إسلام ويب

الباقيات الصالحاتللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن الباقيات الصالحات، وقد ورد في فضلها كثير من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهي غراس الجنة ووقاية لقائلها من النار، وأعظم ما فيها الثناء والتمجيد لله تبارك وتعالى.

    1.   

    فوائد وثمار الباقيات الصالحات

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    الباقيات الصالحات وقاية من النار

    إخوتي في الله! روى الإمام النسائي رحمه الله تعالى في سننه و الحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خذوا جنتكم )، يعني: خذوا وقايتكم, ( خذوا جنتكم من النار, قولوا: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات ومعقبات ومجنبات, وهن الباقيات الصالحات ) .

    هذه الكلمات الأربع جعلها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وقاية من النار، وأي هول هذا الهول إذا تذكرناه, شفير جهنم يلقى الحجر من شفيره فيهوي فيها سبعين خريفاً لا يدرك لها قعراً، أي هول في تصور هذه النار! وأي هول في الوقوف عليها! ثم أعظم من ذلك أي هول في الوقوع فيها!

    وهذه الكلمات الأربع إذا قيلت من قلب موقن بها، ومن لسان مريد بها وجه الله تعالى، فقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم وقاية، وشبهها بالجيش المحامي المدافع، قال: (فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات) يعني: في الأمام, (ومعقبات) يعني: من الخلف, (ومجنبات) يعني: عن الجانبين. وهذه كلها قطع للجيش: المجنب والمقدم والمعقب، وهذه الكلمات الأربع يجعلها الله تعالى وقاية للإنسان أعظم وقاية.

    ثم قال: (وهن الباقيات الصالحات) الباقيات الصالحات التي ينبغي لكل عاقل أن يحرص عليها، كل ما على الدنيا زائل، وما عليها ذاهب, وما يتسابق منها الناس فان، ويبقى العمل الصالح, وهذا من الباقي الصالح، كما قال الله في سورة الكهف: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46].

    (هن الباقيات الصالحات) يعني: هن من الباقيات الصالحات، لكن لما كن من الذكر، والذكر أعظم العبادة، لم يأمر الله تعالى بالاستكثار من شيء كما أمر بالاستكثار من ذكره؛ لما للذكر من أثر على قلب الإنسان في إصلاحه، وكلما أكثر الإنسان من ذكر الله عظمت في نفسه مراقبة الله، فعظم خيره وقل شره، وهن الباقيات الصالحات.

    الباقيات الصالحات عماد لعبادات متعددة

    الباقيات الصالحات أحب الكلام إلى الله

    الباقيات الصالحات أحب ما تحرك به اللسان, وأحب ما صدر من العبد من الكلام، أن يتحرك لسانه بهذه الكلمات، قال عليه الصلاة والسلام: ( أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت )، وإن كنت لا تحفظ الترتيب لا يضرك الترتيب، تحوز كل هذا الثواب وإن كنت لا تحسن هذا الترتيب.

    الباقيات الصالحات غراس الجنة

    هذه الكلمات هي غراس الآخرة، الغراس الدائم، الغراس الباقي، غراس الجنة، يغرس لك نخيل بهذه الكلمات، جاء في الترمذي عن ابن مسعود ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام, وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة, عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر )، كلما قلتها مرة غرست لك في الجنة نخلة، وأنت الآن في زمن الغراس.

    وفي الحديث الصحيح: ( مر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي هريرة ! وهو يغرس غرساً له، فقال: يا أبا هريرة ! ماذا تفعل؟ قال: أغرس غراساً لي يا رسول الله! قال: ألا أدلك على غراس خير لك من ذلك )، هناك غراس أعظم ثواباً وأكثر ثمرة، وأعظم ذخراً لك من هذا، وليس في هذا تزهيد من غراس الدنيا والقيام بإصلاحها, فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا سيما في الزراعة والغرس، حث على أنه: ( إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة, فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليفعل ) ، ولكن فيه التنبيه إلى الاشتغال بالأهم والأنفع, ( احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز )، قال: ( ألا أدلك على غراس خير لك من ذلك؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: تقول: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر، فيغرس لك بها في الجنة نخلة ) .

    الباقيات الصالحات عماد صلاة التسابيح

    هذه الكلمات الأربع جعلها النبي صلى الله عليه وسلم عماداً لصلاة التسابيح، الصلاة التي يجعلها الله تعالى تكفيراً للذنوب والسيئات مهما عظمت، كما في الحديث الذي حسنه غير واحد من أئمة الحديث: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعمه وهو من أحب الناس إليه: يا عماه! يا عباس ! ألا أحبوك، ألا أعطيك، ألا أمنحك! )، وانتبهوا إلى هذه الإثارة العجيبة، ثلاثة أسئلة متوالية ليلفت انتباهه ويثير اهتمامه, ( ألا أعطيك، ألا أحبوك، ألا أمنحك! ألا أعطيك عشر خصال, إذا فعلتها غفر لك ذنبك كله، صغيره وكبيره، قديمه وحديثه, عمده وخطؤه، علانيته وسره )، هكذا يخبره عليه الصلاة والسلام بأن الذنوب كلها ممحية, ثم علمه، فقال: ( أن تصلي أربع ركعات, تقول بعد أن تقرأ الفاتحة وسورة )، يعني: وأنت في القيام، تقول بعد القراءة: ( سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر، خمس عشرة مرة، فإذا ركعت تقولها عشراً، فإذا قمت من الركوع تقولها عشراً، فإذا سجدت تقولها عشراً، فإذا جلست تقولها عشراً، فإذا سجدت تقولها عشراً، فإذا رفعت من السجدة الثانية قبل أن تقوم تقولها عشراً، فهذه خمس وسبعون مرة في الركعة الواحدة تصليها أربع مرات, إذا فعلت, قال له عليه الصلاة والسلام: فإن استطعت أن تفعلها كل يوم مرة فافعل, فإن لم ففي كل جمعة مرة )، يعني: ففي الأسبوع مرة فافعل, ( فإن لم ففي كل شهر مرة، فإن لم تستطع ففي السنة مرة، فإن لم تستطع ففي عمرك مرة )، هذه الصلاة عمدتها هذه الكلمات الباقيات: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر.

    الباقيات الصالحات سبيل لقبول الدعاء

    وجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مقدمة وممهد وسبيل لقبول الدعاء، قال: ( من تعار من الليل )، يعني: من استيقظ في نومه من الليل، ( فقال: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن دعا استجيب له )، إذا قال هذه الكلمات حين يستيقظ من الليل ثم يدعو دبر هذه الكلمات, سواء صلى أو لم يصل، توضأ أو لم يتوضأ، قام من فراشه أو لم يقم، إذا قال هذه الكلمات ثم دعا على دبرهن، فإن وعد الله تعالى له بأن يستجيب له هذا الدعاء.

    الباقيات الصالحات ثناء وتمجيد لله

    هذه الكلمات عظيمة ولهذا كانت أحب الكلام إلى الله سبحانه وتعالى، ليس لمجرد ألفاظها، ولكن لما تحتويه من معانٍ عظيمة، فسبحان الله تعني تنزيه الله، وتبرئته سبحانه وتعالى من كل عيب ونقص. فأنت حينما تقول: سبحان الله! كأنك ذكرت الله بكل أسماء التقديس، السلام القدوس, كل أسماء الله الدالة على تنزيهه سبحانه وتعالى من العيب، الدالة على تنزيهه من النقص، فكأنك تقر لله تعالى بالبراءة والسلامة من كل عيب ونقص.

    فإذا ثنيت بعدها بقولك: (الحمد لله) فقد كملت الجانب الآخر، وهو إثبات الكمال لله تعالى، برأته من النقائص أولاً وأثبت له الكمال كله، فالحمد يعني الثناء بالجميل ولا يثنى إلا على الكامل، ولا يثنى بالثناء الكامل إلا على من حاز الثناء، والكمال الكامل.

    فقولك: (الحمد لله) متضمن إثبات علم الله، إثبات قدرة الله، إثبات غنى الله، إثبات قيومية الله، إثبات كل كمال لله سبحانه وتعالى، ولكنه كلام النبوة الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: ( واختصر لي الكلام اختصاراً )، بدلاً من التعبيرات الكثيرة والكلمات العديدة تخصر تلك المعاني كلها في ألفاظ وجيزة, سبحان الله, والحمد لله.

    ثم إثبات الوحدانية لله، وأنه وحده سبحانه وتعالى المستحق للعبودية: (ولا إله إلا الله) ثم تمجيد ما وراءه تمجيد، وتعظيم ما وراءه تعظيم.

    كل ما لا تدركه العقول، وما لا تتصوره الأفهام، فإنك تقول كلمة جامعة.

    (والله أكبر) أكبر من كل شيء، أعظم من كل شيء، لا يدركه شيء, ولا يماثله شيء. إنها كلمات قليلة، لكنها تحوي ثناءً وتمجيداً وتنزيهاً لله، لا يعلم كنهه إلا الله، ولذلك كان ثوابه لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.

    هذه الكلمات خير ما اشتغلت به الألسن لأنها من ذكر الله، وذكر الله عبادة جليلة القدر, سهلة المئونة, عظيمة الثواب، وللعجب أنها عبادة متعلقة باللسان, اللسان الذي لا يتعب من الحركة، ويمل السكون والوقوف, اللسان الذي لا يريد أن يصمت, خير ما توظفه به أن توظفه بما ينفعك في الآخرة، وخير ما تشتغل به كلمات الذكر, وهذه الكلمات من أفضل الذكر.

    أقول ما تسمعون, وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.

    قراءة الباقيات الصالحات في الصلاة لمن عجز عن القرآن

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    إخوتي في الله! ورد في الحديث أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل هذه الكلمات الأربع قائمة مقام القرآن لمن عجز عن أخذ شيء من القرآن, ( جاء رجل يشتكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عدم حفظه ) لا يقدر على حفظ القرآن، يريد أن يصلي فيقرأ الفاتحة، ( فقال: يا رسول الله! إني لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن، فعلمني شيئاً يجزئ عنه )، علمني شيئاً أقوله محله, ( فقال عليه الصلاة والسلام: قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: يا رسول الله! هذا لله فما لي؟ )، أنا أريد شيئاً أيضاً أدعو به لنفسي, ( قال: قل: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني ).

    كلمات أربع أيضاً علمه لنفسه: الدعاء بالرزق، والدعاء بالمغفرة، والدعاء بالهداية، والدعاء بالعافية، فقام الرجل بعد أن تعلم أربع كلمات لله وأربع كلمات لنفسه، ثمان كلمات, لكن الأعمال لا تقاس بصورها، إنما تقاس بما يقوم في قلوب أصحابها إذا أدوها على الوجه التام، قام الرجل وقد حفظ هذه الكلمات الثمان، أتدرون ماذا قال رسول الله بعد أن انصرف الرجل، قال عليه الصلاة والسلام: ( أما هذا فقد ملأ يديه خيراً كثيراً ). أما هذا فقد خرج من عندنا بخير كثير، إنه الخير على وجهه الحقيقي، الدنيا هذه التي نتسابق فيها ونتكالب عليها، ونتنافس من أجلها، نسهر من أجلها الليل, ونوقظ من أجلها النهار، ويستبيح بعضنا من أجلها المحرم، لا يبالي كيف وقع في يده.

    هذه الدنيا يصفها الله عز وجل بأنها قليل, فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38]، الدنيا كلها قليلة فكم الذي يصل إليك أنت من الدنيا؟ إذا كانت الدنيا التي أصابها من قبلك، وسيصيبها من بعدك، أصابها الأثرياء والأغنياء والملوك والأمراء، الدنيا هذه التي حازها الناس جميعاً، الله يصفها في مقابل خير الآخرة بأنها قليل, فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38]، فكم وصلك أنت من القليل؟ لا شك ولا ريب أنه أقل القليل؛ بل لا شيء يذكر، لا شيء يذكر، هذا هو الخير, ( لقد ملأ هذا يديه خيراً كثيراً ).

    1.   

    وقفه مع كثرة حوادث المرور

    وأختم الخطبة بموضوع مهم عن حوادث المرور، وقد خطبت مراراً حول هذا الموضوع ليقيني بأنها قضية تستحق التكرار، والعجيب أن الإنسان حينما يتفكر في بلدان الخليج ويقارنها بالبلدان الأخرى التي يتزعزع فيها الأمن ويموت الناس بالرصاص، يرى عجباً من أقدار الله, فأقدار الله غلابة:

    من لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد

    الاستعمال السيئ لنعمة السيارة

    نرى في هذه البلدان الآمنة الناس يخترعون بأنفسهم آلات للموت، ويسخرون نعم الله تعالى التي سخرها لهم للانتفاع آلات للدمار, السيارة التي يبذل الموظف فيها جزءاً من راتبه لسنوات، وينعم الله تعالى عليه بهذه النعمة الكبيرة نعمة المركب التي كان الناس يتمنونها، ولا يزال كثير من الناس يتمنونها.

    صحابة رسول الله خير الناس أمضوا سنوات من أعمارهم يمشون في سبيل الله تعالى في صحاري جزيرة العرب في حر الرمل في حرارة الشمس، يمضون أعمارهم وهم يمشون، ولا يجدون ما يلفونه على أرجلهم من الخرق، وتتفطر أقدامهم وتتنقب أقدامهم بسبب المشي على أرجلهم، ويعتبرون في معاركهم من العدة المركوب، فترونهم في الغزوات يعدون كم فرساً يركبونه، وكم بعيراً كان معهم، والباقي يمشون على أرجلهم.

    نعمة المركب هذه النعمة العظيمة التي أصبحت مسخرة مذللة هينة في يد كل واحد منا، كل واحد منا يستطيع أن يصل إلى هذه النعمة في هذه البلدان بيسر وسهولة، ولله وحده الحمد والفضل والمنة، الله وحده يستحق أن يشكر على هذه النعمة فتسخر بما يحبه الله، تسخر بما يرضي الله، لا أن تتخذ وسيلة لمعصية الله، لا أن تتخذ وسيلة للوقوع فيما حرم الله.

    علاقة حقوق الطريق بقوانين المرور

    قوانين المرور من حقوق الطريق، ونحن أهل الإسلام نتدين لله ونتقرب إليه بكل عمل نعمله في الليل والنهار، حركتنا في الطريق عبادة، نتعبد لله في كيفية سيرنا، وقوفنا عند الإشارة عبادة إذا نحن أحسنا النية، وسيرنا في الطريق بمقتضى لوائح النظام عبادة إذا نحن أحسنا النية، طاعة رجل المرور في الشارع عبادة أنت مثاب عليها، هذا كله الرسول صلى الله عليه وسلم يجعله تحت كلمة واحدة وهي حق الطريق.

    في الصحيح وغيره يقول عليه الصلاة والسلام: ( إياكم والجلوس في الطرقات )، يسد الذريعة ويغلق الباب أمام المحرمات أولاً، فيقول: لا تجلسوا في الطريق؛ لأن الجلوس في الطريق متضمن لمحاذير ومعاص كثيرة, ( إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا: يا رسول الله! ما لنا من مجالسنا بد )، هذه مجالس نحتاجها ولا بد، نتحدث فيها، ( فلما رأى حاجتهم إليها قال: فإن أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقه )، للطريق عليك حقوق، والله سائلك عن هذه الحقوق، ومجازيك على أدائك لهذه الحقوق.

    حقوق للطريق كما أن لأبويك حقوقاً، ولأهلك حقوقاً، ولأميرك ورئيسك حقوقاً، ولوظيفتك حقوقاً، للطريق التي تمشي فيها حقوق، هذه الطريق التي سهلت وذللت ورصفت ونظمت بمحض فضل الله تعالى وإنعامه، أنت تمشي في طرق وسيعة سهلة ميسرة، وتتأمل في الشاشات إلى ملايين بل مليارات من البشر لا يتمتعون بما تتمتع به، أد هذا الحق ليكون سبباً لتقييد هذه النعمة، ليكون سبباً لبقاء هذا الفضل.

    قال: ( أعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )، من حقوق الطريق كف الأذى، أن تكف أذاك عن الناس، لا يجوز لك أبداً أن تتسبب في تدمير نفسك أولاً ثم في إيذاء الآخرين.

    وإيذاء الآخرين كما ذكرت غير مرة، لا يشترط أن تؤذيه في جسده، إيذاؤه في مركبته، إيذاء محرم عليك أن تتسبب فيه، ترويعه وتخويفه وهو سائر في الطريق، إيذاء حرام عليك ولا يجوز، ثم لماذا كل هذه العجلة عند كثير من الناس والفارق دقيقة أو دقيقتان أو ثلاث؟

    لو ملأتها بذكر الله وأنت واقف في إحدى الإشارات، لنلت خيراً كثيراً لا يحصيه إلا الله، لو قرأت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثلاث مرات كتبت لك ختمة كاملة من القرآن، لماذا العجلة؟ وأين سنذهب؟ ولماذا عدم المبالاة؟

    مخالفة الشباب لقوانين المرور

    وللأسف فإن شباب البلاد قبل غيرهم ينتهكون حرمات قانون الطريق، وكأن مخالفة قانون المرور رجولة، وكأن مخالفة قوانين السير إثبات ذات وإثبات شخصية؛ لأنهم لم يرتضعوا آداب الطريق في البيت قبل أن يعلمهم المرور، وقبل أن يصدر القانون، ينبغي لمانح هذا الشاب السيارة الأب والأم في البيت، أن يغرس في نفسه أدب الطريق, وأن يعلماه السكينة.

    الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يمشي مع الناس في الحج مفيضاً من عرفة إلى مزدلفة والطريق زحام، فكان يقول للناس: ( السكينة! السكينة )، أفاض وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، وهي بهيمة، لا يجوز أن يفعل بها هذا لغير حاجة، لكن لماذا؟

    قال شراح الحديث: حتى لا تسرع في المشي فتؤذي أحداً من الناس، تؤذي المارة أو تؤذي الراكبين، ( وقد شنق للقصواء الزمام، فإذا وجد فجوة نص )، إذا وجد متسعاً أسرع في السير، ( وإذا جاء حبلاً من الحبال )، يعني: مرتفعاً من الأرض ( أرخى لها قليلاً ليساعدها على الصعود )، هذا وهو يركب دابة، فكيف من يركب سيارة تقتل الروح وتدمر المال وتعيق الحركة؟

    والشباب هم أول وقود هذا التهور، المستشفيات تعج بالمصابين، وهم في ريعان شبابهم، أحدهم فاقد لرجله، والآخر فاقد لظهره، والرابع فاقد لجميع حركته، كل هذا جناية لعدم احترام قوانين السير، ولو احترمناها لكان الأمر على خلاف ذلك. وهذه نعمة واجب علينا أن نشكرها, وأن نعلم أبناءنا شكرها.

    نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه, وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

    يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا أرحم الراحمين! اغفر لنا ذنوبنا كلها دقها وجلها وأولها وآخرها، وسرها وعلانيتها.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين.

    اللهم انصر المستضعفين من المسلمين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، وانصرهم ولا تنصر عليهم، وامكر لهم ولا تمكر عليهم، وكن لهم ولا تكن عليهم يا قوي يا عزيز!

    اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره, واشغله في نفسه، واجعل تدميره في تدبيره يا قوي يا عزيز.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315048

    عدد مرات الحفظ

    723551106