إسلام ويب

شرح زاد المستقنع باب استيفاء القصاصللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا تحققت الشروط المطلوبة لتنفيذ القصاص فإن من حق أولياء المقتول أن يستوفوا حقهم بطلب القصاص وتنفيذه، فإذا أرادوا استيفاء القصاص فلابد من شروط لذلك، وهي: أن يكون ولي المقتول مكلفاً، وأن يتفق أولياء المقتول على طلب القصاص، وأن يؤمن التعدي في القصاص على الجاني، فإذا تحققت هذه الشروط فإنه يحكم بالقصاص، وإذا تخلف منها شرط لم يحكم به. ولابد من حضور السلطان أو القاضي أو نائبه عند تنفيذ الحكم واستيفاء القصاص، ويجوز أن يكون القصاص بالمماثلة أو بالسيف على خلاف في ذلك.

    1.   

    المراد باستيفاء القصاص

    بسم الله الرحم الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [باب استيفاء القصاص].

    الاستيفاء: استفعال من (وفى الشيء)، والمراد به: حصول الإنسان على حقه كاملاً، يقال: استوفى حقه، إذا أخذه كاملاً ولم يترك منه شيئاً، ولما كان أولياء المقتول لهم حق عند القاتل، والله سبحانه وتعالى مكنهم من هذا الحق، وجعل لهم سلطاناً أن يطلبوه؛ وصف العلماء رحمهم الله تعالى أخذهم لهذا الحق بالاستيفاء، ومن عادة أهل العلم رحمهم الله تعالى أن يذكروا باب الاستيفاء بعد بيان شروط القصاص؛ لأنه لا يُمكَّن أولياء المقتول من قتل القاتل إلا إذا استوفيت الشروط وتمت الشروط المعتبرة شرعاً للقصاص، فإذا ثبت أنه يجب القصاص والقود قلنا لأولياء المقتول: هذا حقكم، فإن شئتم استوفيتموه، وإن شئتم تنازلتم عنه إلى عوض وهو الدية، أو تنازلتم بدون عوض وهو العفو المطلق، فقد خيرهم الله عز وجل بين هذه الثلاثة الأمور: بين أن يأخذوا بالقود والقصاص، وبين أن يأخذوا الدية، فيكون منهم العفو عن القتل ولكن تثبت لهم الدية، وبين أن يعفوا عفواً مطلقاً بدون دية وبدون أخذ شيء.

    وهذا القصاص واستيفاء القصاص هو جوهر القضية ومحور الأمر؛ لأنه عن طريق استيفاء القصاص تسكن النفوس، وتصل الحقوق إلى أهلها، ويشفى الغليل، فإن أولياء المقتول في حنق وغيض بسبب ظلم القاتل وسفكه لدم وليهم.

    وسفك الدماء لا شك أن مرارته مؤلمة في النفوس، حتى إن المرأة قد تذهل عن عقلها، والرجل يذهل عن نفسه حتى يقتص من قاتل أبيه أو قاتل أخيه، وقد كانت العرب في جاهليتها الجهلاء وضلالتها العمياء يشتط الغضب بالواحد منهم فيقتل بالواحد العشرة، ولا تسكن نفسه إلا بقتل العظيم، فإذا قُتل له أخٌ، أو ابنٌ، أو قريب، التمس أعز الناس في عشيرة القاتل فقتله بوليه، ولربما قتل أضعاف العدد، كل ذلك من أجل أن يشفي غليله، حتى قال القائل:

    فساغ لي الشراب وكنت قبـلاً أكاد أغص بالماء الفـرات

    أي: أنه كان إذا شرب الشراب لا يستطيع أن يستطيبه، وهذا جبلة في النفوس، ولذلك حكم الله تعالى بالقصاص من أجل قطع أسباب التشفي وقطع بوادر الشر، والتوسع في إزهاق الأنفس، كما قال تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا [الإسراء:33].

    وهذا الاستيفاء له ضوابط في الشريعة الإسلامية، حيث يمكن أولياء المقتول من قتل القاتل، ولكن لا بد من وجود شروط إذا توفرت حكمنا بأن لهم حق الاستيفاء، وقد تأتي عوارض وموانع تمنع من الاستيفاء مباشرة، وحينئذٍ ينبغي أن ينتظر حتى يُمكن صاحب الحق من حقه كاملاً ويمكن من النظر في أمره على الوجه المعتبر وعلى السنن والرشد.

    فقوله رحمه الله تعالى: (باب استيفاء القصاص) أي: في هذا الموضع سأذكر لك الأمور المعتبرة للحكم باستيفاء أولياء المقتول حقهم من القاتل، وذلك بالقصاص والقود.

    1.   

    شروط استيفاء القصاص

    قال رحمه الله تعالى: [ يشترط له ثلاثة شروط ].

    أي: يشترط لاستيفاء القصاص ثلاثة شروط لابد من توفرها حتى يحكم بالقصاص:

    الشرط الأول: أن يكون طالب القصاص مكلفاً، فلا يُستوفى القصاص إذا طلبه مجنون أو صبي، أو نحوهم ممن ليس بأهل.

    الشرط الثاني: أن يتفق أولياء المقتول على القتل، فإذا كان للمقتول وليان فعفا أحدهما والآخر طلب القصاص، فلا قصاص، إذ لا بد أن يتفق الاثنان على القصاص، ولو كانوا عشرة فلا بد من اتفاق العشرة، فلو تنازل أحدهم عن القصاص، وقال: أريد الدية، فحينئذٍ لا قصاص؛ لأننا لو حكمنا بالقصاص لأسقطنا حقه في الدية، وهو يريد حق الدية ولا يريد حق القصاص.

    الشرط الثالث: أن يؤمن الحيف، ومحل ذلك في المرأة الحامل، فلا يقتص من امرأة حامل، فلو قتلت امرأةٌ امرأةً ثم حملت القاتلة أو كان بها حمل، لم يقتص منها حتى تضع ما في بطنها، ثم ينظر هل تُنتظر إلى أن تتم الرضاعة أو لا؟

    فهذه ثلاثة شروط، قُصِد منها تحقيق العدل، وتمكين صاحب الحق من حقه على الوجه المعتبر.

    فالشرط الأول: التكليف، والشرط الثاني: اتفاق أولياء المقتول على طلب القصاص والقود، والشرط الثالث: الأمن من الحيف، وهذه أصول في الاستيفاء سواءٌ في القصاص في الأنفس أم في الأطراف.

    الشرط الأول: أن يكون ولي المقتول مكلفاً

    قال رحمه الله تعالى: [أحدها: كون مستحقه مكلفاً].

    قوله: (كون مستحقه)، الضمير عائد إلى القصاص، (مكلفاً) أي: بالغاً عاقلاً، فالمستحق للقصاص هو ولي المقتول الذي له حق طلب القصاص، وله حق العفو عن القصاص، كأبيه وابنه وأخيه من عصبته، وهل يدخل في هذا النساء؟ فيه قولان لأهل العلم: فمنهم من قال: حق القصاص للقرابة الوارثين سواءٌ أكانوا من جهة النسب أم من جهة السبب، فتدخل الزوجة، وهو الذي عليه الأصحاب في المذهب، وهناك رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهي مذهب المالكية، واختارها الإمام العلامة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى إمام العلماء، أنها للعصبة، والذين قالوا: إنها لأهل الميراث ذكوراً وإناثاً، فعلى قولهم يكون للزوج الحق، وأما على القول الثاني فليس للأخت ولا للبنت ولا للزوجة حق، وإنما هو حق للرجال العصبة، وهذا هو الصحيح الذي تميل إليه النفس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (أما أنتم يا خزاعة فقد قتلتم القتيل وأنا عاقله)، ومن جهة قال: (من قتل له قتيل فأهله بخير النظرين).

    فقوله عليه الصلاة والسلام في هذه القضية: (من قتل له قتيلٌ فأهله)، و(أهل): أصلها في لغة العرب آل؛ ولذلك فإن المراد بهم آل الرجل، وهم عصبته المتعصبون حوله، وهذا يشمل الرجال دون النساء، يقال: آل الرجل في العصبة، وقال الناظم:

    قال الإمام سيبويه العدل أصل آل لديهم أهل

    فالأهل في قوله: (فأهله بخير النظرين) أي: قرابته وعصبته.

    والذين قالوا: إن النساء يدخلن، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فأهله)، والأهل يشمل الزوجة، وهذا ضعيف؛ لأن إطلاق الأهل إذا جاء في جانب العصبة والقتل فالأشبه به الآل والقرابة، تقول: آل فلان، بمعنى قرابته من جهة الرجال لا من جهة النساء.

    وإما إطلاق الأهل على الزوجة فهذا معروف في لسان العرب، كما قال تعالى: فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا [طه:10]، أي: لزوجته، لكن هنا الأهل بمعنى: الآل، وليس الأهل بمعنى الزوجة والقرابة، وإلا لضاق معنى الحديث: (فأهله بخير النظرين)، والأشبه في هذا أن يليه الرجال، وهذا صحيح؛ لأن النساء الغالب فيهن الشفقة وفيهن الضعف، وهذا لا تسكن به تارة النفوس، ولا تستقر به الأحوال غالباً، ولذلك فولاية الرجال فيه أحظ وأقوى، وهو الأشبه إن شاء الله تعالى.

    إذاً: يشترط في الولي أن يكون مكلفاً، والتكليف فيه جانبان لا بد من توفرهما في الإنسان ليحكم بكونه مكلفاً: أولهما: البلوغ، والثاني: العقل. قال الناظم:

    وكل تكليف بشرط العقل مع البلوغ بدم أو حمل

    أو بمني أو بإنبات الشعر أو بثمانية عشر حولاً ظهر

    وإن كان الصحيح في البلوغ في السن أنها خمسة عشر حولاً، لكن المراد أن التكليف له شرطان: أحدهما: البلوغ، والثاني: العقل، فإذا كان ولي المقتول مجنوناً فلا يستوفي القصاص حتى يفيق من جنونه، وإن كان صغيراً دون البلوغ فإنه ينتظر إلى بلوغه.

    فرع: إذا كان الولي صبياً أو مجنوناً

    قال رحمه الله تعالى: [فإن كان صبياً أو مجنوناً لم يستوف].

    أي: لم يستوف القصاص، فلو أن هذا الصبي قال: اقتلوا قاتل أبي، فنقول: لا يقتص، ولا يستوفى القصاص حتى يبلغ؛ لأنه وهو صغير ضعيف ربما خوّف وهُدد، وربما عطف على القاتل لضعفه وصغره؛ لأن الله تعالى وصف الذرية من الصغار بأنها ذرية ضعيفة، فلذلك ينظر في أمره تمام النظر، إلا إذا كان بالغاً عنده حلم وعقل يميز فيه بين محاسن الأمور وضدها.

    فلو قال: اقتلوه، وهو صغير، فإنه لا يقتل حتى يبلغ، ولو طلب فإنه لا يقتل، ولو قال: لقد عفوت، فلا يقبل عفوه حتى يبلغ.

    ولو كان وليه مجنوناً، فقال: قد عفوت عنه، لم يقبل عفوه، ولو قال: اقتلوه، لم يقبل طلبه، ولم يستوف القصاص، والسبب في هذا أننا لا نثق بعقله، ومن هنا لا يقتص لصبي ولا لمجنون، فينتظر بلوغ الصبي وإفاقة المجنون.

    ولكن اختلف في الوالد: فلو أن هذا الصبي قُتلت أمه وكانت غير زوجة الوالد؛ إذ لو كانت زوجة الوالد لحمله الحنق والغيظ على أن يطلب القصاص، فالوالد هو وليه، فهل يلي الوالد لابنه القاصر؟ هناك رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أنه يلي، وقال بها بعض أهل العلم، والصحيح المشهور عند أهل العلم: أنه لا يلي، إنما يلي مصلحة الصبي في تدبير أموره، وأما هذا الأمر فإنه متعلق بالصبي بعينه حتى يبلغ وينظر الأحض، هل يطالب بالقصاص أو يعفو؟

    وهناك مسألة ثانية: إذا كان الصبي والمجنون فقيرين محتاجين إلى المال حاجةً ماسة، وفي عفو أبِ الأب عن القصاص مصلحة من حيث وجود الدية، وهذا أرفق بالصبي والمجنون، فهل يعفو ويقبل عفوه؟ من أهل العلم من قبل عفوه في المجنون ولم يقبل في الصبي، والسبب في هذا: أن المجنون يطول انتظاره، ويتضرر بهذا الانتظار، هذا قول.

    القول الثاني: أن الحكم كما تقدم، وهذا القول أشبه بالأصل وأقوى، فينتظر إلى إفاقة المجنون وبلوغ الصبي، ولو طال انتظار إفاقة المجنون زمناً.

    قال رحمه الله تعالى: [وحبس الجاني إلى البلوغ والإفاقة].

    حَبْس الجاني: أن يمنع من الخروج، أو يوضع في موضع لا يمكنه الفرار؛ لأننا لا نأمن من فراره وهربه، حتى ولو جاء بوكيل وكفيل فلا يقبل؛ لأنه لو فر فلا نستطيع أن نقتص من الكفيل، بخلاف الأموال، فيمكننا أن نأخذ من مال الكفيل ونستوفي الحق، فإذا قُبِل الوكيل والكفيل في هذا غُرر بحق أولياء المقتول، ومن هنا لا يقبل كفيل، ولو قال: سيرجع ويأتي عند بلوغه، وهذا كفيل يتكفل بحضوري بعد ثلاث سنوات، أو بعد أربع سنوات، لم يطلق ويبقى في السجن، وأما المعسر في المال فإنه يطلق، والسبب في هذا واضح: وهو أن استحقاق الحق بالقتل ليس كاستحقاقه في المال، والكفيل في المال ليس كالكفيل في النفس، فإنه لو فر القاتل وكان قد وضع كفيلاً فبالإجماع لا يقتص من الكفيل؛ لأن الكفيل لم يقْتُل، ومن هنا لا يقبل قوله: خذوا مني كفيلاً، بل يحبس حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون، ولو طال الانتظار إلى عشرات السنين فيبقى في سجنه، فهذه جريمته والحق لصاحبه، إلا إذا عفا من يشارك الصبي والمجنون، فإذا كان مع الصبي والمجنون ورثة وطال الانتظار، فقالوا: ما دام الأمر فيه انتظار فنحن قد عفونا؛ سقط القصاص، ففي أحكام الشريعة إن وجدت فيها تشدداً وجدت فيها رحمةً من وجهٍ آخر.

    فقد ينتظر إلى إفاقة المجنون فتلين قلوب أولياء القتيل، وقد لا تلين والله تعالى أعلم بخلقه، وأحكم في تدبيره، فإن طال الأمر إلى إفاقته عذّب بجريمته، وإن لم يطل فإنه قد يعفو الأولياء، ويتذمرون من طول الانتظار فيعدلون إلى الدية ويعفون.

    وحينئذٍ لا بد من الانتظار سواءٌ أكان المجنون فقيراً أم كان الصبي فقيراً، ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون، والدليل على حبس القاتل: إجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فإن هدبة بن خشرم وهو الصحابي المعروف الذي أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم المال بالنهد، قَتَل، ورفع الأمر إلى معاوية رضي الله عنهما، وكانت الحادثة في عهد معاوية رضي الله تعالى عنه، وكان ولي المقتول يتيماً، فحبس هدبة إلى بلوغ اليتيم، وشفع الحسن والحسين رضي الله عنهم وغيرهم من الصحابة في أمره فلم يُشَفَّعوا، وقتل بمن قتله، وانتظر إلى البلوغ، ولم ينكر أحد من الصحابة فعل معاوية رضي الله تعالى عن الجميع، ولذلك قالوا: في هذه المسألة إجماع سكوتي، فلم ينكره أحد، وجرى عليه عمل السلف أنه إذا كان ولي المقتول صبياً لم يبلغ ينتظر إلى بلوغه، ويحبس القاتل ضماناً لحق المقتول ووليه.

    الشرط الثاني: اتفاق أولياء المقتول على طلب القصاص

    قال رحمه الله تعالى: [الثاني: اتفاق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه].

    قوله: (اتفاق الأولياء المشتركين فيه) أي: في حق القصاص والقود، (على استيفائه): أي على طلب القتل، فلو أن المقتول له عشرة من الأولياء، وهم قرابته الذين لهم حق القصاص، فسامح واحد منهم، أو عفا واحد منهم، سواءٌ عفا إلى دية أم عفا بدون دية، فإنه يسقط القصاص ويُعدل إلى الدية، فإذا عُدِل إلى الدية وقال: أنا سامحت عن كل شيء، ولا أريد دية ولا أريد شيئاً، فقد سقط عشر الدية، وتبقى التسعة الأعشار للباقين، فإن أرادوا أن يعفوا أيضاً سقطت الدية كلها وسقط القصاص، وإن قالوا: نريد حقنا من الدية، أخذ كل واحد حقه ونصيبه، وعلى كل حال هناك تفصيل في هذه المسألة، لكن الأصل أن عفو بعض الأولياء يسقط القصاص، والسبب في هذا: أن له حقاً، والقصاص لا يتبعض؛ لأن الآخر يريد الدية، فإذا أراد الدية وقُتِل القاتل لم نستطع دفع الدية إليه.

    ومن هنا فلا قصاص مع عفو بعض الأولياء، وليعدل إلى الدية ولا بد بناءً على هذا، وهذا الأمر بإجماع عند العلماء أنه لا بد من اتفاق الأولياء على طلب القصاص، وهو القتل.

    قال رحمه الله تعالى: [وليس لبعضهم أن ينفرد به].

    قوله: (وليس لبعضهم) أي: بعض المستحقين للقصاص إذا طالب بالقتل فليس له ذلك، فلو أنه قتل رجل آخر وكان له ثلاثة أولياء مستحقون للقود والقصاص، فقام أحدهم وقتله قبل أن يحكم بقضيته، وقبل أن يحكم القاضي بالاستيفاء، فإذا قتله فإما أن يقتله قبل عفو الباقين، وإما أن يقتله على اتفاق الباقين على القتل، أو يقتله وقد عفا بعضهم وطالب الآخرون، فهذه ثلاث حالات:

    أما الحالة الأولى: فإذا قتله وقد اتفق الجميع على قتله فلا إشكال أنه لا قصاص؛ لأنه سيقتل أصلاً، لكن يؤدب ويعزر؛ لأنه كان ينبغي أن يناط الأمر بولي الأمر حتى يمكنه من حقه، فلما استعجل وقتل كان هذا منه افتياتاً على الحاكم والقاضي كما يسمونه، فحينئذٍ يُعزر بما يناسبه.

    وأما الحالة الثانية والثالثة: فهي أن يعفو الجميع، أو يعفو بعض الأولياء، كاثنين شريكين في القصاص، فقام أحدهما وقال: عفوت، فغضب الآخر وأخذ سلاحه وقتله، فإذا ثبت العفو عند القاضي، فإنه حينئذٍ يقتص من هذا الثاني؛ لأنه إذا ثبت العفو حُقِن دم المقتول الذي هو القاتل في الأصل، فإذا جاءه وقتله فقد قتله بدون وجه حق؛ لأنه ليس له حق في القتل، وحينئذٍ يقتص منه في قول جمهور العلماء رحمهم الله تعالى؛ لأنه في هذه الحالة لا حق له في القصاص؛ لكن إذا لم يعلم بعفوه وجاء وقتله، وهو لا يعلم أن شريكه قد عفا، فحينئذ تكون شبهة، ويدرأ عنه الحد ولا يقتص منه.

    إذاً: إذا اتفقوا على طلب القصاص، ولم يحكم القاضي بالاستيفاء، وقتل بعضهم، فإنه لا قود ولا قصاص على هذا القاتل؛ لأنه طلب حقه، وهو مقتول لا محالة، وحينئذٍ لم يتعد، وإن عفا بعضهم وثبت عفوه عند القاضي وعلم شريكه، فأخذه الحنق وقتل، فقد قتل معصوماً، وحينئذٍ ليس له حق في هذا القصاص؛ لأنه بعفو شريكه سقط القصاص، وحينئذٍ يكون كأنه قتل معصوماً، فإذا استوفيت الشروط يقتل به ويقتص منه، وأما إذا لم يعلم بعفوه وقتله، أو قتله قبل أن يسأل هل عفا أم لم يعف؟ فإنه لا يقتص منه لوجود الشبهة.

    قال رحمه الله تعالى: [وإن كان من بقي غائباً أو صغيراً أو مجنوناً انتظر القدوم والبلوغ والعقل].

    أي: إذا قال بعض الورثة: نريد القصاص، ولهم شركاء فيه كصبي أو مجنون أو غائب؛ فإننا ننتظر الغائب حتى يأتي، وننتظر المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ، كما قدمنا في مسألة المستحق، ففي هذه الحالة لا يقتص بقول بعضهم.

    فلو كانوا عشرة، وطالب الأكثرون كتسعة مثلاً، وبقي يتيم قاصر دون البلوغ، فإننا نقول: لا حق لكم حتى يبلغ هذا اليتيم، فإن طلب القصاص اقتص، وإن لم يطلب القصاص فلا إشكال أنه يعدل إلى الدية أو العفو المطلق على حسب الحال.

    وبناءً على ذلك: لا ننظر إلى الأكثرية، ولا ننظر إلى نوعية الذين عفوا والذين هم غائبون، إنما ينظر إلى إجماعهم واتفاقهم، وهذا الذي عبر به المصنف باتفاق أوليائه، فلابد أن يتفق المطالبون بالقصاص على طلب القصاص.

    الشرط الثالث: أن يؤمن التعدي في القصاص على الجاني

    قال رحمه الله تعالى: [الثالث: أن يؤمن الاستيفاء أن يتعدى الجاني].

    لو قال : (أن يعتدى على الجاني) لكان ممكناً، لكن مراده: أن يؤمن في القصاص التعدي، فالأصل أن يؤمن الحيف، فبعضهم يقول: أن يؤمن الحيف، وبعضهم يقول: أن يؤمن الاعتداء والزيادة، والمراد بهذا: أن نأمن عند حكمنا بالقصاص الزيادة على الحق.

    وتوضيح ذلك: أن القاتل يُقتل، ولا يُقتل معه غيره، فلا يؤخذ بجريمته من لا جريمة له، وتبرز هذه الصورة وتتضح أكثر شيء في المرأة الحامل، ففي بطنها الجنين الذي لا ذنب له، وحينئذٍ لو قتلناها قتلنا نفسين بنفس واحدة، والله عز وجل يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178]، ويقول سبحانه وتعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126].

    وبناءً على ذلك: لا يقتل هذا الجنين؛ لأنه لا ذنب له، فينتظر إلى وضعها، فذكر العلماء هذا الشرط تنبيهاً على هذه المسألة: أنه لا تقتل المرأة الحامل حتى تضع ما في بطنها، والأصل في ذلك في الحدود: قصتا المرأتين اللتين زنتا وأتي بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما محصنتان، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولي المرأة أن يبقى معها حتى تضع ما في بطنها ثم يأتي بها إليه، وفي الثانية قال: حتى ترضعه؛ لأنه لم يوجد من يقوم به ويرضعه، فهذا يدل على أنه لا يجوز التعدي على المرأة الحامل؛ لأن الجنين لا ذنب له، ثم ينظر إذا وضعت ما في بطنها أمرت بسقيه اللبأ؛ لأنه يكون به أوده وحياته، ولا بد له منه، وهو اللبن الذي يكون بعد الولادة، ثم ننظر في رضاعته، فإن وجدت امرأة بدلها ترضعه وتقوم عليه أُخذت أمه واقتص منها وقتلت، وإن لم يوجد امرأة ترضعه والولد متعلق بأمه لا يريد إلا أمه ولا يرتضع إلا من أمه، مثل ما وقع لموسى: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ [القصص:12]، فبعض الأولاد فيهم حساسية لا يمكن أن يقبل إلا ثدي أمه، فإذا أبى أن يقبل إلا ثدي أمه، فإنه في هذه الحالة لو قتلنا أمه لقتلناه معها؛ لأنه سيمتنع من الرضاعة وسيموت، أو يتضرر في صحته، فحينئذ يكون قد حصل القصاص من الجاني وزيادة، وهي زيادة الضرر على الجنين، فننتظر إلى أن ترضعه وتفطمه، ثم بعد ذلك يُقتص من هذه الأم.

    إذاً: الشرط أن يؤمن الحيف، كما يعبر بعض العلماء، وأن تؤمن الزيادة، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء:33]، فقتل الأم مع جنينها إسراف في القتل؛ لأن معنى (لا يسرف في القتل) أي: لا يزيد على قتل القاتل، وأخذ الجاني بجنايته دون أن يستتبع من لا حق في قتله، أو يستتبع في الحق الضرر به كالجنين بعد وضعه.

    ومن هنا فجمهرة العلماء رحمهم الله تعالى نصوا على أن الجنين لا يقتل مع أمه، فلا تقتل الأم وهي حامل بجنينها، حتى لا يكون إزهاقاً لنفسين بنفس واحدة، فليس بالعدل أن تُقتل النفس البريئة مع النفس القاتلة في مقابل نفس واحدة، هذا هو وجهه. فيشترط الأمن من الحيف، والأمن من التعدي على الجاني، وذلك التعدي على الجاني بقتل ولده معه ونحو ذلك.

    قال رحمه الله تعالى: [فإذا وجب على حامل أو حائل فحملت لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ].

    قوله: (إذا وجب)، أي: القصاص على امرأة في بطنها جنينها، فهذا لا إشكال فيه مثل ما ذكرنا.

    فلو أنها كانت حائلاً قبل الحكم، فعند جنايتها كانت حائلاً، ثم جامعها زوجها، وحملت، وظهر الحمل بعد حكم القاضي بالقصاص والاستيفاء، وثبت عند القاضي، وطالب أولياء المقتول واستحق القصاص، ولم يبق إلا التنفيذ، وعند التنفيذ وجدت حاملاً، فإنه لا يقتص منها، فليست العبرة بحالها أثناء القتل؛ لأنها أثناء القتل كانت حائلاً، فالعبرة وجود الضرر والتعدي أثناء القصاص والاستيفاء، ويستوي في هذا أن تكون حاملاً في بداية حملها، أو أن تكون حاملاً في نهاية حملها، أو وسطاً بين ذلك؛ لأن العلة هي أن لا يتعدى في القصاص، وهذا يشمل هذه الأحوال كلها.

    وإذا قالت: إني حامل، فقال أولياء المقتول: ليست بحامل، بل هي حائل، عرضت على أهل الخبرة، فإن قالوا: إنها حامل انتظرت، وإن قالوا: إنها حائل اقتص منها، والآن في زماننا يمكن اكتشاف ذلك والتثبت منه على وجه بين.

    قال رحمه الله تعالى: [ثم إن وجد من يرضعه وإلا تركت حتى تفطمه].

    قوله: (ثم إن وجد من يرضعه) أي: يرضع هذا الصبي الذي وضعته، فإن وجد من يرضعه فلا إشكال، وحينئذٍ يدفع إليها وترضعه، وإن لم توجد من ترضعه، أو وجدت امرأة ترضعه ولكنه لا يقبلها، ولم يرض بها، فحينئذٍ وجودها وعدمها على حدٍ سواء فينتظر حتى تفطمه.

    قال رحمه الله تعالى: [ولا يقتص منها في الطرف حتى تضع].

    ذكر المصنف رحمه الله تعالى القصاص في الطرف وألحقه بالقصاص في النفس في هذه المسألة؛ لأن المرأة الحامل إذا قطعت يدها ففي الغالب أنها تسقط جنينها، ولا تتحمل، بل تسقط ما هو أخف وأقل من هذا، وبناءً على هذا ينتظر إلى أن تضع الجنين، وبعد أن تضع الجنين يقتص منها، وهكذا لو كانت زانية وحملت من الزنا، فإذا كانت بكراً وأريد جلدها انتظر حتى تضع، وإن كانت محصنة ففي هذه الحالة ينتظر وضعها للجنين ولو كان من الزنا، ثم بعد ذلك يقام عليها الحد.

    والقصاص في الأطراف وإقامة الحدود حكمهما حكم القصاص في النفس، فالمسألة تدور حول أصل واحد، بل إن الحد وتنفيذ الحد هو الأصل في تأخير تنفيذه على المرأة الحامل، كما ذكرنا في قصة المرأتين اللتين زنتا، والحديث في أمرهما صحيح وثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا جرى عمل السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وذكر المصنف رحمه الله تعالى مسألة القصاص في الأطراف من باب التنبيه بالنظير على نظيره، وهذه يسميها العلماء: مسائل النظائر، وإذا جاءوا يبحثون يقولون: المظانُّ، فهناك مسائل تذكر تبعاً ليست في أصل الباب؛ لأن الباب القصاص في النفس.

    وقد يقول قائل: كان ينبغي أن يؤخر مسألة القصاص في الأطراف من الحامل إلى باب القصاص في الأطراف، ولكن المصنف ذكر هذا من باب المظان، ومن هنا يعتني العلماء بذكر المسائل بأقربها شبهاً، وتعرف هذه بالمظان، بمعنى: تذكر في أقرب المواضع وتُجمع المسائل مع أنها ليست تحت الباب.

    ولذلك قال رحمه الله تعالى: [والحد في ذلك كالقصاص].

    وهذا هو الأصل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من تنفيذ الحد لخوف الضرر على الجنين، وهو أصل المسألة، والحد في ذلك كالقصاص؛ بل هو أصل مسألة القصاص، فلو شربت الخمر -والعياذ بالله تعالى- امرأة حامل، أو زنت، أو قذفت، فإنه ينتظر إلى أن تضع ما في بطنها، ثم يقام عليها حد الزنا وحد القذف وحد الخمر، وهكذا لو سرقت فلا تقطع يدها، بل ينتظر حتى تضع ما في بطنها، ثم بعد ذلك تقطع يدها، للعلة التي ذكرناها.

    1.   

    حضور السلطان أو نائبه وشرط آله القتل في استيفاء القصاص

    قال رحمه الله تعالى: [فصل: ولا يستوفى قصاص إلا بحضرة سلطان أو نائبه وآلة ماضية].

    هناك مراحل للقصاص:

    المرحلة الأولى: أن يحكم القاضي بثبوت القصاص.

    المرحلة الثانية: مرحلة التنفيذ للقصاص، ولا يمكن أن ينفذ القصاص إلا بعد ثبوت الحق وحكم القاضي به، فإذا قضى القاضي بتنفيذ القصاص، فينبغي أنه ثبت لفلان حق القصاص، فالتنفيذ يفتقر إلى أمور لا بد من وجودها:

    أولها: أنه لا يستوفى إلا بحضرة السلطان، أو الحاكم، أو القاضي، أو من ينيبه، وذلك لأنه قد تطرأ أمور أثناء تنفيذ الحد لا بد من الرجوع فيها إلى رأي القاضي وحكمه، وهذا أصل حتى في الحدود، والسبب في ذلك: تلافي الضرر بعدم وجود القاضي والحاكم.

    وبعض العلماء يقول: لا يشترط، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام لولي الدم: (اذهب فاقتله)، فأمره أن يذهب ويقتله، ولم ينصب وكيلاً عنه عليه الصلاة والسلام، ولأن ماعزاً لما آذته الحجارة وأدرك حرها فرّ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقال صلى الله عليه وسلم: (هلا تركتموه لعله يرجع فيتوب فيتوب الله عليه)، وفي رواية: (يراجع نفسه).

    وأصحاب القول الأول قالوا: إنه إذا أقر بالزنا، وكان القاضي موجوداً، وقال: لقد رجعت عن إقراري، أوقف التنفيذ؛ لأنه لا يوقف التنفيذ إلا بحكم القاضي، ومن هنا يمكن أن يحتاط لدماء الناس وحقوقهم؛ لأن هذا يسمونه: حق الجاني بعد صدور الحكم، فللجاني حقوق بعد صدور الحكم عليه، ولا يمكن الاحتياط فيها بالشيء على الوجه المعتبر إلا بوجود القاضي أو الحاكم أو كل منهما.

    والحمد لله تعالى فهذا موجود في زماننا، وقد جرت العادة في المملكة -ولله الحمد- أنه يوجد من يكون وكيلاً عن القاضي، وهذا على الحقيقة فيه احتياط، وهو أحوط المذهبين؛ لما فيه من صيانة لحق الجاني، وخوف أن تطرأ أمور يحتاج فيها إلى النظر، وحينئذٍ تحقن دماء الناس وتحفظ، ولا ينفذ القصاص على الوجه المعتبر إلا بحضور الحاكم أو نائبه، وحضور الحاكم لا شك أنه أبلغ في الزجر، وأبلغ في تنفيذ حكم الله عز وجل، وأكثر تعظيماً لشعائر الله عز وجل، ولذلك حضر الخلفاء الراشدون، وكان بعضهم يحضر تنفيذ الحد وتنفيذ القصاص؛ لما في ذلك من إعلاء كلمة الله عز وجل وحصول الهيبة أكثر وأبلغ.

    أما كون الآلة حادة، فهذا أصل في الشريعة أنه لا يُعذب عند القتل، وعند إزهاق الروح، فقد قال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، وهذا في البهائم فالآدمي من باب أولى، فإذا أريد القصاص فيجوز أن يمكِن القاضي ولي المقتول من الجاني، ويقول له: هذا قاتل أبيك فاقتله إن شئت. فيكون ولي المقتول معه سلاحه أو سيفه، وهذا في القديم كان موجوداً، فإذا قال: أريد أن أقتله بنفسي، ينظر في سيفه والآلة التي يريد أن يقتل بها، فإنه ربما كانت كالة -أي: لم يحدها كما ينبغي- فيضر بالقاتل إذا قتله، فإذا كانت كالة ليست ماضية عذب بها الجاني؛ لأن هذا لا ينفذ الإزهاق بسرعة فيتعذب، وهذا لا يجوز.

    وكذلك أيضاً ربما وضع السم في آلته، وهذا كان يفعله بعضهم، وهو زيادة في التعذيب؛ لأن القاتل ما قتل بهذا الوجه، وحينئذٍ لابد أن تتفقد آلة القاتل، لكن في زماننا وُضع من يقوم بالتنفيذ من بيت مال المسلمين، وهذا نص عليه بعض العلماء، وأُرِيْح الناس من هذه الأمور، وكُفوا فيه، وحصل بحمد لله عز وجل الرفق في كثير من هذه الدواخل والاعتبارات التي ربما يفعلها بعض الأولياء احتيالاً لحقه، ومبالغة في التشفي، لكنهم نصوا على هذا الأصل أن على القاضي أن يتفقد آلة القاتل وينظر فيها.

    المماثلة في القصاص وخلاف العلماء فيها

    قال رحمه الله تعالى: [ولا يستوفى في النفس إلا بضرب العنق بسيف].

    هذه المسألة في الحقيقة فيها تفصيل، والذي اختاره المصنف رحمه الله تعالى أنه لا قود إلا بالسيف، وحينئذٍ إذا قُتل المقتول قلنا لأوليائه أو لمن يقوم بالتنفيذ: خذ السيف واضرب عنق القاتل، فهذا ما اختاره المصنف رحمه الله تعالى.

    لكن هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء حاصله: أن القاتل إذا قتل بطريقة، وطالب أولياء المقتول وعصبته أن يقتل بنفس الطريقة؛ كان من حقهم ذلك، فإذا أخذ المقتول وقطع يده، ثم قطع يده الثانية حتى نزف ومات، فنقول لأوليائه: اقطعوا يديه بالطريقة التي قطع بها يدي المقتول.

    ولو أنه أخذه وضربه بحجر على رأسه، فرضخ رأسه فمات، قلنا لهم: خذوا حجراً كالحجر الذي قتل به، واضربوه مثلما ضربه، هذا هو الأصل في القصاص، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن جارية من الأنصار وجدت قد رضّ رأسها بين حجرين -أي: أُخذت المسكينة بين حجرين وضرب رأسها حتى ماتت- فقيل لها: من فعل بك؟ فلانٌ.. فلانٌ؟ حتى ذكروا يهودياً، فأشارت برأسها: أن نعم، فأخذ اليهودي فأقر واعترف، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ رأسه ويرض بين حجرين، وفعل به مثل ما فعل بالجارية)، ولأن الله تعالى يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ [البقرة:178]، والقصاص: من قصّ الأثر إذا تتبعه، فنتتبع جناية الجاني، ونفعل به مثل ما فعل بالمجني عليه، وهذا في الحقيقة يختاره غير واحد من العلماء، أي: أن يفعل بالجاني مثلما فعل، إذا طلب ذلك أولياء المقتول، فلو قال أولياء المقتول: لا نريد أن نقتص بالسيف، بل نريد أن نشفي غليلنا وأن نأخذ حقنا كاملاً بأن نفعل به مثلما فعل بالمجني عليه؛ كان من حقهم هذا، ويمكنون من هذا الحق.

    ولو أنه أخذه فغمسه في الماء حتى غرق ومات، قلنا لهم: خذوه فاغمسوه في الماء مثلما غمسه، ولو ربطه ورماه في بركة حتى مات، قلنا لهم: اربطوه كما ربط المقتول، وارموه في بركة مثلها يموت غرقاً كما قتل غرقاً، ولو أنه أحرقه فوضع الوقود عليه، ثم أشعل عليه النار فأحرقه، قلنا لهم: خذوا الوقود وافعلوا به مثل ما فعل بالمجني عليه.

    وهذا أبلغ في زجر الناس، وأشد هيبة في زجر المجرمين والعصاة، ولو أن ولي الأمر في بعض الأحوال المستثناة يفعل هذا عند استشراء القتل في الناس؛ لكان أبلغ في زجرهم، وهو أبلغ في إسكان الثائرة، وهدأة النفوس، ولكن العبرة بالقتل، فإذا قتل يقتل وقد جاء في حديث ابن ماجة رحمه الله تعالى: (لا قود إلا بالسيف)، ولكنه حديث ضعيف، ولو حُسِّن لعارض ما هو أصح منه، فإن حديث الجارية في الصحيحين.

    ولكن لو أنه قتله بطريقة محرمة، مثل أن يسقيه خمراً -والعياذ بالله تعالى-، ويبالغ في سقيه حتى يموت، فإذا سُقي الجاني الخمر سكر، وحينئذٍ لا يجوز لنا أن نسقيه الخمر؛ لأن هذا يفضي إلى حرام، فلا يفعل به مثلما فعل في هذه الحالة، ولا يوجر الخمر في حلقه حتى يموت؛ لأنه يؤدي إلى حرام، فهذا يستثنى، ولذلك قالوا: يفعل بالجاني مثلما فعل بالمجني عليه ولأوليائه الحق في طلب ذلك، ويمكنهم السلطان والقاضي من ذلك، بشرط ألا يكون الفعل محرماً ولا يمكن الاستيفاء به مثل ما ذكرنا في الخمر.

    ومن أمثلتها في زماننا المخدرات، حيث يحقنه بكمية كبيرة من المخدر تقضي عليه، فإنه لا يمكن أن نقول لأوليائه: احقنوه؛ لأنه في هذه الحالة سيسكر، وستؤثر عليه قبل الإزهاق، ولا يجوز تعاطي المسكرات والمخدرات، فحينئذٍ يعدل إلى السيف وتدق عنقه ويقتص منه بالسيف.

    قال رحمه الله تعالى: [ولو كان الجاني قتله بغيره].

    أي: ولو كان الجاني قتله بغير السيف كما ذكرنا، فالمصنف يرى أنه لا قصاص إلا بالسيف، لحديث: (لا قود إلا بالسيف)، وهذا مرجوح، والصحيح أن لأولياء المقتول أن يطالبوا بالقصاص مماثلةً، وهذا ما يسميه العلماء: القتل بالمماثل، فإن أخذ حديدة عريضة فضربه في رأسه فشق رأسه نصفين، قلنا لهم: خذوا نفس الحديدة أو مثلها، واضربوه بمثل ما ضرب به وليكم، وإن أخذه فغطه وكتم نفسه، أو فعل به أي فعل محرم فنقول لهم: خذوه وافعلوا به مثل ما فعل، وهذا هو الأصل، لقوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (كتاب الله القصاص، كتاب الله القصاص، كتاب الله القصاص)، فنحن نقتص من الجاني بأخذه بجنايته مماثلة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم القصاص داخل حدود الحرم

    السؤال: ما حكم القصاص داخل حدود الحرم؟

    الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

    فالقصاص في الحرم فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، فمن أهل العلم من قال: يقاد في الحرم، خاصة إذا حصل الإزهاق في الحرم، فمن قَتل في الحرم قُتَل في الحرم، وهذا للأصل الذي ذكرنا؛ لقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178]، ولأن القاتل لم يعظم الحرم فيؤخذ بجنايته وجريمته، ولأننا لو لم نقتص ممن يجني في الحرم، أو لا نقتص من الشخص إذا كان داخل الحرم، فمعنى ذلك أن نجعل الحرم محلاً للمجرمين والمفسدين، فكل قاتل إذا قتل لا يسعه إلا أن يدخل البلد الحرام حتى لا يتعرض له، وفي هذا من الشر والبلاء ما الله تعالى به عليم، بل تصبح هذه البقعة المفضلة المشرفة بقعة أهل الفساد وأهل الشر، وهذا كله يناقض شرع الله عز وجل، وبناءً على ذلك قالوا: يقتص من الجاني ولو كان في الحرم، وهذا أقرب إلى الأصول وأوفق، والله تعالى أعلم.

    الجمع بين شرعية المماثلة في القصاص تحريقاً وبين النهي عن التعذيب بالنار

    السؤال: إذا قلنا بالمماثلة في القصاص لو قتل بالتحريق، فكيف يجمع بين ذلك وبين النهي عن التعذيب بالنار؟

    الجواب: لا تعارض بين عام وخاص، فالنهي عن التعذيب بالنار عامٌ، والمماثلة في التحريق قصاصاً خاصة؛ لقوله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126]، فهذه مسائل مستثناة، والفقه أن تنظر إلى الأصول العامة وما استثني منها، فتجعل الأصل العام كما هو، وتبقي المستثنى على استثنائه، وبهذا تكون عملت بشرع الله عز وجل وطبقته، فالله تعالى قال: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126].

    فالنهي عن التحريق نهيٌ عن عقوبة مبتدأة وعقوبة منشأة، فلا ننشئ العقوبة بالتحريق، ولا يعذب بالنار إلا رب النار، ولكن هذا أخذٌ بالجناية والجريرة، وأمرنا الله عز وجل أن نعاقب بمثل ما عوقبنا به، ألا ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ينهى عن التمثيل، وقال لأميره على السرية: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، لا تقتلوا شيخاً ولا صغيراً ولا امرأةً، ولا تمثلوا، ولا تغدروا)، فقوله: (ولا تمثلوا)، نهي عن التمثيل بالقتلى، ولما خرج العرنيون إلى إبل الصدقة، وقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا المسامير من النار فسملوا بها عين الراعي، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعل بهم مثلما فعلوا بالراعي، فسمل أعينهم، وفي رواية: (سمل وسمّر)، والله تعالى يقول: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126]، فهذه أمور وأحوال مستثناة لوجود الموجب بصفائهم.

    وبناءً على ذلك: يجوز في هذه الحالة أن يقتص من الجاني بمثل جنايته، ومن باب المماثلة ما يوجد الآن عندنا من الأكسيد -أعاذانا الله تعالى وإياكم- والمواد الحارقة، والمواد الكيماوية، حيث يؤخذ المقتول ظلماً ويصب على رأسه وبدنه من هذه المواد، أو يربط ويقتل بأبشع الصور، فيؤخذ مثل هؤلاء المجرمون ويوضعون أمام الناس، ويفعل بهم مثل ما فعلوا بالمجني عليهم، ليكون فيه من الزجر والردع، خاصة في هذه الأمور من القتل الذي توسع فيه بعض الناس، وفي الجرائم المنظمة، فهذا لا شك أنه يردع، ويكون وقعه في النفوس بليغاً، فالجاني يكبت بجنايته، ومن تسول له نفسه ذلك يرتدع عن الإقدام في فعله، وهذا هو مقصود الشرع أن يرتدع الناس، قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179]، قالها أصدق القائلين وأحكم الحاكمين، بل الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين سبحانه وتعالى، فإذا اقتص من الجناية بمثلها، أياً كانت هذه الجناية ما لم تكن محرمة، فلا إشكال أن هذا أبلغ وأوجب في حصول المقصود شرعاً، والله تعالى أعلم.

    حكم الرجوع في العفو عن القصاص

    السؤال: إذا طالب أبناء المقتول بالقصاص، وعفا أحدهم فطلب الدية، فقال إخوته: نحن نعطيه حقه من الدية من أموالنا، ونريد أن نُمضي القصاص، فهل يمضي؟

    الجواب: لا يمضي، وهذا حكم جديد، فلو أعطوه ملء الأرض ذهباً فلا يمضي القصاص، فإن قال: قد عفوت، فقد عفا، وبناءً على ذلك يسقط القصاص، وهذا أصل.

    فإن كانوا يريدون أن يرضوه بالمال فإنهم لم يرضوا المقتول الذي سيقتل؛ لأن الحق للمقتول الذي هو الجاني في الأصل، أما إذا اتفقوا فيما بينهم وقالوا: ما دام أنك فقير ومحتاج، وتريد المال، فنحن نعطيك المال ولا تعفُ، فهذا شيء آخر، إذ قد يكون الشخص مُجرماً مفسداً، وفي القرابة رجل ضعيف، أو فيهم من عنده حنق وغيض، وخافوا أنه إذا لم يُقتل الجاني بالقصاص أن يذهب ويقتله، فيحصل ضرر، فأرادوا أن يضغطوا على قريبهم أن لا يعفو، فلهم الحق أن يضغطوا على قريبهم حتى لا يعفو، وهذا شيء يتفاهمون فيه بينهم.

    أما من ناحية شرعية فإذا قال: قد عفوت، فقد عفا وسقط الحق، ويصبح الحق مشتركاً؛ لأنه حق للقاتل أن لا يقتل، وحق لهذا الذي عفا، وهو أن يكون له حق في الدية، والله تعالى أعلم.

    الآداب الإسلامية تجاه من حُدَّ واقتص منه

    السؤال: يسمع من بعض الناس إذا تم تنفيذ القصاص على القاتل الشتمُ والسبُ واللعنُ، فهل يجوز هذا؟ أم أنه تطهر من جنايته بهذا الحد؟

    الجواب: لا يجوز أن يُسب ويُشتم ويُلعن القاتل، ولا من طبق عليه الحد؛ كالزاني وشارب الخمر، فلا يجوز لأحد أن يلعنهم، أو يسبهم، أو يشتمهم، فالله تعالى أقامهم أمام العباد اعتباراً، ولم يقمهم شماتةً، ولم يقمهم من أجل أن يعيرهم الناس، أو يسبوهم وينتقصوهم، فلا يجوز هذا، والدليل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما جلد شارب الخمر، قال بعض الصحابة: تباً له، وزجروه، فقال عليه الصلاة والسلام: مه! لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، ما علمته إلا أنه يحب الله ورسوله)، فرجل تقطر لحيته من الخمر وقالوا: تباً له، ومع ذلك قال: (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، ما علمته إلا أنه يحب الله ورسوله)، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ [الحجرات:11] ، فاحمد الله تعالى على العافية، واشكره أن عافاك.

    وقد يكون الإنسان مبتلىً بذنوب ويفضحه الله تعالى بها لكي يرفع درجته؛ لأنه يطهره بها في الدنيا، ثم يصلح له حاله ويحسن له خاتمته، وقد يكون غيره ممن يراه يحد يفعل الذنب ويستره الله عز وجل، فيتراكم عليه الذنب تلو الذنب تلو الذنب، حتى يهلك، وقد يكون ذلك سبباً في سوء خاتمته والعياذ بالله تعالى، فلا يدخلن أحدٌ بين الخالق والمخلوق، وهذا ربهم وهو أعلم بهم سبحانه وتعالى، قال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ [الشعراء:113]، فعلى الإنسان أن يتقي الله عز وجل.

    وهكذا في أهل الجرائم وأهل الفسوق وأهل الجنايات، لا يسخر الإنسان منهم، ولكن يقول: الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به ويشعر بالضعف والمسكنة والحاجة إلى ربه تعالى، فإن الله تعالى إذا أراك عورةً من أخيك لم يركها لكي تشمت به، ولكن أراكها لكي تعرف مقدار نعمة الله تعالى عليك، وفضله وجميل إحسانه وجليل كرمه عليك، فلا تسئ إلى عباد الله تعالى، والله تعالى يقول: لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ [الحجرات:11].

    ومن هنا قال بعض العلماء: إن المظاهر ليست قطيعة الدلالة على الجواهر، وقد تجد الرجل لحيته إلى نصف صدره، وهو من أكثر الناس حقداً وحسداً وكراهيةً للناس واحتقاراً للناس، وقد تجد الرجل حليقاً وترى حاله فتزدريه، كأنه غير صالح، ولكنه من أبر الناس بوالديه، وأوصلهم لرحمه، وأكثرهم جوداً وكرماً وسخاءً، فالمظاهر ليس فيها كل شيء، والعبرة بالجواهر والحقائق، وصحيح أن المظاهر تتبع الجواهر، لكن لا يُسخر من الإنسان.

    وقد ترى الإنسان مبتلى بشرب الخمر، وهو من أحسن الناس في أشياء يفعلها في جوده وكرمه، وستره لعورات المسلمين، وتفريجه لكرباتهم، وما يكون منه من الخير قلّ أن يوجد له نظير، ولكن الله تعالى ابتلاه بشرب الخمر، وليس معنى هذا أنه قد انتهى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب)، والتثريب: الملامة، فنهاه أن يلومها بعد إقامة الحد، وقال صلى الله عليه وسلم: (من ابتلي بشيء من هذه القاذروات فأبدى لنا صفحة وجهه أقمنا عليه حد الله)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أقيم عليه الحد فهو كفارةٌ له في الدنيا)، فهذا أصل، فلا تحتقر أهل الجرائم ولا تشمت بهم، ولا تتبع الحديث عنهم، فإذا أقيم عليهم الحد فهو كفارةٌ لهم وطهارةٌ لهم، خاصة في الحدود التي هي غير القتل، أما القتل ففيه تفصيل عند العلماء رحمهم الله، لكن ينبغي للإنسان أن يخاف، وكم من معافىً ابتلاه الله تعالى بتعييره للغير.

    والتعيير والانتقاص يكون على صورتين:

    الصورة الأولى: أن يكون في الجنان والقلب، والصورة الثانية: أن يكون في اللسان.

    فإذا رأيت عاصياً، أو رأيت مبتلىً، أو رأيت أحداً يفعل معصية، فلا تشمت به ولا تتكلم عليه، ولا تقل: كيف يفعل هذا؟ وما يليق به أن يفعل هذا، ولماذا يفعل هذا؟ فهذا ليس من شغلك ولا من شأنك.

    وإنما من شغلك وشأنك أن يتفطر قلبك بين يدي الله تعالى، وتقول: يا رب! لك الحمد على العافية، اللهم عافه ولا تبتلني، واسأل الله تعالى لأخيك وادع له بظاهر الغيب، فهذه نصيحة المؤمن لأخيه المؤمن، أما أن يذهب ويشمت به، ويشهر به، ويكون حديثه في المجالس أرأيتم فلاناً كيف فعلوا به؟ وفلاناً الذي فعل؟ ولربما يتوب هذا المسكين، ويأتي هذا يعيره ويتابعه.. وهذه هي المصيبة العظمى التي ابتلي بها المسلمون، خاصة في هذه الأزمنة الأخيرة، فالعصاة والمجرمون إذا دخلوا السجون قضي عليهم، وانتهى أمرهم، وإذا أقيمت عليهم الحدود أصبحوا محل نبذ من الناس، وهذا لا ينبغي، فإذا أقيم الحد على الإنسان فلتفتح له أبواب التوبة وأبواب الصلاح، وأبواب الاستقامة، وليزره أهل الخير، ويقولون له: لعل الله عز وجل أن يبارك لك فيما بقي من عمرك، ولا تيأس، وكلنا خطاء وكلنا مذنبون، والأمل في الله تعالى كبير، فإن الله تعالى يحب أن يُهدى عبده، ويحب أن يتوب عبده إليه.

    فانظر إذا جعل الله تعالى توبته على يدك، وانظر كم يكون من الخير للأمة حينما يُفتح لمثل هؤلاء أبواب الأملُ، وهم مكروبون منكوبون منبوذون، يحتاجون إلى من يرحمهم، ويحتاجون إلى من يحتويهم، ويحتاجون إلى من يريهم بارقة الأمل لكي تصلح أحوالهم، وما أرسل الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام عذاباً على العباد، وإنما أرسله رحمةً للعالمين، وأرسله سعة لا ضيقاً، وأرسله رحمةً لا عذاباً، ويسراً لا عسراً، وقد قال بأبي وأمي صلوات الله وسلامه عليه: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا)، وقال: (إن منكم منفرين).

    فهذا الذي ينصب نفسه للدخول بين الناس وبين ربهم، والاطلاع على أعمال العباد والتشهير بهم، قد فعل سوءاً بنفسه وبالناس، ولا والله ما اتقى الله تعالى في نفسه ولا في عباد الله تعالى.

    وعلى الإنسان أن يذكر نفسه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق، فالمرأة أمة عند سيدها، ويقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (فليجلدها الحد ولا يثرب)، وهو سيدها الذي يُعيَّر بها ويُؤذى بها، ومع ذلك يقول: (ولا يثرب)، قالوا: لأن التثريب يُحطِّم الإنسان، ويقتل معاني الأمل في نفسه، ويجعله كأنه انتهى، وهذا هو الذي نجده كثيراً خاصة في هذه الأزمنة.

    وعلى الهداة والدعاة والمصلحين والأئمة والخطباء أن ينبهوا الناس على هذا، ويبينوا لهم أن هؤلاء مكروبون، وأن هؤلاء معذبون ويحتاجون إلى من يذكرهم، وكلٌ منا يسأل نفسه: هل هو سالم من الذنوب؟ لربما يكون الشخص عنده صغيرة من صغائر الذنوب يداوم عليها يبلغ بها ما بلغته كبائر الذنوب، وقد تزيد بأضعاف أضعاف، ولربما يكون الواحد منا يحتقر بعض الصالحين، أو يتكلم في مناهجهم أو أفكارهم، فيبوء بالذنوب والسيئات التي لم تخطر له على بال، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرف والمغرب، أو سبعين خريفاً)، فالاستقامة الحقيقية والملتزم الحقيقي هو الذي يشفق على نفسه، ويعلم أن الهداية ما كانت له ولا لأبيه ولا لجده، ولا حكراً عليه ولا حكراً على آله، وإنما هي من الله تعالى يهدي بها من يشاء، سبحانه وتعالى، وليعلم أن الله تعالى رحمه، وأن الله تعالى لطف به بهذه الهداية، فلا يتخد من هدايته وصلاحه وسيلة لتعيير الغير وانتقاصه.

    عليك نفسك فاشغتل بمعيبها ودع عيوب الناس للناس

    وطوبى لمن شغله ربه تعالى عن نفسه، وشغلته نفسه عن الناس، فأقبل عليها فاستكمل نواقصها، وطوبى لمن جعله الله تعالى رحمةً للعالمين، فآوى إلى الناس وآوى الناس إليه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطؤون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون)، فهم المبشرون لا المنفرون، وهم الميسرون لا المعسرون، جعلنا الله تعالى وإياكم منهم بمنه وكرمه ورحمته، والله تعالى أعلم.

    حكم صلاة الجماعة الثانية في المسجد

    السؤال: إذا دخلت المسجد ووجدت الإمام قد سلم من الصلاة، فهل أعود إلى المنزل؟ أم أصلي وحدي؟ أم أنتظر أحداً وأصلي معه؟

    الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:

    فهذه المسألة تعرف بالجماعة الثانية، وقد اختلف العلماء فيها، والجمهور على جواز إحداث الجماعة الثانية بعد الجماعة الأولى في المسجد، وذلك لما ورد في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وحده، فقال عليه الصلاة والسلام: من يتصدق على هذا؟ فقام أبو بكر فتصدق عليه فصلى معه)، وهذا الحديث فيه مسائل:

    المسألة الأولى: بطلان مذهب من يقول: إنه يذهب إلى بيته؛ لأن الرجل صلى في المسجد فأقره النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليه.

    وأما الاستدلال بحديث قباء حينما تأخر عليه الصلاة والسلام ودخل المسجد ووجدهم قد صلوا فرجع إلى بيته، فالجواب عنه: بأن النبي صلى الله عليه وسلم لو صلى جماعة ثانية لوقع الحرج للصحابة، ولكان فيه مما لا يخفى بالنسبة للصحابة حينما يرون أنهم سبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان عليه الصلاة والسلام يطيب خواطر أصحابه، وكان نعم الصاحب لصحبه صلوات ربي وسلامه عليه، وهل كان ذهابه ليجدد وضوءه؟ أم هل ذهب عليه الصلاة والسلام لأجل أن لا يكسر خواطر الصحابة؟ فليس هناك دليل صريح يبين علة تركه للجماعة، ثم إن حديث أبي بكر قوي الدلالة من وجوه:

    أولاً: أنه قال: (من يتصدق على هذا)، فجعل سر المسألة أن يحصل الفرد على الجماعة، ولا يختلف اثنان أن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم حصول جماعة ثانية، وإلا فلماذا يقول: (من يتصدق على هذا) بأسلوب الترغيب والتحديد؟ فهذا واضح الدلالة على مشروعية طلب الجماعة الثانية، وتحصيل الجماعة الثانية.

    ثانياً: أن هذا الدليل دليل قول، وفعله عليه الصلاة والسلام دليل فعل، والأصل أن أدلة الأقوال أقوى؛ لأنها تشريع للأمة، ومخاطبة للأمة، ودليل الأفعال تدخلها الخصوصية، وإلا فكله من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا مسلك أصولي، فيقولون: إنه إذا جاءنا دليل يحتمل مع دليل لا يحتمل؛ قُدّم غير المحتمل على المحتمل، فدلالة الفعل تحتمل خصوصيته، وتحتمل العارض، أي: أنه عرض له عليه الصلاة والسلام عارض، مع أنه ليس عندنا جزم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلّ بعد، وإن كان هذا يسمونه: دلالة ظاهر.

    فالشاهد: أن حديث ابن مسعود رضي الله عنه في كونه يذهب إلى بيته ولم يعرج، تدخله كثير من الاعتراضات، بخلاف حديث: (من يتصدق على هذا).

    هذا جانب. والجانب الثاني في القضية: أن القاعدة عند العلماء: أنه إذا تعارض نصان -وهب هنا أن النصين بمرتبة واحدة- فإنه إذا تعارض النصان رُجِع إلى الأصل، فهل الأصل أن يصلى في المسجد أو لا؟ والجواب: أن الأصل أن تصلي في المسجد، وأن تكسب أجر الصلاة في المسجد بالجماعة.

    وعلى كل حال: فالقول بأنه يصلي الجماعة الثانية هو الصحيح، وهو الأولى بالأصول الدالة على مشروعية الصلاة في المسجد، وأما تحريم أن يصلي في المسجد ومنعه من ذلك فبعيد.

    ثم العجيب أنهم قالوا: لا يصلي جماعة ثانية، أي: نهوا وحرموا، ودلالة الفعل ليس فيها نهي، فنفس الدليل الذي استدلوا به أن النبي صلى الله عليه وسلم مضى إلى حجرته، ليس فيه دليل نهي، وهذا مسلك ننبه عليه طلاب العلم، وهو أنه إذا استدل أحد بدليل طبق وجه الدلالة على الحديث، فالحديث الذي استدلوا به أن النبي صلى الله عليه وسلم مضى إلى بيته ولم يعرج على المسجد، هل فيه: (لا تصلوا)؟ وهل فيه نهي ينقل عن الأصل الذي جُعلت المساجد من أجله وهي الصلاة؟ فالواضح من هذا أن مذهب المالكية ومن وافقهم بأنه لا تعاد الجماعة الثانية ولا تكرر مذهب ضعيف مرجوح أمام ما هو أرجح منه قوةً ودلالة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأخيراً: فعند العلماء أصل في النصوص، وهو أنه ربما نُبه بالأدنى على ما هو أعلى منه؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الرجل يصلي وحده قال: (من يتصدق على هذا)؟ فندب من صلى أن يصلي مرة ثانية، وهذا يدل على أنه إذا وجد من لم يصل أصلاً فمن بابٍ أولى وأحرى، وهذا ما يسميه العلماء: الدلالة بالأدنى على ما هو أعلى منه، والله تعالى أعلم.

    وقت صلاة الجمعة

    السؤال: متى يبتدئ وقت صلاة الجمعة، هل بعد طلوع الشمس أم بعد الزوال؟

    الجواب: الصحيح مذهب الجمهور أن الجمعة تبدأ بعد الزوال، وأما حديث: (نقيل قائلة الضحى ونرجع ونتتبع الفيء)، فإنه ليس بصريح في أن الجمعة تصلى قبل الزوال، وهذا الأمر حرره بعض العلماء بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة بعد الزوال مباشرة، بحيث إنه عليه الصلاة والسلام كانت خطبته قصيرةً صلوات الله وسلامه عليه، وقراءته مرتلة، فالبعض يطبق واقعه على أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، فينظر إلى الجمعة في زمانه فيقوم الخطيب يخطب قرابة نصف ساعة، ثم يقوم يصلي، وربما يطيل قراءته، وقد يقرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1] فيما لا يقل عن عشر دقائق، فهذه ساعة إلا ثلث، فلا يتصور في ساعة إلا ثلث امتداد الفيء، فيقول: كيف كان الصحابة يتتبعون الفيء؟ والواقع أن هذا معروف في المدينة، ومن يعرف سمت الظل في الجدران والحيطان يجد هذا، وهذا يقع إذا كان أوقع الجمعة عند بداية الزوال، وخفف الخطبة، فإنه بإمكانه أن يدرك هذا القدر، ثم إن الأمر يختلف صيفاً وشتاءً بحسب بعد الشمس عن خط الاستواء وقربها، والحديث: أنه يتتبع الفيء، لا يدل على أن الجمعة وقعت قبل الزوال.

    وأياً ما كان فالأشبه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقعها بعد الزوال مباشرة، وكانت خطبته قصيرة عليه الصلاة والسلام.

    ثم انظر رحمك الله تعالى إذا كان يقرأ بالجمعة والمنافقون، أو بـسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ، وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ، فهاتان السورتان صفحة ونصف، وخطبته أقصر من صلاته، فكم وقتاً تتوقع؟ وكانت كلماته تعد عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك فالأمر يحتاج إلى نظر، فقد كان عليه الصلاة والسلام كلامه محدوداً وقليلاً، فلا يبعد أنه إذا كان بعد الزوال مباشرة وصلى بالناس وقراءته مرتلة أن يخرجوا ويتتبعوا الفيء وانتهى الإشكال، أما إن يقال: أنه صلاها قبل الزوال، ويبنى على ذلك أن الجمعة عيد، ثم تأتي الأقيسة: والعيد تصح صلاته من بعد طلوع الشمس قيد رمح، ثم ركب من هذا أن من صلى العيد سقطت عنه الجمعة، فهذا كله بالاحتمالات والاجتهادات، والأصل أن الجمعة بدلٌ عن الظهر، والبدل يأخذ حكم مبدله، وحديث أنس رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الجمعة بعد زوال الشمس) هو الأصل، وهو الذي عليه المعول.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315046

    عدد مرات الحفظ

    723517672