إسلام ويب

أصول في تفسير السلف [2]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يميز التفسير النبوي أنه لم يكثر فيه التفسير المباشر للآية، ولم يتعرض فيه للمفردات اللغوية؛ لعدم حاجة الناس إليه في ذلك الوقت، بخلاف التفسير في عصر القرون المفضلة فقد كثر فيها التفسير حتى شمل القرآن كاملاً، ولم يكن اختلافهم تضاداً بل تنوعاً، ولم يكونوا يتعصبون لآرائهم. ثم إنه دخل في التفسير علوم ليست منه بسبب البدع، وعلم الكلام، وغير ذلك.

    1.   

    تابع البيان النبوي للقرآن

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

    فالدخول في تفاصيل الصلاة، وكل ما يتعلق بها يدخل في التفسير؟

    فإقامة الصلاة لها مدلول عام، بمعنى أداؤها بخشوع ... إلى آخره.

    فالدخول في هذه التفاصيل لا يدخل في التفسير، وإن كان يدخل في البيان النبوي للقرآن؛ لأن البيان النبوي للقرآن واسع، لكن كمصطلح تفسيري لا يدخل.

    المقدار الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن

    وهذا النظر إلى مثل هذه التفاصيل، هو الذي جعل بعضهم يتكلم عن قضية هل فسر الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن كاملاً أو لم يفسره؟

    فإذا نظرنا إلى التفسير المباشر سنعلم أنه قليل، لكن إذا كان المراد عموم البيان فلا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين القرآن هذا بلا إشكال، لكن إذا نظرنا إلى مصطلح التفسير الذي بين أيدينا فنقول: لم يفسر القرآن كاملاً.

    أما البيان النبوي عموماً للقرآن فقد بينه.

    أمثلة من القرآن تبين الحاجة إلى البيان النبوي

    وهنا بعض الأحكام التي تدل على حاجتنا إلى البيان النبوي، فعلى سبيل المثال قوله سبحانه وتعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فقوله: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، لو أخذنا هذه الآية على ظاهرها، فإننا نفهم منها عموم الاعتزال، في المأكل والمشرب والمنكح؛ لأن الآية عامة: اعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، ولم تقيد بشيء، لكن سبب النزول، وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم دل على أن الاعتزال إنما يكون في النكاح، فقال صلى الله عليه وسلم: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، فهذا يدل على أننا بحاجة إلى البيان النبوي.

    فالأحكام الفقهية بالذات لا يمكن أن نعرفها إلا من طريق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا أمر موكل به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن تعرف إلا من طريقه صلى الله عليه وسلم.

    ومن القضايا التي لا تعرف إلا من طريقه الرسول صلى الله عليه وسلم: بيان بعض المغيبات التي ترد في الآيات، فلا يمكن أن تعرف إلا من طريق النبي صلى الله عليه وسلم.

    على سبيل المثال: في قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا [الأحزاب:69]، فهذه قضية غيبية وهي الأذية التي أوذي بها موسى، فإن موسى أوذي بأشياء كثيرة جداً، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا بخبر عن إيذاء بني إسرائيل لموسى فقال: ( إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً، لا يرى من جلده شيء استحياء منه )، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل.. إلى آخر ما ذكروه بأنهم قالوا: إنه به برص أو غيره من الأمراض، فإنه أتى إلى النهر ليغتسل، فوضع ثوبه على حجر، فلما خرج ويريد أن يأخذ ثوبه انطلق الحجر بثوبه ودخل في سوق بني إسرائيل، ورآه بنو إسرائيل كأحسن ما خلق الله سبحانه وتعالى، فهذا الخبر الغيبي مع ما فيه من الغرابة، لو لم يكن مروياً في الصحيح لاستنكر، لكنه خبر صحيح، أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا الخبر الغيبي، فهذا لا يمكن أن يخترع وأن يذكر، وإنما يؤخذ عن طريق الرواية، فكون الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به وبينه، فإننا نقبله لصحته كما هو وارد في صحيح البخاري وغيره.

    أيضاً حياة الشهداء لما سأل عنها الصحابة، كما في قوله سبحانه وتعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، فنوع الحياة لا يمكن أن يعرف، كيف هم أموات ويوصفون بالحياة، إنما تعرف هذه القضية بالخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أن أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت ) .

    المقصد من هذا كله أن الغيبيات والأحكام العملية، إنما تؤخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا هو الأصل فيها، وإن كان الغيبيات سيرد فيها شيء آخر، لكن مقصد التنبه إلى هذا.

    كذلك أيضاً قد يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان بعض المجملات، كأن يكون في الآية إجمال، فالرسول صلى الله عليه وسلم يبين هذا المجمل، مثل قوله سبحانه وتعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى [التوبة:108]، أي المساجد هو؟ فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، كما ورد قال: ( فأخذ كفاً من حصباء )؛ حين سئل عن هذا، قال: فضرب به الأرض ثم قال: ( هو مسجدكم هذا )، يقصد مسجد المدينة وليس مسجد قباء، فالمقصد أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى.

    وأصناف البيان كثيرة جداً وليس المقام هنا محل ذكرها، لكن المقصود الإشارة إلى ذلك.

    العلة من عدم بيان النبي صلى الله عليه وسلم المعاني اللغوية للآيات

    ومما يلحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه في بيانه المباشر بيان شيء من المعاني اللغوية، إلا نادراً، للسبب الذي ذكرته سابقاً، وهو أن القرآن نزل عربياً على قوم عرب، فهم يفهمون عربيتهم، هذا هو الأصل، لكن إذا استشكلوا شيئاً منه سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه.

    وهذا الملحظ تنبه له أبو عبيدة معمر بن المثنى وكتب كتابه مجاز القرآن، وكان أحد أسباب كتاباته له أن القرآن الذي كانوا يفهمون عربيته قد انتهوا، وجاء أقوام لا يفهمون عربيته، فهم بحاجة إلى فهم عربيته، فألف كتابه: مجاز القرآن من أجل هذا.

    يقول أبو عبيدة معمر بن المثنى : قالوا: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، ومصداق ذلك في آية من القرآن، وفي آية أخرى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم:4]، فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه؛ لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعما فيه من كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص، وفي القرآن مثل ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب، ومن الغريب والمعاني.. إلى آخر الكلام.

    فهذا يشير إلى هذه القضية وهي أن السلف وخصوصاً الصحابة رضي الله عنهم ما كانوا يحتاجون إلى البيان العربي؛ لأنهم كانوا عرباً، ولكن الذين جاءوا في عهد أبي عبيدة لا شك أنهم كانوا يحتاجون إلى بيان عربية، أكثر بكثير ممن كان يحتاجه قبلهم، ومن كان قبلهم لا شك أن من أدرك الوحي وهم الصحابة لم يكونوا بحاجة مثل كان من جاء بعدهم إلى هذا البيان.

    ولنأخذ أمثلة من التفسير النبوي أو من الآثار التي تدل على المعنى الذي ذكره أبو عبيدة .

    المثال الأول: قوله سبحانه تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، لما استشكل الصحابة هذه الآية قالوا: يا رسول الله! وأينا لم يظلم نفسه؟ لأنهم فهموا من قوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، أن المراد به مطلق الظلم، فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن المراد به نوع من الظلم وهو الشرك، لقوله: ( ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ).

    المثال الثاني: حديث عدي بن حاتم قال: ( لما نزلت: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ [البقرة:187]، قال: عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض )، ففهم عدي مرتبط بالبيان العربي فإنه فهم الخيط الأبيض والخيط الأسود أنه عقال أبيض وعقال أسود؛ لأن العقال الأبيض والعقال الأسود يتكونان من الخيوط، هكذا فهم، فإذاً فهمه من جهة اللغة سليم وفهم الصحابة قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، سليم من جهة اللغة، لكن ليس هو المراد بالآية، بل يجب أن نفرق بين هذا وهذا.

    فلما ننظر إلى هذه الأحاديث نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم حين فهم هؤلاء هذا الفهم العربي لم ينههم أن يفهموا القرآن بلغتهم ألا يمكن فنستفيد من هذا أن فهم القرآن باللغة العربية مصدر من مصادر التفسير؛ لأنه لو كان منهجهم هذا خطأً لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم، ونبههم على خطئهم وإنما بين لهم أن فهمهم الذي فهموه خطأ، أما المنهج الذي سلكوه فليس بخطأ، فالآية محتملة فالاحتمال الذي فهموه هو الخطأ، لكن الأسلوب الذي سلكوه ليس بخطأ، فلو أنا بنينا من هذه الآثار أن اللغة العربية مصدر من مصادر التفسير لكان صواباً.

    بداية التفسير بالرأي

    وهناك قضية مهمة جداً نستطرد فيها قليلاً، وهي: لها: لو سأل سائل وقال: متى بدأ التفسير بالرأي؟ والمقصود بالرأي ليس بالرأي المحمود والمذموم، وإنما بالرأي من حيث هو رأي.

    أما تقسيمه إلى محمود ومذموم فستأتي لاحقاً، لكن التفسير بالرأي، يعني: إعمال العقل في فهم النص.

    والجواب أنه بدأ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فالصحابة رضي الله عنهم لما جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هم فهموا فهماً بعقولهم اجتهدوا في فهم النص.

    فجاءوا يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا الفهم والرسول صلى الله عليه وسلم لم ينههم عن أن يجتهدوا في هذا الفهم، ولكن بين لهم ما هو الصواب من المحتملات.

    فلو قال قائل: إن التفسير بالرأي الذي هو فهم النص من غير الرسول صلى الله عليه وسلم، بدأ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بدلالة هذين النصين وغيرهما من النصوص التي تدل على أن الصحابة فهموا شيئاً، وعرضوه على الرسول صلى الله عليه وسلم، مثلما حصل لـعمرو بن العاص لما صلى بأصحابه وهو محتلم، واستدل بالقرآن، وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم على فهمه.

    والمقصد من هذا فقط هو الإشارة إلى هذه المسألة؟

    وهناك قضية مهمة وهي أن الآثار أكثر من فائدة في مسائل التفسير أو علوم القرآن، ولا ننتبه لها؛ لأننا لا نعمل النظر وندقق في هذه الآثار، فعلى سبيل المثال: هذا الأثر: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، لو أردنا أن نستخرج منه مجموعة من المسائل المتعلقة بعلوم القرآن وأصول التفسير، فهل يمكن أن نستخرج منه غير هاتين الفائدتين وهما: صحة الرجوع إلى لغة العرب، وبداية التفسير بالرأي، فيمكن أن نأخذ منها معلومات أخرى مثل:

    تفسير القرآن بالقرآن؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأثر فسر آية بآية.

    كذلك أيضاً الرجوع في التفسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    كذلك الإجمال والتبيين فالمقصد أننا حين نعمل الذهن سنجد فوائد كثيرة.

    اهتمام السلف بالتفسير

    كذلك أثر عدي بن حاتم سنجد فيه إشارة إلى مسائل أخرى غير المسائل المذكرة.

    ولما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم نجد أن علماء الصحابة الكبار بعضهم انشغل بالإمارة، وبعضهم انشغل بتعليم الناس.

    فمثلاً: أبو بكر رضي الله عنه لما أخذ الخلافة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان عمر بجانبه دائماً وزيراً له، لا نجد أن أبا بكر أو عمر انشغلا بتعليم الناس كثيراً، لكن لما ننظر إلى أبي بن كعب أو زيد بن ثابت في المدينة على سبيل المثال، نجد أنهم انشغلوا بتعليم الناس، فـمعاذ بن جبل ذهب إلى الشام يعلم الناس، وابن مسعود في عهد عمر ذهب إلى الكوفة ليعلم الناس.

    والمقصد من هذا أن الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وانشغال بعض علمائهم بالخلافة أو ما يتعلق بها، كان هناك جملة من فقهاء الصحابة وعلمائهم انتشروا في الأمصار يعلمون الناس، وكان منهم بعض هؤلاء الذين ذكرت.

    وفي عهد الصحابة عهد الخلفاء الراشدين، بدأ علم التفسير يظهر ويبرز، فنجد مثلاً علي بن أبي طالب رضي الله عنه ورد عنه روايات في التفسير، و ابن مسعود المتوفي سنة اثنتين وثلاثين أو في خمس وثلاثين أيضاً ورد عنه روايات في التفسير، واستمر الحال هكذا حتى نهاية عهد الخلفاء الراشدين عام أربعين، وبعد انتهاء عهد الراشدين نجد بروز حبر الأمة، عبد الله بن عباس الذي يمكن أن يقال: إنه نشأ وترعرع على يديه علم التفسير، حتى إنه صار ينسب إليه، ولهذا قال عنه ابن مسعود حبر الأمة وترجمان القرآن، ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له بالفقه في الدين وبعلم الكتاب، وفي رواية قال: ( وعلمه التأويل ).

    فـابن عباس رضي الله عنه صار هو المتصدر لعلم التفسير بعد انتهاء هؤلاء الطبقة من علماء الصحابة، بمعنى: أنك لو نظرت في عهد ابن عباس مَن من الصحابة كان مشهوراً بالتفسير يعني فيما بعد الأربعين لم تجد أحداً مثله.

    فـعائشة ليس لها تفسير، وتفسيراتها قليلة جداً، و زيد بن ثابت ليس له تفسير، بل تصدى للإقراء، وتفسير قليل للإقراء.

    وابن عباس رضي الله عنه تصدى للتفسير وجلس له، حتى صار مشهوراً به، ولهذا كثر تلاميذه، وكان في عهده بعض التابعين الذين أخذوا عن بعض الصحابة، لكن من الصحابة من لم يكن موجوداً في ذلك الوقت.

    أما زيد بن ثابت ، فلو رجعنا إلى المرويات في التفسير، لوجدناها قليلة جداً، و زيد رضي الله عنه إنما اشتهر بعلم الإقراء، فكان يقرئ القرآن، وإن كان من ترجم له يترجم له في جملة المفسرين، لكن لا يوجد بين يدينا شيء من هذه الروايات.

    ثم بعد جيل الصحابة جاء جيل التابعين وأخذ التابعون عن الصحابة، سواء أخذوا عن ابن عباس أو عن غيره من الصحابة، مثل: ابن مسعود أو زيد أو أبي ، فاشتهر مجموعة منهم، ونذكر على سبيل المثال: سعيد بن جبير و مجاهد بن جبر و عكرمة مولى ابن عباس و محمد بن كعب القرظي و زيد بن أسلم و الحسن و أبو العالية ، ومجموعة من التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة.

    ثم جاء بعدهم أتباع التابعين، وفي طبقة أتباع التابعين انقسم التفسير إلى قسمين من جهة الرواية والدراية، فجملة من أتباع التابعين كانوا نقلة، يعني: ينقلون التفسير، يعني: كثر في جيل أتباع التابعين نقلة التفسير، وقلة منهم كان لهم آراء مستقلة، بعكس جيل التابعين، فكان أهل الدراية كثيرين والنقلة أقل.

    على سبيل المثال: لو نظرنا إلى أربدة التميمي راوي التفسير عن ابن عباس ، هذا أربدة لا يمكن أن تجد له قولاً مستقلاً في التفسير، إنما هو ناقل.

    بخلاف أبي مالك غزوان الغفاري فهو أيضاً روى التفسير عن ابن عباس ، ومع ذلك نجد له أقوالاً مستقلة.

    إذاً: في طبقة التابعين كان هناك رواية ودراية، يعني: كانوا يروون وكان يظهر أيضاً لهم أقوال مستقلة في التفسير.

    وفي جيل أتباع التابعين كثر النقل وقلّت الدراية، فلو نظرنا إلى طبقة التابعين سنجد كثرة في المفسرين ووفرة، وفي جيل أتباع التابعين قلّ المفسرون.

    نذكر منهم على سبيل المثال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم و ابن جريج و مقاتل بن حيان و مقاتل بن سليمان و الكلبي و محمد بن إسحاق وغيرهم في طبقة أتباع التابعين، لكن الرواية كانت كثيرة جداً، أهل الرواية كانوا كثيرين وهؤلاء بعض أهل الدراية لهم أقوال مستقلة ولهم اختيارات خاصة في التفسير.

    وفي هذا الجيل نلاحظ أنه في جيل أتباع التابعين توقفت الدراية من جهة ما يتعلق بأهل السنة، ولا زلت أقول: إنه لم يبرز من أهل السنة فيما بعد جيل أتباع التابعين إنسان تصدى للتفسير وإنما غلب جانب الرواية على أهل السنة في هذا الباب، فصاروا يتناقلون ما روي عن الصحابة وعن التابعين وعن أتباع التابعين، ولا يوجد في هذه الفترة إلى ما بعد أتباع التابعين تقريباً بروز ابن جرير الطبري ، لا يوجد من يوصف بأنه كان متصدياً للتفسير في طبقة أهل السنة والجماعة.

    1.   

    النتائج المستفادة من خلال النظر إلى تاريخ التفسير في القرون المفضلة

    وفي جيل أتباع التابعين هنا أو قبل هذا، أو هذا التاريخ الموجز الذي ذكرته لكم، يمكن أن نرصد من خلاله نتائج، أذكرها من خلال الاستقراء لِتاريخ هذه المرحلة، مرحلة تفسير الصحابة، وتفسير التابعين، وأتباع التابعين، ومعها التفسير النبوي، ويمكن أن نقول:

    قلة التفسير النبوي المباشرة للآية

    أولاً: إن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم من التفسير النبوي المباشر كان قليلاً، سواء بالنسبة لعدد الآيات، أو بالنسبة للمروي عن الصحابة أو التابعين أو أتباع التابعين؛ ولهذا لو جمعنا المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم في تفسيره المباشر، فيمكن جمعه في جزء صغير.

    لكن نشير إلى أن بعض العلماء يرى تفسير الصحابي منقولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه إشكال، بدلالة أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا اختلافاً بيناً في بعض القضايا، ولو كان عندهم فيها بيان عن النبي صلى الله عليه وسلم لذكروا أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وانحسر فيه الخلاف مثل خلافهم في القرء، فلو كان عند أحد بيان مباشر عن النبي صلى الله عليه وسلم في المراد بالقرء في الآية لذكره وحسم الخلاف، وغيره من الآيات التي وقع فيها خلاف، مما يدل على أنه لم يكن عندهم فيها بيان مباشر، فلذلك وقع الاختلاف.

    مصادر التفسير عند الصحابة

    ثانياً: لو نظرنا إلى مصادر الصحابة في التفسير لوجدنا أنها تتمثل في القرآن والسنة النبوية، سواء كانت تفسير نبوياً، أو أقوال النبي صلى الله عليه وسلم أو أفعاله، وكذلك اللغة.

    ويمكن أن نقول أيضاً النقل: وهو رواية لتفسير بعضهم عن بعض.

    وكذلك أيضاً أسباب النزول يعتبر مصدراً، خاصة أسباب النزول الصريحة.

    وأما الاستنباط فليس مصدراً.

    ومن المصادر أيضاً: عادات العرب كانت أيضاً مصدراً من مصادر التفسير يرجعون إليها، وهي ما يتعلق بالبيئة المحيطة بهم مما يعرفونه من عادات العرب، فيبنون عليها تفسيرهم، كذلك الإسرائيليات أيضاً كانت مصدراً رجعوا إليها.

    والخلاصة أن مصادر التفسير عند الصحابة: القرآن، والسنة النبوية، واللغة العربية، وأسباب النزول الصريحة، وما يتعلق بأحوال من نزل فيهم الخطاب، ورواية بعضهم عن بعض: الرواية، وكذلك مرويات بني إسرائيل.

    فهذه جملة المصادر التي رجعوا إليها، ثم من جاء بعدهم سيزيد مصدراً، وهو أتباع التابعين ينقلون عن التابعين.

    وهنا نلحظ أن هذه المصادر التي ذكرناها تختلف من طبقة إلى طبقة، من حيث الكثرة والقلة، ومن حيث قوة الاعتماد وضعف الاعتماد.

    وهذه المصادر قد يكون بعضهم أكثر من بعض في أحد المصادر، فلو نظرنا على سبيل المثال إلى ابن زيد ، سنجد أنه من أتباع التابعين، وسنجد أنه يكثر من تفسير القرآن بالقرآن، بخلاف الحسن البصري و قتادة فإنه يكثر عندهم البلاغات، يقولون: بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا، الذي هو التفسير بالسنة، أكثر من غيرهم، وإن كانوا في النهاية يرجعون إلى هذه المصادر.

    ويمكن أن نخلص من تاريخ هذه المرحلة أن هذه هي جمهور المصادر التي يرجعون إليها.

    نوع اختلاف التفسير بين أصحاب القرون المفضلة

    رابعاً: أيضاً مما يلحظ في تفسير هذه الطبقات الثلاث:

    أنه قد وقع اختلاف في تفسير هذه الطبقات الثلاث، لكن هذا الاختلاف الذي وقع بينهم اختلاف تنوع.

    فأغلب الاختلاف الذي ورد في تفسير هذه الطبقات الثلاث هو اختلاف تنوع، ولعله يأتي تفصيل قضية اختلاف التنوع، وأما اختلاف التضاد فكان موجوداً لكنه قليل.

    وأما اختلاف التضاد فظهر بظهور الفرق؛ لأن أي تفسير مبني على اعتقاد سيكون مخالفاً لتفسير السلف، فالتضاد ليس في تفسير السلف أنفسهم، إنما هو في تفسير الخلف مع تفسير السلف، فالتضاد يقع حينما يقابل تفسير الخلف بتفسير السلف، ولكن ليس هذا دائماً، لكنه كثر اختلاف التضاد بدخول كثير من التفسيرات المبنية على المعتقدات.

    وأما في تفسير السلف فكان التضاد فيه قليلاً، من أمثلته وهو مشهور: القرء، فالاختلاف في القرء اختلاف تضاد.

    وكذلك أيضاً: الاختلاف في معنى عَسْعَسَ [التكوير:17]، هو اختلاف تضاد، وإن كنا قد نقبل أنه أول الليل وآخر النهار، ولكنه في صورته تضاد، والأمثلة كثيرة وموجودة في تفسيرهم، لكن أغلب الاختلاف اختلاف التنوع.

    اجتهاد السلف في فهم القرآن

    خامساً: هل كان السلف يعملون رأيهم في التفسير أو لا؟ طبعاً واضح أنهم كانوا يجتهدون، وهذا الاجتهاد والاستنباط كان مبنياً على علم؛ لأن عندهم المصادر التي ذكرناها قبل قليل.

    إذاً: الصحابة رضي الله عنهم أو التابعون أو أتباع التابعين حين كانوا يجتهدون في التفسير كان عندهم علم، فهم يبنون على علم، وهذه المصادر التي عندهم هي أساس هذا الاجتهاد أو الاستنباط، وهذا الاجتهاد هو الذي أوقع الاختلاف؛ لأن النظر إلى النص من أكثر من واحد مع اختلاف قدراتهم الذهنية والعلمية، واختلافهم في النظر إلى المصادر، لا شك أنه يورث اختلافاً.

    فوقع الاختلاف بسبب النظر إلى النص مع اختلاف هذه المصادر، ولكن هذا الاختلاف الذي كان عندهم هو اجتهاد ولم يكن تحزباً وإحناً في النفوس بين هذه الطبقات الثلاث، أو تعصباً للآراء والالتفات حولها من مجموعة والانتصار لها، لا في جيل الصحابة ولا في جيل التابعين ولا في جيل أتباع التابعين، مع أننا نجد أن التابعين يختلفون في الشيوخ، فهؤلاء يتلقون عن ابن مسعود ، وهؤلاء يتلقون عن ابن عباس ، ومع ذلك ما وقع بين أصحاب ابن مسعود وأصحاب ابن عباس تحزب لرأي شيخهم، ولهذا قال مجاهد : لو كنت أعلم قراءة ابن مسعود لاستغنيت عن كثير مما سألت ابن عباس عنه في التفسير، كأنه يقول: إن قراءة ابن مسعود كانت تفسر أشياء كثيرة له، لو كان سمعها لاستغنى عن أسئلة ابن عباس عن بعض الأسئلة التي سأله في التفسير.

    أمثلة على عدم تعصب السلف لآرائهم في التفسير

    والمقصد من ذلك أن هذه أصحاب هذه الطبقات الثلاث لم يقع عندهم ما يسمى بالتحزب للآراء ولم يقع عندهم اختلاف في القلوب.

    ولنأخذ مثالاً من أمثلة النظر العقلي، الذي هو الاستنباط وكيف وقع الخلاف بين أحد هذه الطبقات في جيل أتباع التابعين.

    فـالطبري يذكر في تفسير قوله سبحانه وتعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19] وهي رواية مهمة جداً عن يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري قال: سألت زيد بن أسلم عن قول الله: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19]، إلى قوله: سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:21]، فقلت له: من يراد بهذا؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت له: رسول الله؟ رسول الله؟ فقال: ما تنكر؟ قال الله عز وجل: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:6-7].

    فـابن زيد يذهب إلى أن المراد بالخطاب في قوله تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ [ق:19] الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: ثم سألت صالح بن كيسان عنه، فقال لي: هل سألت أحداً؟ فقلت: نعم. قد سألت عنها زيد بن أسلم ، فقال: ما قال لك؟ فقلت: بل تخبرني ما تقول؟ فقال: لا أخبرنَّك بالذي عليه رأيي حتى تخبرني ما قال لك؟ قلت: قال: يراد بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: وما علم زيد والله ما سن عالية ولا لسان فصيح، ولا معرفة بكلام العرب، إنما يراد بهذا الكافر، ثم قال: اقرأ ما بعدها يدلك على ذلك، ثم سألت حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، فقال لي مثلما قال صالح : هل سألت أحداً فأخبرني به؟ قلت: إني قد سألت زيد بن أسلم و صالح بن كيسان فقال لي: ما قالا لك؟ قلت: بل تخبرني بقولك؟ قال: لا أخبرنك بقولي، فأخبرته بالذي قالا لي، قال: أخالفهما جميعاً يراد بها: البر والفاجر، قال الله: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]، فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ [ق:22] الآية.

    فنلاحظ أن ثلاثة من التابعين سئلوا؟ وكل واحد قال بقول، وهذا الأثر لو أردنا أن نحلله على الأسلوب الذي ذكرته سابقاً.

    فنجد أن صالح بن كيسان لما أراد أن يفسر اعتمد على السياق لأنه قال: اقرأ ما بعدها.

    و زيد بن أسلم لما فسر اعتمد على قول الله: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19]، خوطب بها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو أول من خوطب بالقرآن، فاستنكر كيف يخاطب الرسول بمثل هذا الكلام الذي فيه ثقل! ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]، هو أراد أن يقول: خوطب بها الرسول صلى الله عليه وسلم، فأجاب قد خوطب بقوله: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى [الضحى:6].. إلى آخره، فكونه يخاطب بهذا موجود.

    والأخير اعتمد على أن الآية عامة، ولاحظ العبارات التي وردت فيما بينهم.

    كذلك أيضاً هذا القاسم بن أبي بلزم قال: قال لي مجاهد في قوله: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء:119]، سل عنها عكرمة ، يعني: أن مجاهداً يقول لتلميذه القاسم : اذهب إلى عكرمة واسأله عن هذه الآية، قال: فسألته، فقال: الإخصاء.

    فقال مجاهد : ما له أخزاه الله! فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء، ثم قال: سله، قال: فسألته، فقال عكرمة : ألم تسمع إلى قول الله تبارك وتعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، قال: لدين الله، فحدثته به مجاهداً ، فقال: ما له أخزاه الله .. إلى آخر الرواية.

    ولا نريد أن ندخل في عكرمة ؛ لأن تلاميذ ابن عباس كان لهم موقف من عكرمة ، لكن هذه العبارات مع وجودها وقد يكون فيها شيء مما فيها لم تجعل بينهم هذه الإحن والاختلافات والتحزبات، ولذا يجب أن ننتبه إلى أن هناك عبارات عن السلف وهم يتكلمون عن بعض القضايا، فيها نوع من الحدة أو الشدة، لكنها لم تخرج عن كونها عبارات لفظية لحظية يذكرها الإنسان، وليس هناك في القلوب أي شيء، لأننا لا نجد في تاريخ الصحابة أو التابعين أو أتباع التابعين أي شيء مبني على تحزبات، أو أن هؤلاء ينتصرون لقولهم ويعادون الآخرين.

    فتؤخذ هذه العبارات وأمثالها على أنها عبارات وقتيه لحظية، وليس لها أي أثر على القلوب أو على أن يكون هناك تحزبات سيئة.

    أثر العقائد على اختلاف آراء المفسرين

    سادساً: أن الاختلافات المبنية على عقائد سابقة لم تظهر في طبقة الصحابة، مع أن بعض البدع ظهرت في عهد الصحابة الخوارج والقدرية في آخر عهد الصحابة، وقبلهم الرافضة الذي هو التشيع، سواء التشيع المتقدم أو المتأخر، الذي هو السبئية بالذات، الذي أفرز عقيدة الرفض فكانت ظاهرة في جيل الصحابة لاحقاً لما نرى هذه العقائد ماذا أثرت في التفسير في جيل التابعين، فبدأت بذور الاعتزال في جيل التابعين ثم بدعة الإرجاء أيضاً ظهرت في عهد التابعين، ومعروف أن بدعة الاعتزال نشطت في جيل أتباع التابعين؛ ولهذا في جيل أتباع التابعين، سواء من طبقة المفسرين أو المحدثين أو اللغويين أو غيرهم نجد من تأثر بهذه البدعة.

    فلو نظرنا نظرة سريعة فإننا نجد أنه في هذا التاريخ الموجز للتفسير، ظهرت هذه البدع، لكن لم يكن لها أثر بارز وواضح على هذه الطبقات الثلاث، وإن كنا قد نجد روايات شاذة وقليله جداً في طبقة التابعين أو أتباع التابعين متأثرة ببعض قضايا الاعتقاد، لكنها لم تكن ظاهرة، وإنما كانت أمثلة معدودة جداً ومحدودة.

    وفي طبقة التابعين أو أتباع التابعين ظهر من شاركوا في جملة من علوم القرآن من أهل البدع، فشاركوا في التدوين في بعض أنواع علوم القرآن، على سبيل المثال: الأصم ، عبد الرحمن بن كيسان له تفسير، وهو متقدم تقريباً على رأس المائتين، وهو معتزلي، كتب كتابه في التفسير، و واصل بن عطاء له كتاب في معاني القرآن، و قطرب وهو من اللغويين له كتاب في متشابه القرآن، وغيرهم مثل أبان بن تغلب وهو أيضاً من الشيعة، له كتاب في غريب القرآن، فالمقصد أن هؤلاء الذين كان لهم عقائد شاركوا في التدوين في أشياء تتعلق بالتفسير، سواء في التفسير أو في معاني القرآن وتفسيره.

    ونلاحظ أيضاً في طبقة أتباع التابعين ظهر أهل اللغة، ودونوا في أمور تتعلق بالقرآن مثل غريب القرآن ومعاني القرآن وإعراب القرآن، فهذه العلوم الثلاثة كتب فيها أهل اللغة، الذين عاصروا جيل أتباع التابعين، وأيضاً شاركوا في جزء مما يتعلق بالتفسير في هذه الأنواع الثلاثة، وهذه الأنواع التي ذكرناها ستكون فيما بعد من المصادر التي اعتمد عليها المفسرون، مثلما ذكر عن ابن جرير الطبري أنه اعتمد على كتب هؤلاء، فدخل علم الإعراب في كتب التفسير.

    تدوين التفسير في طبقات القرون المفضلة

    سابعاً: فيما يتعلق بتدوين التفسير في هذه المرحلة، مرحلة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وسنتكلم عنها كمرحلة كاملة؛ ولا نفصلها، أولاً: هل دون التفسير أو لم يدون في مرحلة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين؟

    والجواب: نعم فـمجاهد كتب التفسير عن ابن عباس .

    ومقاتل بن حيان أيضاً كتب كتاباً في التفسير و زيد بن أسلم كتب كتاباً في التفسير، و ابن جريج أيضاً كتب كتاباً في التفسير، و قتادة أملى عن سعيد بن أبي عروبة و معمر بن راشد و سفيان الثوري أيضاً.

    وكذلك وكيع بن الجراح و عبد الرزاق وهو في نهاية طبقات أتباع التابعين.

    وكذلك أيضاً نافع له مدون صغير موجود ومطبوع. وكذلك سعيد بن جبير أيضاً كتب تفسيراً لـعبد الملك بن مروان لما سأله.

    فتدوين العلم في هذه الفترة يدل على أنه علم قائم بذاته، بدلالة أنه كان يدون قصداً؛ ولهذا من تكلم عن تاريخ التفسير وقسم تاريخ التفسير إلى المرحلة الشفاهية، ثم مرحلة التدوين.. إلى آخره فهذه المراحل الأربع مخالفة لتاريخ التفسير؛ لأنه جعل التفسير مقروناً بعلم الحديث، وهذا غير صحيح، بل كان التفسير مستقلاً إن لم يكن أسبق في التدوين من علم الحديث، فهؤلاء الذين ذكرناهم هم في طبقة التابعين وأتباع التابعين، ومدونات الحديث كانت أيضاً موجودة مثلما كانت مدونات التفسير موجودة، فهذه مستقلة وهذه مستقلة، ولكن ليس المعنى أنه لم يظهر في جيل التابعين وأتباع التابعين علم التفسير، ولهذا يقول هذا القائل: إن علم التفسير ظهر على يد ابن ماجه ، وابن ماجه توفي سنة مائتين وخمس وسبعين، وهذا غير صحيح، بل إن علم التفسير ظهر حتى في عهد الصحابة كما سبق فـابن عباس كان يُسأل ويقصد من أجل التفسير، وكان له حلقة خاصة بالتفسير.. إلى آخره، والمقصد أن الرواية التي هي الشفاهية كانت مختلطة بالتدوين، وأن علم التفسير كان علماً قائماً وظاهراً ظهوراً بارزاً.

    أنواع تدوين التفسير في القرون المفضلة

    ثامناً: وهنا يمكن أن نعطي ثلاث تنبيهات على ما يتعلق بالتدوين.

    الأول: أن بعض التدوينات كانت إملاءً، فالشيخ يملي على طلابه مثلما أملى قتادة التفسير، وقتادة رضي الله عنه كان كفيفاً، فكان يملي التفسير على طلابه، وكذلك الحسن ورد عنه أنه أملى التفسير على طلابه، وكذلك ابن عباس أملى التفسير على مجاهد .

    فهذا النوع الأول من أنواع التدوين وهو الإملاء.

    النوع الثاني: التدوين الجزئي وهو التدوين لبعض الآيات أو بعض السور.

    وهذا كثير، مثل ما كتب سعيد بن جبير ، أو مثل تفسير سفيان الثوري أو غيره من هذه التفاسير الجزئية، مثل: تفسير نافع وغيره، فهذه تفسيرات جزئية، وليست كاملة للقرآن.

    النوع الثالث: التدوين الكامل للقرآن، وهذا نسب للضحاك ، وكذلك نسب لـزيد بن أسلم ، لكن الذي بين يدينا وهو مطبوع تفسير مقاتل بن سليمان ، وهو تفسير كامل للقرآن وكذلك تفسير يحيى بن سلام المتوفى سنة مائتين، في نهاية طبقة أتباع التابعين، وقد أخذ عن أتباع التابعين كثيراً أيضاً له تدوين كامل في التفسير.

    وهذا أيضاً فيه تنبيه على خطأ من زعم أن الفراء هو أول من دون التفسير كاملاً، فهذا غير صحيح؛ لأن مقاتلاً توفي سنة مائة وخمسين و يحيى بن سلام توفي سنة مائتين فليس صواباً أن تدوين التفسير كاملاً تأخر، بل كان متقدماً، وتفسير مقاتل بين يدينا وقد فسر القرآن آية آية.

    وعلى هذا ممكن أن نقول: إن تفسير السلف كان متكاملاً من حيث المصادر، ومن حيث استيعابه لجميع آيات القرآن وهذه حقيقة يجب أن ننتبه لها وهي أن مصادر التفسير كانت متكاملة بالنسبة لهذه الأجيال، وأن التفسير قد استوعب آيات القرآن استيعاباً كاملاً، وهذا الذي جعل علماء أهل السنة والجماعة يتوقفون ويأخذون عمن سبقهم لأن التفسير متكامل.

    فينبغي التنبه إلى أن المصادر كانت متكاملة عند الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وأنهم استوعبوا جميع آيات القرآن، بحيث أنه لو قال قائل: أنا كمسلم أعتمد على ما ورد عن هذه الطبقات الثلاث وأتوقف، فنقول: عمله هذا صحيح بل قد يكون هو الأصوب من أن تتدخل عليه آراء فيها خلل، وهذه هي التي جعلت بعض العلماء يشدد، حتى كاد لا يرى أن يقال بعد الصحابة والتابعين وأتباع التابعين في التفسير أي شيء؛ لدخول آراء كثيرة باطلة، حتى صار كثير من الناس لا يعرف الحق من الباطل، ولهذا نجد حتى في كتب بعض العلماء الكبار بعض الآراء الفاسدة التي لم ينتبه إليها فدخلت في التفسير، فلو رجعت إلى تفسير الماوردي ، على سبيل المثال: النكت والعيون، و الماوردي عالم، لكن ورد عنده كثير من آراء المعتزلة الباطلة؛ لأنه كان في مصادره كتب هؤلاء المعتزلة فنقل آراءهم.

    وأما مقاتل بن سليمان لما فسر القرآن آية آية فإنه اعتمد على من كان قبله.

    وممكن أن نسمي تفسير مقاتل بن سليمان تفسير المنتخب، يعني: انتخاب التفسير؛ لأن مقاتل يقول عنه: إنه انتخب تفسيره عن ثلاثين رجلاً، وانتخب تفسيره من كتبهم وآرائهم، منهم اثني عشر رجلاً من التابعين، فانظر كم من المدونات التي اعتمد عليها مقاتل وتوفي سنة ثلاثمائة وخمسين، سواء كان الذين اعتمد عليهم نقلة، أو كانوا أصحاب آراء؛ ولهذا نقول: إن مقاتلاً في كتابه هذا يمثل صورة المفسر المنتخب، لأن أمامه آراء كثيرة ثم انتخب من هذه الآراء.

    فإذا كان مفسراً منتخباً فيحق لنا أن نقول: إن مقاتلاً مفسراً ومستنبطاً؛ لأن كون أمامه هذه الآراء المختلفة، وينتخب منها ويختار هذا القول ويترك هذا القول، يدل على أن عنده رأياً.

    فهذا نوع من أنواع المفسرين، الذي هو المفسر المنتخب ويتمثل في عمل مقاتل .

    وفي المقابل لو نظرنا إلى يحيى بن سلام وقد طبع جزء من تفسيره حديثاً، فإننا لا نجد هذا الانتخاب. إنما نجد الرواية، فهو يروي عن فلان وفلان وفلان، فنجد رواية عن ابن مسعود ، وعن ابن عباس بالنص، وعن الحسن البصري وعن قتادة وعن مجاهد ، فيقول: وفي تفسير قتادة كذا، وفي تفسير الحسن كذا، بخلاف تفسير مقاتل ، فـمقاتل يورد التفسير مباشرة من دون أن ينسبه، أما يحيى بن سلام البصري فإنه ينسب التفسير إلى أهله، فصار تفسيره جامعاً، وأحياناً وهي قليلة جداً ينبه إلى اتفاق هذه الآراء، فيقول مثلاً: وتفسير قتادة كذا وتفسير مجاهد كذا، والمعنى واحد، ولكن هذا قليل جداً في تفسير يحيى بن سلام .

    انقطاع في الصوت.

    وهنا فائدة: لا يمكن أن يوجد مصدر يحتاج إليه في فهم القرآن، ولم يكن عند الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وهذه قضية مهمة؛ لأنه لو قلنا: أنه هناك مصدراً غير موجود، لا شك أن التفسير سيكون ناقصاً.

    العلوم التي لم تدخل في تفسير أصحاب القرون المفضلة بخلاف من بعدهم

    تاسعاً: أن بعض العلوم لم تدخل في تفسير السلف، وإنما دخلت في تفسيرات المتأخرين، مثل علم النحو وعلم البلاغة وعلم أصول الفقه، وغيرها من العلوم التي دخلت في كتب المفسرين، وهذه من أبرزها:

    فمثلاً: علم النحو لو قرأنا في كتاب الدر المنثور على سبيل المثال، نقرأ سورة البقرة.. سورة المائدة.. إلى آخره، لو استعرضنا استعراضاً سريعاً لأحد هذه السور فلا يمكن أن نجد كلاماً في المصطلحات النحوية، وفي عام مائتين وسبع توفي الفراء وله كتاب في معنى القرآن، لما نقرأ في هذا الكتاب وهو معاصر لأتباع التابعين نجد أنه تغلب عليه الصيغة النحوية، ونجد مصطلحات علم النحو الكوفي، لكن هذه المصطلحات وهذه الطريقة في معالجة الآيات لا يمكن أن نجدها في تفسير السلف، والمقصود أنه في هذه الطبقات الثلاث لم يكن يحتاج إلى هذه التأصيلات النحوية؛ لأن القوم كانوا أصحاب اللغة.

    ولكن بعد هؤلاء لما كثرت العجمة وبعد الناس عند لسان العرب احتيج إلى علم النحو؛ لضبط اللسان العربي الذي حصل له ما حصل. فصار علم النحو فيما بعد مصدراً مساعداً في تفسير القرآن.

    فالمفسر الذي يأتي بعد جيل أتباع التابعين يحتاج إلى علم النحو.

    ولذا يجب أن ننتبه لهذه القضية؛ لأن بعض العلماء ذكر شروط المفسر وذكر علوماً لا بد منها، منها مثلاً: علم النحو، وهنا يجب أن ننتبه لهذا القيد، وهو فيما يحتاج إلى ضبط فقط لا غير، وليس فيما نحتاج إليه بجميع تفاصيله المذكورة في كتب النحو، وهذه قاعدة عامة في جميع العلوم المرتبطة بالقرآن إن لم تكن من صلب التفسير، فعلى سبيل المثال لكي نفهم معاني مفردات الألفاظ لا بد أن نعرف معنى كل كلمة، ولكن لا يلزمنا أن نعرف إعراب كل كلمة.

    فهناك فرق بين هذه، وكما ذكرت أن جل التفسير مبني على بيان معاني المفردات، وعلم النحو إنما دخل في كتب التفسير متأخراً، وليس بين يدينا كتاب تفسير متكامل، بكتب التفسير الكتب التي تكاملت فيها الأداة.

    على سبيل المثال: لو أردنا أن نقارن بين كتب معاني القرآن للأخفش ومعاني القرآن للفراء ومعاني القرآن للزجاج ، وبين تفسير الطبري في المادة أو المصادر التفسيرية في هذه الكتب الثلاثة، هل هي نفس مصادر التفسيرية عند الطبري ؟

    إذاً: أين تتكامل المصادر التفسيرية؟ في كتب المعاني أو في تفسير الطبري؟ لكي نفهم مفهوم التفسير.

    مرادنا التفسير الذي تكاملت فيه المصادر، الطبري لما اعتمد على مصادر كان من تلك المصادر التي اعتمدها كتب المعاني التي فيها الإعراب، فدخل الإعراب في كتب التفسير.

    كذلك الواحدي في البسيط لما كتب كتابه التبسيط أيضاً اعتمد على ما كتبه النحاة في معاني القرآن أو إعراب القرآن، فدخل علم النحو في كتاب الواحدي ، خصوصاً البسيط، ثم الذين جاءوا من بعدهم صاروا ينقلون عن هؤلاء، وبدءوا يأخذون منهم ما دونوه، فدخل علم النحو بهذه الصورة.

    وعلم النحو في هذه الكتب في الغالب يكون لحل إشكال معين في الآية يتبين به المعنى، ثم صار أصلاً عند أبي حيان في تفسيره في القرن الثامن.

    فـأبو حيان رحمه الله تعالى لما كتب البحر المحيط جعل علم النحو أصلاً ومصدراً يستند إليه في بيان معاني الآية، وصار يعرب القرآن حتى إنه خرج في بعض الأحيان عن أن يكون مفسراً إلى أن يكون معرباً.

    فالمقصد التنبه إلى كيفية دخول هذا العلم وكيف كان أصلاً يرجع إليه وما هو سبب ذلك، ثم كيف بدأ يتطور حتى وجدناه عند أبي حيان عاماً وغالباً، فإذا قيل: التفسير النحوي أو الكتاب الذي اعتنى بالإعراب أول ما يتبادر إلى الذهن تفسير البحر المحيط لـأبي حيان .

    كذلك علم البلاغة لما نرجع إلى تفسير السلف لا نجد عندهم لا مصطلحات هذا العلم، ولا البحث في مسائل هذا العلم.

    وهذا كان موجوداً قبل أن يتشكل علم البلاغة ويكون علماً قائماً بذاته، وعلى سبيل المثال: لو بحثنا في كتب معاني القرآن عن المسائل البلاغية، فسنجد إشارات إلى كثير من المسائل البلاغية وإن لم يطلعوا عليها من مصطلحات المتأخرين.

    إذاً: هناك بحث بلاغي عند علماء اللغة المتقدمين، ولكن لم تكن مضبوطة ضبطاً خاصاً، وتأخر الضبط الخاص الذي انبثق منه علم البلاغة تأخراً كثيراً.

    والمقصد أن هذا سواء في مصطلحاته أو في مسائله لا نجده في تفسير السلف، وإن وجدنا فهي إشارات قليلة جداً مرتبطة بالتفسير.

    عدم تكلم أصحاب القرون المفضلة في علم البلاغة مع أنه مرتبط بالتفسير

    قد يقول قائل: لماذا لم يبحث السلف عن علم البلاغة الذي هو مرتبط بإعجاز القرآن وهذه مسألة تحتاج إلى بحث؟

    هذه قضية مرتبطة بمسألة تاريخية، لكن أشير إليها إشارة أنه لم ينشأ فيما بينهم أو حتى في جيلهم ما يدعو إلى بحث هذه المسألة؛ لأنه كان أمراً مستقراً عندهم، بل إن إعجاز القرآن كان أمراً مستقراً عند الكفار الذين نزل القرآن عليهم، فما كانوا يحتاجون إلى إثباتها.

    وإنما احتيج إلى إثبات إعجاز القرآن حين جاءت قضية الجدل، فلما دخل الجدل على المسلمين وبرز المتكلمون وصاروا يتناقشون فيما بينهم أو يناقشون بعض من يطعن في الإسلام برزت قضية إعجاز القرآن واحتيج إليها هناك.

    وأما في تفسير السلف وكلام السلف فلا تجد أصلاً مصطلح إعجاز القرآن إطلاقاً، وإنما تجد التعبير عن هذا بأنه (الآية أو البرهان)، كما هو وارد في الكتاب والسنة، وإنما ورد الإعجاز عند هؤلاء المتكلمين، ثم بعد ذلك بدأ يخرج من إعجاز القرآن علم البلاغة الذي انبثق من الحديث عن إعجاز القرآن.

    فالخلاصة لم يكن يحتاج هؤلاء إلى أن يتكلموا عن هذه المسألة، لأنهم كانوا يفهمون بلاغته ودقة خطابه، وكانت ملكة بالنسبة لهم كما كان الإعراب ملكة بالنسبة لهم فلم يحتاجوا إلى إبرازها، وإنما احتاج إليه المتأخرون للبحث في إعجاز القرآن بين المتكلمين.

    ولهذا من العجائب العلمية أن إعجاز القرآن والحديث عنه إنما برز عند المتكلمين، والمتكلمون أصول بحوثهم عقلية، فما دامت أصول بحوثهم عقلية فسيتأثر الحديث عن إعجاز القرآن بأصل البحث عندهم، ولهذا لا زال إلى اليوم الكلام عن إعجاز القرآن يدخله كثير من القضايا العقلية البحتة، التي ليس لها على أرض الواقع ما يسندها، خصوصاً عندما تأتي قضية شروط المعجزة على سبيل المثال، فتجد أنهم يشترطون قضايا عقلية لا يحتاج إليها، وإنما دعا إليها البحث العقلي البحت.

    فعلى سبيل المثال: لما يشترطون في المعجزة أن توافق الدعوى لمدعي النبوة، فيقول مثلاً: آيتي أن أفعل كذا وكذا، فتظهر كما قال، فهذا إنما دعا إليه البحث العقلي؛ لأنه أصلاً لا يأتي النبي ويقول: آيتي أن أفعل كذا وكذا، ولكن قد يأتي من يدعي النبوة، فيقول: إن آيتي أن أفعل كذا وكذا ولا يحصل، مثلما حصل لـمسيلمة كما ذكروا عنه أنه إذا سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم معجزة من معجزاته فذهب يفعل مثلها، فقالوا: إنه تفل في بئر كان فيه ماء فغار الماء.

    فهذه الإشارة إلى أن هذه بحوث نحت المنحى العقلي، ولم تنطلق من الواقع، واقع الآثار، ما وأول كتاب أدخل علم البلاغة في علم التفسير الكشاف للزمخشري ، وهناك كتاب لـعبد القاهر الجرجاني يحقق ذكروا أنه طبق نظرية النظر في هذا التفسير، فإذا ظهر هذا الكتاب فيمكن أن يكون متقدماً على صاحب الكشاف، فيكون دخل علم البلاغة في كتب التفسير في عهد عبد القاهر الجرجاني ، فالملاحظ أنه تأخر دخول علم البلاغة في كتب التفسير، لكن وجدت بحوث بلاغية متناثرة عند العلماء في تلك العصور، لكن أن يدخل ويكون في علم التفسير فهذا جاء متأخراً، وسبقت الإشارة إلى أننا لا نحتاج إلى علم البلاغة في بيان المعاني، وإنما نحتاجها في بيان الإعجاز وبلاغة القرآن.

    كذلك علم أصول الفقه فإن كثيراً من مسائل أصول الفقه دخلت في بعض كتب التفسير، لكن ليس كعلم البلاغة أو علم النحو بل أقل فمثلاً: كتاب الرازي نجد فيه مسائل كثيرة في أصول الفقه ومن المعاصرين كتاب الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى، أضواء البيان نجد أنه اعتمد أيضاً في منهجه أن يناقش كثيراً من القضايا الأصولية، لكن لا نجد كتاباً اعتمد على أصول الفقه، وإن كانت مادة أصول الفقه يتعامل بها كثير من المفسرين.

    والمقصد من هذا أن ننتبه إلى أنه في جيل الصحابة والتابعين وأتباع التابعين كان التفسير له وجهة معينة، وكان في الغالب يعتمد على بيان، معاني الآيات، وأما الدخول في تفاصيل وبحوث خارجة عن بيان المعاني مما يرتبط بعلم اللغة أو علم النحو أو علم الفقه أو علم أصول الفقه، فهذا إنما دخل متأخرا ًفي كتب العلماء المتأخرين.

    مدارس التفسير في عصر القرون المفضلة

    التفسير في عهد هؤلاء: هل يمكن أن نصنف التفسير في هذه الطبقات الثلاث إلى مدارس؟

    ممكن أن نصنفها حسب الصحابي الذي أخذ عنه التفسير، فنقول مثل مدرسة ابن عباس ، ومدرسة ابن مسعود .

    والفرق بين مدرسة ابن عباس ومدرسة ابن مسعود من جهة المصادر الفرق بين التفسير باللغة عند مدرسة ابن عباس ، لم يعتمد ابن عباس على أسباب النزول ابن عباس أكثر تفسيراً من ابن مسعود ، ابن عباس يكثر من الاستشهاد و ابن مسعود لا يكثر، مع أن المصدر واحد، هذا يفسر باللغة وهذا يفسر باللغة، وإنما اختلفوا في الكمية.

    وماي قال أن مدرسة ابن مسعود مدرسة الرأي. فهذا خطأ علمي بحت، بل ابن مسعود كان يكره الرأي، فمن نظر إلى تاريخ ابن مسعود يرى أنه كان يربي تلاميذه على عدم القول بالرأي، ولهذا قل أن تجد في تلاميذ ابن مسعود من يقول بخلاف قول شيخه، ولهذا كان يقول: إياكم والرأي وعليكم بهدي من كان قبلكم.

    أما مدرسة ابن عباس بالعكس، فكان يقول لـعكرمة : قم وأفتي الناس، ويقول له: لأن تفتي وتخطئ فأصوبك خير لك من أن تفتي وأنا غير موجود، لما جاء ابن تيمية رحمه الله تعالى يتكلم عن طبقات السلف هؤلاء، هل يمكن أن نقول: أصحاب ابن مسعود أهل مكة، أو ننسبهم إلى الشيخ، أو إلى المكان، والنسبة إلى الشيخ أو إلى المكان لا تعني الفرق في المصادر.

    نشأة مصطلح مدرسة

    المدرسة مصطلح غربي، ويدل على قضية معينة فلسفية، وهي كل مدرسة لها رأي تجتمع عليه وتدافع عنه وترد غيره، ولم يكن في تفسير السلف هذا التصور في مفهوم المدرسة.

    ومادام الحال كذلك فلا يصلح أن نطلق مسمى مدرسة.

    قد يقول قائل: لا مشاحة في الاصطلاح، نقول: نعم هذه العبارة صحيحة، لكن إذا ما كان يبنى عليها خلل علمي، أما إذا بني عليها خلل علمي فإنها لا تقبل.

    فلا مشاحة في الاصطلاح إذا كانت ما تتأثر المعاني، لكن حين تتأثر المعاني ويختل العلم فلا يصح: لا مشاحة في الاصطلاح.

    فالمقصد أن ننتبه إلى التعبير بـ(مدرسة) لا يصلح في علم التفسير في طبقات السلف الثلاث، ما اشتهر من مدرسة أهل مكة، مدرسة أهل الكوفة، مدرسة أهل البصرة، مدرسة أهل المدينة، هذا التعبير رأي الخاص فيه أن فيه خللاً ولا يصلح؛ لأن مصطلح المدرسة هو مبني على هذا أصلاً.

    قد يقول قائل: هل نجرده من هذا المفهوم الذي تريدون، نقول: لا، البحث الذي يبحث فيها يرجع إلى هذا، فمثلاً قول: إن مدرسة أهل الكوفة الذي صاحبها ابن مسعود معتمدة على الرأي، ومدرسة أهل مكة معتمدة على الأثر، فاختلف النص وهذا غير صحيح أصلاً.

    بل المصادر عندهم كلهم واحدة، وهم كلهم مدرسة وأما المتأخرون فممكن أن نقول عنهم: مدرسة؛ لأن المصادر عند السلف اختلفت مع المتأخرين، فهنا يمكن إطلاق مدرسة عليهم.

    فعلى سبيل المثال نقول: مدرسة أهل البدع، يعني: المدرسة الإعتزالية التي تقوم على مبادئ تدافع عنها وترد غيرها، فهذه ماشية على مفهوم المدرسة، أما أن نقول: طبقات السلف مدارس فهذا غير صحيح.

    وذلك التلميذ الواحد قد يكون تلميذاً لمجموعة من هؤلاء الأعلام، فـمجاهد مثلاً من أشهر تلاميذ ابن عباس ، لكنه استفاد من ابن عمر واستفاد من تلاميذ ابن مسعود ، لما سمع قراءة ابن مسعود ولو جعلنا مثلاً مدرسة أهل اللغة، مدرسة أهل البدع؛ لأنه تختلف طريقة التعامل مع المصادر فهذا ممكن.

    السبب في الرجوع إلى السلف عند التفسير

    لجملة من الأمور تجعلنا نرجع إلى تفسير السلف وخصوصاً الصحابة.

    منها: أنهم أبعد عن البدع، وأنهم أعلم ومنهجهم أسلم، وأنهم أعلم بمراد النبي صلى الله عليه وسلم ممن بعدهم، وما يقال عن منهجهم أنه ليس فيه عمق فغير صحيح.

    وكذلك لفضلهم خصوصاً الصحابة رضي الله عنهم فإنهم حازوا قصب السبق في الفضل.

    وقد يأتي من يعترض على هذا الفضل أو هذا السبق العلمي، إما نصاً ينص على أن هؤلاء ليس عندهم من العلم شيء، وأن علمهم كان علماً ساذجاً، وإما بطريقة التعامل مع أقوالهم؛ وحينما يورد أقوالهم إنما يوردها فقط من باب الفضلة، ثم ينتقل عنها إلى بحوث أخرى يحرر فيها ويحقق ويدقق.

    ولو رجعنا إلى الاعتبارات التي سبق ذكرها فسنجد أن عندنا دليلاً عقلياً يجعلنا نرجع إلى أقوال الصحابة بالذات، لكونهم أول مصدر بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315049

    عدد مرات الحفظ

    723571465