي بمثل هذا القول، وأن يتحمل تخطئة وتكفير هذا الذي قد رد قول الله سبحانه وتعالى، لكنه لخبثه قال: أنا أخالفكم في التفسير، أنتم تفسرون الآية على أنها نزلت في عائشة ، وأنا أفسر الآية أنها نزلت في مارية ، فإذاً هم سيتخلصون بطرق شتى.

    ولا يمكن الوئام الفكري مع هؤلاء، ما يمكن إطلاقاً لماذا؟ لأن المنطلقات مختلفة، يعني: الآن نقطة الصفر مختلفة، والخطان متوازيان لا يمكن أن يتقاطعا، وقلما نسمع أن رافضياً يقول: اللهم صلِ على محمد وآل محمد وصحبه أبداً، دائماً اللهم صلِ على محمد وآل محمد فقط، الصحابة لا يترضى عنهم؛ لأنهم مذهبهم فيهم كما هو معلوم أنهم قد كفروا إلا سبعة أو عدد يسير على خلاف عندهم. وهذه فائدة مستطردة.

    1.   

    معرفة الفراشي من الآيات والسور

    قال رحمه الله تعالى:

    [ التاسع: الفراشي.

    كآية الثلاثة المقدمة في نومه في بيت أم سلمة

    يلحقه النازل مثل الرؤيا لكون رؤيا الأنبياء وحيا ].

    الفراشي هو آية الثلاثة، فآية الثلاثة الذين خلفوا حضرية ليلية فراشية، وأيضاً مدنية.

    يعني: ممكن تجمع فيها أكثر من وصف؛ لأنها نزلت وهو في فراشه صلى الله عليه وسلم، فأخبر بها أم سلمة فأرادت أن تأخذ البشرى لـكعب بن مالك كما هو معروف بالقصة.

    وهذه الآية كونها فراشية أيضاً من علوم القرآن لا أثر لها في فهم المعنى، قال:

    يلحقه النازل مثل الرؤيا لكون رؤيا الأنبياء وحيا

    أي أنه يلحق الآن النازل هنا الرؤيا، يعني: ويلحق به ما نزل وهو نائم؛ لأن الرؤيا لا تكون إلا في المنام.

    ذكر بعض ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم

    هل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم شيء وهو في المنام؟

    جاء في حديث أنس : ( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا في المسجد، إذ غفا إغفاءةً ثم رفع رأسه متبسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: أنزلت عليّ آنفاً سورة، ثم قرأ سورة: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1] )، وهذه الإغفاءة اختلف العلماء هل هي إغفاءة نوم، أو إغفاءة حالة من حالات الوحي التي تأتيه فقال عنها أنس : أنها إغفاءة؛ لأن الخلاف الدائر بين العلماء هل هو وحي منامي، أو أنها حالة من حالات الوحي؟ هل نستطيع الآن من خلال أثر أنس أن نجزم بأحد القولين؟ ما يمكن.

    لكن بعض العلماء قالوا: هذه إغفاءة نوم، يعني: أغفى إغفاءة أي: نام، هل نستطيع أن نجزم بأحد الطرفين الآن؟ أي: هل نستطيع أن نقول: إن في سياقه ما يدل على كذا؟ هل في حال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً ما يشير إلى أحد الطرفين؟ ما نستطيع وإلا لا؟ لكن قد يقول قائل من باب الاستئناس فقط: أنه لم يعهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ينام بين أصحابه، لكنها ليست دليلاً قاطعاً، لكنه مما يؤنس، لكنه ليس دليلاً قاطعاً.

    أثر نزول بعض السور والآيات في منام النبي على صحة القرآن

    هنا سؤال: هل هناك مشكلة علمية لو قلنا: بأن سورة الكوثر نزلت مناماً؟

    إذا كان ليس هناك مشكلة علمية في كونها نزلت مناماً؛ لأن المنام وحي، فما دام ليس هناك مشكلة علمية، يعني: من قال: بأنها نزلت مناماً، هل يؤثر على صحة نقل القرآن؟ إذاً ما يؤثر، يعني: مآلات القول بكون هذه السورة بالذات نزلت مناماً، لا يؤثر على صحة نقل القرآن، وليس فيه أي أثر علمي غير صحيح أو فاسد.

    ومن القواعد المهمة ليس فقط في علوم القرآن بل في جميع مسائل الشريعة: انظر دائماً إلى المآلات، هل هناك مآلات فاسدة على القول بهذا القول أو لا؟ فإذا جاءتك مآلات فاسدة، فهذا يدل على أن هناك إشكالية في القول تحتاج إلى إعادة نظر، بمعنى: أن النظر في مآلات المسألة يبين لك هل المسألة صحيحة محتملة أو لا؟ حتى في المسائل العظيمة التي يكون فيها خلاف شديد بين العلماء.

    وهنا نقول: إن هذا المثال لو أثبتنا نزول هذه السورة مناماً، فإنه لا يؤثر على صحة نقل القرآن؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي ثابت في الكتاب والسنة، وما دام رؤيا الأنبياء وحي، ونحن نثبت أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وحياً، ننظر الآن في حال النبي صلى الله عليه وسلم معها: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3]، نقلت لنا نقلاً صحيحاً على أنها قرآن أو لا؟ إذاً نقلت نقلاً صحيحاً على أنها قرآن، وهو ثابت متواتر، فليس هناك أي مشكلة لو قيل: أنها منام.

    فلو قال قائل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل: كيف يأتيك الوحي؟ أشار إلى حالتين: أنه يأتيه كصلصلة الجرس وهو أشد عليه صلى الله عليه وسلم، ويأتيه أيضاً: يتمثل له بشراً، قال: ( فأعي ما يقول )، إذاً القرآن يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم بأحد الطريقين، كيف تتصورون أول نزول لجبريل عليه الصلاة والسلام، هل نزل بحالته الملكية أو نزل بالصورة البشرية؟

    جاء في الحديث قوله: ( فأخذني فغطني )، هو الضم إلى الصدر، وكونه يقول: ( أخذني وغطني )، هذا إشارة إلى الحالة البشرية؛ لأنه في الحالة الملكية غير الحالة البشرية هنا.

    وبغض النظر عن هذا نقول: إن الحديث هذا يشير إلى أن القرآن قد يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل في حالة بشرية، ويأتيه وهو في الحالة الملكية، وليس هناك أي أثر على نقل القرآن؛ لأن بعض من تكلم في هذا يظن أن جبريل لم ينزل بالقرآن إلا بالحالة الملكية فقط، وعنده أيضاً ظن: أنه القول بغير هذا يؤثر، وهو لا يؤثر إطلاقاً، ليس له أي أثر في قضية نقل القرآن؛ لأن القرآنية تثبت بقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم لها، والرسول كما تعلمون قرأ القرآن بين الصحابة وقرأه في الصلوات، وقرأه في مواطن متعددة في الخطب، فلا يمكن أن يغفل الصحابة أو يجهلون أن هذا قرآن أو ليس بقرآن، والمسألة فيها إن شاء الله سعة.

    لكن المقصود: أن المؤلف أشار إلى أن من قال: بأن سورة الكوثر نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم مناماً، فهي تدخل المسمى بالمنامي، وهو سماه الفراشي.

    وهذا كله لا يؤثر، وليس له علاقة بفهم المعنى، وأنه من علوم القرآن.

    ولعلنا نقف عند هذا، لأن أسباب النزول فيها طول، ونكتفي بهذا القدر.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017046748

    عدد مرات الحفظ

    723885532