إسلام ويب

لحظات من أواخر حياة الرسول عليه الصلاة والسلامللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حرص النبي عليه الصلاة والسلام على الصلاة أشد الحرص، حتى في مرضه الذي مات فيه، وما ذلك إلا ليبين لنا أهمية الصلاة، ولما اشتد به المرض أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، وهذه فضيلة عظيمة لأبي بكر، إضافة إلى الفضائل الأخرى.

    1.   

    استخلاف الرسول لأبي بكر للصلاة بالناس

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

    من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم من النار.

    أيها الإخوة في الله! روى الإمامان البخاري و مسلم رحمهما الله في صحيحيهما، وكذا غيرهما من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة التابعي رضي الله عنه، أنه قال: (دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها، فقلت لها: ألا تحدثيني بمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: بلى، ثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا يا رسول الله، وهم ينتظرونك، فقال عليه الصلاة والسلام: ضعوا لي ماءً في المخضب، فأغمي عليه ثم أفاق، فقال عليه الصلاة والسلام: أصلى الناس؟ قلنا: لا يا رسول الله، وهم ينتظرونك، فقال عليه الصلاة والسلام: ضعوا لي ماءً في المخضب، ثم ذهب ليقوم -وفي رواية: ثم ذهب لينوء- فأغمي عليه، فلما أفاق قال: أصلى الناس؟ قالوا: لا يا رسول الله، وهم ينتظرونك، فقال: ضعوا لي ماءً في المخضب، فذهب ليقوم فأغمي عليه، فلما أفاق قال: أصلى الناس؟ قالوا: لا يا رسول الله، وهم ينتظرونك، فقال: ضعوا لي ماءً في المخضب -وهذه المرة الرابعة-، فكلما ذهب لينوء أغمي عليه صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة: أرسل إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه ليصلي بالناس، فخرج الرسول وجاء إلى أبي بكر ، فقال: إن رسول الله يأمرك أن تصلي بالناس! فقال أبو بكر: قم يا عمر! فصلّ بالناس، فقال عمر: أنت أحق بذلك. قال الراوي: فصلى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بالناس في تلك الأيام، صلى بهم سبع عشرة صلاة، قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم).

    عباد الله! هذا الحديث العظيم فيه لحظات من أواخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم، لحظات حقيق بنا أن نتأمل فيها، ونتفكر فيما حوت من عظة وعبرة.

    رسول الله خير البرية، سيد الأولين والآخرين، من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يعالج أشد المعالجة حضور الجماعة في المسجد، كلما أراد أن يقوم ليغتسل أغمي عليه من شدة المرض، فإذا أفاق أمر بأن يوضع له الماء ليغتسل لعله يخف عنه -والاغتسال مندوب بعد الإغماء- وهكذا يفعل ذلك أربع مرات حتى علم أنه لا يستطيع الخروج إلى الناس، فاستخلف أبا بكر ليصلي بالناس.

    جريان قدر الله على الأنبياء كالإغماء ونحوه

    أيها المؤمنون! هذا الحديث من فوائده العظيمة كما يقول العلماء: الإخبار بأن الله عز وجل يجري الإغماء على الأنبياء، والإغماء نوع من المرض، ولله عز وجل في ابتلاء الأنبياء بالمرض حكمة، فهو يبتليهم سبحانه وتعالى بالمرض، بل ويبتليهم بأشد مما يبتلي به سائر الناس، وكلنا نقرأ قصة أيوب عليه السلام في كتاب الله، والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الحديث: ( كان يوعك -يعني: يصاب بالحمى- كما يوعك الرجلان منكم ) فكان يصاب بالمرض الذي يصاب به الرجلان من سائر أمته لحكم:

    أول هذه الحكم: جريان قدر الله سبحانه وتعالى على الأنبياء، فالله عز وجل يريد أن يثبت في نفوس الخلق أنهم من جملة عبيده؛ حتى لا يغالي الناس فيهم، فالناس حين يرون المعجزات، ويرون الآيات البينات تظهر على أيدي الأنبياء، ربما خدعهم الشيطان وغرهم فظنوا بأن هؤلاء يملكون ضراً ونفعاً، وحياةً وموتاً، ورزقاً ومنعاً، وربما جرّهم الشيطان إلى عبادة هؤلاء الأشخاص، فالله سبحانه وتعالى يبتلي الأنبياء بالمرض، ويري الناس أنهم يمرضون كما يمرض الناس، ويصحون كما يصحو الناس، وهم دعاة التوحيد وحماته، كما قال الله عز وجل عن نبيه: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188].

    من حكم الله في ابتلاء الأنبياء

    ومن حكم ابتلاء الأنبياء بالمرض: أن الله عز وجل يسلي بهم الناس، فإذا أصابتك مصيبة، وحلت في ساحتك كارثة، فعليك أن تتذكر بأنه قد ابتلي من هو خير منك، ابتلي رسول الله صلى لله عليه وسلم فمرض، وابتلي أنبياء الله فأصيبوا، منهم من أصيب في بدنه، ومنهم من أصيب في ولده.. وهكذا تسلية لخلق الله.

    ومن حكم إجراء المرض على الأنبياء: مضاعفة الثواب، ورفع الدرجات، فإن المرض كفارة للذنوب، ورفع للدرجات، والله عز وجل أراد لأنبيائه أن يتبوءوا أعلى المقامات، فكانت مصائبهم أكبر من مصائب غيرهم.

    حرص النبي صلى الله عليه وسلم على شهود صلاة الجماعة

    أيها المؤمنون! هذا مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي مات فيه، كان يعالج صلاة الجماعة، يريد أن يخرج ليشهد الصلاة وهي العشاء الآخرة والناس عكوف في المسجد، كما جاء في الحديث أي: مرابطون داخل المسجد لا يتضجرون ولا يريدون الانصراف، ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يخرج إليهم، حرص على الحسنة مع أنه قد بشر عليه الصلاة والسلام بمغفرة ما ذهب وما جاء من الذنوب إن كانت له ذنوب من صغائر الذنوب.

    وقد أخبر عليه الصلاة والسلام بمقامه ومنزلته في الجنة، لكنه الحرص على الحسنة، الحرص على العمل الصالح، مهما بلغ الواحد منا يبقى هو في أمسِّ الحاجة إلى الحسنة الواحدة؛ لأن الحسنة الواحدة ربما تكون فيها نجاتك وأنت لا تدري، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ( لا تحقرن من المعروف شيئاً )، أي: لا تستبسط المعروف! ولا تحتقر الحسنة، ولا تظن أنك في غنىً عنها، فإن هناك موازين دقيقة تنصب، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، ليس بين دخول الجنة ودخول النار إلا أن تثقل الموازين بحسنة واحدة! فإذا ثقلت موازين الحسنات انصرف به إلى الجنة، وإذا ثقلت موازين السيئات انقلب إلى المصير الآخر والعياذ بالله.

    ليس بين هذا وذاك إلا أن تثقل الموازين بهذه الحسنة، فكم من حسنات تضيع ونحن لا نبالي بها.

    في موطأ الإمام مالك وغيره أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يخرج من بيته إلى السوق ويصطحب معه الغلام، فيظن الغلام بأن عبد الله بن عمر خرج للسوق يريد أن يرى ما في السوق من بضائع فيبيع ويشتري، فإذا خرج إلى السوق وقف في الطريق وظل الناس ذاهبين راجعين على عبد الله بن عمر يسلمون عليه وهو يرد عليهم السلام، فيقول له الغلام: تعال إلى هذه، يعني: إلى هذه السلعة نراها! فيقول: إنما خرجنا لنسلم على الناس، لم نخرج لبيع ولا لشراء، إنما خرجنا للحسنات التي ينالها الإنسان من وراء السلام على الناس، السلام عليكم ورحمة الله فيها ثلاثون حسنة.

    هكذا علمنا الصحابة الحرص على الحسنة مهما دقت، الحرص على الحسنة مهما صغرت، وهكذا فعل التابعون من بعدهم.

    رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل يكافح حتى يخرج لصلاة الجماعة، ولما يئس من الخروج أمر أبا بكر بأن يصلي بالخلق، ثم بعد سبع عشرة فريضة وجد خفةً في جسده عليه الصلاة والسلام، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: وجد خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس رضي الله تعالى عنه، وخرج لصلاة الظهر و أبو بكر يصلي بالناس، خرج وقد أقيمت الصلاة يريد أن يدرك منها ما أدرك، فهو الذي علم الأمة أنه من جاء والناس يصلون فليصل معهم، ثم إذا سلم الإمام فليقضِ ما فاته، خرج عليه الصلاة والسلام و أبو بكر يصلي بالناس، فقال لهذين الرجلين اللذين يحملانه: ( ضعاني بجانبه! )، فـأبو بكر لما رأى رسول الله همّ بالتأخر، فأشار إليه رسول الله بأن يثبت ويبقى في مكانه، فأجلس عليه الصلاة والسلام على يسار أبي بكر وصلى النبي صلى الله عليه وسلم إماماً بالناس، و أبو بكر يأتم برسول الله والناس يأتمون بـأبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    خرج عليه الصلاة والسلام وهو يحمل بين رجلين: أحدهما العباس وكانا يتناوبان عن الجانب الآخر علي رضي الله عنه وأسامة عليهم جميعاً رضوان الله، خرج يحملانه الرجال حتى جلس فصلى بالناس إماماً عليه الصلاة والسلام.

    وهكذا كان يفعل الناس من بعده، قال عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل رضي الله عنه: لقد رأيت الرجل وهو يتهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، يحمله الرجلان ويميل مرة إلى اليسار ومرة إلى اليمين لشدة المرض والإعياء، وهو معذور لو صلى في بيته ليس عليه إثم ولا حرج، ولكنه يريد إدراك الفضيلة، يريد إدراك الحسنة.

    عظم شأن الصلاة

    أيها الإخوة! نحن اليوم وفي هذا الزمن خاصة، وفي استقبال الصيف خاصة بحاجة أن نتذكر عظم الصلاة:

    أولاً: لأن كثيراً منا يريد أن يسافر دون أن يأبه لما يستقبله من الظروف، هل سيصلي أو لا يصلي! وعلى الهاتف وفي غير الهاتف كثيراً ما نسأل عن تضييع الصلاة بسبب التسوق في أسواق لا يجد الإنسان مكاناً يصلي فيها، ويقول بكل بساطة: ما استطعت أن أصلي.

    الإمام مالك رحمه الله سئل عن أهل الجزائر يعني: الجزر التي تكون في البحر، يحتاج الناس فيها إلى ركوب البحر للحج حين يضطرب البحر، وحين لا تجد السفن هدوءً وأماناً ويضطر الإنسان إذا أراد أن يصلي أن يصلي جالساً، وقد يصلي إلى غير القبلة! سئل الإمام مالك رحمه الله عن ركوب الإنسان البحر وقت هيجانه، فيقول رضي الله عنه وأرضاه: كيف يركب حيث لا يصلي؟ ويل لمن ضيع الصلاة! هذه فتوى بأنه لا يجوز له أن يسافر للحج إذا كان هذا السفر سيتسبب في إضاعة الصلوات الخمس، أركان الإسلام الخمسة أجلها وأعظمها بعد التوحيد الحفاظ على هذه الشعيرة، الحفاظ على الصلوات الخمس، أين هذه الصلاة في قلوبنا؟ كم هو وزنها؟ أين مقدارها؟ أين نحن حين يؤذن لصلاة الفجر؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( من صلى البردين دخل الجنة )، ويقول: ( فإذا استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل أن تطلع الشمس وقبل أن تغرب فافعلوا )، أين مقدار الصلاة في نفوسنا؟ متى نصلي؟ هل نأمر بها أبناءنا وبناتنا؟ هل نحث عليها إخواننا وأخواتنا؟ ما هو مقدار الصلاة في قلوبنا؟

    إذا أراد الواحد منا أن يعرف منزلته عند الله فليعرف منزلة الصلاة في قلبه، فمنزلتك عند الله بقدر منزلته عندك، أين اهتمامك بالصلوات الخمس؟

    1.   

    عظم مقام الصديق ومنزلته

    أيها الإخوة! في هذا الحديث إخبار بعظيم مقام أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أبو بكر ثاني الرجال في هذه الأمة بعد رسولها عليه الصلاة والسلام، أبو بكر اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون إماماً للناس حين يعجز رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإمامة، وهو الرجل البكاء، الرجل الأسيف، الرجل الحزين الذي إذا قرأ القرآن بكى فلا يسمع من خلفه، لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يؤم الناس، قالت عائشة وهي ابنته وكانت تخشى أن يتشاءم الناس بأن يكون أول من وقف في مقام رسول الله بعد غياب رسول الله أبا بكر ، فأرادت أن تجنب والدها، فقالت لرسول الله: إن أبا بكر رجل أسيف، إن أبا بكر رجل حزين، رجل بكاء، إذا بكى لا يُسمع المصلين خلفه، فأمر غيره ليصلي بالناس! فأمر عليه الصلاة والسلام أبا بكر وأصر أن يصلي بالناس أبو بكر رضي الله عنه لأمر يعلمه الله؛ أراد رسول الله أن يبلغ المؤمنين بأن أحق الناس بالإمامة بعده عليه الصلاة والسلام أبو بكر .

    وهنا جملة من الإشارات التي تدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن ينصب أبا بكر بعده للخلافة، منها هذا الحديث العظيم استخلافه للصلاة، وبه أجمع الصحابة على أن أبا بكر أولى الناس بالخلافة بعد رسول الله، وقالوا كلمة رجل واحد: رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا! رضيه رسول الله ليكون إماماً للدين، فأولى وأحرى أن يكون إماماً للدنيا.

    ومن جملة من صلى خلفه وآمن بإمامته وأذعن لرئاسته: أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، صلى وراءه وبايعه على الإمامة ولم يشذ عن ذلك، والله عز وجل يعلم أين يضع فضله، أبو بكر أفضل الناس في هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا لشيء إلا لما قدمه من أعمال، لا لشيء إلا لما أسلف من إيمان، فلم يسبق الناس بشيء إلا بالإيمان الذي وقر في قلبه.

    عمر لما تولى الخلافة سمع أن بعض الناس يفضله على أبي بكر رضي الله عنه، فصعد على المنبر وقال: سمعت أن أقواماً يقولون بأني أفضل من أبي بكر ، والله إن يوماً وليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر، يوم وليلة فقط، وليس عمر أبي بكر كله! يوم وليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر.

    ثم ذكر اليوم والليلة، أما اليوم فهو اليوم الذي صحب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته، فقد جاء في الحديث في مسند أحمد وغيره أنه كان رضي الله عنه مرةً يمشي أمام رسول الله، ومرة يمشي خلفه، ومرة يمشي عن يمينه، ومرةً يمشي عن يساره، فسأله رسول الله عن سر ذلك؛ لماذا تقلب المواضع في السير؟ قال: يا رسول الله! أتذكر الرصد، يعني: الذين يقطعون الطريق ربما يقطع طريقنا من يريد الإساءة إليك، أتذكر الرصد فأمشي أمامك فإذا مشيت أمامك تذكرت اللحق؛ تذكرت من سيدركنا من قريش، يريد الإدراك بك فمشيت من خلفك، وهكذا يفعل عن يمينه وعن شماله، ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغار لم يأذن له أبو بكر بالدخول حتى دخل قبله فتحسس الغار، فلما علم أنه آمن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ووضع رجله رضوان الله عليه سداً في أحد الثقوب في الغار، فلدغته الحية ومات متأثراً بسم تلك الحية.

    هذا أبو بكر الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: ( لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام )، والخلة أرفع درجات المحبة، لو كنت متخذاً أحداً في هذه المرتبة لاتخذت أبا بكر .

    أبو بكر أمن الناس، هكذا يشهد له رسول الله، ( أمنّ الناس علي في ماله أبو بكر رضي الله عنه )، في هذا الحديث ينبههم عليه الصلاة والسلام إلى علو مقام أبي بكر ، وأنه أحق الناس بالإمامة بعد رسول الله.

    وأما الموقف الآخر من مواقف أبي بكر الذي أراد الإشارة إليه عمر فهو يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما مات عليه الصلاة والسلام لشدة الصدمة ولهول المصيبة على أصحابه ومحبيه طارت عقولهم وذهبت أحلامهم، ولم يصدقوا بأن رسول الله عليه الصلاة والسلام قد مات، ولم يتصوروا غياب شخصه الكريم عن أعينهم عليه الصلاة والسلام، لشدة المصيبة طارت أحلامهم فأنكروا أنه مات، بل شهر عمر سيفه وقال: من قال بأن رسول الله عليه الصلاة والسلام قد مات قطعت عنقه، لكن ذلك الرجل البكاء، الرجل الخاشع، الرجل اللين، يعده الله عز وجل لأصعب المواقف، وقف على المنبر فقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت! ثم تلا عليهم الآيات في كتاب الله: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144].

    جمع الصديق شمل الأمة بعد وفات رسولها

    أبو بكر رضي الله عنه اجتمعت به الأمة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهدأ البال، وجمع الكلمة، وصف المؤمنين، فقامت للإسلام قائمة بعد موت رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، وكان من أول الأحداث: خروج الناس عن الإسلام وامتناعهم من أداء فريضة الزكاة وارتدادهم، وكانوا يقولون بألسنتهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وخرجت قبائل العرب عن الاحتكام لدولة الإسلام، واشتبهت الأمور على كثير من الصحابة، ووقف الرجل وقفة الرجل العزيز المنيع، وهو الرجل الأسيف، الرجل الحزين، الرجل البكاء، وقف عليه رضوان الله موقف الجبل الأشم، موقف الشجاع البطل، وقال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، أتاه عمر) الرجل الشديد، الرجل البطل، (فقال: كيف تقاتل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً -وفي رواية: عناقاً وهو صغير الغنم- كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه)، واستدل ابن عمر بعد ذلك بحديث لم يبلغ أبا بكر ولا عمر : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه لما حصلت حروب الردة أهم كثير من المسلمين بألا يخرج الجيش الذي كان قد عينه رسول الله للخروج إلى الروم وولى عليه أسامة ، لكن أبا بكر رضي الله عنه لم تشغله الشواغل عن امتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشار عليه كثير من الصحابة بأن جزيرة العرب تشتعل حروباً، فكيف ترسل جيشاً كبيراً من الصحابة إلى أطراف الجزيرة العربية؟ قال: (والله لا أفك لواءً عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم!).

    الراية التي ربطها وعقدها رسول الله لا يمكن أن تنفك، وكان من أمر الله ما كان، خرج جيش أسامة ووضع الله عز وجل به الهيبة في قلوب العرب في جزيرة العرب وفي قلوب الروم، وعلموا أن المسلمين لا تزال لهم شوكة لا تكسر، وقوة لا تهزم، وكان هذا من بركات مواقف أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    أبو بكر صاحب المقامات العلية في هذه الأمة، في هذا الحديث يبين لنا أيضاً مقدار تواضعه في نفسه، ومعرفته لقدر نفسه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقف في مكانه، وأصر أبو بكر على أن يتأخر، وجاء رسول الله وصلى إماماً بالناس، وبعد الصلاة عاتبه رسول الله: (ما منعك أن تثبت حيث أشرت إليك؟ فقال: ما كان لـابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم)، من أنا حتى أصلي إماماً ورسول الله مأموماً! ما كان لـابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    موقف الرافضة من الصديق

    لا عجب في أن ينال أبو بكر كل هذه المراتب! ولكن العجب كل العجب في قوم أضلهم الله، ولعب بهم الشيطان فأصبحوا يتقربون إلى الله بلعن أبي بكر رضي الله عنه، أصبحوا يعدون من أفضل الأعمال لعن أبي بكر و عمر ، لعن وزير رسول الله الأول، وخليفته الأول، وصاحبه الأول، وحبيبه الأول، فقد سئل عليه الصلاة والسلام سأله عمرو بن العاص بعد أن رجع من غزوة ذات السلاسل، غزوة ذهب فيها إلى أطراف الأرض فظن أنه سيتبوأ في قلب رسول الله مكاناً عظيما ًيسبق به غيره من الصحابة، قال: ( يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة ، قال: من الرجال؟ قال: أبوها )، أبوها أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعب الشيطان بأقوام فاتخذوا لعن أبي بكر ديناً يتقربون به إلى الله، وهكذا يفعل الشيطان بأوليائه، وهو وزير رسول الله، كما قال الإمام زيد بن علي رضي الله عنه من أئمة آل البيت العظماء، سئل عن الشيخين أبي بكر و عمر فقال: هما وزيرا جدي في حياته، وخليفتاه بعد مماته، ورفضه الناس لأنه قال هذه المقالة، ولم يرضَ بأن يطعن في الشيخين.

    هذا أبو بكر ، ونحن في أمس الحاجة أن نعرف فضائل أصحاب رسول الله، أن نعرف من هم صحابة رسول الله؟ الصحابة الذين نقلوا إلينا القرآن، الصحابة الذين بلغونا الشرائع والإيمان، الصحابة الذين نقلوا إلينا أخبار رسول الله، هؤلاء هم الصحابة، الطعن فيهم وسبهم نقض للشريعة، الطعن فيهم تكذيب للقرآن، رد للإسلام؛ لأن الإسلام لم ينقل إلا عن طريقهم، ولم يبلغ إلا من ألسنتهم، هؤلاء أصحاب رسول الله، ومن ساداتهم ومن كبرائهم الشيخان: أبو بكر و عمر .

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    وجوب التأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    إخوتي في الله! إننا حين ولما نذكر أخبار رسول الله لا نذكرها إلا للاقتداء بها، والاهتداء بهديه عليه الصلاة والسلام، فهو قدوة كل من آمن بالله واليوم الآخر، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، نصبه عليه الصلاة والسلام أسوةً حسنة وقدوة يقتدى بها، وأعماله في أغلبها داخلة تحت التكليف، فيستطيع الواحد منا أن يحافظ على الجماعة، يستطيع الواحد منا أن يأمر أبناءه ويواظب على المسجد، هكذا فعل أصحابه، وهكذا فعل من جاء بعدهم ممن نقلت إلينا أخبارهم.

    كان بعض السلف يصلي عمره كله في الصف الأول مدة خمسين سنة، الإمام سليمان بن مهران الأعمش المحدث يقول: خمسون عاماً لم أنظر إلى قفا مصلٍ، يعني: أنه يصلي في الصف الأول.

    سعيد بن المسيب رضي الله عنه لما حضرته الوفاة جلست ابنته تبكي عند رأسه، فقال لها: وما يبكيك يا ابنتي؟ على ماذا تبكين؟ والذي لا إله إلا هو ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام أربعين عاماً، ولا أذن المؤذن إلا وأنا في المسجد، فلماذا الخوف؟ ولماذا الحزن؟ هؤلاء هم الذين تتنزل عليهم الملائكة، كما قال الله: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] ، لا تخافوا مما تستقبلونه! ولا تحزنوا على ما تركتموه وراء ظهوركم! فالله يتولاكم فيمن بعدكم، ويتولاكم أنتم فيما تستقبلونه من الأمور، فلا خوف ولا حزن! أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ[يونس:62]، فلا خوف مما يستقبلون! ولا حزن على ما خلفوا وتركوا! فالله يتولاهم.

    هذه الطريق التي توصل إلى رضوان الله، هذه الطريق التي توصل إلى تكفير السيئات، ورفعة الدرجات، المحافظة على الصلوات، وإكثار الخطا إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء بعد الوضوء موضوع يشتغل به الملأ الأعلى، أتدري أنت أن الملائكة يتناقشون ويرد بعضهم على بعض السؤال والجواب كما يقول الله عز وجل لنبيه في الحديث الصحيح القدسي: ( أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ ) هل تدري فيما يتناقش الملائكة عن ماذا تتساءل؟ لا يتساءلون عن ما يكسبه الناس من مليارات، ومن دولارات، يتساءلون عن شيء أجل من ذلك وأعظم.

    ( أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال عليه الصلاة والسلام: الله أعلم )، ثم لما علمه الله قال: ( نعم، في الكفارات والدرجات )، ثم أخبر عن الدرجات والكفارات، ومنها: (إسباغ الوضوء على المكرهات، وكثرة الخطا إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة)، هذه درجات بكل خطوة تخطوها يكتب لك بها حسنة، وتحط بها عنك خطيئة، المسجد مفتوح وهو أفضل البقاع على هذه الأرض، ( أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغضها إليه الأسواق )، نقطع المسافات الطويلة لنذهب إلى أسواق بعيدة، وكأن أسواقنا ليس فيها ما نحتاج، مساجدنا تشكو إلى الله فراغها، لا سيما في أوقات النوم والكسل، ( من صلى البردين دخل الجنة ) وهما الفجر والعصر.

    أيها الإخوة! نحن بحاجة أن نعيد هذه الفريضة إلى حياتنا حية فنتواصى بها، ويأمر بها بعضنا بعضاً، ونحث عليها أبناءنا وبناتنا، الحضور إلى المساجد شعار المسلمين، ازدحام الناس في المساجد شعار المؤمنين، كفارة للذنوب، ورفعة للدرجات، وحفظاً من الخطايا والسيئات.

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يعيننا على أنفسنا.

    اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    يا ذا الجلال والإكرام! يا أرحم الراحمين! أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا.

    اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم انصر عبادك المجاهدين في كل مكان يا قوي يا عزيز.

    اللهم صلّ وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016763038

    عدد مرات الحفظ

    723851518