إسلام ويب

أصول في تفسير السلف [4]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تنوعت طرق السلف في التعبير عن معاني القرآن، فمنها: التعبير عن اللفظ بما يقاربه، أو التعبير عن اللفظ بلازمه، أو التعبير عن اللفظ بجزء معناه. وينبغي لمن يقرأ تفسير السلف أن يفهم مصطلحاتهم، ومن أهم المصطلحات التي ينبغي فهمها: النسخ، النزول.

    1.   

    تابع كيفية معالجة تفسير السلف من جهة الإسناد والمعنى

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    نقد المعنى

    وأما ما يتعلق بقضية المعنى في تفسير السلف، فالنظر فيه يعتبر نظراً في فقه تفسير السلف، وكيف فسر السلف القرآن، وما هي الطرائق التي سلكوها في تفسير القرآن.

    فأول ما يمكن أن ينظر إليه في هذا الموضوع هو طرائق السلف في التعبير عن التفسير، نذكر بعض هذه الطرائق كأمثلة لعبارات السلف في التفسير:

    طريقة السلف في التعبير عن المعنى

    أول طريقة وهي الطريقة المشهورة هو التعبير عن تفسير اللفظ بما يقاربه.

    ونحن ارتبطنا بالألفاظ؛ لأن الأغلب مرتبط بالألفاظ، ومن تفسير الألفاظ ينتقل إلى تفسير الجمل وتفسير الآيات؛ فيلاحظ أنه في تفسير السلف أنه يفسر الألفاظ بما يقاربها، فمثلاً قوله سبحانه وتعالى: أَنْ تُبْسَلَ [الأنعام:70]، بعضهم فسرها: بأن تحبس، وبعضهم فسرها: بأن ترتهن والمعنيان متقاربان، ومثل هذا كثير عند السلف وهو التعبير عن المعنى بألفاظ متقاربة كثيرة فقد يكون أحياناً تقارب في المعنى من جهة الألفاظ، وقد يكون أحياناً من جهة الأوصاف، مثل قوله سبحانه وتعالى: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق:18] فبعضهم قال: إذا كان في الليلة الثلاثة عشرة، وبعضهم قال: إذا صار بدراً، وبعضهم قال: إذا اكتمل، وبعضهم قال: إذا اجتمع، فالتعبير عن (اتسق) بهذه المعاني الأربعة هو تعبير عنه بألفاظ متقاربة في الوصف؛ لأنه لا يكون بدراً إلا في هذه الليلة فالتعبير عن (اتسق) بهذه العبارات التي ظاهرها اختلاف، هي في الحقيقة ليست اختلافاً وإنما هي من بيان معنى اللفظ بما يقاربه من المعاني أو الأوصاف، فهذا أحد طرائق التعبير عند السلف، ولا يتميزون به وحدهم، لكن هذه أحد الأشياء التي سلكوها.

    قد يقول قائل: ألا يمكن أن يقال: إن هذا من باب الترادف؟ فنقول: مسألة الترادف نشير إليها إشارة سريعة فنقول: الترادف في اللغة العلماء فيه على قولين:

    منهم من يرى الترادف، ومنهم من لا يرى الترادف، والذين لا يرون الترادف يرون الفروق اللغوية، وهذا المسلك أدق من جهة النقل ومن جهة العقل أيضاً، فإنه لا يتصور أن يسمى الشيء باسمين من مادتين مختلفين ويكون له نفس معاني الاسم الأول.

    لكن الذين قالوا بالترادف فيما يبدو والله أعلم لا يخالف من قال بالفروق؛ لأن من قال بالترادف نظر إلى المعنى الجامع بين الألفاظ، ومن قال بالفروق نظر إلى دقائق الفروق، فمن قال بالترادف نظر إلى المعنى الجامع بين هذه الكلمتين، فمثلاً لما نقول: حجر وحصى، فالحجر والحصى يطلق على مادة واحدة، لكن تسميته حجراً غير تسميته حصى، من جهة الاشتقاق.

    فمن نظر إلى الاسم الذي يسمى به بهذه الاسماء جعله مترادفاً؛ فالحصى يطلق على الحجر، ومن نظر إلى اشتقاق الألفاظ ذهب إلى الفروق، ويبدو والله أعلم أن بعض علماء اللغة الذين ذهبوا إلى الترادف ذهبوا إلى هذا المعنى، الذي يسمى عند بعض المناطقة بالأسماء المتكافئة، وهي التي أشار إليها شيخ الإسلام لما تكلم عن معاني أسماء الله سبحانه وتعالى، وأسماء الرسول صلى الله عليه وسلم وأنها تدل على ذات واحدة، ولكن كل اسم فيه معنى غير معنى الاسم الآخر.

    المقصد من هذا إنه يرد عند السلف هذه التعبيرات التي يقول بعض من يأتي بعدهم إن هذه على سبيل الترادف.

    النوع الثاني من طرائق التعبير عند السلف التعبير عن اللفظ بلازمه، وكل هذا يدل على أن السلف يتجهون إلى بيان المعنى حسب الحاجة الحاضرة، وهو من فقه تفسير السلف؛ لأنه قد يسأل سائل: لماذا يتجه المفسر منهم إلى بيان لازم المعنى أو لازم اللفظ ولا يبين المدلول الأول للفظ أو المعنى.

    والجواب: لأن اللازم قد يخفى بخلاف المعنى الظاهر الأول، أو قد تكون حاجة السائل لمعرفة اللازم أكثر من الحديث إلى معرفة المعنى الأول.

    فالمقصد أنه قد يكون هناك سبب وقد تختلف الأسباب في كل مثال، وأخذنا مثالاً سابقاً عن ابن جريج .

    في قوله تعالى: يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [البقرة:49] حيث عبر عن الاستحياء هنا بأنه الاسترقاق، وهذا من لازم المعنى وليس تفسيراً للفظ، لأن ابن جريج لو ذهب إلى تفسير اللفظ لاعترض عليه؛ لأنه لا يوجد كما قال ابن جرير الطبري : لا في لغة عربية ولا عجمية، تفسير الاستحياء بمعنى الاسترقاق.

    وكذلك تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران:119] أي: يجازيهم، فهذا أيضاً من التفسير باللازم.

    والخلاصة أن التفسير باللازم كان من الطرائق التي اعتمدها السلف.

    وهنا يجب أن نلحظ ملحظاً مهماً وهو أن التفسير باللازم لا يعني عدم الأخذ بظاهر المعنى ونعرف ذلك حينما ينفي المعنى الظاهر فإذا ورد عنده النفي فنعرف أنه يريد أن هذا المعنى اللازم هو المراد؛ ولهذا أخطأ بعض المتأخرين من المفسرين حين ظنوا أن تفسير السلف للنص باللازم هو تفسير للمعنى على أصله، وظن آخرون أن تفسير السلف باللازم في بعض ما يتعلق بالأسماء والصفات أو ما يتعلق ببعض مسائل الاعتقاد أنه من باب التأويل؛ فهؤلاء أخطأوا في فهم طريقة السلف، وأولئك أيضاً أخطأوا في فهم طريقة السلف؛ فيجب أن ننتبه إلى هذا المسلك، وأنه إذا لم يرد عن المفسر نفي للمعنى الأول الظاهر وأثبت بعده المعنى اللازم؛ فإننا لا نقول: إنه يذهب إلى أن هذا هو المعنى المراد دون غيره، ولا أنه يذهب إلى التأويل، وهذه سبقت الإشارة إليها.

    ففي قوله سبحانه وتعالى: اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [النور:35] ورد عن ابن عباس أنه قال: هذه في أهل السماوات والأرض، وهذا من باب التفسير باللازم وليس تفسيراً للاسم، ولهذا بعض المؤولة من المتصوفة لما ناقش هذا الاسم ذهب إلى التأويل واعتمد على قول ابن عباس ؛ لأن ابن عباس قد أول، فيرد عليه أن هؤلاء السلف أمرهم على الإثبات ولا يحكم عليهم بالتأويل إلا إذا ثبت نفيهم للمعنى الظاهر، فإذا ثبت نفيهم له وفسروه بهذا؛ قلنا: أولوا، والأمثلة على هذا موجودة في كتب التفسير وبعض كتب العقائد.

    النوع الثالث: التعبير عن اللفظ بجزء من معناه، وهذا الطريق مشهور ومعروف عندهم؛ ولهذا تجد في بعض الألفاظ اللغوية لا يتركب المعنى فيه إلا من أجزاء، فعلى سبيل المثال قوله سبحانه وتعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا [الطور:9]، لو أرنا أن نعبر عن المور من حيث المعنى الكلي؛ فسنجد أن المور فيه مجموعة أشياء: مور فيه حركة، وفيه اضطراب، وفيه ذهاب ومجيء، فإذا حصلت هذه المعاني الثلاثة قيل: إنه يمور، فقوله سبحانه وتعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا [الطور:9] تجتمع فيه هذه الأوصاف المذكورة وهي جزء من معاني لكن لو رجعنا إلى السلف فنجد بعضهم قال: (مورها): تحريكها، وبعضهم قال: (مورها): اضطرابها، وبعضهم قال: (مورها): ذهابها وموجيئها، وبعضهم عبر عنها بتكفئها؛ فعندنا أكثر من تعبير من تعبيرات السلف في تفسير المور وكلها تعبيرات بجزء من المعنى وليست بكل المعنى، فإذا جمعنا كل الأقوال الواردة عنهم حصل لنا معنى المور على الحقيقة من جهة اللغة.

    وهنا يجب التنبه إلى هذا بعض أهل البدع استخدموا التفسير بجزء المعنى وجعلوه هو الأصل ونفوا غيره، فقوله سبحانه وتعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ [التغابن:11]، فالمعتزلة الذين لا يرون وقوع الشر؛ لأن الله ليس فاعلاً للشر؛ قالوا في هذه الآية التي تدل على أن الله خلق هذه المصيبة، فاضطروا إلى تفسير الإذن بجزء المعنى؛ فيقولون: إلا بعلم الله، فيجعلون الإذن بمعنى العلم.

    والعلاقة بين الإذن والعلم أن العلم جزء من الإذن فقصروا جزء المعنى على الأذن وهو تحكم في اللغة سببه الاعتقاد الفاسد، وسبق أن قلنا: إن الاعتقاد يؤثر على التفسير، ونحن نثبت العلم لكن ومعه الخلق والقدرة أيضاً.

    فعلى سبيل المثال قول المعلم للطالب حين طرق الباب عليه: أذنت لك أن تدخل، فإذنه يعني الإباحة المعتزلة تنكر هذا المعنى؛ لكي يسلم لهم بأن الله لا يخلق الشر، لكن نقول: إنه خلقه قدراً، والمقصد من هذا أنه حينما تأتي إلى مثل هذه اللفظة تجدهم يجعلونها بمعنى العلم بسبب الاعتقاد الفاسد.

    الأمثلة عن التعبير بجزء المعنى في تفسير السلف في مواطن كثيرة، ولما تجمع جميع أقوالهم تخرج بالمعنى الكامل للفظ.

    وهنا فائدة في باب اللوازم:

    اللازم في التفسير قد يكون أحياناً من باب لازم اللفظ المباشر، بمعنى لفظ اللغة يدل على هذا المعنى من جهة اللزوم.

    وقد تكون أحياناً اللوازم سياقية، يعني من جهة السياق.

    وقد تؤخذ أيضاً اللوازم عندهم من جهة ما عرف من الشريعة والوحي.

    على سبيل المثال: قوله سبحانه وتعالى: وَكَأْسًا دِهَاقًا [النبأ:34]، قيل: متتابعة، وقيل: ممتلئة، وحين ننظر إلى لفظ متتابعة وممتلئة نجد أنها تفسير عن المعنى لمعنى دهاق بما يقاربه؛ وإن كانت مختلفة لأن التتابع غير الامتلاء، ولكن هذا المعنى صحيح، وهذا المعنى صحيح، وورد عن عكرمة أنه قال: وَكَأْسًا دِهَاقًا [النبأ:34] قال: صافية، فتعبيره عن دهاقاً بأنها صافية، ليس من جهة اللغة وإنما من جهة التفسير باللوازم، فلا اللفظ يدل عليه، ولا السياق أيضاً يدل عليه؛ وإنما أخذ مما عرف من الوحي عن خمر الجنة؛ فعبر عنه بهذا التعبير، وهذا أيضاً من باب التوسع في التعبير في التفسير عند السلف.

    وهناك طرائق سنأخذها لاحقاً مثل: التفسير بالمثال أو غيره، نتركها لاختلاف التنوع.

    مصطلحات للسلف ينبغي فهمها للمفسر

    لكن من الأشياء المهمة فيما يتعلق بتعبير السلف عن التفسير وهي تدخل في معرفة مصطلحاتهم، وعندنا ثلاث قضايا سنأخذها تتعلق بالمصطلحات.

    المثال الأول: في قضية القراءة التي يقرءون بها، فينبغي أن ننتبه لها؛ لأنها مرتبطة بتفسيرهم.

    فالصحابة والتابعون وأتباع التابعين الواحد منهم لما يفسر لا يفسر قراءة حفص فقط؛ لأن تشكل القراءات جاء بعدهم، بل يفسر حتى القراءة التي يقرأ بها، وهذه يجب أن تلحظ وينتبه إليها، وهي محل بحث؛ فنجد مثلاً في قوله سبحانه وتعالى: "وكان له ثُمر" قراءة أهل مكة، فـمجاهد لما فسر الثمر فسرها بالمال، فلا يأتي شخص ويقول: أخطأ مجاهد ؛ لأن الثمر المعروف إنما هو ثمر الشجر والنخل، فنقول له: لا؛ لأن مجاهداً لا يفسر مادة ثمر وإنما فسر مادة ثُمر؛ ولهذا ورد عنه تفسير هذه القراءة؛ فجهل المتأخر بقراءة المفسر من السلف قد يوقعه في رد بعض المعاني؛ ولهذا تفسير لـابن حبيش لما سئل عن: وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير:24] قال: أنتم تقرءونها: (بظنين) بمعنى بمتهم ونحن نقرؤها: بِضَنِينٍ [التكوير:24] بمعنى: ببخيل، فبين الفرق بين القراءتين.

    المثال الآخر فيما يتعلق بالمصطلحات:

    مصطلح النسخ عند السلف، وهو مهم للغاية؛ لأنه يقع عند كثير من المتأخرين نقد عبارات السلف في هذا الباب؛ للجهل بمصطلح النسخ عند السلف، والنسخ عند السلف أوسع في المدلول من النسخ عند المتأخرين؛ فهو يشمل النسخ عند المتأخرين وزيادة فيه.

    فالنسخ الذي عند المتأخرين كما هو معروف في كتب الأصول: هو رفع الحكم الشرعي بحكم شرعي آخر متراخ عنه، فهذا النسخ يمكن أن نسميه: النسخ الاصطلاحي، أو النسخ الكلي؛ لأنه يقع نسخ كلي للحكم.

    أما النسخ الذي يريده السلف فيدخل فيه النسخ الكلي ويدخل فيه ما هو أعم من ذلك، وهو بمعنى رفع أي معنى من الآية، فتخصيص العام فيه رفع لجزء من المعنى فيجعلونه من باب النسخ، وتقييد المطلق الذي عند المتأخرين أيضاً يجعلونه من باب النسخ، والاستثناء أيضاً يجعلونه من باب النسخ، وقس على ذلك.

    فنسخ الأخبار على مصطلح السلف جائز، لكن ليس النسخ الكلي وإنما هو النسخ الجزئي، ونبهت على هذا؛ لأن بعض المتأخرين لما رأى عبارات السلف في نسخ بعض الأخبار يقول: قاعدة: والأخبار لا تنسخ، ويعتمد على هذه القاعدة لتخطئة عبارة النسخ الواردة عن السلف، لنأخذ أمثلة على هذا:

    في قوله سبحانه وتعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224]، قال بعدها: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [الشعراء:227] فقوله: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224] هذا عموم، والعموم من باب الأخبار والقاعدة تقول: الخبر لا ينسخ، لكن ابن عباس يقول: نسخها قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [الشعراء:227]، وهنا يقع إشكال: إما أن نقول: إن ابن عباس رضي الله عنه أخطأ؛ لأن الأخبار لا تنسخ، وإما أن نقول: إننا نحتاج إلى أن نفهم مدلول النسخ عند ابن عباس ، فأيهما أولى؟ وقد تقرر أن عبارة النسخ عند المتقدمين أوسع من عبارة النسخ عند المتأخرين؛ فإذا أخذنا معنى النسخ بمعنى: رفع جزء من معنى الآية؛ فيكون قوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [الشعراء:227]، مخصص لهذا العموم الأول؛ فصار تعبيرهم عن التخصيص بالنسخ، فجاز إذاً نسخ الأخبار على هذا الوجه.

    ومثله قوله سبحانه وتعالى: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا [النبأ:23]، قال مقاتل بن حيان : نسخها قوله: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا [النبأ:30]، فلو أردنا أنا نمشي على قواعد المتأخرين في النسخ فإننا سنقول: هذا خبر والأخبار لا تنسخ، لكن ليس مراد المتقدمين النسخ الكلي، وإنما مرادهم النسخ الجزئي.

    والمقصود أنه حينما ترد مثل هذه العبارات عن السلف أن ننظر أولاً إما أن يكون المعبر عنه بالنسخ خبراً وإما أن يكون حكماً فإن كان خبراً فنجزم أنهم يريدون النسخ الجزئي، المراد به عند المتأخرين بيان المجمل، أو تقييد المطلق، أو تخصيص العام أو الاستثناء.. إلى غير ذلك من الأمور التي يكون فيها الرفع الجزئي، وليس المراد به نسخ حكم شرعي.

    ولا نحكم على المفسر من السلف بأنه أراد النسخ الكلي إلا إذا لم يكن هناك سبيل إلا إلى النسخ الكلي.

    وهذه قاعدة في عبارة النسخ عند السلف فلهم مصطلح يجب أن يحاكموا إليه، ويتعامل معهم عليه، لا أن يحاكموا بأقوال المتأخرين، كما هو حاصل في كثير من الكتب، بل إن بعض الفضلاء من العلماء أمثال مكي وأمثال ابن الجوزي وأمثال ابن العربي الذين كتبوا في الناسخ والمنسوخ فقد تجد من بعضهم عبارات على بعض السلف أحياناً قد يكون فيها شيء من عدم فهم عبارات السلف في هذه؛ فيقعون في تخطئتهم في هذا الباب.

    المصطلح الأخير: مصطلح النزول؛ لأنه يكثر التعبير بالنزول في تفسير السلف، فعباراتهم في النزول إما أن تكون: كان، كذا أو سئل عن كذا فأنزل الله، أو يقولون: نزلت في فلان، أو نزلت في كذا، أو نزلت في النفقة، أو نزلت في الجهاد، أو نزلت الدعاء، أو نزلت في عذاب القبر، فهذه العبارات لا تخرج عبارات النزول.

    وأما ما يوجد في بعض كتب المعاصرين من أن الصحابي أو التابعي أو تابع التابعي يقول: سبب نزول هذه الآية كذا؛ فهذا لا يوجد في تطبيقاتهم إطلاقاً التعبير بأنه سبب نزول، بل كل تعبيراتهم تدور على ما ذكر آنفاً.

    ويمكن أن نستقي من عباراتهم قاعدة عندهم وهي أنه إذا ورد عندهم: فأنزل الله فهي بمعنى النزول المباشر، وإذا وردت: نزلت في كذا؛ فهي بمعنى التفسير، ويمكن القول باختصار: أن عبارة "فأنزل" و"فنزلت" التي هي بالفاء السببية لا نأخذ من العبارة أنها سبب نزول مباشر، وإنما هي قرينة قوية في أن المراد بها سبب النزول المباشر.

    وعبارة "نزلت في كذا" أيضاً قرينة قوية في أن المراد بها التفسير.

    فالقاعدة في هذا أن عبارات النزول عندهم ليست على باب واحد؛ حتى في فأنزل الله، أو في فنزلت التي هي بفاء التعقيب؛ لأننا لو حملناها على أنها أصل وأنه إذا قال: فأنزل الله؛ أن ذلك سبب نزول؛ فستأتي أمثلة تخرج عن هذا المعنى، وقد يقول: نزلت في كذا وتكون سبباً مباشراً خلافاً لمن قال بأنها قد تأتي للتفسير.

    فقوله سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا [فصلت:33]، قالت عائشة رضي الله عنها: نزلت في المؤذنين؛ مع أن الأذان إنما كان في المدينة، والآية مكية، فنفهم من عباراتها أن المراد بهذا التفسير، وأنها تشير إلى دخول المؤذنين في معنى الآية، وقس على هذا أمثلة كثيرة جداً، ومعروف الخلاف الذي أورده شيخ الإسلام عن علماء الحديث في إدخال بعضهم صيغة " نزلت في كذا " في التفسير مثل البخاري وغيره؛ ولهذا البخاري يسند الأحاديث أو الآثار التي فيها " نزلت في "فأي أثر فيه" نزلت في "فإنك تجد أنه يسنده على أنه من شرطه؛ فيجعله من الأحاديث المرفوعة، ولو كان وارداً عن الصحابة.

    1.   

    كيفية التعامل مع التفسيرات التي جاءت بعد تفسير السلف

    نأخذ الآن كيفية التعامل مع التفسيرات التي جاءت بعد تفسير السلف.

    هذا الموضوع يبنى على تقرير قضية وجوه التفسير.

    فلو قلنا: إن القرآن حمال للمعاني طبعاً غير المعاني الباطلة التي اعتمد عليها الباطنية، فهم اعتمدوا على مثل هذه الآثار التي ذكر أنه حمال لوجوه؛ فأقاموا عليها بعض التأويلات الباطنية، بل قصدنا من حمال وجوه أنه قد ترد بعض السياقات أو بعض الألفاظ فتحتمل أكثر من معنى صحيح، فهذه القاعدة مقررة ومتفق عليها؛ لأن تفسير الصحابة والتابعين وقع فيه اختلاف وهذا الاختلاف فيه تعدد للمعاني فعلى سبيل المثال قوله سبحانه وتعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [التكوير:17]، بعضهم قال: بمعنى أقبل، وبعضهم قال: بمعنى أدبر، وأقبل غير أدبر إذاً تعددت معاني اللفظ.

    كذلك قوله تعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]، فبعضهم قال: العتيق: المعتق من الجبابرة، وبعضهم قال: العتيق بمعنى: القديم، والمعتق من الجبابرة غير القديم فالمعاني تعدد في تفسير السلف وهذا التعدد مبني على الاجتهاد، والاجتهاد له مصادر فقد يكون الاختلاف عندهم لسبب اختلاف المصدر، وقد يكون اختلافهم أحياناً في نفس المصدر.

    فاختلافهم بسبب اختلاف المصدر: مثلما سبق في تفسير الساق، فمن ذهب إلى التفسير بالسنة النبوية جعل قوله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42] أنها ساق الرب سبحانه وتعالى، ومن ذهب إلى المصدر الثاني الذي هو اللغة جعل معنى قوله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42] أن القيامة تكشف عن هول وكرب؛ فاختلف المعنى باختلاف المصدر.

    وأما تعدد المعاني في المصدر الواحد، فهو في الغالب يرجع إلى اللغة، فمن فسر العتيق بمعنى: المعتق من الجبابرة، أو العتيق بمعنى: القديم، أو (عسعس) بمعنى: أقبل، أو بمعنى: أدبر، كلهم مرجعهم إلى تعدد المعاني في اللغة.

    أنواع الاختلافات الواردة عن السلف في التفسير

    وهذه الاختلافات التي كانت عندهم لو تأملناها فسنجد أنها في النهاية لا تخرج عن نوعين من الاختلاف:

    النوع الأول: أن تعود هذه الاختلافات إلى معنى واحد.

    والنوع الثاني: أن تؤول هذه الاختلافات إلى أكثر من معنى.

    والاختلافات التي تؤول إلى معنى واحد منها: التعبير عن اللفظ العام بأمثلة له، وهذه أيضاً أحد طرائق السلف في التفسير، التي لم نذكرها وقلت سأذكرها بعد قليل نذكرها:

    فحين يعبر عن المعنى العام بأمثلة له فإنها في النهاية تؤول إلى معنى واحد، لنأخذ مثلاً قوله سبحانه وتعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، حين نرجع إلى تفسير السلف للحسنات نجد أن بعضهم قال: الحسنات هي قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وبعضهم قال: الحسنات هي: الصلوات.

    فلو نظرنا لفظ الحسنات لفظ عام فيدخل فيه كل أعمال البر.

    فما ورد عن السلف في التفسير أنه الذكر أو أنه الصلاة؛ فهذا كله تعبير عن المعنى بأمثلة له.

    فلو جاء إنسان وأراد أن ينصح عاقاً لوالديه واستشهد بهذه الآية وقال: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] وإن برك لوالديك من الحسنات التي تذهب سيئات العقوق، فهذا التفسير صحيح؛ لأن الحسنات لفظ عام يشمل أفراد كثيرة وهذه قاعدة في التعامل مع تفسير السلف، وأنه إذا ورد عن السلف تفسير لفظ عام بأمثلة من هذا اللفظ العام فلا يحمل على التخصيص إلا إذا ورد في عبارة ما يدل على إرادة التخصيص؛ إذ لو ذهبنا إلى التخصيص فسيكون عندنا أمثلة كثيرة من العمومات مخصصة عند السلف، وهذا ليس بصواب.

    كذلك أيضاً: تفسير اللفظ بمعان متقاربة مثل ما سبق في: (تبسل): قيل: تحبس وقيل: ترتهن، أو: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق:18] قيل: اجتمع وقيل: اكتمل، فهذا أيضاً في النهاية تؤول إلى معنى واحد.

    كذلك التفسير بجزء المعنى، أو التفسير باللازم كلها في النهاية تؤول إلى معنى واحد.

    النوع الثاني: ما يؤول إلى أكثر من معنى، وهذا على قسمين:

    إما أن تحتمل الآية هذه الأقوال على سبيل التعدد، وإما ألا تحتمل، فإن احتملت فهو ما يسمى باختلاف التنوع، وإن لم تحتمل فهو يسمى باختلاف التضاد، وهنا يجب أن ننتبه أيضاً إلى أن كونها لا تحتمل لا يلزم منه أن يكون اللفظان متضادين من جهة اللغة، وإنما المقصد أنه لا يصلح حمل المعنيين معاً على الآية.

    ففي قوله سبحانه وتعالى: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة:237]، الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة:237]، قال بعض السلف: هو الزوج، وقال بعضهم: هو الولي، فهذا لا يمكن الجمع بينهما كذلك أيضاً قوله تعالى: فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا [مريم:24] " ناداها " مفرد؛ فقيل: إنه عيسى وقيل: جبريل، والخطاب لا يحتمل إلا واحداً، والأمثلة كثيرة على هذا، فهذا يسمى اختلاف تضاد، وقد وقع في تفسير السلف لكنه قليل بالنسبة لاختلاف التنوع.

    أما اختلاف التنوع فمثل قوله سبحانه وتعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]، فإنه يمكن أن يوصف البيت بأنه معتق من الجبابرة، وبأنه قديم، وهذا كثير في تفسير السلف، مثل تفسيرهم قوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، فبعضهم قال: الصراط المستقيم القرآن، وبعضهم قال: الصراط المستقيم دين الإسلام، وبعضهم قال: النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم قال: طريق أبي بكر و عمر ، وكل هذه تعبيرات متغايرة، ولكنها في النهاية صحيحة؛ لأنها من باب اختلاف التنوع.

    والأمثلة كثيرة.

    وكما ذكرت سابقاً أنه لما انتهت طبقة أتباع التابعين صار علماء أهل السنة ينقلون أقوال هذه الطبقات الثلاث، لكن سنجد أن هناك من شاركوا في التفسير من اللغويين ومن أهل البدع، وكذلك من جاء بعد السلف وفسر القرآن جاء بمعان غير واردة عن السلف، فوقعت إشكالية كيف نتعامل مع هذه الأقوال، فنحن في الجملة متفقون على قبول ما جاء عن السلف، لكن الخلاف فيما ورد عن غيرهم.

    من باب الفائدة قضية كون قرآن له وجوه صحيحة محتملة هذا معروف حتى عند الصحابة أنفسهم؛ ولهذا ورد عن أبي الدرداء أنه قال: " ولن تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً " ومن الأمثلة العزيزة ما ورد في تفسير ابن كثير ، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45]، قال: لها وجهان، قال: " ذكر الله ثم ما حرمه، قال: وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه " فكأنه يذهب إلى أن لها أكثر من معنى، بل اتضح أيضاً بالتطبيقات عن ابن عباس وغيره أنه قد يرد عن الواحد منهم أكثر من معنى للآية، وليس هذا اختلاف تضاد كما يفهمه بعض المتأخرين من المفسرين، وإنما هو من باب اختلاف التنوع، فالمفسر قد يقول بهذا ويقول بهذا، ويكون هذا معنى صحيحاً وهذا معنى صحيحاً، ولم يقع اختلاف التضاد في تفسير واحد منهم إلا نادراً وهو يدل على أنه قد رجع عن أحد القولين ولا بد؛ لأنه لا يمكن أن يكون المراد في المعنى هذا وهذا معاً.

    من أمثلته لكي يتضح: قوله سبحانه وتعالى: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107]، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال: الذبيح إسماعيل، وورد عنه أنه قال: الذبيح إسحاق، فمثل هذا الموطن نقول: قطعاً إنه وقع فيه إشكال في الموضوع عند ابن عباس رضي الله عنه؛ فاحتمال أن يكون قال بأحد القولين ثم تركه، وهذا لا بد منه، ولا يمكن أن يقال: إنه يريد بالذبيح الاثنين؛ لأنه لا يمكن أن يكون الذبيح إلا واحداً، ونحن نعلم هذا من الاسرائيليات.

    أما أن يقع في تفسير المفسر الواحد اختلاف تنوع يرجع إلى أكثر من معنى فهذا واقع، والسبب فيه هذه القاعدة، أن القرآن يحتمل الوجوه الصحيحة.

    فـسعيد بن جبير لما كان يفسر: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر:1]، قال: أكثر الله له من الخير، قال له هلال لما سأله عن هذا؛ قال: قلت: "نهر في الجنة.. فقال: " نهر في الجنة وغيره " فهذا أيضاً يدل على معرفتهم بوجوه التفسير، وأن هذه المعاني التي فسر بها القرآن كلها صحيحة.

    هناك مثال طويل أيضاً في قضية تقرير اختلاف التنوع واختلاف التضاد وهو موجود في كتاب السنة للمروزي الرجوع إليه وهو مهم، فيه عن الحسن البصري وعن إسحاق بن راهويه وعن عيينة ، كلهم يقررون اختلاف التنوع.

    الجمع بين أقوال المتأخرين وأقوال السلف في التفسير

    نأتي إلى قضية كيفية التعامل مع التفسيرات، إذا تقرر عندنا أن القرآن يمكن أن يحتمل وجوه صحيحة، وهنا سؤال:

    وهو أن ما يتعلق بالآيات إما أن يكون تفسيراً وإما أن يكون استنباطاً، فلو نظرنا إلى التفسير فإما أن تكون المعاني متناهية أو غير متناهية يمكن أن تقول: إنها تقف عند حد.

    وهنا فائدة: وهي أن الاستنباطات أوسع من بيان المعاني، وعلى هذا فالمتأخر إما أن يورد لنا معان جديدة لم يقل بها السلف، وإما أن يورد استنباطات جديدة لم يقل بها السلف، فالمعاني التي هي التفسير، إذا أورد معنى لم يكن وارداً عن السلف فنقبله إن كان لا يلزم معه إبطال أقوال السلف وكان موافقاً للغة، واحتمله السياق.

    والفرق بين التفسير والاستنباط، أن مستنبط هذه المعاني يقول: إن هذه مما يستنبط من النص؛ أما المفسر فيقول: هذا المعنى مراد وهذا هو الذي فيه إشكالية؛ لأنه يريد أن يقول: إن الله أراد هذا المعنى؛ فإذا كان السلف لهم قول واحد في آية وخالفهم المتأخر فيرد قوله؛ ففي قوله سبحانه وتعالى: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ [الدخان:29] لم يرد عن السلف أكثر من الإشارة إلى بكاء الأرض والسماء وأن الأرض لم تبك على آل فرعون؛ فمن قال: إن الأرض والسماء تبكي على المؤمن ولم تبك على آل فرعون.

    أو كما قال بعض المعتزلة: إن هذا من باب المجاز؛ فيقولون: إن الأرض لا تبكي ولا السماء تبكي، ولو كان لها أن تبكي لبكت على المؤمن ولم تبك على الكافر؛ فهذا مبطل لقول السلف؛ لأنهم يثبتون حقيقة البكاء وهؤلاء ينفونه وإن كان في غير النص القرآني من جهة اللغة محتمل وهذا معروف عند العرب، مثل قول عنترة في خيله، مشهور:

    وشكى إلي بعبرة وتحمم ولكان لو علم الكلام مكلم

    فدل على أنه يحكي عن ما يحصل لخيله، وهو كله من باب المجاز وليس من باب الحقيقة أنه يحصل منه هذا،

    فالمقصد أن الأسلوب من حيث اللغة لا غبار عليه، وإنما الملحظ كونه مبطلاً لقول السلف.

    لأن ابن عباس نص إن لابن آدم موضعين: موضع عمله في الأرض، وموضع قبوله في السماء؛ فإذا انقطع موضع عمله يتباكى عليه، وإذا انقطع موضع قبوله في السماء بكى عليه، فهذا نص واضح لا يحتمل التأويل، وقال به غيره، في حديث أيضاً فيه ضعف.

    أما إذا كان عند السلف أكثر من قول، فله أحد احتمالين: الاحتمال الأول: أن المتأخر يختار من أقوالهم ويعلل هذا الاختيار.

    فعلى سبيل المثال: قوله سبحانه وتعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [التكوير:17] حين ترجع إلى تفسيرات المتأخرين تجد أن بعضهم اختار أقبل، وبعضهم اختار أدبر، وكل واحد من المتأخرين ممن اختار من أقوال السلف علل لاختياره، وهذا في النهاية ليس بخارج عن قول السلف وإنما عمل المفسر الاختيار من أقوالهم.

    الاحتمال الثاني: أن يأتي بقول جديد يضاف إلى أقوالهم، وهذا القول الجديد هو الذي ذكرنا ضوابطه قبل قليل.

    مثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهمْ [محمد:6]، ذهب السلف في تفسيرهم إلى أن المراد (بعرفها لهم) أنهم يعرفون منازلهم من الجنة كما يعرف الواحد منزله بعد أن يرجع من يوم الجمعة.

    وبعض اللغويين ذكر في قوله: عَرَّفَهَا لَهمْ [محمد:6] معنى آخر، فقال: عَرَّفَهَا لَهمْ [محمد:6] يعني: أخذها لهم، أخذوها من طعام معرف أي: مطيب ##بالأبازير فصار التعريف بالمعنى الآخر بمعنى التطييب.

    نطبق الضوابط السابقة على هذا المعنى فنجد أن: عَرَّفَهَا لَهمْ [محمد:6] بمعنى: طيبها لهم، من جهة اللغة صحيح ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يجد عرف الجنة )، أي: ريحها.

    ننتقل إلى القيد الثاني: فنجد أن هذا القول لو قلنا به لم يأت على قول السلف بالإبطال.

    ننتقل إلى القيد الثالث فنجد أن السياق لا يأبى هذا المعنى وعلى هذا فإذا فسرنا: عَرَّفَهَا لَهمْ [محمد:6] بأنه طيبها لهم فهذا تفسير صحيح.

    يعني والمقصد من هذا أنه إذا توافرت هذه الضوابط فإنه يمكن أن يقبل القول المتأخر، أياً كان هذا القول، سواءً قال به من كان في طبقة السلف أو من جاء بعدهم فإذا أخذنا بهذه الضوابط؛ فإنه يسهل علينا التعامل مع أقوال المتأخرين وهي كثيرة جداً في قضية ما يمكن قبوله وما لا يمكن قبوله.

    لكن يجب أن ينتبه هنا إلى مسألة مهمة وهي: بعض المتأخرين حينما يعرض رأيه في التفسير فإنه يقصر معنى الآية على ما ظهر عنده، فحين يقصر معنى الآية على ما ظهر عنده فهو ضمنا؛ كأنه يبطل قول السلف وهذا يرد، من نحى منحى ما يسمى بالتفسير العلمي أو الإعجاز العلمي، قد لا يقول بهذا نصاً وقد ينص بعضهم أحياناً على هذا، لكن من خلال طريقة التعامل مع تفسير السلف وإبرازه لما ظهر من المكتشفات الحديثة بما يوافقه القرآن كأنه يقصر معنى الآية على ما ذهب إليه هو في التفسير العلمي أو الإعجاز العلمي، وهذه ينتبه إليها.

    أما بعضهم فقد ينص، كما فسر بعضهم قوله تعالى: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت:41]، فقال: إن المراد به: الوهن الاجتماعي وليس أن خيوط العنكبوت؛ لزعمه أن العلم الحديث اكتشف أن خيوط العنكبوت هذه أشد صلابة من الصلب، مع أن الواحد يمسكها بيده ويفتتها ومع ذلك يقول: هي أشد صلابة من الصلب؛ وقال إن الوهن الاجتماعي هو أن أنثى العنكبوت تقتل ذكر العنكبوت، فهذا يدل على اضطراب في البيت؛ فمثل هذا الكلام واضح فيه الإبطال لما قاله السلف مباشرة، فكل هذا الإجماع الذي مر على الأمة في أن بيت العنكبوت واهن بذاته؛ أبطله وذهب إلى الوهن الاجتماعي.

    وأحسنهم حالاً من يذكر أقوال السلف ولا يفهم معانيها ولا يدرك مراميها، بل مجرد أنه يذكر هذه الأقوال ذكراً: قال ابن عباس وقال مجاهد ..

    ثم بعد أن يذكرها ذكراً مجملاً ينتقل إلى تقرير القضية العلمية التي يريد أن يناقشها ثم يقررها، وهذا الأسلوب فيه نوع من قصر المعنى على ما ذهب إليه المفسر، وهذا الأسلوب خطأ.

    قد يقول قائل: إن مثل هذا ليس معنياً بأن يحلل كل ما في الآية من أقوال ومعان.

    فنقول: بل هو معنى بالدجة الأولى؛ لأن أسلوبه هذا يفهم منه أن من سبقه من المفسرين كان مخطئاً في فهم الآية، وأن القول الصواب هو ما ذكره هو، خصوصاً مع قلة علم من يسمعون والانبهار بالحضارة الغربية فيجعل الكثير من المسلمين يظن أن هذا هو الصواب، وهذا مشاهد في بعض العامة.

    مثال ذلك ما يذكر عن المدرسة العقلية.. محمد عبده ومدرسته، حيث فسروا بعض التفسيرات بما تتناسب مع عقول الغربيين وهذا ناتج عن التنشئة العلمية وأن لها أثراً في توجه المفسر؛ ولهذا لما فسر قوله تعالى: طَيْرًا أَبَابِيلَ [الفيل:3] فسرها بالجراثيم والميكروبات.

    وهذا أعسر في الفهم وأبعد عن النص؛ ومع ذلك فسر به، فقط لكي يتوافق مع عقول الغربيين حيث أنهم يعرفون هذه الجراثيم والميكروبات، بخلاف غيرهم من الذين نزل عليهم الخطاب فإنهم لم يكونوا يعرفون هذا الشيء، مع أنهم شاهدوا الطير الأبابيل، ورأوا الحجارة ومع ذلك ينكر هذا الذي ذكره.

    والخلاصة أنه ليس كل تفسير ورد بعد السلف نرفضه رفضاً مطلقاً ونقول: إنه إذا قلنا بهذا القول فإننا نتهم السلف بالجهل.

    بل السلف قد تكاملت مصادرهم بالتفسير وفسروا جميع القرآن، وما في القرآن شيء إلا وقد فهموا معناه، من حيث جمهورهم، لكن كونك تجد بعض المعاني الجديدة التي لم يكن لها سبب في عصرهم؛ فهذا محتمل.

    قد يقول قائل: لماذا لم يتكلم السلف عن هذه المكتشفات المعاصرة ما دام القرآن أشار إليها؟

    فنقول: إن أسباب هذه المعاني لم تظهر في عهدهم، ولو ظهرت في عهدهم ونفوها لجاز لنا أن نقول: لا يجوز التفسير بها، لكنها ما ظهرت ولك أن تقول: هل يمكن أن تعطينا من كلام السلف ما يشير إلى هذا المعنى المذكور؟ سنأخذ مثالاً:

    قوله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، فهذا المقطع من الآية نزل في اليهود، فهذه الآية لما نزلت في اليهود قرأها الصحابة رضي الله عنهم ولم يحملوها على غير اليهود.

    ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي صدر خلافة أبي بكر و عمر و عثمان ، ما ورد أبداً في تفسيراتهم أنها في غير اليهود، ولما خرج الخوارج جاء في بعض عباراتهم قال: نزلت في الخوارج، أو قال: هم الخوارج، في قوله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5].

    فلا نقول: إن أبا بكر و عمر و عثمان جهلوا هذا المعنى، بل الذي فهمه أبو بكر و عمر و عثمان وجمهور الصحابة معنى صحيح، وهو المراد الأول، والذي فهمه هذا الصحابي المتأخر في تفسيره؛ صحيح أيضاً، وقس على هذا كثيراً مما ينزلونه على أهل البدع؛ لأن أهل البدع ظهروا بعد انقطاع الوحي.

    فتحميل بعض المعاني وبعض الآيات على أهل البدع من باب تنزيل الآيات على ما وقع بعد الوحي، ونفس القضية تنزيل بعض الآيات على بعض ما وقع من العلوم المعاصرة.

    ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم و أبي بكر و عمر و عثمان ، ما كانوا يحملون الآية على هذا المعنى، بل كانت تحمل على اليهود؛ فلما ظهرت الخوارج في عهد علي حملوا هذا المعنى عليهم؛ فصار فيه معنى جديداً.

    فأصل المنهج موجود عند السلف وهو تنزيل الآيات على حوادث وقعت بعد انقطاع الوحي.

    وكذلك فإن قتادة حمل بعض الآيات على القدرية وعلى الخوارج وعلى المرجئة، فقوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ [البقرة:44]، نازلة في أهل الكتاب ولا يعني أنها لا تعم غيرهم؛ لأن العبرة بعموم اللفظ إلا إذا وجد مخصص فإذا كان في السياق ما يدل على الخصوص خصصت، فالأوصاف العامة التي يشترك فيها عموم الناس كونها نزلت في سياق الكفار لا يعني ذلك أنه لا يجوز حملها على المؤمنين.

    كذلك قول من قال: من ضل من العلماء فهو يدخل في قوله: المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7]، ومن ضل من العباد فيدخل في: الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فهذا قياس صحيح.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315046

    عدد مرات الحفظ

    723502585