إسلام ويب

شرح زاد المستقنع باب حد الزنا [2]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الزنا من أعظم المحرمات، وقد شرع الله الحد فيه ليزجر العباد عن الوقوع في هذه الفاحشة، ويختلف الحد بحسب اختلاف حال الزاني: فإن كان محصناً فعقوبته الجلد ثم الرجم، وإن كان غير محصن فعقوبته الجلد ثم التغريب عاماً. واللواط من أعظم الفواحش، وقد اختلف العلماء في عقوبة من فعل ذلك.

    1.   

    حد الزاني غير المحصن

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله تعالى:

    [وإذا زنى الحر غير المحصن، جلد مائة جلدة، وغرب عاماً]

    شرع المصنف رحمه الله في بيان عقوبة الزاني غير المحصن، وهو الذي وصف في السنة بالبكر، فبعد أن بيّن أعلى الحدين في الزنا -وهو حد الرجم- شرع في بيان عقوبة الزاني البكر، وهي عقوبتان دل عليهما الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فأما العقوبة الأولى فهي الجلد، وأما العقوبة الثانية فهي التغريب.

    وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن الزاني غير المحصن يجلد مائة جلدة، واختلفوا في تغريبه، وسنبين إن شاء الله تعالى أقوال العلماء وأدلتهم والراجح منها.

    عقوبة الجلد

    أما بالنسبة لعقوبة الجلد فقد نص الله عز وجل عليها في كتابه، ونص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح من سنته، وأجمع عليها العلماء رحمهم الله سلفاً وخلفاً.

    فأما دليل الكتاب: فإن الله عز وجل يقول: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]، وهذه الآية الكريمة -كما يقول علماء الأصول- نص في وجوب الجلد على الزاني، وإذا قيل: إن الآية نص أو الحديث نص؛ فهذا أقوى أنواع الدلالة؛ لأن الدلالة على مراتب أعلاها وأقواها -كما بيّنا غير مرة- هو النص، والنص هو: الذي لا يحتمل معنى غيره، مثل: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ما فيها احتمال، ولا تتردد بين معنيين فأكثر، فالآية المذكورة نص في ثبوت حد الجلد مائة جلدة على من زنى، والقاعدة عند علماء الأصول: أن الحكم إذا جاء مرتباً على وصف مشتق دلّ على أن ما اشتق منه ذلك الاسم أو الوصف هو علة الحكم، فالله عز وجل يقول: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، جاء الحكم في قوله: (فاجلدوا) مرتباً على اسم مشتق وهو اسم الفاعل: (الزانية والزاني) فدل على أن ما اشتق منه ذلك الاسم وهو الزنا علة الحكم، فكأن الله يقول: أمرتكم بجلدهما من أجل الزنا، وعلى هذا فإن الآية الكريمة نص على ثبوت هذا الحد.

    أيضاً الآية نص من وجه آخر وهو: أن الله جعل الحد مائة جلدة، والإجماع على أنه لا يزاد عليها ولا ينقص منها؛ لأن الله يقول: فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2] ، وعند العلماء لفظة (المائة) لا تحتمل معنى آخر، فالحكم نص، والعقوبة التي تضمنها ذلك الحكم نص أيضاً.

    وفي الصحيحين في قصة العسيف -وهو الأجير- الذي زنى بامرأة صاحب الغنم، فلما ترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما- قال صلى الله عليه وسلم: (إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام -الذي هو البكر- ، وعلى امرأة هذا الرجم، واغد -يا أنيس - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها) ، فهذا يدل على أن الجلد من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي حديث عبادة في الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام).

    فثبت نص الكتاب والسنة على عقوبة الجلد، وأجمع العلماء سلفاً وخلفاً على أن الزاني غير المحصن الحر يجلد مائة جلدة، هذه هي العقوبة الأولى.

    عقوبة التغريب

    والعقوبة الثانية في حده: التغريب، والتغريب في لغة العرب: مأخوذ من (غرب الشيء): إذا توارى وغاب عن الأنظار، ولذلك يقولون: غربت الشمس، إذا توارت عن الأنظار، وهذه المادة تطلق على الشيء البعيد، ومنه سمي الغريب غريباً؛ لأنه بعيد عن أهله، وقد غاب عن وطنه وبلده ومسكنه، فالتغريب: عقوبة شرعية تقع في الحدود وفي التعزيرات، فأما في حدود الله عز وجل فيقع في حد الزنا وحد الحرابة، ونص الله عز وجل عليه في حد الحرابة أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33] بلفظ: النفي، والنفي هو: التغريب، ونصت السنة عليه في حد الزنا في قوله عليه الصلاة والسلام: (وتغريب عام) في حديث العسيف، وفي حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم.

    فثبت بهذا أن عقوبة التغريب تقع في الحدود الشرعية، في حد الزنا وفي حد الحرابة، لكنها قد تقع في غير الحدود على سبيل التعزير، كما أثر عن عمر في نفي شارب الخمر، وهذه العقوبة قد يستخدمها الإمام إذا رأى المصلحة في نفي رجل فاسد، وعليه حمل ما رواه البخاري عنه عليه الصلاة والسلام أنه نفى المخنثين، فهذا يدل على مشروعية هذه العقوبة في التعزير للإمام، فإذا رأى المصلحة في إبعاد شخص أو أشخاص عن مكان ما أو موضع ما؛ فإنه لا بأس بذلك ولا حرج، وقد يستخدمه المفتي في فتاويه تنبيهاً على استصلاح الأنفس كما في حديث أبي سعيد رضي الله عنه في قصة الرجل الذي قتل مائة نفس، فاستفتى أعلم أهل زمانه -وهو آخر الرجلين قولاً في المسألة- فدُل على هذا العالم، فقال: إني قتلت مائة نفس، آخرها نفس عابد، فهل لي من توبة؟ قال: وما يمنعك من التوبة؟ ثم قال له: إن قريتك قرية سوء، وقرية بني فلان فيها قوم صالحون، فارتحل إليها، فهذا يستخدمه أهل العلم في الفتوى، ويستخدمه الإمام، ويستخدمه القاضي للمصلحة، وهذا التغريب يسمى (التعزير)، وبابه باب التعزير.

    فالزاني المحصن -رجلاً كان أو امرأة- يغرب سنة كاملة إلى مسافة القصر فأكثر، وما كان دون مسافة القصر -وهو مسافة السفر- فليس بتغريب، وهذا التغريب ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديثين الصحيحين السابقين، وثبت عن أبي بكر وعمر كما في رواية نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما جلدا وغربا، وأثر عن علي رضي الله عنه أنه غرب إلى البصرة، وأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن غرب إلى خيبر، وإلى البصرة، وكل ذلك مسافة قصر فأكثر.

    مسألة: هل يشرع التغريب في عقوبة الزنا؟ وهل هو واجب لازم من تمام العقوبة والحد؟

    قولان للعلماء رحمهم الله:

    القول الأول: وهو قول جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث رحمة الله على الجميع أنه يجب تغريب الزاني الحر غير المحصن سنة كاملة، وهذا من حيث الجملة، وعندهم خلاف في مسألة: هل يشمل التغريب الرجال والنساء؟

    فالجمهور متفقون على أن التغريب عقوبة في الزنا من حيث الجملة، وإذا قلنا: من حيث الجملة فمعنى هذا أن الجمهور عندهم خلاف عند التفصيل، من الذي يغرب؟ ومن الذي لا يغرب؟

    دائماً إذا قلنا: في الجملة؛ فمعناه أن التفصيل فيه خلاف، وقد تكون هناك شروط عند بعضهم، لا يعتبرها آخرون.

    القول الثاني: لا يجب التغريب، وهو إلى الإمام إن رأى المصلحة أن يغرب غرب، لكنه ليس من الحد، وليس بلازم ولا واجب، وهذا مذهب الحنفية.

    أما الذين قالوا بوجوب التغريب في حد الزنا فقد استدلوا بصحيح السنة في حديثي عبادة بن الصامت وأبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عن الجميع، ووجه الدلالة منهما أن في حديث أبي هريرة وزيد بن خالد قال صلى الله عليه وسلم: (وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام)، وفي لفظ: (جلد مائة، ونفي سنة)، وقال في حديث عبادة: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام)، قال الجمهور: نص هذان الحديثان على ثبوت هذه العقوبة، والإلزام بها، فدل هذا على وجوبه، وأنه من تمام الحد، وأن حد الزاني البكر غير المحصن أن يجلد، ويغرب سنة كاملة.

    واستدلوا أيضاً بقضاء الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعلي ، وحكي عن عثمان أيضاً رضي الله عن الجميع، فإنهم غربوا في حد الزنا، قالوا: فهذا كله يدل على أن التغريب سنة كاملة من الحد والعقوبة.

    أصحاب القول الثاني قالوا: لا يجب التغريب، وللإمام التغريب إن رأى المصلحة، لكن من حيث الأصل ليس بواجب، وليس من تمام الحد، واستدلوا بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، قالوا: إن الله عز وجل أمر بجلد الزاني والزانية مائة جلدة ولم يأمر بشيء زائد عن ذلك، وعند الحنفية قاعدة وهي: الزيادة على النص نسخ، فإن قيل لهم: إذا كانت الزيادة على النص نسخ فهذه زيادة ثابتة وصحيحة عن النبي صلى الله وعليه وسلم، قالوا: هي جاءت في خبر الآحاد، والقرآن قطعي، ولا يجوز نسخ القطعي بالظني، فعندهم أصلان:

    الأول: أن الزيادة على النص نسخ، والثاني: أنه لا يجوز نسخ القطعي بالظني، قالوا: إن الظني -وهو خبر الآحاد- يمكن أن يخطئ فيه الراوي، وتدخل عليه الاحتمالات، والخبر القطعي لا مجال فيه لذلك، فلا يمكننا أن نترك اليقين بالشك، هذا وجه قولهم من ناحية نظرية، والمسألة مبسوطة في الأصول.

    وقالوا أيضاً: التغريب فيه عقوبة من لم يذنب.

    واستدلوا أيضاً بأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه نفى شارب الخمر إلى خيبر، فلحق بـهرقل فتنصر، فقال عمر : لا أغرب أحداً بعد اليوم، هذا حاصل ما استدلوا به.

    والذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- هو القول بوجوب التغريب في الحد؛ لما يلي:

    أولاً: لثبوت السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به، وبهذا قال الجمهور، وهو مذهب صحيح وثابت، ولا إشكال فيه من حيث الدليل.

    ثانياً: استدلالهم بالآية الكريمة لا يصح، ونقول: إن الزيادة على النص ليست بنسخ، ولا نسلم لهم أنها نسخ؛ لأن النسخ فيه رفع، والزيادة على النسخ ليس فيها رفع، بل فيها إثبات، وقد تكلم الجمهور على هذه المسألة، وبينوا أن الزيادة على النص ليست نسخاً.

    ولو سلمنا جدلاً أنها نسخ، فما المانع أن تنسخ السنة القرآن إذا ثبتت بنص صحيح، ولقد صلى الصحابة رضوان الله عليهم بقباء، فأتاهم رجل فقال: أشهد أني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر وقد وجه إلى الكعبة، فتحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، وكان عندهم نص قطعي أن يستقبلوا بيت المقدس، وقد رءوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس عندهم فيه شك، ثم جاءهم النسخ بخبر الآحاد، وخرجوا عن قطعي ما شاهدوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو أبلغ من الدلالات المحتملة- ورجعوا إلى خبر الآحاد، والقول بأنه لا ينسخ خبر الآحاد النصوص القطعية قول مردود، فالصحابة ما قالوا: كيف نترك اليقين بهذا الخبر؟

    هناك يقين، وهناك شك، وهناك درجة بين اليقين والشك ملحقة باليقين، وهي غالب الظن، فإذا جاءنا الخبر من رجل معروف بالصدق ثقة عدل؛ فإنه يغلب على ظننا أنه صادق، ولذلك أباحت الشريعة دماء الناس وأعراضهم، وأوجبت الحدود بشهادة العدلين، فالقصاص يثبت بغلبة الظن بشهادة العدلين، فالشريعة نزلت الظن الغالب منزلة اليقين، وبهذا يبطل ما استدل به الأحناف.

    حكم تغريب المرأة الزانية

    إذا ثبت أن التغريب عقوبة شرعية فالسؤال: هل تغرب المرأة مع الرجل أم أن التغريب يختص بالزاني دون الزانية؟

    وجهان عند الجمهور الذين قالوا بثبوت التغريب: فجمهور الجمهور -وهم: الشافعية والحنابلة والظاهرية- يرون أن التغريب يشمل الرجال والنساء، وخالف المالكية رحمهم الله فقالوا: يغرب الرجل، ولا تغرب المرأة.

    استدل الجمهور بعموم قوله عليه الصلاة والسلام (البكر بالبكر: جلد مائة، وتغريب عام)، وهذا شامل للذكر والأنثى. واستدل المالكية بقوله عليه الصلاة والسلام -كما في حديث ابن عمر في الصحيحين-: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم)، قالوا: أنتم تقولون: إن التغريب إلى مسافة القصر، ومعنى ذلك أن المرأة إن غربناها ستسافر بدون محرم، وهذا خلاف النص، وإن غربناها مع المحرم فسنظلم المحرم الذي لا ذنب له، هذا وجه استدلالهم بالحديث.

    والذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- هو القول بثبوت التغريب للرجال والنساء على حد سواء لما يلي:

    أولاً: لصحة دلالة السنة على ذلك حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (البكر بالبكر: جلد مائة، وتغريب عام)، ولم يفرق بين الرجل والمرأة.

    ثانياً: أن ما ذكروه من الاستدلال بقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة)، جوابه من وجهين:

    الوجه الأول: لا نسلم أننا ظلمنا المحرم، وهذا من أقوى الأجوبة، قال بعض العلماء: لأنه لا تزني المرأة إلا بتقصير من أهلها ومحارمها، وإذا علم المحرم أن زناها ووقوعها في الحرام سيجره إلى العقوبة معها، وسيتحمل شيئاً من العقوبة؛ حفظ الناس أعراضهم، فمن هنا نقول: ما ظلمنا المحرم؛ لأنه لا يقع زنا المرأة إلا بنوع من تفريط أهلها، وهذا أبلغ في تعظيم حدود الله، وزجر الناس عن التساهل فيها، وحينئذ لا يمتنع أن الشريعة تشرك المحرم في عقوبة التغريب.

    الوجه الثاني: نقول: لا مانع أنه يذهب بها، ثم يقفل راجعاً؛ لأن الأصل أن الإمام إذا غرب الزانية أن يضعها في مكان يؤمن فيه الفساد، كما لو سافرت لحاجتها في بلد، فتركها المحرم في البلد عند قرابتها أو نحوهم ممن يصونها، ففي حال السفر يشترط المحرم، أما إذا بقيت واستقرت في موضعها بدون محرم فرخص فيه غير واحد من العلماء، وبهذا يبطل ما ذكروه، وناظر الإمام الشافعي رحمه الله في هذه المسألة مناظرة طويلة نفيسة، مليئة بالعلم، وقوية في الحجة في كتابه النفيس (الأم)، وبين أن نصوص الشرع على هذا، وأنها دالة على ثبوت التغريب واعتباره.

    إذا ثبت هذا، فيغرب سنة كاملة، وهذا -كما ذكر العلماء- فيه حكم عظيمة، قالوا: إن الزاني لا يخلو من حالين:

    الحالة الأولى: أن يكون فاسداً في نفسه. والحالة الثانية: أن يكون الفساد من غيره. فإن كان فساده من نفسه فالمائة جلدة على ظهره أبلغ في زجره ومنعه من الزنا مرة أخرى، وإن كان زناه بسبب قرناء سوء أو نحو ذلك، قطع عنهم سنة كاملة، ويهيئ له ما يعينه على الصلاح بعد العقوبة، فتغريبه عن موضعه الذي هو فيه أبلغ في حصول التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

    حكم حبس الزاني عند تغريبه

    مسأله: إذا غرب سنة كاملة، ينقل من بلد إلى بلد، ومن مدينة إلى أخرى، ولا يبقى في المدينة التي فعل فيها الزنا، وإذا كانت المدينة التي فعل فيها الزنا هي مدينته التي هو فيها، فلا إشكال أنه يغرب عنها إلى أي موضع على مسافة القصر، وإذا غرب هل يحبس أو يترك؟

    وجهان للعلماء: جمهور العلماء رحمهم الله أنه يغرب إلى غير مدينته ولا يحبس، بل يترك يقضي مصالحه، ويفعل مصالحه، ويراقب فلا يرجع إلى بلده التي غرب منها، وهذا مذهب الجمهور الذين قالوا بالتغريب. ومن أهل العلم من قال: إذا غرب فإنه يسجن في مكان تغريبه سنة فيمنع من الناس، خشية أن يفر أو يرجع إلى البلد الذي زنى فيه، والأول أقوى وأظهر.

    وقول المصنف رحمه الله: (الحر) أخرج العبد والرقيق، والجمهور على أن الرقيق لا يغرب، وبعض العلماء يقول بالتشطير في الجلد وفي التغريب لقوله تعالى: فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25]، وستأتي هذه المسألة.

    قال المصنف رحمه الله:

    [ولو امرأة].

    سبق أن قلنا: إن المصنف إذا جاء بلفظ (لو) فإنه يشير إلى خلاف مذهبي، وذكرنا أن من العلماء من يقول: إن المرأة لا تغرب، وعلى هذا فإن قوله: ولو، يشير به إلى أن في المسألة خلاف، والذي اختاره جماعة الأصحاب عن الإمام أحمد رحمه الله أن التغريب يشمل الرجال والنساء على حد سواء، لثبوت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.

    1.   

    حكم الرقيق الزاني

    قال المصنف رحمه الله: [ والرقيق خمسين جلدة ولا يغرب]

    هذا القول الذي أشرنا إليه؛ لأن الرقيق مرتبط بخدمة سيده، فالقول بأنه لا يغرب هو الأقوى، وقال بعضهم: بالتغريب، وبعض المتأخرين يقول: بالتشطير، والذي عليه الأكثرون أنه لا يغرب الرقيق سواء كان ذكراً أو أنثى، والدليل على أنه لا يغرب: ما ثبت في الصحيح عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا زنت أمة أحدكم؛ فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت في الثانية؛ فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت الثالثة؛ فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت الرابعة؛ فليجلدها الحد وليبعها ولو بظفير)، ولم يذكر التغريب، وهذا يدل على أن عقوبة التغريب ساقطة، فأصح القولين سقوطه خلافاً لمن قال: إنه يغرب، وأثر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه غرب أمة من إمائه.

    1.   

    حد اللوطي

    قال المصنف رحمه الله: [ وحد لوطي كزانٍ ]

    اللواط من الفواحش العظيمة، وهي من كبائر الذنوب -أعاذنا الله وإياكم منها- وهي: إتيان الرجل الرجل، وقد عاقب الله عز وجل من فعلها -وهم قوم لوط- فرفعهم إلى السماء ثم جعل عالي القرية سافلها، ثم أتبعهم بحجارة من سجيل، وهذا أبلغ ما يكون من العقوبة، وذكر بعض أئمة التفسير أنه رفعت القرية حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونهيق الدواب، وهذا من أبلغ وأشد ما يكون عقوبة نسأل الله السلامة والعافية! ولذلك شنع الله عز وجل هذه الفاحشة، ووصفها بالخبث، ووصفها بالفسق وبالسوء قال: وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ [الأنبياء:74]، فوصفهم بهذه الأوصاف، ووصفهم بالجهل، ووصفهم بالاعتداء بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل:55]، فهذا كله يدل على حرمة هذا الذنب.

    وأجمع العلماء على التحريم، وأنه من كبائر الذنوب، لكن اختلفوا في عقوبة من فعل هذه الجريمة، والذي عليه الحنابلة والشافعية وبعض أصحاب الإمام أبي حنيفة وبعض أصحاب الإمام مالك أن حد اللواط كحد الزنا، سواء بسواء، يجلد ويغرب إن كان غير محصن، ويرجم إن كان محصناً. ومذهب الحنفية أن يحبس حتى يتوب أو يموت. وقال بعضهم: يقتل، وهو اختيار بعض أصحاب الإمام مالك رحمهم الله، واختلفوا في قتله، فقال بعضهم: ينظر إلى أعلى دار فيرمى منها منكساً، كما أثر ذلك عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، واستدلوا بأن الله عز وجل عاقب قوم لوط بهذه العقوبة، ولكن هذا ضعيف، ووجه ضعفه أننا لو قلنا بأنه يرمى من أعلى دار أو يحرق بالنار كما أثر عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم؛ للزم من هذا أن التاجر إذا طفف الكيل أخذ بعقوبة قوم شعيب المذكورة في القرآن، والذي يظهر أن قوم لوط كان عندهم جريمة أشد من اللواط وهي كفرهم بالأنبياء، فكفروا بنبي الله لوط عليه الصلاة والسلام، واجترءوا على حرمته، وعقوبتهم كانت جماعية، وجاءت بسبب ذنوب الجماعة، وليست كعقوبة الفرد، فالاستدلال بمثل هذا يحتاج إلى نظر؛ لأنه لو درج على هذا لانتقضت كثير من الأحكام، وما أثر عن بعض الصحابة فلا يمنع أن يكون ذلك منهم على سبيل التعزير والزجر؛ لأنه إذا وقع الشيء كأول حدث فإن الفاعل قد يعاقب بأشد العقوبة حتى لا يتتابع الناس عليه، فيكون فيه معنى زائد عن الجرائم المعتادة المألوفة.

    والذي يظهر -والله أعلم- أن إلحاق النظير بنظيره أقوى من إلحاقه بعقوبة الله عز وجل لقوم لوط؛ لأن قوم لوط كفروا بنبي الله عز وجل، وكذبوه، وردوا ما جاء به، ولم يقبلوا أمره لهم بالطهارة، ولم يقبلوا أمره لهم بالعفة، فهذا يضعف جعل هذه العقوبة أصلاً، وأما ما ورد في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه أصل، فيلتحق اللوطي بالزاني، ويأخذ حكمه محصناً كان أو غير محصن، هذا هو الأشبه والأقعد والأقرب والأقوى دليلاً إن شاء الله تعالى. وقد بين المصنف رحمه الله تعالى أن حده كالزاني، وقد تقدم حد الزاني سواء كان رجلاً أو امرأة، فإن كان اللوطي محصناً جلد ثم رجم، وإن كان غير محصن فإنه يجلد ويغرب سنة.

    مسألة: السحاق هو: استمتاع المرأة بالمرأة، وهو محرم بإجماع العلماء رحمهم الله، وهل يأخذ حكم الزنا أو لا يأخذه؟

    الصحيح: أنه لا يأخذ حكم الزنا؛ لأنه لم يحصل فيه الإيلاج الذي يترتب عليه الحكم، كما سيأتينا في حد الزنا، ومن هنا تكون عقوبة السحاق قاصرة، والأشبه أنه يرجع فيها إلى نظر الإمام، فيعزر بما يراه زاجراً ومانعاً عن السحاق.

    لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللواط شيء، فيه أحاديث فيها الأمر بالقتل لكن في سندها ضعف، والأشبه ما ذكره أهل العلم.

    وهنا مسألة نحب أن ننبه عليها: المبالغة في فهم بعض النصوص أمر صعب جداً على طالب العلم وعلى من يريد أن يؤصّل تأصيلاً شرعياً صحيحاً، فبعض العلماء يقول: إن من فعل جريمة اللواط لا تقبل له توبة ولا يختم له بخير، ولا يدخل الجنة!! وقد وردت كثير من الأسئلة فيها استشكال هذا، سبحان الله العظيم!! من هذا الذي يستطيع أن يقول: إن اللواط فاق الشرك، وأصبح أعظم من الشرك والكفر بالله عز وجل!! نعم هو جريمة ممقوتة، وملعون من فعلها، لكن لا نقول: إن الله لا يقبل توبته، وإنه لو تاب لا تحسن خاتمته، وإنه لا يمكن أن يدخل الجنة، من هذا الذي يستطيع أن يذكر هذه الأمور ويقطع بها على الله عز وجل، والنصوص جاءت بخلافها!! والله تعالى يقول في محكم كتابه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] ، وقد مر بنا في بعض الأسئلة أن رجلاً وقع في هذا البلاء، فقال: إنه لا يريد أن يسلم، ولا يريد أن يطيع الله عز وجل بعد سماعه هذا الكلام، يأس من رحمة الله عز وجل نهائياً، حتى فُهِّم وبُيّن له بالدليل الشرعي: أن هذه المعصية من تاب منها توبة نصوحاً تاب الله عز وجل عليه، وليس هناك ذنب أعظم من الشرك بالله عز وجل، وقد تاب الله عز وجل على المشرك إذا تاب وصدق في الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

    فننبه على هذا، خاصة وأن بعض الوعّاظ ينقل من بعض هذه الكتب، وهذا الشخص الذي يأس -والعياذ بالله- من رحمة الله، وكاد أن يهلك، قال: سمعت خطيباً قالها في خطبته، وبعضهم يقولها في المحاضرات المسجلة على الأشرطة، وهذا من ضعف الفقه في وعظ الناس، ليس كل وعظ يقال ينقل للناس، بل ينبغي أن يضبط بالضوابط الشرعية.

    وننبه أيضاً على الأصل العام، وهو أن الوعظ فيه دخن، وينبغي الحذر منه، وكتب العلماء التي في الوعظ والرقائق وذكر العبّاد والصالحين وما كانوا عليه من الصلاح؛ قد يدخل فيها أمور تخالف النصوص الواضحة من الكتاب والسنة، والعلماء لم ينبهوا عليها؛ لأن هذه الكتب أصلاً كانت تنسخ باليد، وما كانت تقع إلا في يد عالم، وليس كزماننا الآن الكتاب يقع في يد كل شخص، كان في القديم الكتاب عزيز، ولا تجد منه في العالم كله إلا نسخة أو نسختين، فما كان يقع إلا لعالم يأتي ويقول: أريد هذا الكتاب تنسخه لي، ويجلس الناسخ سنة كاملة أو سنتين وهو ينسخ الكتاب، هذا كله لعزة الكتب، فكانت هذه الكتب لا يقرؤها إلا العلماء، وهم يعرفون غثها من سمينها، وصحيحها من سقيمها، ومن هنا يعرف الجواب على من يستشكل أن هذه الكتب كانت منشورة وتنسب لأهل العلم، فنقول: إنها كانت منشورة بين أهل العلم الذين يعرفون صحيحها من ضعيفها ، وهذا الذي جعل بعض الغيورين ينبهون على بعض ما فيها من الأخطاء، مثل قولهم عن الإمام فلان: كان يصلي ثلاثة آلاف ركعة، وآخر كان يسبح ثلاثين ألف تسبيحة في اليوم، كيف ثلاثين ألف تسبيحة؟!! كيف يكون هذا؟!! في الثانية كم سيسبح؟!! هذا من المبالغات، إلا إذا كان كما يقول بعضهم: من وصل إلى مقام رفيع فإنه إذا جر سبحة فيها ألف حبه تحسب له ألف تسبيحة، سبحان الله!! قول على الله بدون علم، وجرأة، انظروا كيف الشيطان يستزل الإنسان؟ إذا يئس منه بالمعصية جاءه من باب الطاعة، فليحذر من مثل هذه الأمور، والتحذير منها مهم جداً، ومثل ذلك أيضاً ما قيل عن الإمام أبي حنيفة أنه مكث أربعين سنة يصلي الفجر بوضوء العشاء، أستغفر الله! كيف وزوجته عنده؟ لا تستطيع أن تقطع أنه صلى الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، من هذا الذي جلس مع الإمام أبي حنيفة رحمه الله يراقبه أربعين سنة أو عشرين سنة كما يذكر بعضهم؟ هذه أشياء العاقل المنضبط الذي يعرف أصول الشرع لا يمكن أن تنطلي عليه.

    قال بعض العلماء: يعرف ضعف الرواية والخبر بضعف متنها، وهذا من ضعف المتن، فوجود الغرائب في المواعظ، وفي أخبار العلماء أو في الأحكام الشرعية يدل على ضعفها، فينبغي للخطيب وللواعظ وللمحاضر وللمعلم أن يحذر من نقلها، ويحذر منها نصيحة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وغيرة على هذا الدين، وبعداً عن أن يكون الإنسان حاطب ليل، ينقل ما صفا وما كدر، وعلى طلاب العلم واجب كبير في هذا الأمر.

    انظروا كيف الوعظ بمثل هذه الأمور أوصل الشخص إلى درجة اليأس من رحمة الله! حتى كاد -والعياذ بالله- أن يبقى على البعد عن الله عز وجل إلى أن يموت! ما فكر أن يرجع إلى الله لأنه سمع من قال له: إنه لا توبة لك، وإن تبت فإنه لا تحسن خاتمتك، وإذا تبت وندمت لا تدخل الجنة! فهذا من أبلغ ما يكون من القول على الله بدون علم.

    وعلى طالب العلم أن يحذر، وأن ينتبه من مثل هذه الأشياء، وأن يحذر منها، وأن يبقي الأمر على السنن الوارد في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله عليه الصلاة والسلام، ولأمة محمد صلى الله عليه وسلم عامتها وخاصتها.

    1.   

    الأسئلة

    حكم جمع المرأة والرجل إذا زنيا أثناء الرجم أو الجلد

    السؤال: رجم النبي صلى الله عليه وسلم الرجل والمرأة اليهوديين اللذين زنيا، فهل يفهم منه أنه ينبغي أن يقام الرجم عليهما مجتمعين وكذا الجلد أم لا حرج أن يكونا منفردين؟

    الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فيشرع أن يرجما معاً، ويشرع أن يرجم كلاً على حده، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجم الزاني منفرداً، ورجم الزاني والزانية جميعاً، ولا يجب الجمع بينهما في العقوبة؛ لأنه قد تختلف الجناية منهما كبكر مع ثيب، وثيبة مع بكر، فالجمع بينهما ليس بواجب، وليس بصفة معتبرة في الحد، ويرجع الأمر إلى القاضي، وإلى الوالي، فإذا نظر أن المصلحة أن يفرق بينهما فرق، وإذا رأى أن المصلحة أن يجمع بينهما جمع، لما فيه من زجر للناس، وما يكون أبلغ في تحقيق المقصود الشرعي، والله تعالى أعلم.

    حكم المبعض إذا زنا

    السؤال: إذا زنى المبعض فهل يقام عليه حد الرجم؟

    الجواب: المبعض فيه شبهة، وهي شبهة الرق، ولا يقام عليه حد الرجم سواء كانت الحرية أكثر أو كان الرق أكثر؛ لأنه فيه شبهة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ادرءوا الحدود بالشبهات)، وأما قدر العقوبة فينظر إلى قسط الحرية وقسط الرق، ثم يشطر الحد بحسبهما، والله تعالى أعلم.

    حكم سفر المرأة من غير محرم

    السؤال: إذا كان هناك بعض الأقوال على منع تغريب المرأة واختصاصه بالرجال، فما توجيهكم حفظكم الله لبعض النساء اللاتي يسافرن بالطائرات في الإجازات أو مع السائقين للعمل لمسافات أكثر من مسافة القصر؟

    الجواب: هذه مسألة فيها خلاف بين العلماء رحمهم الله، وإذا كان أحد من أهل العلم أفتى هؤلاء النسوة بأن يسافرن بلا محرم فهو الذي يتحمل مسئوليتهن، وهن إذا كن -فيما بينهن وبين الله عز وجل- يعتقدن علم هذا العالم، وأنه حجة لهن بين يدي الله، وعملن بقوله؛ فلا ينكر عليهن، وهذا قول طائفة من السلف رحمهم الله، إذا كانت الرفقة مأمونة، وفيها حديث عدي بن حاتم المشهور في الصحيح، ولا إنكار في المختلف فيه، هذا إذا كن يتأولن هذا القول، وأما القول الصحيح في هذه المسألة أنه لا يجوز خروج المرأة مسافة القصر بدون محرم، وفي هذا نص واضح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم)، فوجب البقاء على هذا النص، وهذا هو الصحيح من قولي العلماء رحمهم الله، ففي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام (أنه جاءه رجل، وقال: يا رسول الله! إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وإن امرأتي انطلقت حاجة، فقال صلى الله عليه وسلم: انطلق فحج مع امرأتك)، وما قال له: هل الرفقة مأمونة أو غير مأمونة؟ وكانت في رفقة حج، وهم صحابة رضوان الله عنهم وأرضاهم، ومع ذلك يقول: (انطلق فحج مع امرأتك) والقاعدة الأصولية أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.

    قال بعض العلماء: في قوله: اكتتبت، مسألة فقهية؛ لأنه حينما اكتتب في الغزوة، تعين عليه الغزو والجهاد، ومع ذلك أسقط عنه الواجب والفرض؛ لأنه إذا اكتتب الشخص وعينه الإمام، أو جاء متطوعاً وقبله الإمام؛ فقد تعين عليه الخروج، وهذا حدده الإمام، قال: إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (انطلق فحج مع امرأتك) فلا يسقط هذا الواجب إلا بواجب أعظم منه؛ لأنه من باب تقديم الفرض على الفرض، فدل على أن أمره هذا فيه صيانة للعرض، وهو أعظم، وهو نوع جهاد، فإن سفر الرجل مع زوجته ليحافظ عليها، وسفر الأخ مع أخته كذلك؛ نوع جهاد.

    ولكن هنا ننبه على مسألة وهي: أن على كل واحد منا أن يتقي الله في قرابته ونسائه وعرضه، وألا يقصر في مساعدتهن، فإذا احتاجت أن تخرج وقالت له: أريدك أن تكون معي، أن تسافر معي، وبإمكانه ذلك؛ فليحتسب عند الله عز وجل ذلك، وهذا من صلة الرحم، ما دام أنها في غير معصية، وأنها في غير غضب الله عز وجل، وأنها لا تفعل الحرام، تكون خارجة لأمر مباح، أو مصلحة من مصالحها الدنيوية أو الأخروية، المصالح الدنيوية مثل: التجارة والعمل، والمصالح الدينية مثل: الحج والعمرة وبرها بوالديها، مثل أن تسافر بوالديها، فعلى الرجال أن يضحوا، أما أن يقول لها: ما يجوز لك أن تخرجي، ثم هو لا يوصلها، ويجلس المحرم يقول لها: ما يجوز لكي أن تفعلي هذا، ثم لا يفعل شيئاً، ولا يقدم شيئاً، فهذا من الصعوبة بمكان، ولذلك من يريد السنة أن تقبل، والحق أن يقبل، والخير أن ينتشر؛ فليضحِ وليقدم الثمن، ومن أبلغ ما يكون من مرضات الله عز وجل بر الوالدين وصلة الرحم، فهذان الأمران خيرهما عاجل وآجل، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (من أحب منكم أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره -أي: يزاد له في عمره- فليصل رحمه)، وأقرب الناس منك رحماً أختك وأخوك، فالأخت والأخ هم أحق القرابة -بعد الوالدين والولد- بالصلة والبر والإحسان.

    فعلينا أن نتقي الله عز وجل، وأن ننظر للأمر بهذه النظرة، وأن يحرص الإنسان على القيام على عرضه وأهله، بعض الأخيار تحتاج أخته أن تذهب لشراء بعض الأمور التي تحتاجها أو يحتاجها أولادها، فتقول له: أريدك أن تذهب معي إلى السوق، فيقول: لا، ما تذهبي إلى السوق، وما تذهبي إلى السوق إلا مرة واحدة، جزاك الله خيراً على الغيرة، ولكن حينما تكون حكيماً لبيباً محافظاً على حدود الله محسناً إلى خلق الله؛ فهذا أكمل وأفضل، قل لها: اختاري وقتاً مناسباً أبعد عن الفتنة، فيذهب بها مثلاً في الصباح الباكر، ويقضي لها حوائجها، وينتظرها حتى تشتري ما تريد، فيكون أمر ونهي؛ وهي تحس أنه يريد الخير لها، لكن يأتي ويقفل أمامها الباب، لا تخرج ولا تدخل، ولا يقضي لها حوائجها، وإن قضى لها حوائجها جاءها بكل هم وغم، وتكلم عليها، وأساء إليها، ويحاسبها، وهذا أمر ينبغي لكل إنسان منصف أن ينظر إليه في نفسه.

    والله! إننا لنعيب من غيرنا ما لو عبناه على أنفسنا لأهلكنا أنفسنا بأنفسنا، يشهد الإنسان على نفسه من حيث لا يشعر، فالواحد منا إذا قال له أخوه: أريد أن أذهب إلى السوق، يقول له: ماذا تفعل؟ وماذا تشتري؟ وكم تشتري؟ ما هذا التدقيق الذي يدققه مع أخيه؟ ولو نظر إلى نفسه لوجد أنه يذهب إلى السوق عشرات المرات، وأن الذي اشتراه أخوه مرة؛ يشتريه هو مئات المرات، هناك أمور ندقق فيها، وكأن الشيطان يتسلط علينا، ولذلك من سنن الله عز وجل أنه يجازي المخلوق بما يعامل إخوانه، ومن شدد على الناس؛ شدد الله عليه، ومن يسر على الناس؛ يسر الله عليه، وأولى الناس بتيسيرك أقرب الناس منك، جرب وانظر، فما من زوج ولا أخ يحسن إلى أهله وولده ورحمه وقرابته، ويلاطفهم، ويدخل السرور عليهم؛ إلا كانوا أسمع ما يكون له إذا أمر أو نهى، وهذا هو الذي تؤخذ به الحجز عن النار، فلا بد للإنسان أن ينظر للأمر نظرة عامة كاملة شاملة، وألا يحرجهم لهذا الأمر، وإذا جاء في مسألة فيها شبهة، سأل بالأفضل والأكمل، وجاء به على أحسن الأوجه وأتمها.

    كان بعض العلماء والفضلاء إذا احتاج أهله إلى لباس، نظر إلى أهله قبل أن يسألوه، وجاءهم بما يحتاجون إليه، ما يأتيهم بالشيء الواحد، يأتي بأربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة أصناف، من أجود وأحسن ما يكون، ويضعها بين يدي زوجته، ويقول: اختاري ما شئت، فإذا بها تحار! لو نزلت هي إلى السوق لا تجد مثل هذا، فمن يريد أن يحفظ أهله؛ فليضح.

    عليك أن تنظر إلى حاله عليه الصلاة والسلام مع أمهات المؤمنين ومع ولده، وإذا أردت أن تكون مثل ما كان عليه، وتأمرهم، وتنهاهم، وتلزمهم بالسنة؛ فانظر إلى حاله عليه الصلاة والسلام في إحسانه وبره لهم، تنظر إليه زوجاً يقف لزوجته من أجل أن تنظر، وتنفس عن نفسها، وتنظر إليه عليه الصلاة والسلام أباً يدخل السرور على بنته زينب رضوان الله عنها بحمل ابنتها أمامة في الصلاة التي جعلت قرة عينه، المسألة كلها مشاعر، فقد ملك عليه الصلاة والسلام القلوب ببره وإحسانه، وكان عليه الصلاة والسلام يفتح القلوب قبل أن يفتح الأسماع، فمن ينظر إلى سيرته وهديه عليه الصلاة والسلام عندما يريد أن يقيم بيتاً قائماً على السنة فينبغي أن يتفقد مداخل الشيطان على أهله وولده.

    بعضهم إذا أرادت زوجته أن تذهب أو تسافر يقفل أمامها الباب: لا تذهبي، ولماذا تذهبين؟ وكم تذهبين؟! جزاك الله خيراً على الغيرة، ولكن عليك أن تفكر في الأصلح والأكمل، حتى لا تجعل للشيطان عليها سبيلاً، إذا فعلت ذلك؛ اتقيت الله، وكنت أحسن ما يكون حالاً، وأمنت من الفتنة، فقل أن يجد الشيطان سبيلاً على أمثال هذه النفوس الكريمة الأبية السوية الرضية الهنية التي تبحث عن سعادة أهلها وأولادها. والعكس بالعكس، فإذا شدد الإنسان شدد الله عليه، وهكذا تجد من يكون عنيفاً في أسلوبه، ونعرف هذا من خلال فتاوى الناس وأسئلتهم، فبعضهم يأتي بمسائل معقدة تماماً حتى تتعارض عنده نصوص الشرع؛ لأنه أوصل نفسه إلى حرج وضيق بطريقته التي يسير عليها، فلما تسأل عن أمور ترتبت عليها هذه المسائل؛ تجد أنه لا يتتبع السنة، ولا يترسم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مراعاة الأكمل والأفضل.

    فهذه وصية عامة: أن يحرص الإنسان كل الحرص على أن يحفظ عرضه، ولكن يقفل الوسائل أو الطرق التي تفضي إلى وقوعهن في الفتنة، وعماد الخير في تقوى الله عز وجل، ومن اتقى الله جعل له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل عسر يسراً، فنسأل الله بعزته وجلاله أن يجعلنا من المتقين، وأن يحفظ أعراضنا وأعراض المؤمنين، إنه ولي ذلك، وهو أرحم الراحمين.

    أفضلية الستر والتوبة على الاعتراف بالذنب

    السؤال: عدة أسئلة فيها: رجل فعل فعلاً يوجب الحد وقد تاب، ولا زالت نفسه تؤنبه، فهل له أن يذهب إلى شخص من أصدقائه ليقيم عليه الحد وترتاح نفسه؟

    ويقول سائل آخر: كلما قرأت قصة ماعز رضي الله عنه أصبح عندي شعور أنه لا يطهرني إلا الحد، ويقول آخر: إن كان الزاني يستغفر ويتوب فعلى من يطبق حد الزنا؟ نرجو من فضيلتكم التوجيه.

    الجواب: هذه الأسئلة فيها جانبان:

    الجانب الأول: جانب الاعتراف بالذنب، والإجماع منعقد على أن الأفضل والأكمل أن يستر نفسه، ويحسن الظن بربه عز وجل (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني؛ لغفرتها لك ولا أبالي) يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء -يعني: ما من ذنب إلا وفعله- ثم استغفرتني لغفرتها لك ولا أبالي، (يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)، من عظم ذنبه وعظم رجاؤه في الله؛ كان أكمل توحيداً لله عز وجل؛ لأن الذي يتوب مع عظم الذنب ما يتوب إلا عن عقيدة، فهو يعلم أن الله غفور رحيم، ولا يتوب إلا عن إيمان بأن الله لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني).

    الله سبحانه وتعالى فتح أبواب التوبة والإنابة إليه سبحانه وتعالى، فمن هذا الذي يقفل رحمة الله عز وجل عليه؟! الإجماع منعقد أنه يستتر، قال صلى الله عليه وسلم: (من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله)، وهذا أمر من رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، فالشيطان يأتي إلى أمثال هؤلاء ويقول لهم: إن الله لا يقبل منكم التوبة، وييأسه من رحمة الله، ويشككه في توبته إلى الله، والله عز وجل قال قولاً -وهو أصدق القائلين، ووعد وعداً ولن يخلف وعده، وهو رب العالمين- فقال سبحانه وتعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً أذنب بذنب فقال: رب اغفرلي، فقال الله: علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويعفو عن الذنب، قد غفرت لعبدي)، فالشاهد من هذا كله؛ أن الأصل يقتضي أن على الإنسان أن يستر نفسه، وأما اعترافه عند القاضي فهذا خلاف الأولى، وخلاف الأفضل والأكمل، وبقاؤه في الدنيا مطيعاً لله؛ أعظم لأجره، وأثقل في ميزانه، وأرضى لربه، وفي الحديث أن رجلاً توفي بعد أخيه بأربعين يوماً، وكانا صحابيين، فتوفي أحدهما، وبقي الآخر بعده أربعين يوماً، وهو أقل منه صلاحاً وإحساناً، فلما توفي الثاني اختصم الصحابة: أيهما أفضل؟ فخرج صلى الله عليه وسلم فقال لهم: (وما يدريكم ما الذي تبلغه صلاة أربعين يوماً)، فطول العمر في طاعة الله عز وجل غنيمة للعبد، وكم من ذنب أصلح الله به حال العبد! كم من أناس لم يتلبسوا بالذنوب فاغتروا بصلاحهم فزلت أقدامهم! وكم من أناس عرفوا السيئات فهجروها! فكلما جاءتهم لذة السيئات؛ كرهوها ومقتوها، فرفع الله درجاتهم بهذا البلاء إلى ما لم يخطر لهم على بال! حتى أن بعض العلماء يقول: من ابتلي بالذنب فتاب؛ أعظم مقاماً من الذي لم يبتلَ به؛ لأن الذي ابتلي بالمعصية وذاق لذة الشهوة وحلاوتها ثم أعرض عنها فهذا لا يكون إلا بقوة إيمان، وقوة وازع من الله عز وجل، ومع هذا كله فإن الأصول كلها دالة على هذا الأصل ولزومه.

    الجانب الثاني: مسألة من يقول: أذهب إلى زميلي ليقيم علي الحد، هذا لا يغنيه شيئاً؛ لأن الحدود لا تقام إلا بوالي، ويقيمها السلطان على الوجه المعتبر بعد ثبوتها شرعاً، حتى لو أقر في غير مجلس القضاء لم يؤاخذ بإقراره؛ لأن الحد لا يثبت حتى يقر به في مجلس القضاء، وهذا له أصول شرعية، فلو ذهب إلى شخص وقال له: اجلدني مائة جلدة، ما ينفعه ذلك، ولو أحضر جميع الناس لينظروا إليه، إذا لم يكن على وجهه الشرعي بقضاء شرعي، فلابد أن يكون هناك قاضٍ يستمد قضاءه من ولاية شرعية، فإذا فعل الحد غير القاضي؛ فإن هذا لا يسقط الحد، ولو قال له: ارجمني، فرجمه، فإنه لا يعتبر حداً شرعياً من حيث الأصل.

    القضية الأخيرة: وهي قول البعض: إذا كان من يتوب يستتر فمن الذي يقام عليه الحد؟

    نقول: من الذي قال لك: لا بد أن تقام الحدود؟ ومن قال: إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا يقام فيها حد إلا إذا تابوا وأنابوا إلى ربهم؟

    يقام الحد إذا ثبت، لكن لا نقول للناس: لا بد كل شهر يطلع لنا واحد يعترف بذنب من أجل أن نقيم عليه الحد!

    رحمة الله واسعة فلا نضيقها، لو أن الأمة عاشت الدهر كله والقرون كلها وما ثبت فيها حد زنا واحد؛ فالحمد لله، ستر من الله ستر به عباده، هل تريد أن تهتك ستر الله على عباده؟ ما تستطيع؛ لأن هذه رحمة من الله عز وجل، ولا عجب أن تكون هذه الرحمة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    كم من أناس زنوا ثم صلحت أمورهم واستقاموا إلى ربهم! ومنهم عباد صالحون من أئمة السلف، لهم قدم راسخة في العلم والعمل والصلاح وهداية الناس، تابوا وتاب الله عليهم، وهل هناك ذنب أعظم من الشرك بالله عز وجل؟ وهل رأيت مثل عمر يحمل السيف يريد أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يجعله الله إماماً من أئمة المسلمين؟ من أنت حتى تدخل بين العبد وربه؟ لا يستطيع أحد أن يدخل بين الله وبين عباده، هو ربهم، وهذا حكمه، وهذا شرعه، قال لنا: نستتر، فنستتر، لو قال لنا: نكشف أنفسنا، كشفنا أنفسنا، ونعمت أعيننا بحكم ربنا، والله! لا نقدم ولا نؤخر، رضيت أنفسنا بذلك، فهذا حكم الله، وهو يحكم ولا معقب لحكمه، ولذلك قال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، ويقول عليه الصلاة والسلام: (أنا رحمة مهداة)، فهذه من سمات الرحمة في الشريعة.

    الشريعة وضعت الحد لمن فعل الجريمة أمام الناس، وشهد عليه الشهود، وهتك ستر نفسه، وفعل الزنا أمام أربعة شهود وشهدوا عليه؛ فهذا يقام عليه الحد حتى ولو قال: تبت، حتى ولو كان من أصلح الصالحين، وبهذا أقفلت الشريعة على الناس أبواب الفساد، لكن من وقع في الفاحشة في ستر، أو شرب الخمر في ستر، فالأفضل أن تستره.

    أذكر بعض الأخيار أنه جلس معنا مجلساً ذات يوم فذكرنا مسألة الستر، فقال: أعرف رجلاً كان مسرفاً في الخمر، وكان شريراً كثير الفساد، فشاء الله أن أراه يوماً سكران، قال: وبإمكاني أن أفضحه، فأخذته إلى بيتي حتى أفاق ثم كشفت له الأمر، وقلت له: والله! إني كنت قادراً على أن أوصلك للقضاء، ولكن صن نفسك، واتق الله في نفسك، وذكره بالله عز وجل، فانصرف ثم رجع له بعد نصف شهر وقد تغير حاله، وتلألأ وجهه، وقد كان من أشر عباد الله وأفسقهم فقال له: سترتني، أسأل الله أن يسترك في الدنيا والآخرة، واعلم أنني في تلك الساعة -التي كلمتني فيها بأنك كنت قادراً على فضيحتي ولم تفضحني- تفطر قلبي وتألم، حتى كرهت هذه المعصية تماماً، وتاب وصلح حاله، ثم حفظ القرآن وأصبح من خيار الدعاة إلى الخير.

    فنسأل الله بعزته وجلاله أن يتولانا برحمته، وأن يعفو عنا وعن المسلمين، إنه ولي ذلك، وهو أرحم الراحمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3038269177

    عدد مرات الحفظ

    728599770