إسلام ويب

مواقف من الآخرةللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الموت هو المصير المحتوم الذي أوجبه الله على كل حي في هذا الكون، وهو مصيبة، ولكن المصيبة العظمى والأدهى ما بعد الموت: من سؤال منكر ونكير، ومن بعث وحساب، مشي على الصراط. فالاستعداد لما بعد الموت أمر مطلوب، وذلك بالعمل بما يرضي الله سبحانه وتعالى، واجتناب معاصيه، وتذكر الآخرة وأهوالها، فإنه عامل مساعد على الاستقامة على دين الله جل وعلا.

    1.   

    ساعة الاحتضار وحال العبد عندها

    الحمد لله الذي خلق الخلق فأحصاهم عدداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وإليه المآب والمرجع يوم الدين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

    فيا إخواني في الله! وقفات ولحظات مع البرزخ والدار الآخرة، لقطات وومضات مع السفينة الماخرة إلى ذلك اللقاء المشهود، واليوم الموعود.. إلى لقاء رب العالمين وملك يوم الدين.. مواقف تهتز لها قلوب المتقين، وتَجِلُ لها أفئدة الخاشعين المتقين.

    الآخرة ما الآخرة؟ هي التي أقضت مضاجع الصالحين، فكانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، عرفوا ربهم وعظّموا خالقهم ووجلت أفئدتهم من هيبة المقام بين يديه.

    الآخرة ما الآخرة؟ وما أدراك ما الآخرة؟ هي التي حرمت الأخيار لذة النوم والكرى، وانفطرت لها أفئدة المتقين العابدين، فساروا إلى الله حثيثاً، أما الأموال فبذلوها لوجه الله، وأما جاه الدنيا فسخروه لمحبة الله، الآخرة لا يعرف حقها وقدرها إلا من عرف عظمة الله وعرف هيبة الموقف بين يدي الله وقد تحدثت عنها آيات التنزيل فما تركت للعبد من قيل.. الآخرة التي بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن السعيد فيها سعيد، وأن المحروم فيها شقي طريد.

    أول منازل الآخرة وأول وقفة لنا معها، هي في تلك اللحظات التي يلقي العبد فيها آخر النظرات على هذه الدنيا، أول منازل الآخرة: إذا وجل الفؤاد من لقاء الله تبارك وتعالى، وتهيأ للرحيل، فساعة الرحيل أول موقف يراه العبد من الآخرة، هناك حيث تبدو المعالم واضحة، هناك حيث تنتاب السكرات، وتعلو الزفرات، وتفيض العين بالعبرات، ويَجِلُ العبد من خشية الله تبارك وتعالى، إنها الساعة التي يؤمن فيها الكافر، ويوقن فيها الفاجر، يلقي العبد فيها نظراته على الأبناء والبنات، على الإخوان والأخوات، على الأصحاب والخلان، على الأحباب والإخوان، يُلقي آخر النظرات مودعاً وإلى ربه منتقلاً.

    أول موقف من مواقف الآخرة إذا حانت ساعة الفراق وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة:29-30] فهناك حيث يزول الغرور، ويبدوا للعبد هول البعث والنشور.. هناك حيث تزول عن العبد سكراته، وتذهب عنه آماله وطموحاته، تتنزّل عليه ملائكة الله تؤذنه بالرحيل من الدنيا.. هناك حيث يبكي العبد بكاء الندم، رب! ارجعون، رب! ارجعون لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:100].. رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ [المنافقون:10] ينادي بقلب متقطع، ونفسٍ متقطعة من الحنين والألم، عرف قدر الأيام والليالي، وعلم أن الله لم يخلقه عبثاً، وأنه لم يُوجد في هذه الحياة سدى، هناك حيث يُوقن العبد بلقاء ربه.

    تبشير الملائكة للمؤمن عند حضور أجله

    إن أسعد اللحظات وأعزها على المؤمن إذا دنت ساعة الرحيل، تلك الساعة التي لا كرب بعدها على المؤمن أبداً، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لما طفقت سكرات الموت عليه، قالت فاطمة رضي الله عنها: (واكرب أبتاه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا كرب على أبيك بعد اليوم) لقي الحبيب حبيبه، ولقي المؤمن من كان يتمنى لقاءه، كم اشتاق إلى لقاء الرحمن! وكم اشتاق للنقلة إلى دار الجنان!

    في تلك الساعة حيث تتنزل ملائكة الرحمن على ذلك العبد الصالح، تبشره بما عند الله من المثوبة، فيحب لقاء الله، فيحب الله لقاءه، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إذا حضر العبد الموت، تنزلت عليه الملائكة فبشرته بما عند الله من المثوبة فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه)، إن العبد إذا دنت ساعته، وحانت قيامته، وبدت سكراته وزفراته، عندها إما محسن سعيد بربه، وإما مسيءٌ شقي بعمله.

    دخل أبو حازم رحمه الله على سليمان بن عبد الملك ، فقال له سليمان : يا أبا حازم ! كيف القدوم على الله؟ فقال رحمه الله: أما المحسن فكالمسافر يقدم على أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يقدم على سيده.

    إن المؤمن إذا بدت له معالم الآخرة، تنزلت عليه الملائكة فبشّرته بما عند الله من العفو والرضوان؛ فثبتت له الجنان وأورثت في القلب حباً وأورثت في القلب لهفاً وشوقاً إلى لقاء ملك الملوك إلى لقاء رب العالمين، واشتاق القلب إلى الجنان وإلى لقاء الصديقين والشهداء والصالحين، بشرته بلقاء الله، فأحب لقاء الله، وقد بيّن الله تبارك وتعالى تلك اللحظات وقص بيانها في التنزيل، فقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32].

    إذا حضر الموت للمؤمن وجد الحزن والشجا على فراق أبنائه، نظر إلى أبنائه فخاف عليهم العالة والفقر من بعده، خاف ألا يجد اليد الأمينة التي ترعاهم بعده، وخاف أن يجدوا من ضنك الدنيا وشدتها، فعند ذلك يحزن قلبه ثم يلتفت ويقلب عينه، ليرى ما أمامه في الآخرة فيخاف أهوالها وشدة نكالها، فعند ذلك يبشر بالأمرين، ألا تخافوا مما أنتم قادمون عليه، ألا تخافوا من لقاء الله، وألا تحزنوا على فراق الأبناء والذريات، عجبٌ والله! إن الله تبارك وتعالى تكفل للمطيع أن يرعى ذريته، حتى من بعد فراقه للدنيا، ولذلك انظروا إلى موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، يبعثه الله تبارك وتعالى مع عبدٍ من عباد الله الصالحين، لكي يرفع جداراً، فيقول ذلك العبد الصالح قاصاً للنبي خبره: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف:82] قال بعض المفسرين: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) إنه الجد السابع لهما، الله أكبر! صلاح العبد يحفظ الله عز وجل به الذرية إلى سابع ابن من النسل، فالله وفيٌ لعبده بعهده، ومن أوفى من الله عهداً؟

    إن الطاعات والقربات ومحبة رب البريات والإقبال على الله في هذه الحياة والتقرب إليه في اللحظات والحركات والسكنات له موقع عند الله تبارك وتعالى عظيم لا يعرفه العبد إلا إذا لقي ذلك الرب الذي تعبّده، وذلك السيد الذي أطاعه، فيعرف ثمرة الطاعات إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة.

    إن أول بشائر الرحمات وبشائر الفوز بالجنات تتنزل على العبد إذا اشتدت عليه الكربات وبدت في السياق الحسرات، وحشرجت في النفس ما تجده من أنين السكرات، حينئذ يتنزل من الله على العبد من البشائر والرضوان، لذلك لا يعرف العبد قيمة هذه الساعات وهذه اللحظات إلا إذا رأى هذا الموقف الأول من مواقف الآخرة، عندها يبكي على ساعات الليل والنهار بكاء الحرقة والندم.. عندها يعرف قيمة هذه اللحظات التي متّعه الله عز وجل بها، وأكرمه بما أكرمه به من نعمه.

    1.   

    القبر أول منازل الآخرة وحال السلف عند تذكره

    أما الموقف الثاني من مواقف الآخرة: هي تلك اللحظات التي يُدلّى فيها العبد إلى قبره، ويُوسد في لحده وشقه، وعندها تبدو حقائق الأمور للعبد، فأول ما يرى العبد الملكين حينما يقعدانه في ذلك المضجع. قف على القبر فانظر إلى ذلك الميت المسجى، ثم انظر إليه إذا تدلى، ثم انظر إليه إذا صف إلى القبلة، فعندها تعلم أن للحياة خبراً وشأناً، إن القلوب المؤمنة تعي حقائق هذه المواقف، فبعد تلك الضجعة أهوالٌ لا يعلمها إلا الله ونعيم وسرورٌ ومننٌ من الله تبارك وتعالى لم تخطر للعبد على بال.

    إخواني في الله! تهيئوا وتجملوا لهذا اللقاء الأكبر بالصالحات، حتى إذا أُضجع العبد إلى قبره وأوسد في لحده جاءه ذلك العمل الصالح، فرآه فقال: من أنت فوالله لوجهك الذي يأتي بخير؟ فيقول له: أنا عملك الصالح. نعم، إنها الكلمات الطيبات، من ذكر للرحمن وتلاوة للقرآن، والتعبد إلى الله عز وجل بالطاعات والقربات، هذه الأعمال التي يجد العبد آثارها إذا لقي الله جل وعلا وحيداً فريداً في قبره، موسَداً في لحده، وقد كان السلف الصالح رحمهم الله كلما تذكروا ضجعات القبر أورثهم ذلك الخوف وأورثهم المسارعة إلى قيام الليل وصيام النهار، كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18].

    ثبت في الحديث الصحيح عن عثمان رضي الله عنه أنه كان إذا وقف على القبر بكى، وكان إذا ذُكرت له الجنة والنار لم يبك مثل بكائه للقبر، فقالوا له: (تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتذكر القبر وتبكي، قال: أخبرني خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن القبر أول منزل من منازل الآخرة). إنها كلمات صادقة من نبيٍ كريم فالقبر أول منزلٍ من منازل الآخرة، فتفكّر أخي في تلك الليلة الأولى إذا أضجعت في تلك اللحود وحيداً فريداً بالأعمال والأقوال.. تذكر أخي تلك الليلة! أول ليلة تمر عليك في القبر.. تذكرها فإن لها في قلوب المؤمنين وقعاً، إن لها في قلوب الصادقين أثراً، إن لها أثراً يدفع إلى الطاعات ويجعل العبد في جدٍ واجتهاد من المرضاة، تذكر أول ليلة في القبر، وحفز النفس للقاء الله، وتهيأ وتجمل بالعمل الصالح لعلك أن تصيب من رحمة الله ما يكون لك سبب في النجاة من ذلك الهول.

    ورد عن المروزي رحمه الله -صاحب الإمام أحمد - أنه قال: أتيت في ليلة من الليالي، فسرت حتى آخر الليل، فلما أردت أن أنام قمت فصليت ركعتين ثم أوترت ونمت، قال رحمه الله: فرأيت في نومي رجلاً يقول: من أنت فقد آذيتني رحمك الله ليلتي؟ لأنه كان نائماً على القبر، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه نهى عن الجلوس على القبر)، فقال المروزي لصاحب القبر: من أنت؟! فقال: أنا مقبور تحتك، فقال: حدثني عن الآخرة، فقال له: إنا في دار علم لا عمل عندنا، وأما أنتم ففي دار العمل ولا علم عندكم، والله لو تعلم ما لركعتيك هاتين عند الله؛ لكانت لك خيرٌ من الدنيا وما فيها.

    ولو كشف الله لنا عن تلك القبور وما فيها من الأهوال، وما فيها من سعادة أهل السعادة.. ما فيها من نظرة النعيم لأهل الطاعات والقربات، ما فيها من نفحات رب العالمين، ورحمات ملك يوم الدين؛ لهانت -والله- على العبد الدنيا.

    جاء في الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله بالبكاء)، إن الذي يعلم حقائق القبور هو رب العالمين، ممتِّع الصالحين برحماته، ومهين العاصين بعقوبته ونكاله، لذلك إخواني فتلك هي المحطة الثانية التي يراها الإنسان إذا حُط فيها تبينت وتبدت له معالم الآخرة.

    وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن العبد الصالح إذا سُئل من الملكين، فأجاب -بتثبيت الله عز وجل له -فتح له في قبره، ومُد له مد بصره، فيقول: يا رب! أقم الساعة، يا رب! أقم الساعة، يا رب! أقم الساعة)، يقول ذلك حنيناً إلى لقاء الله وشوقاً إلى رحمة الله؛ لأنه علم أن ما وراء هذا القبر أعز وأسمى عند الله عز وجل.

    1.   

    موقف البعث والنشور

    أما الموقف الثالث فموقف عصيب رهيب يلي القبر وهو: موقف الحشر والنشر، وقد بينه الله تبارك وتعالى بقوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ [الزمر:68-70] إذا بدت تلك الصيحة، خرجت الأمم جماعات وأرسالاً، ينادي منادي الله: يا أيتها العظام النخرة! يا أيتها الأجساد البالية! فتخرج من تلك القبور، فلو رأيتها لعَظُم عليك موقعها، وقد بيّن الله تبارك وتعالى أحوال الصادقين والكاذبين في لقاء تلك الساعات، فقال جل من قائل: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ [الصافات:19] فهذه صيحة للجميع وزجرة واحدة: فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات:14] الساهرة هي: أرض المحشر، أرضٌ لم تعمل عليها خطيئة قط، يخرج العبد للقاء الله وحيداً فريداً، لكي يلقى الله عز وجل بقوله وفعله.

    1.   

    موقف الحساب وشدته

    وأما الموقف الرابع فقد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم خبره، فهو ما بعد نفخة الصور، وما بعد هول البعث والنشور، وهو الموقف للحساب، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: (إن الله تبارك وتعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيدٍ واحد، فينزل العرق في الأرض سبعين ذراعاً) فلو تذكّر الإنسان ذلك الموقف عندما يكون واقفاً بين يدي الله تبارك وتعالى ليس له ظلٌ إلا العمل الصالح، ليس له شفيع ولا موجب لذهاب ذلك الهم والغم سوى عمله الصالح، وتلك الطاعات والقربات، فهي التي تزيل عن العبد لفح شمس يوم الدين، وتزيل عنه همه وغمه، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله جل وعلا يجعل ذلك اليوم على العبد المؤمن كأنه ساعة واحدة وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] يمر على العبد كاللحظة الواحدة إذا كان مؤمناً.

    إن هذه المواقف ليس فيها شفيع ولا عملٌ تتبدى به عند لقاء الله عز وجل أجلّ وأسمى من فعل الطاعات والتقرب إلى الله تبارك وتعالى بها، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد ذكر الله تعالى من أخبار عباد الله الذين جدّوا واجتهدوا في مرضاة الله بأنهم بعيدون عن تلك اللفحات، حيث قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:101-103] إذا لقي العبد تلك الشدائد ثم وجد من تيسير الله عز وجل فذلك بفضل الله أولاً، ثم بصلاح قوله وعمله.

    وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يقول الله تعالى: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أُظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) المحبة في القلوب أوجبت للعبد في ذلك الموقف الرهيب العصيب شفاعة بين يدي الله عز وجل، فكيف بمن جد في الطاعات وشمّر في المرضاة؟!

    1.   

    المرور على الصراط وحال المارين عليه

    وأما الموقف الخامس من مواقف هذه الدار فهو: الاجتياز على الصراط -أي: المرور على الصراط-، فمن شدّته وهوله ما يجعل العبد داعياً لنفسه أن يُعد العدّة للقاء ربه في ذلك اليوم، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يضرب الصراط على متن جهنم، وينادى العباد: أن مروا عليه، وكل يمر بقدر عمله) وصح في الحديث -أيضاً- عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (تقول النار: جُزْ يا مؤمن، جز يا مؤمن، فقد كاد نورك يطفئ لهبي) نور الطاعات.. نور القربات.. نور الصلاة.. نور ما تحبب به إلى الله تبارك وتعالى في ليله ونهاره، إنها الطاعات التي بقيت بعد الممات شافعة وموجبةً لنجاة العبد بين يدي الله تبارك وتعالى.

    وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا يزال المؤمن في هم وغم وكرب، حتى يخلِّف جسر جهنم وراء ظهره) هذا الجسر الذي ورد أن العبد يجوزه حتى يصل إلى منتصفه فتخطفه كلاليب النار والعياذ بالله، بذنبٍ أصابه أو بحدٍ انتهكه، فالله عز وجل أراد أن يُطهره بالنار من ذلك الذنب بسبب نفاق في قلبه أو رياءٍ في عمله، أو نفسٍ أراق دمها، أو حُرمة انتهكها أو زنية أصابها، أو كأس خمر شربها، يعذب بالنار على قدر تلك الإساءة ويُكبكب فيها -والعياذ بالله- على قدر ما أصاب من حدود الله دعوى الأنبياء في تلك الساعة الرهيبة: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم.

    ومن صفات هذا الصراط: أنه أرقّ من الشعرة، وأحد من السيف، يمرُّه المؤمن كالبرق الخاطف بسبب تلك الطاعات التي تحبب بها إلى الله تبارك وتعالى، إن من عمَّر الليالي والساعات واللحظات بذكر الله تبارك وتعالى وبمحبة الرحمن، واشتغل بذكر الديان، وأصبح يراقب الله في حركاته وسكناته، كل ذلك يشفع له من تلك الأهوال وينجيه من ذلك الفزع، ولن يخيب عند الله سعيه، ولن يضيع عند الله عمله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف:30] كيف يضيع الله من كفل الأيتام وقام على الأرامل ورعى ضعفة المسلمين؟ كيف يضيع الله من فرّج الكربات؟ كيف يضيع الله عبداً فرّج الكربات وتنافس في المرضاة وتسابق إلى الطاعات؟! كيف يضيع عند الله سعيه؟ أم كيف يضيع عند الله عمله؟

    إخواني! إن التجارة مع الله رابحة، فلنعدها للقاء الله.

    إن ذكر هذه المواقف ليست قصة تذكر، وليست موعظة تمر؛ ولكنها لكي تحرك النفوس للقاء الله، وتحركنا أن نتذكر ونتبصر فيم يمضي الليل والنهار؟ فإلى متى ونحن عن الله غافلون؟ وإلى متى ونحن عن رحماته بعيدون؟ إلى متى ونحن عن هذه المواقف المفزعة المرهبة غافلون؟ إن هذه المواقف توقظ القلوب النائمة وتنبه القلوب الحائرة للمسير إلى العلي الكبير، تنبهها من هذه الغفلة التي طفقت بسبب وساوس الشيطان وخطراته، فكم للشيطان من مصائد أعدها لأولياء الله المتقين من التسويف في التوبة والتأخير في الإنابة والحوبة.

    لذلك إخواني! أدعوكم إلى التفكر في مثل هذه المواقف، والقرآن قصة حقيقية، ذكر الله تبارك وتعالى فيها مشاهد الآخرة وقص فيها خبرها، يعيها ويتذكر بها ويتبصر بها من أحيا الله قلبه، قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

    سئل رجل من السلف -وكان رجلاً صالحاً مجداً في طاعة الله تبارك وتعالى، فكان يصوم يوماً ويُفطر يوماً، ولا يأتي ثلث الليل الآخر إلا وهو قائم بين يدي الله يتهجد- قالوا له: كيف أصبت هذه النعمة العظيمة من الله تبارك وتعالى؟ فقال: صورت نفسي أنني في نزعات الموت، فقلت: يا نفس! ما تشتهين؟ فقالت: أشتهي أن أرجع إلى الدنيا فأزداد من صالح العمل، ثم صورت نفسي كأنني في ضجعة القبر، فقلت: يا نفس! ما تشتهين؟ فقالت: أشتهي أن أرجع إلى الدنيا فأزداد من صالح العمل، ثم صورت نفسي وقد حُشرت ونشرت وبُعثت بين يدي الله عز وجل ووقفت، فقلت: يا نفس! ما تشتهين؟ فقالت: أشتهي أن أرجع إلى الدنيا، وأزداد من صالح العمل، فقلت: يا نفس، هذه الدنيا وهذه الأمنية التي ترضَين، فجدي واجتهدي في مرضاة الله تبارك وتعالى.

    فانظر كيف كان السلف يشغلون القلوب بذكر الآخرة؛ لأن ذكر الآخرة حياة للقلوب، وتدعوها إلى المسير إلى الله، وتدعوها إلى أن تكون واعية، لم خلقها الله عز وجل وأوجدها؟ إذا وعت ذلك، حينها تستريح نفس المؤمن بطاعة الله تبارك وتعالى وتنفر من معصيته. إن هذه المواقف ذكرها حياة للقلوب، ودعوة للإقبال على علام الغيوب.. إن ذكر الآخرة دعوة لكي نحيي القلوب بذكر الله تبارك وتعالى، ونعمُر الأيام والليالي بمحبة الله قال تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّه [الحديد:16] إلى متى والإنسان في غفلة؟ إلى متى وهو في تسويف من طاعة الله؟ مهما بلغنا من الطاعات فإن وراءنا طاعات وقربات، والله أجل وأعظم مما نتصور.. إن وراءنا من الخيرات والطاعات التي فتح الله عز وجل أبوابها وسهل السبيل إليها لهذه الأمة ما لم نصبه وما لم نصل إليه في يوم من الأيام.

    إخواني في الله! ذكر هذه المواقف فيه دعوة لنا أن نقبل على الله تبارك وتعالى، وآخر ما يوصى به العبد من ذكر هذه المواقف: أن تكون الآخرة زاجرة له عن حدود الله وعن كل ما لا يُرضي الله تبارك وتعالى، إن الذي يعي حقائق الآخرة ويعلم أنه سيرتحل في السفينة الماخرة للقاء الله عز وجل بعيدٌ عن محارم الله التي بينه وبين ربه، وعن محارم الله التي بينه وبين عباد الله تبارك وتعالى، أما اللسان فقد كبح جماحه عن أن يتعدى حدود الله، وأما الأعضاء فقد سخرها في محبة الله ومرضاته.

    أسأل الله العظيم رب العرش الكريم، أن يعمر قلوبنا وقلوبكم بذكر الآخرة، وأن يجعل أسعد اللحظات وأعزها وأشرفها لحظة الوقوف بين يديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015873004

    عدد مرات الحفظ

    723738134