إسلام ويب

الثبات على الهدايةللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الهداية نعمة من الله عظيمة، ومنة منه جليلة، فبالهداية ينال الإنسان مرضاة الله سبحانه، وبالهداية تكون الراحة والطمأنينة في الدارين، لذلك يضطرب الجنان من خشية الله؛ خوفاً من تبدل الأحوال، وتقلب القلوب، وسوء العاقبة والمآل، ولا يكون الحفاظ عليها إلا بمعرفة الأسباب التي تعين على الثبات على هذه النعمة العظيمة التي امتن الله بها على عباده.

    1.   

    نعمة الهداية وأهميتها

    الحمد لله الواحد القهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مقلب القلوب والأبصار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه ما أظلم الليل وأضاء النهار.

    أما بعد:

    إخواني في الله! كم هي نعمة من الله عز وجل عظيمة، ومنة من الله تبارك وتعالى جليلة؛ تلك النعمة التي أخرج بها العبد من الظلمات إلى النور، وأنقذه من مزالق الهوى والردى والشرور! أيُّ ساعة تلك الساعة التي أقبلت فيها القلوب والقوالب على الله، أيُّ ساعة تلك الساعة التي عرف العبد فيها سيده ومولاه، أيُّ ساعة تلك الساعة التي انفطر فيها الفؤاد من خشية الله! أيُّ ساعة تلك الساعة التي أقبل العبد فيها على الله تبارك وتعالى من بعد إدبار وأحسن من بعد إساءة!

    ما أعظمها من ساعة تلك الساعة التي نادت فيها النفس اللوامة، وانبعثت في النفس أشجان وأحزان؛ تُذكر العبد بعظيم نعمة الله جل وعلا عليه وجليل منته لديه، فانتبه من الغفلة، واستيقظ من المنام، وأقبل على الملك العلام.. أيُّ ساعة تلك الساعة التي لا يستطيع العبد شكرها ولا الوفاء بعظيم حقها، حُرِمتها أمم فهوت في مهاوي الردى والشرور، وأكرمك الله جل وعلا بالإقبال عليه، فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، نعمةً منك وحدك لا شريك لك، فلك كما ينبغي أن تُحمد عليها.

    إخواني! إن القلوب الصادقة تتقطع لهفاً وشوقاً للثبات على هذه النعمة، تريد البقاء في الطريق إلى الله.. تريد الثبات على سبيل الله.. تريد البقاء على هذه الهداية التي رُحمت بها من عذاب الله تبارك وتعالى.. تريد أن يثبت القدم؛ ولذلك يضطرب الجنان من خشية الله خوفاً أن تتبدل الأحوال أو تسوء العاقبة والمآل؛ لذلك تتساءل القلوب الصادقة، وتتلهف شوقاً وحنيناً لمعرفة الأسباب التي توجب ثبات القدم في السبيل إلى رب الأرباب.. تريد من يهديها ويدلها إلى العلاج الناجح لذلك البقاء.. تريد أن تثبت على هذه الهداية إلى لقاء الله جل وعلا، استجابةً لأمره وطاعة له سبحانه إذ يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] فحفظوا وصية الله وأرادوا تطبيقها، فاشتاقوا وتلهفوا لكي يكرمهم الله عز وجل بالبقاء والثبات على الهداية.

    1.   

    أسباب الثبات على الهداية

    سؤال الله الهداية والثبات عليها

    أول تلك الأسباب وأعظمها: أن يتوجه العبد إلى الله جل وعلا بقلب صادق منكسر بين يديه يسأله الثبات على الهداية، فإن الدعاء حبل متين من الله عز وجل؛ من استمسك به نجا، ومن استعصم به أغاثه الله جل وعلا إذا استغاث، وأجاره إذا استجار، فالله بيده الهداية والضلال، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، هو الذي يعطي ويمنع؛ فإن أعطى فلا مانع لما أعطى، وإن منع فلا معطي لما منع. إن أول طريق للبقاء على الهداية والثبات عليها: أن يتوجه القلب إلى الله بصدق وإخلاص، فما من عبد يسأل الله بصدق أن يثبت قدمه وقلبه على الهداية إلا كان حقاً على الله أن يثبته، فسلوا الله الثبات على الهداية فذلك شأن الأخيار ودأب الصالحين الأبرار، وقد حكى الله جل وعلا دعاءهم في محكم كتابه: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8].

    أولئك الأقوام الأخيار علموا أن الهداية منحة من الله، وعطية منه جل شأنه، لا سبيل للبقاء عليها ولا طريق للدوام عليها إلا إذا صدق العبد في سؤال الله ذلك، وقد دلت دلائل السنة على ذلك، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم -وهو أهدى العباد لربه وأتقاهم وأشدهم خشية لله عز وجل- كثيراً ما يسأل الله الهداية، فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى) فكان يسأل الله الهداية.

    وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول بين السجدتين: (اللهم اهدني وارحمني، وعافني وارفعني، واجبرني...) إلى آخر الدعاء المأثور، فمن تعلق بباب الله ولجأ إلى جنابه، وصدق في دعائه بسؤاله أن يثبت قلبه على الهداية، فحقٌ على الله أن يُعطيه، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول الله تعالى: يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم...) وعد من الله أن يهدي من سأله الهداية.

    إخواني! من الذي أنقذ القلوب من تلك الظلمات؟ فإن أقواماً ما عرفوا الله في حياتهم كلها! وما وقفوا يوماً من الأيام ببابه يسألونه الهداية، ومع ذلك تكرم وتفضل ووهب سبحانه، أليس خليقاً به جل وعلا إذا تعلقت ببابه، ولذت بجنابه، وأظهرت الفاقة إليه أن يثبت لك القدم على سبيله؟! فهو الحقيق بأن يهب ذلك، لذلك؛ وإني أدعوكم إلى الله جل وعلا في مظان الإجابة التي ثبتت بها النصوص الصحيحة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، فسلوه الثبات على الهداية في الأسحار، وبين الأذان والإقامة، وفي السجود؛ فإن الدعوة تقرع بابه، وتنزل إلى رحابه طالبة من عظيم فضله ومنه وكرمه. فأول أسباب الثبات على الهداية: أن تدمن سؤال الله أن يثبت قلبك على الإيمان، وأن يذيقك حلاوة طاعته وذكره وشكره.

    تقوية شجرة الإيمان بالله في القلب

    أما السبب الثاني وهو أجلها وأعظمها: تغذية القلوب بالإيمان بالله؛ لأنه ما من قلب يقوى اعتقاده في الله جل وعلا إلا ثبت ولم تزل قدمه أبداً؛ ولذلك قال بعض السلف: "ما عرف سوء الخاتمة لإنسان مستقيم في عقيدته" فإذا تغذت القلوب بالإيمان بالله، وتعرفت على الله جل وعلا حق المعرفة -عن طريق ذلك الكتاب المبين وتلك السنة العطرة النضرة- أوجب ذلك لها الثبات على طاعة الله جل وعلا.

    تعرفوا على الله، فإن القلوب التي تعرف الله لا تجحده، ولا تُعرض عن الله أبداً، ولذلك إذا نزل الإيمان إلى جذور القلوب اهتدت إلى علام الغيوب: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ التغابن:11].

    من ازداد في إيمانه، وزاده الصباح والمساء معرفة بمن يقلب الليل والنهار، وبمن له العشي والإبكار؛ دعاه ذلك للثبات على الهداية، وأن يكون الله أحب إليه من كل حبيب، وأرجى لقلبه من كل مرجو.

    إخواني! لا يمكن أن يثبت القدم إلا إذا عظم الإيمان بالله تبارك وتعالى، وهذا الكون محراب التفكر والتأمل والنظر، فقد جعل الله عز وجل فيه الدلائل الناطقة بوحدانيته، والشاهدة بعظمته وألوهيته، فإنك إن نظرت أمامك وجدت دلائل عظمته، وإن نظرت وراءك وجدت دلائل قدرته، وإن نظرت عن يمينك ويسارك ومن فوقك وتحتك -بل لو نظرت في نفسك- لوجدت دلائل عظمته وشواهد رحمته، فإذا تغذى القلب بالإيمان بالله عز وجل فإنه سيرسخ في البقاء على طاعة سيده ومولاه.

    الاستجابة لداعي الكتاب والسنة

    السبب الثالث من أسباب الثبات على الهداية: الاستجابة لداعي الكتاب والسنة، فإذا أتتك الآية من آيات القرآن، وأتاك الحديث من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم أو إقراره أو عمله، تلهفت نفسك شوقاً للعمل به، فإنه ما من عبد يدمن الطاعة لله عز وجل ورسوله ثم تزل قدمه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الأنفال:29] إخواني! لأنه ما من إنسان يسعى جهده في تطبيق أوامر الشرع، والتزام أوامر الكتاب والسنة إلا ثبّت الله قدمه على الهداية. فلتتأثروا بمواعظ القرآن كلام الرحمن، واغسلوا القلوب بذلك الدواء النافع والعلاج العظيم، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:66-68].

    من تأثر بمواعظ القرآن وانكسر قلبه خشية للرحمن، فإن الله يثبت له الجنان، ويجعله على استقامة وطاعة لله عز وجل؛ ولذلك ما عرف عن إنسان حريص على اتباع السنة وتطبيقها -في نفسه وولده وأهله- أن قلبه ينقلب عن طاعة الله يوماً من الأيام؛ لذلك -إخواني- انتهجوا هذه المناهج الكريمة، وتعرضوا لنفحات من الله ورضوان، وذلك إنما يكون بالتأثر بآيات القرآن.

    لقد كان السلف الصالح من أقوى العباد وأكملهم استجابة لأوامر الكتاب والسنة، فصلحت لهم الأحوال، وأوجب الله لهم حسن الخاتمة والمآل؛ فمن تغذى قلبه بمحبة الكتاب والسنة، فإن الله تبارك وتعالى يثبت قلبه؛ لأن القرآن طريق الهداية الأول الذي لا هداية إلا عن طريقه.

    قال الله في محكم كتابه: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي [سبأ:50] فدل هذا على أن الوحي طريق الهداية، وأن العبد إذا اهتدى بالوحي دعاه ذلك للثبات على سبيل الله وطاعته ومرضاته، وكذلك السنة؛ فهي نور على نور، ورحمة على رحمة، فمن اقتفى آثار النبي الكريم هداه الله تبارك وتعالى وثبت الله قدمه على الهداية، قال الله تعالى: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158] اتبعوا هذا النبي الكريم لعلكم تهتدون، فكل من أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان متأثراً بأقواله وأفعاله فإنه يحب السنن، ويحب تطبيقها والتزامها وكلما سمع سنة كان جل همه أن يطبقها، فذلك هو العبد الذي أوجب الله له الهداية والثبات.

    إخواني! ينبغي للإنسان أن يُغذي قلبه بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم محبة تدعوه أن يؤثره على كل شيء حتى على نفسه التي بين جنبيه، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما...) فإذا كان العبد يحب الله من كل قلبه، ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم محبة تدعوه إلى المتابعة الصادقة المجردة من الهوى، فإنه لا شك أنه من أسعد العباد وأفوزهم بالهداية، ولذلك لما تأثر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بآثاره واهتدوا بهديه كانوا أكمل الأمة ثباتاً على الحق؛ اكتمل لهم الإيمان عندما تأثروا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا يدمنون تطبيقها، ولا يطمئن الرجل منهم إلا بالتزامها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فقد تأثروا بتلك السنة حتى كان الواحد منهم يحب الطعام الذي يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك -إخواني- ينبغي للإنسان أن يُغذي قلبه بمحبة السنن والآثار والسير على نهجها والاقتفاء بآثارها.

    محبة العلماء والجلوس بين أيديهم

    السبب الرابع من أسباب الثبات على الهداية: محبة العلماء وغشيان حلق الذكر، فإنهم هم القوم الذين لا يشقى بهم جليس، ومن أحب رياض العلماء وداوم الجلوس فيها تقرباً إلى الله وتحبباً إليه؛ ثبت الله قلبه على الهداية، وثبت قدمه في السبيل المفضي إلى رحمة الله ورضوانه، فلا تجد إنساناً يحافظ على مجالس العلماء، ويحافظ على حلق الذكر إلا كان قلبه في انشراح عظيم، ونفسه في طمأنينة عظيمة بذكر الله جل وعلا وشكره والثناء عليه.

    لقد جعل الله العلماء هداة مهتدين، جعلهم ورثة للأنبياء، وجعل الخير في اتباعهم والاقتفاء لآثارهم، ومن أحب قوماً حشر معهم؛ فمن أحب العلماء حشره الله مع العلماء، ومن تطفل على حلق الذكر راجياً رحمة الله بيض الله وجهه في الدنيا والآخرة وثبت له القدم حين تزل الأقدام.

    طلب العلم الشرعي

    السبب الخامس من أسباب الثبات على الهداية: طلب العلم، فطلب العلم يجعل العبد أكمل العباد إيماناً بالله ومعرفة به سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن الله جل وعلا وعد أهل العلم بالخير كله، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، فإذا اتجهت في سبيل طلب العلم، واتجهت إلى حلق العلماء تريد أن يكرمك الله بالعلم، فاعلم أن الله أراد بك خيراً، وحاشا لعبد أراد اللهُ به خيراً أن يُقلّب قلبه على الشر أبداً، لذلك تجدوا أكمل الناس ثباتاً على الهداية طلاب العلم، وأعرفهم بالله وأصدقهم في معاملته وأرجاهم له بعد العلماء، فقد صقلت قلوبهم روحانية الكتاب والسنة.. أولئك الذين جلسوا مجالس الذكر فحفتهم الملائكة فنجوا من شرور الشياطين ووساوسهم وخطراتهم؛ فكانوا أكمل العباد ثباتاً على طاعة الله عز وجل ومرضاته، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).

    حقيق بأولئك الأخيار الذين قضوا الليل والنهار في قراءة تلك الكلمات العطرة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يثبت الله أقدامهم.. أولئك الذين احتسبوا عند الله أن يُسقطوا الإثم عن الأمة بأن جندوا أنفسهم دعاة وهداة وعلماء، يعلمون الخير ويهدون إليه.

    هنا إشكال يرد كثيراً وهو: أن بعض طلاب العلم -والعياذ بالله- خاصة في هذه الآونة الأخيرة قد ينتكس عن طلب العلم، فما هو السبب في كونه ينتكس -والعياذ بالله- عن الهداية؟

    والجواب: أن المراد بطالب العلم الذي أراد الله له الثبات هو طالب العلم الصادق مع الله في طلبه، المتأدب مع العلماء؛ ولذلك لن تجد إنساناً يستجمع خصلتين: الصدق في طلب العلم، والأدب مع العلماء إلا وجدته عالماً في عاقبة أمره، والعكس بالعكس والعياذ بالله! فينبغي للإنسان أن يجند نفسه لسلوك سبيل العلم علَّ الله أن يثبت بذلك قدمه على الهداية.

    البعد عن المحارم

    من أسباب ثبوت القدم على الهداية واستجلاب الولاية: بُعد العبد عن محارم الله وخوفه وخشيته لله عز وجل، إن تنكب العبد عن صراط الله جل وعلا له أسباب تدعو إلى ذلك، وأعظمها: الميل إلى الهوى، وإيثار الشهوات والشبهات؛ فإذا استدمن القلب حديث النفس الداعية إلى محارم الله تنكب ذلك القلب -والعياذ بالله- عن صراط الله، فينبغي للعبد إذا وجد في نفسه الوساوس والخطرات أن يستعيذ ويستجير ويستغيث بالله سبحانه وتعالى من شرها وضرها.

    إذا أراد العبد أن تثبت قدمه على الهداية، فليبتعد عن تلك المحارم الموجبة لضعف الإيمان في القلب، وأن يحاول قدر استطاعته إذا وجد من النفس دواعيها أن يكبح جماحها بالخوف من الله تبارك وتعالى، فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.

    مجالسة الصالحين والأخيار

    ومن أسباب الثبات على الهداية: معاشرة الصالحين والأخيار، فإن الجلوس معهم والأنس بهم من أعظم الأسباب الموجبة للهداية، وكذلك الحرص على زيارتهم والتأدب بأخلاقهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الله عز وجل غفر لعبد جلس في مجلس ذكر مرة واحدة فقال: (وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) فالجلوس مع الأخيار وزيارتهم من أهم الأسباب الموجبة للثبات على الهداية، فينبغي للإنسان أن يحرص كل الحرص على الجلوس معهم، فلو سألت القلوب يوماً: من الذي دعاها لمحارم الله؟ من الذي زين لها الشبهات والشهوات، ومهد السبيل لمحارم الله؟ لوجدت وراء ذلك قرين السوء والعياذ بالله! فهو الذي زين كأس الخمر وجعلها ألذ إلى النفس حتى أعرضت عن الله حين شربتها؟ وهو الذي حبب إليك الزنا وقربك منه ومهد السبيل إليه، فهؤلاء هم شياطين الإنس والجن؛ فينبغي للإنسان أن يحرص كل الحرص على البعد عمن لا خير فيه، والله إذا أراد أن يثبت قدم عبده على الهداية؛ دعاه إلى كراهية الأشرار، وجعل قلبه لا يرتاح لهم ولا للجلوس معهم؛ ولذلك بلغت الهداية ببعضهم أنه يقلق إذا مر عليه من عصى الله خشية أن يذكره بمعصيته.

    إخواني! إن كثيراً ممن أكرمهم الله بالهداية قد يتساهلون في هذا الأمر العظيم، فتارة تجدهم يجلسون مع من لا خير فيهم ويتساهلون في ذلك، ووالله إنه لخطرٌ عظيم! فمن تعرف على الله وامتلأ قلبه بالإيمان بالله، فإن قلبه لن يسكن فيه غير داعي الله ومحبته، ولذلك لن يجتمع في قلب عبد محبة الله ومحبة عدوٍ لله أبداً، ولن تدخل محبة الله إلى قلب عبد أدخل معها شريكاً يضادها؛ لأنه إما أن تكون محبة لله خالصة تنتفي معها محبة ما سواه إلا أن يكون حبيباً لله، وإما العكس والعياذ بالله! فينبغي للإنسان أن يحذر من الجلوس مع الأشرار؛ لأن الجلوس والضحك واللهو معهم من الأمور التي توجب للعبد الردى وتورده موارد الشهوات والهوى؛ ولذلك من تعود على مجاملة الأشرار فلا يلومنّ إلا نفسه.

    قراءة القرآن

    ومن الأسباب الموجبة للهداية: كثرة تلاوة القرآن، فإن القرآن شفاء القلوب والأرواح، وكثرة تلاوة القرآن -خاصة أثناء قيام الليل- من أعظم الأسباب الموجبة للثبات على الهداية، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الأمة إيماناً، فقد تفطرت قدماه في القيام بين يدي الله في جوف الليل؛ فمن حبب الله إلى قلبه قيام الليل ثبتت له تلك القدم على الهداية، فتعود -أخي في الله- على قراءة القرآن في ليلك ولو جزءاً واحداً تتقرب إلى الله جل وعلا به، فإننا نجلس الساعات الطويلة في مجالس اللغو واللهو، ونسهر إلى ساعات متأخرة من الليل، ووالله لو بذلت ربع معشار تلك الساعات لأصابتك من الله نفحة ورحمة قد تكون سبباً في سعادتك في الدنيا والآخرة.

    إنه يعز على الإنسان لو أنه قام ربع ساعة بعد صلاة العشاء، يقلب فيها ذلك القلب أمام تلك الآيات الطيبة، وإن تيسر للعبد أن يقوم آخر الليل، فإنه أكمل وأجمل له في عين ربه، فينبغي للإنسان أن يحرص كل الحرص على قيام الليل، فإن قيام الليل من الأمور الموجبة لثبات القدم على الهداية؛ لأن العبد إذا قطع ليله في تلاوة القرآن تأثر في صباحه بذلك القيام، قال بعض السلف: (والله ما حفظت قيام الليل إلا وجدت أثر ذلك في علمي وعملي في يومي ونهاري) إنها دعوة لأن نحيي الليل وخاصة في الأسحار، فحق على الله عز وجل أن يثبت تلك الأجساد الطيبة الطاهرة التي تقلبت في جوف الليل بين يديه، فحرام على تلك العيون التي سحت بالبكاء في جوف الليل أن تمسها النار، وحرام على تلك الأقدام التي انتصبت في جوف الليل بين يدي الله أن يمسها عذاب الله وعقوبته، وحرام على تلك السواعد الطيبة الطاهرة التي أكرمها الله بقيام الليل فانتصبت بالسجود بين يدي الله عز وجل أن ترى النار أو تمسها.

    وجماع الخير كله: تقوى الله عز وجل، فمن اتقى الله ثبت الله قدمه على الهداية، وأوجب له الولاية، قال الله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]، أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم -بأسمائه الحسنى وصفاته العلى- أن يثبت أقدامنا، اللهم إنا نعوذ بك من الضلال بعد الهدى، ومن العمى بعد البصيرة، ونعوذ بك من الحور بعد الكور، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.

    1.   

    الأسئلة

    دعوة الوالدين

    السؤال: ما هي الطريقة التي تجعل والدي مهتدياً؟

    الجواب: أولاً: اعلم أنه ليس هناك أفضل من الدعاء، فعليك أن تدعو لأبيك في صباحك ومسائك أن يهديه الله إلى سواء السبيل.

    ثانياً: أن تأخذ بالأسباب الموجبة لهدايته؛ وذلك بكثرة تذكيره بالله عز وجل.

    ثالثاً: ينبغي عليك أن تتوخى الأسلوب المؤثر، فإن الأب يتأثر بنصيحة ابنه إذا جاءت بأسلوب طيب مؤدب، وقد علمنا الله تعالى الأدب مع الوالدين في دعوتهم، فهذا نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما دعا أباه قال الله تعالى حاكياً عنه ذلك عندما قال له أبوه: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم:46-47] مع أنه آذاه وقال: لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم:46-47] منهج رباني يبين لنا أنه ينبغي للابن أن يحسن الأدب مع أبيه ولو كان كافراً.

    يقول الله تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15] فينبغي عليك أن تحرص كل الحرص على أن تكون متأدباً في دعوة أبيك حتى يرى أن الهداية أثرت فيك، فإذا أقبلت عليه أظهرت له السرور والمودة، وكل ذلك طلباً لهدايته والعكس بالعكس، فكثير من الإخوان لا يحسن معاملة الوالدين ولا النصح لهما، وتكون النتائج على خلاف ذلك؛ ولذلك ما من إنسان يحسن الأدب مع والديه إلا تأثر الوالدان بنصحه، فينبغي لك بعد الدعاء أن تدعو الوالدين وأن تحسن الأدب في الدعوة.

    رابعاً: أن تتوخى الأسباب المؤثرة، فإذا حدث أمر يحبه والدك فذكره بنعمة الله عز وجل عليه، وكذلك -لا قدر الله- إذا حصلت مصيبة ذكرته بشديد عذاب الله وعظيم نقمته.

    من أسباب الانتكاس

    السؤال: بعض الشباب الذين اهتدوا بسبب مجالستهم للشباب الملتزمين، الآن نلاحظ عليهم بعض الانتكاس، فماذا نفعل؟

    الجواب: هذا الانتكاس له أسباب؛ ذلك أننا نجد كثيراً من الشباب يقولون: كنا في بداية الهداية نحس براحة نفسية، وكنا نحس بإقبال على الخير، وتلهف وشوق إلى رحمة الله، ولكن سرعان ما نفقد ذلك، وسرعان ما تتغير القلوب بعد فترة معينة، فما هو السبب في ذلك؟

    يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] إن كثيراً من الشباب لو نظر في حاله عند بداية الهداية وحاله الآن لوجد البون شاسعاً؛ لقد كنا في بداية الهداية تتفطر قلوبنا شوقاً لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وكنا نحسن الأدب مع العلماء، ونحسن الأدب في الحديث، وكنا نراقب الله في أقوالنا وأفعالنا، ولكن غيرنا فغير الله علينا، نعم. عندما تغيرت تلك المجالس التي كانت مليئة بذكر الله ومليئة بالتذكير والتواصي بالحق عندما تغيرت إلى القيل والقال، وفي أمور لا يحبها الله ولا يرضاها -من غيبة ونميمة- أدى ذلك إلى تغير الحال؛ فينبغي أن ننظر في حالنا.

    إن بعض الشباب إذا أصاب لذة الهداية لربما يغتر إلى درجة أنه يخطئ العلماء، وقد يجترئ على القول على الله بدون علم.

    هذه الأمور هي التي أظلمت بها القلوب وتنكبت بها الأقدام في الدروب وحادت عن طريق علام الغيوب؛ لأن الإنسان إذا كان صادقاً مع الله صدق الله معه، فينبغي لنا أن نتواصى بأمر مهم يضيعه كثير من الشباب؛ وهو عدم الغرور. ينبغي للإنسان -دائماً- أن يكون محتقراً لنفسه ولو كان أكمل الناس هداية، وينبغي أن يحس أنه بحاجة إلى رحمة الله وعفوه. كما أن بعض الشباب الذي له قدم سابقة في الهداية قد يتعالى على إخوانه المتأخرين في الهداية، وقد يفعل أموراً توجب انتكاس قلبه والعياذ بالله! فالمقصود: أن السبب في تغير الأحوال هو تغير القلوب، فبعد أن كانت خاشعة أصابها نوع من القسوة، وأصبحت في غفلة عن ذكر الله، فبُليت من السقم والمرض بقدر ما أصابها من ذلك، فينبغي للإنسان أن يراجع نفسه ويحاول قدر استطاعته أن يكون هادياً صادقاً في هدايته، وأن يحاول احتقار نفسه، ومهما صدر منك لا تنظر إلى من هو أسفل منك؛ بل انظر إلى من هو فوقك، وسابق غيرك في الطاعات وتنافس معه في الصالحات، فذلك يدعو العبد إلى الثبات على الهداية، والله تعالى أعلم.

    عقوق الوالدين من أسباب ضعف الإيمان

    السؤال: أنا رجل وفقني الله عز وجل للاهتداء قبل سنتين، وفي هذه الأيام أشعر بالتقصير، فأرجو توجيه نصيحة لي؟

    الجواب: كما سبق وهو السؤال نفسه؛ لكن أذكر بعض الإخوان أنه أصابه شيء من هذا، وكان طالب علم يقول: أجد في نفسي قسوة لا أدري ما سببها، وأجد في نفسي أنه تمر عليَّ الآيات التي تبكي من خشية الله عز وجل ومع ذلك لا أتأثر، فقلت له: يا أخي! أسألك -واصدق معي في جوابك- كيف حالك مع الله؟ حق الله أمران: فعل الفرائض وترك المحارم، فكيف أنت في فعل الفرائض وترك المحارم؟ قال: والله لا أنكر من نفسي شيئاً، ولا أقول ذلك تزكية لنفسي.

    فقلت: الحمد لله، هذا حق الله، فلننتقل إلى حق العباد، كيف أنت مع والديك؟ إن بيني وبين أبي نوع من سوء التفاهم، لا أستطيع أن أُحسن الكلام معه، ولا أستطيع أن أُحسن بره، فقلت: يا أخي! من هنا جاءك البلاء، فإنك عندما عصيت الله في بر الوالدين أوجب لك تلك القسوة، فحاول إصلاح حاله، قال: فما مضت إلا ثلاثة أيام حتى تغير حالي، يقول لي: والله حتى حفظي تغير، عندما أحسن في بر الوالدين، بر الوالدين ليس شيئاً هيناً، الله تعالى يذكر عبادته ويقرن بر الوالدين بها: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36] حتى قص علينا شرائع من قبلنا فذكر بر الوالدين فيها: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83].. وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] بر الوالدين من أعظم الأسباب التي توجب للعبد سعادة الدنيا والآخرة، إذا بلغ ببر الوالدين أن يوصي النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه -الذين هم أكمل الأمة إيماناً واتباعاً له- يوصيهم إذا رأوا أويس القرني أن يدعو لهم.

    إن كثيراً من الشباب الذين أكرمهم الله بالهداية ربما يلاحظون على الوالدين بعض التقصير، فيسيئون إليهما، ولربما يبلغ الحال إلى ما فيه سخط الله عز وجل وغضبه؛ فإذا أردت أن يذهب الله عنك ما تجد فعليك أن تتفقد أوامر الله ونواهيه، ثم عليك أن تتفقد حقوق العباد، وأولها حق الوالدين وتفقد -أيضاً- من تحت يديك من العمال أو الموظفين، تفقد جميع من ولاك الله أمره، حتى أبناءك انظر إلى معاملتك لهم، فقد تجد أسباباً أوجبت لك ذلك التغير، واعلم أنه ما من هم يصيبك إلا ووراءه سيئة أو خطيئة أوجبته: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]، والله تعالى أعلم.

    المحبة في الله وثمارها

    السؤال: كيف تكون المحبة في الله، وما فضلها؟

    الجواب: المحبة في الله هي بمعنى أن يكون السبب الباعث على محبتك للإنسان هو أن الله يحبه، وذلك يكون حينما ترى عليه الآثار الموجبة لمحبة الله، فعلى سبيل المثال: ترى عبداً محافظاً على الصلاة؛ فتحبه لمحافظته على الصلاة، وترى إنساناً من طلاب العلم، فتحبه لطلبه للعلم، فالصلاة وطلب العلم يحبهما الله عز وجل، فإذا كان السبب الباعث على المحبة ما يحبه الله ويرضاه، فتلك هي محبة في الله.

    أما آثارها: فالتواصي بالحق؛ والله عز وجل قد نفى الخسارة عن أهلها فقال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] فالأخ في الله هو الذي إذا نسيت الله ذكرك، وإذا ذكرت الله أعانك.

    إن من سعادة المؤمن أن يهيئ الله له أخاً صالحاً يعينه على طاعة الله.

    ومن آثارها وفوائدها: أنها سبب للثبات على طاعة الله، فهذا نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام يحمله الله النبوة التي هي أعز وأكرم شيء يكرم به العبد، ومع ذلك ماذا يقول؟ قال الله تعالى مخبراً عنه: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا [طه:25-34] نبي من أنبياء الله يتمنى أن يعطيه الله أخاً صادقاً يعينه على ذكر الله.

    إنك تجد من أخيك الصادق خيراً كثيراً حتى في أمور الدنيا؛ كأن يحفظ لك الأسرار، ويحاول أن يكون لك نعم العون بعد الله.

    إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك

    ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيه شمله ليجمعك

    عندما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: "والله لا أبكي على فراق الدنيا، ولكن أبكي لأني لم أجد في الحياة خِلاً خليلاً، صادقاً صديقاً في مودته ومحبته". وهذه الأوصاف لا توجد إلا في الإخوان والأحباب في الله.

    وأما ثمراتها في الآخرة فقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي عنه تعالى أنه قال: (وجبت محبتي للمتزاورين فيَّ، والمتحابين فيَّ) وفي الحديث الآخر القدسي عنه تعالى أنه يقول: (أين المتحابون في جلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) وقال الله في محكم التنزيل: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] ولله در الشاعر إذ يقول:

    انظر إذا آخيت من تؤاخـي فما كل من آخيت بالمؤاخي

    نسأل الله العظيم أن يكرمنا وإياكم بذلك.

    ومن ثمراتها: أن يُظل العبد في ظل الرحمن، كما في الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة رضي الله عنه في حديث السبعة: (ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه).

    تحديد وقت السحر وما يفضل فيه من العمل

    السؤال: ما هو وقت الأسحار؟ وما الأفضل فيه: القيام أو الاستغفار والتسبيح؛ لأن الله تعالى قال: وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18]؟

    الجواب: وقت الأسحار هو ما قبل الفجر مباشرة، ويطول ويقصر بحسب طول الليل وقصره؛ ولذلك كان أفضل قيام الليل قيام الثلث الآخر من الليل وهو الذي ينزل فيه الله تعالى -نزولاً يليق بجلاله وعظمته- لكي يبسط موائد رحمته وفضله، فيقول: (هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟).

    إن من الأفضل أن يجمع الإنسان بين الصلاة والاستغفار فيقوم الليل ويستغفر في قيام الليل، ولذلك ورد في الحديث الصحيح: (من أفضل العبادة: ركعتان يركعهما المؤمن في جوف الليل) فهذا يدل على فضل إحياء ذلك الوقت بالعبادة، فإذا جمع الإنسان بين الخيرين فهو الأفضل؛ لأنه تحصيل لأمرين دل الشرع على فضلهما، والله تعالى أعلم.

    قضاء صلاة الوتر

    السؤال: أريد أن أقوم من الليل؛ ولكن النوم يغلبني، فماذا أفعل إذا فاتني الوتر؟ هل أقضيه من النهار؟ وكيف أستطيع المواظبة على قيام الليل؟

    الجواب: بالنسبة لقضاء الوتر: فإن السنة أن يقضيه الإنسان إذا فاته بالليل بعد طلوع الشمس إلى الزوال؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من فاته حزبه من الليل فقرأه بين طلوع الشمس إلى زوالها؛ كتب له كأنما قرأه من ساعته) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    ومن السنة أنه إذا قضى الوتر أن يشفعه بركعة واحدة، فإذا كان وتره ثلاثاً شفعه بواحدة حين يكون أربعاً؛ لما ثبت في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فاته قيامه من الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة) قال العلماء: لأن سنته في قيام الليل كانت إحدى عشرة ركعة، فكان يشفع ركعة الوتر فتمت بذلك الركعة الثانية عشرة، فهذا يدل على أن وتر النهار يشفع.

    ومن الفوارق أيضاً: أنه لا يقنت في وتر النهار بخلاف وتر الليل، والله تعالى أعلم.

    أما المحافظة على قيام الليل فهناك سبب من أهم الأسباب التي تدعو إلى قيام الليل؛ وهذا السبب هو تذكر الآخرة، فمن أحب أن يُحافظ على قيام الليل فعليه ألا يغيب عن ذهنه ذكر الآخرة، وذكر الآخرة هو السعادة بعينها.. من تذكر أنه ستمر عليه مثل هذه الساعة وهو ضجيع اللحد والبلاء، رهين بالقول والعمل؛ فإنه تهون عليه الدنيا وما فيها.. من تذكر أنه سُيغلق عليه في تلك الظلمة والحفرة، وأنه لا يجد إلا هاتين الركعتين أو هذه التسبيحة والاستغفار؛ دعاه ذلك إلى أن يهون عليه النوم، فيتقلب بين يدي الله عز وجل راكعاً ساجداً: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] من علم أنه ستمر عليه مثل هذه الساعة واللحظة، لا يجد مؤنساً ولا شفيعاً، ولا يجد موجباً لذهاب الهم والغم إلا العمل الصالح؛ دعاه ذلك إلى أن يكون جل همه أن يديم الطاعة ليلاً ونهاراً، قال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16] كان السلف الصالح رحمهم الله من أكمل الأمة ذكراً للآخرة، فقد كان أحدهم إذا أراد أن يضطجع لكي ينام تذكر النار، فقام يتقلب وهان عليه ذلك المضجع، وآخر إذا جاء لكي ينام وشعر بالدفء والراحة تذكر ضجعة القبر فوجل فؤاده واضطرب جنانه، وسهل عليه أن يقوم في شدة البرد أو في شدة الحر لكي يتوضأ وينتصب بين يدي الله بركعة أو سجدة يرجو بها رحمة الله عز وجل ورضوانه، والله لو أن أهل القبور سُئلوا عن أعز شيء يتمنونه، لتمنوا تسبيحة أو استغفاراً يزاد في صحيفة العمل. نسأل الله العظيم أن يكرمنا وإياكم بذلك.

    حكم قراءة القرآن نظراً في التهجد

    السؤال: هل يجوز قراءة القرآن نظراً في قيام الليل إذا لم يكن القائم يحفظ القرآن؟

    الجواب: نعم، يجوز ذلك طلباً للمصلحة المترتبة على القراءة، واحتج العلماء لجواز ذلك بما ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها كانت تأمر مولاها أن يقوم بها الليل بالمصحف، والله تعالى أعلم.

    وسائل معينة لحفظ كتاب الله

    السؤال: إن حفظي للقرآن رديء جداً، وإني أحاول بشتى الطرق أن أحفظه، فهلا أرشدتني إلى طريق يسهل عليَّ حفظه؟

    الجواب: أول طريق هو: الدعاء، وما من مصلحة من مصالح الدنيا والآخرة تدرك بشيء مثل الدعاء، فأوصيك، فإن الله تبارك وتعالى هو القادر أن يهبك الحفظ وأن يسلبك إياه.

    الأمر الثاني: أن تأخذ بالأسباب المعينة على الحفظ، وأعظمها وأساسها: الإخلاص لله عز وجل، تفقد نفسك، فلربما كانت نيتك فيها دخن، حاسب نفسك علَّ الله سبحانه وتعالى أن يكرمك بإعادة النظر الذي يوجب لك صلاح النية، وإذا صلحت النية أعان الله عز وجل العبد على مقصوده.

    الأمر الثالث: أن تتوخى الأسباب، وذلك بأن تحاول كثرة التكرار والترداد.

    الأمر الرابع: اختيار الآيات القليلة، فالإنسان إذا أراد أن يحفظ يتخير آيات قليلة ولا يستعجل الحفظ، فقلة الشيء الذي تقرؤه وكثرة تكراره يوجب لك الحفظ ويكون حفظك قوياً.

    اكتب قليلاً إن أردت تحفظ وعظم الحروف إن أردت تلفظ

    فالإنسان إذا أراد أن يحفظ القرآن يكون القدر الذي يريد أن يحفظه قليلاً، وأن يدمن التكرار في حفظ ذلك.

    الأمر الخامس: كثرة المراجعة وخاصة عند قيام الليل.

    ومن أهم الأسباب التي أوصى السلف الصالح رحمهم الله بها والتي تعين على الحفظ: البعد عن محارم الله عز وجل؛ لأنهم يقولون: إن المعاصي شؤمها عظيم على العبد؛ ولذلك إذا نزلت في الديار والأعمار محقت بركتها والعياذ بالله! فينبغي على الإنسان أن يبتعد عن المعاصي ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وفي ذلك يقول الشافعي رحمه الله:

    شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي

    والله تعالى أعلم.

    وسائل التخلص من الرياء

    السؤال: كيف يمكن أن يتخلص من الرياء؟

    الجواب: لا أعرف سبباً يعين على التخلص من الرياء مثل الأمرين اللذين سبقت الإشارة إليهما، أولهما: الدعاء، فتسأل الله أن يجعلك مخلصاً، قال الله تعالى: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46].

    الأمر الثاني: تذكر الآخرة هذان الأمران.

    من أهم الأسباب التي تعين الإنسان على الإخلاص وترك الرياء، ولذلك لا تجد إنساناً قلبه معمور بالآخرة ثم يكون مرائياً، والعكس بالعكس؛ فما من إنسان يغفل عن الآخرة إلا وجدته والعياذ بالله مرائياً في قوله وعمله، ومرائياً في ظاهره وباطنه.

    ومن الأمور التي تعين على الإخلاص وترك الرياء: إعظامك للمثوبة عند الله عز وجل، فإذا علمت أن الله سبحانه وتعالى يتقبل منك القليل ويجزيك عليه بما لم يخطر لك على بال دعاك ذلك إلى الإخلاص؛ لأن العبد إذا عظم الله دعاه ذلك إلى إحسان المعاملة مع الله عز وجل، ونسأل الله أن يكرمنا وإياكم بالإخلاص لوجهه.

    وسائل التخلص من العجب

    السؤال: أنه إذا قام جزء من الليل يعجب بنفسه وعمله، فهل هذا من الرياء؟

    الجواب: العجب داء وبلاء عظيم، وقد قال بعض السلف: (لئن أبيت نائماً وأصبح نادماً، أحب إليَّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً) بماذا تعجب؟ من الذي وفقك للقيام؟ من الذي صرف عنك الهوى والشهوات التي لو أطبقت عليك ما استطعت أن تتخلص منها إلا أن يرحمك الله؟ من الذي أعانك بالصحة والعافية؟ من الذي حبب لك أن تقوم بين يديه؟ من الذي سهل لك السبيل؟ وماذا تساوي هذه الركعات والسجدات التي تسجدها وتركعها بين يدي الله مقابل نعم الله عز وجل عليك؟ فاحتقر العبادة، وما تقدمه في جنب الله، فالله لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، والله جل وعلا لن نبلغ نفعه فننفعه، ولن نبلغ ضره فنضره: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).

    تذكر من هم أكثر منك إيماناً، تذكر العلماء الراسخين في العلم الذين أوجب الله لهم درجات لم تخطر لك على بال، تذكرهم واحتقر نفسك. فمن وصايا العلماء: (أن الإنسان إذا بلي بداء عالجه بضده) فإذا بليت بالعجب، عالج ذلك العجب باحتقار العمل، وإذا كان الإنسان معجباً بالطاعة فعليه أن يعاشر الأخيار حتى يحتقر طاعته في جنب طاعتهم، وأن يكثر من حضور حلق الذكر حتى يتأثر بالعلماء فيحتقر صلاحه في جنب صلاحهم. والله تعالى أعلم.

    نصيحة لطالب العلم

    السؤال: رجل لم يستفد من طلبه للعلم خلال ثلاث سنوات؛ وذلك لأنه لا يسير على منهج واحد، فكيف يصحح مسيره في طلب العلم؟

    الجواب: إذا أردت أن تصحح مسيرك في طلب العلم، فعليك: أولاً: بالإخلاص لله عز وجل؛ وثق ثقة تامة أنك ستعطى من العلم على قدر إخلاصك، فإذا تكلمت تكلمت لله، وإذا عملت عملت لله، والسلف الصالح -رحمهم الله- عندما صدقوا مع الله في طلب العلم هانت عليهم الأسفار، وهانت عليهم مشاق الليل والنهار، كل ذلك عندما أخلصوا لله عز وجل، وقد قال بعض العلماء موصياً ابنه: (يا بني! أخلص لله يأتك العلم).

    أذكر أني ذات مرة كنت مع الوالد -رحمه الله- في المكتبة، فجاء لكي يضع تفسير القرطبي ففاضت عيناه من الدمع، ثم قال لي: يا بني! لقد كنت أحلم أن أرى القرطبي بعيني، وكنت شغوفاً بجمع كتب العلم وعلم جدك بذلك، فقال لي: يا بني! أخلص لله تأتِ كتب العلم إليك، قال: فهأنذا عندي ثلاث نسخ منها، أليست هذه نعمة؟ قلت: بلى، والله إنها لنعمة، فمن أخلص لله في طلب العلم أعطاه الله العلم.

    ثانياً: عليك أن تحاول قدر استطاعتك أن تأخذ العلم عن العلماء؛ لأن كثيراً من طلاب العلم -خاصة في هذا الزمان لا يأخذون العلم إلا من الكتب، نعم الكتب فيها خير ولكن يفوتهم من الخير ما لم يخطر لهم على بال، العلم يؤخذ من صدور الرجال، يؤخذ حينما تزاحم العلماء بركبتيك وتتعرض لرحمة الله بالتواضع في الجلوس في حلق الذكر، فتكون خطواتك وأنفاسك وسمعك وبصرك في سبيل الله؛ لأنك تقرأ وتكتب وتسمع، وتفكر في مسائل العلم، فالعلم لا يؤخذ من السطور كما يؤخذ من الصدور؛ ولذلك قال بعض العلماء في شرح الحديث الصحيح: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء؛ ولكن يقبضه بموت العلماء) قال بعض العلماء: (في هذا دليل على أن العلم يؤخذ عن الرجال)؛ لأنه لو كان العلم يؤخذ عن الكتب ما قال: ينتزعه انتزاعاً، ولكن قال: (بموت العلماء) فدل على أن العلم مربوط بالعلماء، ولذلك أوصي كثيراً طلاب العلم أن يكونوا حريصين على أخذ العلم من العلماء، قالوا: (من كان شيخه الكتاب، فخطؤه أكثر من الصواب) فإن الإنسان لا يأمن من تحريف المطبعة أو من الفهم السقيم، فلربما يفهم الشيء على غير ظاهره، وكذلك أيضاً قال بعض العلماء من مظنة الفهم في العلم: (أن الإنسان يوفق للجلوس أمام يد العالم) ومن المجرب أنك إذا جلست في مجالس العلماء وجدت من التيسير في طلب العلم ما لم تجده لو جلست تقرأ وحدك، فالمقصود: إن من أسباب عدم ثباتك أنك تطلب العلم من الكتب، وهذا ظني، والله أعلم.

    الأمر الأخير الذي أوصيك به: بما أنه تبين لنا أن طلب العلم يؤخذ من العلماء؛ فينبغي أن تتخير العالم الذي هو أهل لأن يؤخذ العلم عنه، وقد قال عبد الله بن مسعود -كما ورد في صحيح البخاري-: (أيها الناس! إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) إذا كنا في تجارة الدنيا نترقب ونحاول أن نجد التاجر الصادق في معاملته، فقل لي بربك، كيف بتجارة الآخرة؟ فينبغي للإنسان أن يتخير العالم العامل الذي يذكره بالله عز وجل في قوله وعمله، ويعينه في الثبات على طلب العلم، والله تعالى أعلم.

    نصيحة للمرأة المسلمة

    السؤال: نرجو توجيه نصيحة للمرأة المسلمة؟

    الجواب: يا نساء المؤمنين! إن الله أدبكن فأحسن تأديبكن، ورباكن فأحسن تربيتكن، إن الله تعالى وعد المحسنات منكن أجراً عظيماً، ووعد العباد بأنه لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى.. على أيديكن تتربى الأجيال، فأوصيكن بتقوى الله عز وجل التي هي سبب التوفيق لكل خير في الدين والدنيا والآخرة، وأوصيكن أن تتقين الله في محارم الله، وأن تحاول الواحدة جل أمرها أن تحرص كل الحرص عن البعد عن الفتن والمحن، فرأس المال في هذه الدنيا هو الدين، فلا تعرضن أنفسكن لمحارم الله جل وعلا.

    لتحاول كل واحدة أن تكون صادقة مع الله عز وجل في تربية الأبناء والبنات، فإن صلاح الأم صلاح للمجتمع، ولكُنَّ في السلف الصالح من نساء النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، لكُنَّ في نساء النبي صلى الله عليه وسلم تلك النماذج الطاهرة، فأوصيكن بقراءة سيرة السلف بقراءة سيرة الصالحات الطاهرات اللاتي عمرن الكون بطاعة الله جل وعلا، وبإخراج الرجال الصادقين في طاعتهم ومحبتهم لله جل وعلا.

    إن صلاح الأم صلاح للأمة، فكم وجدنا من العلماء العاملين والرجال الصادقين الصالحين من كان السبب في صلاحه أمه، حتى قالت أم سفيان الثوري رحمها الله قولتها المشهورة: (يا بني! اطلب العلم أكفك بمغزلي)، فلذلك أختي المسلمة! فاحتسبي عند الله تربية الأجيال على طاعته ومحبته.

    كما أوصيكن بالأزواج خيراً، ولتكن الواحدة منكن -على قدر استطاعتها- معينة لزوجها على محبة الله ومرضاته، فكم من نساء صالحات طاهرات كن سبباً في صلاح الأزواج، وكم من نساء صالحات طاهرات ثبت الله بهن القلوب على الهداية، ألم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم المؤمنين خديجة ذَعِرَاً مرعوباً مرهوباً فقال لها: (لقد خشيت على نفسي) فمن الذي ثبته بعد الله؟ من الذي قال له تلك الكلمات الطيبات؟ إنها تلك المرأة الصالحة التي عرفت ربها واتقت الله في بعلها، فقالت له المقالة الصادقة: (كلا، والله لا يخزيك الله).

    وأحذركن من تلك النماذج السيئة التي بليت بها الأمة في هذا العصر.

    الله! الله! أن ترغبن عن تلك الصالحات الطاهرات، وأن تستبدلن بسيرهن العطرة ومواقفهن النضرة بسير الماجنات الداعرات، الله! الله! أن تؤثر عليكن الكثرة الداعية إلى محارم الله، البسي جلبابك واحفظي حياءكِ، واتقي الله عز وجل في ليلكِ ونهارك، واعلمي أن جمالكِ في الحجاب الذي به استترتي، وبالقلب الذي تضمينه بين جنبيكِ، ليس الجمال جمال الصورة بمثل جمال القلوب التي هي محط نظر الرحمن، ومحط رحمته وصلواته، ففي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). كم نحن بحاجة إلى تلك النماذج الطاهرة الطيبة الصالحة التي تُذكِرُ بالنساء الصالحات وتجدد لنا المآثر الكريمة من سلفنا الصالح، أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح الأحوال، وأن يحسن العاقبة والمآل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245771

    عدد مرات الحفظ

    723989179