إسلام ويب

شرح زاد المستقنع كتاب العدد [3]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله سبحانه وتعالى لمن توفي زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشراً، وهذه العدة فيها من الحكم والأسرار الشيء الكثير، وتختلف أحكام المعتدة هذه العدة بحسب حالها من حيث الحيض وعدمه، والحمل وعدمه، وكذلك من حيث تعلق عدة أخرى بها من عدمه.

    1.   

    عدة المتوفى عنها زوجها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ فصل: الثانية: المتوفى عنها زوجها بلا حمل منه ].

    شرع المصنف رحمه الله في النوع الثاني من النساء المعتدات وهي المرأة التي توفي عنها زوجها، وقد شرع الله عز وجل لها العدة أربعة أشهرٍ وعشراً، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234]، فبيّن سبحانه وتعالى لزوم العدة -التي هي الحداد- على المرأة التي توفي عنها زوجها، ودلت السنة على ذلك، كما في حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنها، وفيه: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً)، وقد كانت في الجاهلية تمكث المرأة سنة كاملة بعد وفاة زوجها، وتجلس في مكان ضيق، وتمتنع من الطيبات والمباحات، وتكون بأبشع حالٍ وأسوأ صورة حتى تتم سنة كاملة، فخفف الله تبارك وتعالى ويسر، ودفع عن عباده ما كان من أمور الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان، فشرع هذا الحداد أربعة أشهر وعشراً، وهذا النوع من العدة سواء كان الزوج دخل بها أو لم يدخل بها، فكل امرأة عقد عليها زوجها وتوفي عنها وهي في عصمته سواء وقع الدخول أو لم يقع الدخول فإنها زوجته ترثه ويرثها إذا ماتت، فيلزمها الحداد وعدة الوفاة.

    (المتوفى عنها زوجها بلا حمل منه قبل الدخول أو بعده).

    (قبل الدخول أو بعده)، سواء دخل بها أو بعده، ثم تنقسم هذه التي توفي عنها زوجها إلى قسمين:

    إما أن تكون حاملاً، وإما أن تكون حائلاً، فالمرأة الحائل التي هي غير حامل هي التي تكون عدتها بما ذكرنا، ولكن إذا كانت حاملاً فإنها تعتد بوضع حملها، لقوله تعالى: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4]، فجعل الله عز وجل عدة المرأة الحامل أن تضع ما في بطنها، وقد دلّ على ذلك الحديث الصحيح في قصة أبي السنابل بن بعكك رضي الله عنه وأرضاه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى في هذا الحديث الصحيح أن المرأة الحامل تعتد بوضعها لحملها ولو كان الوضع بعد الوفاة أو بعد الطلاق بساعة.

    فلو أنه توفي عنها الساعة الثانية ظهراً، وبعد وفاته ولو بدقيقة خرج حملها وجنينها فقد خرجت من عدتها، وهذا حكم الله، والله يحكم ولا معقب لحكمه سبحانه وتعالى، وهذا شرعه وهذا حكمه، فهو أمرٌ تعبدي، فإذا وضعت الحامل حملها خرجت من عدتها.

    فهنا بيّن المصنف رحمه الله أنها تعتد أربعة أشهر وعشراً بشرط: أن لا تكون حاملاً، فإن كانت حاملاً فإنها تعتد بوضع الحمل، وجماهير السلف والخلف -رحمهم الله ورضي الله عن أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم أجمعين-على هذا.

    وهناك من الصحابة من أثر عنه القول، بأنها تعتد أبعد الأجلين، فإن كانت حاملاً ووضعت بعد الوفاة بأسبوع أو بشهر أو بشهرين أو بثلاثة فإنها تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً؛ لأن عدة الوفاة أطول، وإن كان حملها يستمر فوق الأربعة الأشهر وعشراً فتعتد لوضع الحمل، فيرون أنها تعتد أبعد الأجلين، وهذا قول ضعيف.

    والصحيح: ما دل عليه ظاهر الكتاب، وظاهر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانعقدت عليه كلمة جماهير السلف رحمهم الله أجمعين.

    عدة الأمة المتوفى عنها زوجها

    قال رحمه الله: [للحرة أربعة أشهر وعشراً وللأمة نصفها].

    هذه العدة للحرة. أي: للمرأة الحرة أربعة أشهر وعشرا كما في نص الآية التي سبقت، وكذلك حديث أم حبيبة رضي الله عنها في الصحيحين، فقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على أن عدة المرأة أربعة أشهر وعشرا، وفرق المصنف رحمه الله بين الحرة والأمة، فالأمة في مذهب الجمهور تكون على التشطير في عدة الوفاة، وهذه المسألة خالف فيها بعض أئمة السلف رحمهم الله وقالوا: عدة الوفاة تستوي فيها الحرة والأمة كما هو مذهب الظاهرية، والذي يظهر من ناحية الدليل أن أصح القولين مذهب الظاهرية؛ فإنهم لا يقولون بالتشطير، وفي مذهب مالك أيضاً ما يدل على ذلك، وهذا القول ألزم للأصل، وأقعد للسنة بالدليل، فالكتاب والسنة على أن المرأة حرةٌ كانت أو أمة تعتد بهذه العدة وهي أربعة أشهر وعشرا؛ لأن ظاهر القرآن لم يفرق، وكذلك ظاهر السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبقى على هذا الظاهر، والحنابلة ومن وافقهم رحمةُ الله عليهم ألحقوا هذه المسألة بعدة الطلاق فقالوا: لما كانت الأمة تعتد في طلاقها على النصف فكذلك في عدة الوفاة، وفي الحقيقة أن عدة الوفاة جانب التعبد والقياس فيها أضيق، ثم إن مسألة تشطير عدة الطلاق سيأتي -إن شاء الله- الكلام عليها وفيها ما فيها، وبناءً على ذلك يكون هذا من باب رد المختلف فيه إلى غير المختلف فيه، وظواهر النصوص على أن عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا بالنسبة للمرأة حرةً كانت أو أمة.

    1.   

    إذا اعتدت لطلاق رجعي فمات الزوج أثناء عدتها رجعت لعدة الوفاة

    قال رحمه الله: [ فإن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت ].

    هذه مسألة تتعلق بالمرأة المطلقة، فالمرأة إذا كانت في عصمة الرجل. أي: عقد عليها وتوفي عنها فلا إشكال، وحينئذٍ تعتد، وقلنا: سواء توفي وقد دخل بها أو لم يدخل، حتى لو توفي بعد العقد بثانية واحدة فإنها زوجته ترثه ويسري عليها ما يسري على الزوجة من وجوب عدة الوفاة.

    أما بالنسبة للمسألة التي معنا فهي مسألة الطلاق: إذا طلق الرجل امرأته واعتدت في طلاقه لها عدة الطلاق وتوفي أثناء العدة، فإن كانت المرأة في عدة طلاق رجعي كأن يكون طلقها الطلقة الأولى أو طلقها الطلقة الثانية ثم توفي أثناء عدة الطلاق؛ فإنها في حكم الزوجة وتعتد بعدة الوفاة، وبناءً على ذلك: فإنه يحكم بوجوب الحداد عليها أربعة أشهر وعشراً، وتنتقل إلى عدة الوفاة، ومن العلماء من اختار أنها تعتد أبعد العدتين، والذي اختاره المصنف رحمه الله: أنها تنتقل إلى عدة الوفاة وأنها زوجته، وبناءً على ذلك: تأخذ حكم الزوجية، وقد تقدم معنا أن الطلاق الرجعي تبقى فيه المرأة في حكم الزوجة.

    قال رحمه الله: [سقطت وابتدأت عدة وفاة منذ مات].

    سقطت عدة الطلاق ورجعت إلى عدة الوفاة، حتى ولو كان ما بقي لها من عدة الطلاق إلا اليسير، فما دام أنه قد توفي قبل انتهاء عدة الطلاق، فلا عبرة بعدة الطلاق وتستأنف عدة الوفاة؛ لأنه توفي عنها وهي في عصمته وفي حكم الزوجة، وقد بينا أنها في حكم الزوجة، ولذلك يحق للرجل أن يراجع زوجته الرجعية التي هي في الطلقة الأولى والطلقة الثانية بعد الدخول حتى ولو لم ترض، ويردها بدون مهر وبدون عقد جديد، وهذا يدل على أنها في حكم الزوجة، ومن هنا لو مات عنها فقد شاء الله عز وجل أن يموت وهي في عصمته، فتعتد عدة الوفاة وتبقى في حكم الزوجية، ومن هنا يرد السؤال: لو بقي قليل من عدة طلاقها وتوفي الرجل، هل تتم عدة الطلاق أم تستأنف عدة الوفاة؟ بين رحمه الله أنها تسقط عدة الطلاق وتستأنف عدة الوفاة منذُ وفاة زوجها، فلو توفي في شهر شوال وكان قد بقي لخروجها من عدة الطلاق إلى نهاية ذي القعدة وبلغ الخبر في خمسة عشر من ذي القعدة فإنها تحتسب من شهر شوال الذي وقعت فيه الوفاة، فبين رحمه الله حكمين: الحكم الأول: سقوط عدة الطلاق؛ لأنها في حكم الزوجة وقد توفي عنها زوجها.

    ثانياً: استئناف عدة الوفاة، وهذا الاستئناف لعدة الوفاة يكون من حين وفاته، وهذا ما أشار إليه المصنف رحمه الله حينما جعل بداية العدة منذُ وفاته.

    1.   

    طلاق الرجل لامرأته في مرض الموت

    قال رحمه الله: [ وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل ].

    سيدخل المصنف في مسألة الطلاق والموت بعده، فالمرأة إذا طلقها زوجها وتوفي بعد تطليقه لها لا يخلو طلاقه من صورتين:

    تطليق الرجل لامرأته قبل الموت مع عدم التهمة

    مثال ذلك: أن يطلقها وهو صحيح ثم يخرج -نسأل الله السلامة والعافية- فيحصل له حادث فيموت، وتكون الطلقة الأخيرة، أو يطلقها ثلاثاً -على مذهب الجمهور- وتبين منه، ففي تطليقه لها الطلقة الثالثة أو ثلاث مجموعات في حال صحته وليس هناك مرض مخوف -كما قدمنا في ضبط مرض الخوف- فإنه لا يتهم في إخراجها وحرمانها من الميراث، ولا ترثه ولا إشكال في ذلك، فإذا طلقها وهو صحيحٌ قوي ثم توفي فجأة فإننا لا نشك أن الطلاق قُصِد منه إخراجها عن العصمة وحرمانها من الميراث دون وجود تُهمة أنه يريد ذلك، ولا ترثه لأنها صارت في حكم الأجنبية.

    تطليق الرجل لامرأته مع التهمة

    وقد يطلقها وتجتمع القرائن على إثبات أنه يريد حرمانها من الميراث، كأن يطلقها في مرض الموت المخوف ويبت طلاقها فدل على أنه يقصد أن يحرمها من الميراث، فهذه المسألة اختلف فيها أئمة السلف رحمهم الله، وكان الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه يقضي أنها تورث حتى ولو خرجت من عدتها، وذلك معاملةً له بنقيض قصده حيث خالف شرع الله عز وجل وظلمها وحرمها حقها، فالظاهر شيء ونيته شيءٌ آخر، فمن قضى من الصحابة بهذا القضاء غلب الباطن على الظاهر؛ لأن الشريعة قد يجمع فيها الأمران الظاهر مع الباطن، وقد ينظر إلى الظاهر ولا يلتفت إلى الباطن كما في المنافقين، وقد ينظر إلى الباطن ولا يلتفت إلى الظاهر كما في هذه المسألة، والباطن إما بإقراره كأن يقول: قصدت حرمانها، ويأتي شهودٌ عند القاضي ويقولون: فلانٌ طلق فلانة في مرضه وقال: قصدت حرمانها من الميراث، فحينئذٍ يثبت عند القاضي أنه قصد هذا القصد السيئ الذي يخالف شرع الله، أو تدور القرائن على هذا، كأن يطلقها بالثلاث وبعد أن أخبره الأطباء أن مرضه مرض موت، فليس هناك من داعٍ لهذا الطلاق ومرضه مخوف يؤدي إلى الموت -نسأل الله السلامة والعافية- إلا الإضرار بالمرأة، ولذلك يذكر العلماء من أمثلة ختم العمل -والعياذ بالله- بالعمل السيئ: أن يظلم الإنسان في آخر عمره بتطليق الزوجة وحرمانها من الميراث؛ أو بالجوار في الوصية، كما جاء في الأثر أن من جار في وصيته ختم له بخاتمة سوء والعياذ بالله، فآخر ما يكتب في ديوانه عمل السوء -نسأل الله السلامة والعافية- حتى إن بعض العلماء قالوا: قوله: (فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، قالوا: المراد دخول الموحدين، وهو أن يعمل بعمل أهل النار فيفعل كبيرة قبل موته فيختم له بخاتمة السوء، ويشاء الله تعذيبه كي يدخل النار تطهيراً من هذا الذنب.

    إذاً: من أمارات سوء الخاتمة أن الشخص -والعياذ بالله- يجور ويظلم في آخر عمره، وفي هذه المسألة قضى الصحابة رضوان الله عليهم -وهو وقضاء عثمان رضي الله عنه- أنها ترث حتى بعد خروجها من العدة، وقد اختار هذا طائفة من أئمة السلف ودواوين العلم رحمهم الله واختاروا أنه يعامل بنقيض قصده.

    1.   

    إذا توفي من أبانها في مرض موته

    قال رحمه الله: [ وتعتد من أبانها في مرض موته: الأطول من عدة وفاة وطلاق ].

    أي: تعتد عدة الوفاة، وإذا أثبت لها عدة الوفاة فمعنى ذلك: أنه أثبت لها الميراث؛ وعامله بنقيض قصده، فترث في هذه الحالة كل من طلقها زوجها في حال مرضه المخوف -وهو مرض الموت وقد تقدم ضابطه- وكان طلاقه طلاقاً بائناً، ولو كان طلاقه جارياً على العادة لطلقها طلاقاً رجعياً، لكنه حين طلقها ثلاثاً دل على أنه يقصد حرمانها وظلمها، فمن هنا تقوى الشبهة والقرينة في الدلالة على أنه يريد السوء بها فيعامل بنقيض قصده.

    إذاً: يثبت لها:

    أولاً: الإرث؛ معاملةً له بنقيض القصد.

    ثانياً: إذا ثبت الإرث ترتب عليه العدة، فلو كانت عدة الوفاة أطول من عدة الطلاق قدمت عدة الوفاة على عدة الطلاق وتعتد عدة الوفاة، وإن كانت عدة الطلاق أطول من عدة الوفاة اعتدت عدة الطلاق. يعني: تعتد أطول العدتين، وهذا قد تقدم معنا غير مرة، وهي من مسائل الاشتباه، ولذلك يحتاط لحق الله عز وجل؛ لأن العدة فيها معنى التعبد، ومن هنا يقال: إذا كان الأطول عدة الوفاة اعتدتها، وإن كان الأطول عدة الطلاق اعتدتها، فلو أنه توفي في آخر عدة الطلاق فالأطول عدة الوفاة، ولو كان العكس كأن يطول حيضها وطهرها فعدة الطلاق أطول، وحينئذ تقدم عدة الطلاق على عدة الوفاة.

    1.   

    حالات تقديم عدة الطلاق على عدة الوفاة

    قال رحمه الله: [ ما لم تكن أمة أو ذمية أو جاءت البينونة منها فلطلاق لا لغيره ].

    (ما لم تكن أمةٌ أو ذمية)؛ لأن الأمة والذمية لا إرث لهما، فلو تزوج أمةً وتوفرت فيه الشروط التي تقدمت معنا في نكاح الإماء، وطلقها قبل وفاته طلاقاً بائناً فلا ترثه سواء طلقها أو لم يطلقها.

    وموانع الإرث واحدة من علل ثلاث -كما ذكرها صاحب الرحبية-:

    رق وقتل واختلاف دين فاعلم فليس الشك كاليقين

    من موانع الإرث: الرق؛ لأن الأمة لا تملك وليس لها يد بالملكية، وحينئذ مالها لسيدها، فلو قلنا بإرثها لكان الإرث للسيد، وبناءً على ذلك تقول: لا ترثه إذا توفي، فإذا كانت لا ترثه إذا توفي فحينئذٍ إذا طلقها فلا تهمة عليه؛ لأنها لا ترث أصلاً، ومن هنا فليس هناك موجب لإدخال عدة الوفاة عليها إذا طلقها طلاقاً بائناً.

    (أو ذمية) الذمية: هي المرأة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ويجوز للمسلم نكاح نسائهم في سائر الأعصار والدهور؛ لأن النص واضح وصريح ولا إشكال فيه، ولكن قد تستثنى بعض الحالات ويمنع من ذلك، كأن يؤدي به إلى أن يذهب إلى بلاد الكفر، أو أن ذريته ستؤخذ منه، فهذه مسائل مستثناة؛ لكن الأصل الشرعي الذي دلّ عليه نص الكتاب وأصول الشريعة: جواز نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم، والسبب في هذا: الطمع في إسلامهن، وقد أحل الله الزواج من الكتابية ولم يحل نكاح الكتابي للمسلمة؛ لأن الرجل غالب للمرأة، فالغالب أن المرأة تتأثر به، وقد تسلم، وإذا لم تسلم على يد زوجها فقد تسلم على يد أولادها، ولكن إذا كان الزوج كافراً والمرأة مسلمة، فقد يكون الأمر بالعكس، فأحل الله النكاح للرجال ولم يحله للنساء، فإذا قيل: إن عندهم شركاً، فالنصارى يعبدون المسيح، واليهود يقولون: عزير ابن الله.

    نقول: لقد نص الله عز وجل على هذا من أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الشرك موجود من أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يختلف فيه اثنان، ووصفهم الله بأنهم أشركوا وكفروا، ونص على ذلك في غير ما موضع من الكتاب، ومع ذلك أجاز نكاحهن.

    إذاً: من حيث النصوص فلا إشكال في جواز نكاح الكتابية، لكن لا يفتى لكل شخص بجواز ذلك، فالفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، فلو أن شخصاً سألك عن ذلك، وأنت تعرف حالته أنه ضعيف دين وإيمان، ويخشى عليه من زواج الكتابية، فهذا لا شك أن شرع الله عز وجل يمنعهُ؛ لأن الوسائل آخذة حكم مقاصدها، فالوسيلة إلى الكفر من أعظم المسائل في الشريعة الإسلامية تحريماً، حتى إن الإمام العز بن عبد السلام وكذلك السيوطي وغيرهما من أئمة العلم لما قرروا في قواعد الفقه مسألة الوسائل ذكروا أن أعظمها إثماً: ما أفضى إلى الشرك والكفر، فإذا كان نكاحه للكتابية يفضي إلى الكفر منع من ذلك، وتتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان وفي حق بعض الظروف والأشخاص، لكن أصول الشريعة دالة على جوازه.

    إذاً: الشاهد: أنه لو تزوج امرأة من أهل الكتاب وطلقها وأبانها في مرض الوفاة فإنه لا يتهم؛ لأنها لا ترثه؛ لأن الكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر كما تقدم في موانع الإرث في بيت الرحبية:

    رقٌ وقتلٌ واختلاف دين فاعلم فليس الشك كاليقين

    فاختلاف الدين يمنع من الإرث، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح- لما سئل عن منزله في حجة الوداع، قال عليه الصلاة والسلام: (وهل ترك لنا عقيل من رباع)؛ لأن قرابته ماتوا وهم على الشرك فلم يرثهم عليه الصلاة والسلام، وعقيل تأخر إسلامه فورث الكفار الذين ماتوا من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، فباع الدور ثم أسلم رضي الله عنه، فجمع الله له بين الدين والدنيا؛ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وهل ترك لنا عقيل من رباع)؛ لأن الكفر حال بينه عليه الصلاة والسلام وبين الإرث، فالمرأة إذا كانت كافرة فلا يرثها زوجها المسلم ولا ترثه؛ لأن المقصود من نكاحه لها هدايتها إلى الإسلام، فإذا مات عنها وهي على الكفر فقد فات المقصود، ومن هنا لا علاقة بينه وبينها، وتطليقه لها في مرض الموت ولو كان باتاً موجب لخروجها من العصمة ولا تهمة فيه، وحينئذٍ لا تثبت عدة الوفاة بالنسبة لها.

    قال رحمه الله: [أو جاءت البينونة منها فلطلاق لا لغير].

    أي: طلبت الطلاق وهذه كلها أمثلة لما تستبعد فيه الشبهة وتستبعد فيه القرينة على أنه يريد حرمانها، وصورة المسألة: امرأة اختصمت مع زوجها في مرض موته، فقالت له: طلقني ثلاثاً، فلو كانت الطلقة الأخيرة فقالت: طلقني، فيفهم حينئذٍ أنها هي التي طلبت الطلاق وليس هو الذي ابتدأ الطلاق، فالتهمة حينئذٍ ضعيفة، والظن ضعيف، فإذا طلقها فلا إرث لها ولا تأثير في عدتها؛ لأنها صارت أجنبية بالطلقة الثالثة وليس هناك تهمة له بقصد حرمانها من الميراث؛ لأنها هي التي طلبت الطلاق، ولم تتوفر العلة التي أعمل الصحابة رضوان الله عليهم بسببها الإرث وحكموا بثبوته، فإذا طلبت وسألت الطلاق؛ فحينئذٍ يسقط حقها في الميراث.

    بالمناسبة: يجب التنبيه على هذه المسائل خاصة في هذا الزمان -نسأل الله السلامة والعافية- الذي كثر فيه تطليق الكبار في آخر أعمارهم لزوجاتهم، وهذا أمر يحتم على طلاب العلم نصيحة الناس وتذكيرهم بالله عز وجل، خاصة الأئمة والخطباء، فإن الرجل في آخر عمره قد تسيء إليه زوجته وتضايقه، وقد تكون الإساءة منها بسبب ضعفها وكبرها، فالإنسان إذا كبر ضعف وربما ساء خلقه؛ كما في قصة ثعلبة في قصة الظهار لما جاءت زوجته خولة تشتكيه وقد كان شديداً عليها، وظاهر منها وآذاها وأضر بها، ومع ذلك قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (استوصي بابن عمك خيراً)، فالرجل إذا كان كبيراً في آخر عمره تسوء أخلاقه، والمرأة إذا كبرت تسوء أخلاقها أكثر؛ لأنها أضعف من الرجل، فمسألة الطلاق في آخر العمر يوصى الأئمة والخطباء والعلماء ومن له دور في توجيه الناس بتذكير الناس بالله عز وجل بحفظ العهد، فالمرأة تمكث مع زوجها خمسون سنة وهي أم لأطفاله وتقوم على حاله، وقد يكون في حال فقر وشدة فتكافح وتجاهد من أجله حتى إذا كان في آخر عمره يسرحها ويطلقها، وقد لا يوجد من يعولها، فهذا أمر في شدة الغرابة، وهو يجوز له أن يطلق لكن ليس هذا من الوفاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أولئك بخياركم)، فيذكر الناس بالأخْيَر، ويذكر الرجل بأنه قد صبر هذه المدة كلها أفلا يصبر القليل من عمره؟! وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن حفظ العهد من الإيمان، ومن حفظ العهد: أنه إذا أساء إليك من له حق ومن له سابقة أن لا تقابله بالإساءة، فهذا حاطب بن أبي بلتعة الصحابي الجليل رضي الله عنه، شهد بدراً ثم كتب كتابه إلى قريش يحذرها من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الكتاب من أخطر الكتب؛ لأنهم إذا أخذوا الحذر فسيقتلون المسلمين وسيحتاطون، ولربما كمنوا للمسلمين، وأخذوا المسلمين على غرة فتسيل الدماء وتزهق الأرواح، ومع ذلك لما أطلع الله رسوله على كتابه قال عمر رضي الله عنه: (يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق)، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (وما يدريك! لعل الله اطلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)؛ لأنه جاهد ووقف الموقف العظيم في يوم بدر وكان منه ما كان، ولكن الله جل وعلا من عظيم وفائه، حفظ له جهاده وسابقته في الإسلام: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وهذا من كرمه سبحانه وتعالى، وصدق الله إذ يقول: وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة:111]، فلا أوفى من الله، حتى إن الرجل الصالح إذا مات وفى الله له في حياته وبعد موته.

    الشاهد: أن الله يحب الوفاء، وعدم الوفاء أمرٌ عمت به البلوى، وكثرت فيه الشكوى، خاصة: تطليق النساء في آخر الأعمار، وأعظم ما يكون ذلك إذا كانت المرأة لا عائل لها وتتعرض إلى سؤال الناس، وأعرف بعض الحوادث التي تئن لها القلوب وتنجرح لها النفوس -نسأل الله العافية والسلامة- استولى عليه الشيطان وطلقها في آخر عمره فعاشت في شر عيشة، مع أنها كانت معه في فقرٍ وشدة وكانت بعد الله سبباً في صبره على كثير من الشدائد التي مر بها، فهذه أمور في الحقيقة يفضل أنه ينبه الناس عليها، خاصةً في هذا الزمان الذي لا يجد فيه الزوج من يصبره، وإلى الله المشتكى والله المستعان.

    1.   

    مسألة: إذا طلق بعض نسائه مبهمة أم معينة ثم أنسيها ومات قبل القرعة

    قال رحمه الله: [وإن طلق بعض نسائه مبهمة أو معينة ثم أنسيها ثم مات قبل قرعة اعتد كل منهن سوى حامل الأطول منهما].

    (وإن طلق بعض نسائه مبهمة أو معينة) مبهمةً: أي: لم يحدد. كأن يكون عنده ثلاث نساء فقال: واحدةٌ منكن طالق، فالطلاق وقع، ولكن لا ندري أيتهن التي طلقها. كذلك أيضاً (معينة) لو قال: فلانة من نسائي طالق، وقال هذا في خلوته أو بحضور شخص، فنسي هو والشخص الذي معه من التي طلقها.

    إذا أبهم الطلاق فقال: (إحداكن طالق) فقد تقدم معنا أنه يقرع بين النساء، فمن خرجت القرعة عليها فهي الطالق، وفي هذه الحالة إذا أجريت القرعة عرفنا من التي يقع عليها الطلاق، لكن الإشكال: إذا حصلت له الوفاة قبل أن يُقرع، فحينئذٍ تكون القرعة محتملة لكل واحدة، فكل واحدة منهن يحتمل أن تكون هي التي تخرج عليها القرعة لو أجراها في حياته، ومن هنا تلزم جميع نسائه بالأطول من العدة، سواء كانت عدة الوفاة أو عدة الطلاق؛ لما تقدم معنا في مسألة التداخل.

    (أو معينة ثم أنسيها) القضية أن يكون هناك إبهام، إما إبهام في الأصل، أو إبهام طارئ، والإبهام الطارئ: أن يعين ثم ينسى.

    (ثم مات قبل قرعة)

    نفهم أنه لو مات بعد القرعة فلا إشكال، فالتي خرجت عليها القرعة هي التي يتعلق بها الطلاق، والباقيات نساءٌ يرثن ويعتددن.

    (اعتد كل منهن -سوى حامل- الأطول منهما).

    سوى الحامل: فإنها تعتد عدة الوفاة أو عدة الحمل، والحامل بينا أنها تعتد بوضع جنينها؛ لأن ظاهر الكتاب والسنة دال على أن المرأة إذا كانت حاملاً ووضعت حملها انتهت عدتها، لكن بالنسبة للمطلقة فإنه ينظر إلى الأطول في عدتها، سواء عدة الطلاق أو الوفاة، كأن تكون واحدة من زوجاته صغيرة، والصغيرة التي لم تحض عدتها ثلاثة أشهر، وعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، فتعتد عدة الوفاة؛ لأنها تكون في حكم الزوجة، وفي هذه الحالة نحكم بأنها تعتد الأطول وهي عدة الوفاة، وأسقطنا الأقل وهي عدة الطلاق الثلاثة الأشهر، ولو كان حيضها يطول فيه الطهر بين الحيضتين بحيث تستنفذ مدة الوفاة وتربو عليها فحينئذٍ تعتد بعدة الطلاق، سوى الحامل بنص الكتاب والسنة على أنها تعتد لوضع حملها، فقال رحمه الله: (سوى حاملٍ) وسوى من أدوات الاستثناء.

    1.   

    الأسئلة

    اعتبار السقط في انقضاء العدة بعد التخلق

    السؤال: هل السقط معتبر في انقضاء العدة؟

    الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فقد تقدمت معنا هذه المسألة وبينا أن الحمل إذا كانت فيه صورة الخلقة فإنه يحكم به ويعتد، وإذا كان لا تخلق فيه فإن وجوده وعدمه على حدٍ سواء، وتستأنف المعتدة عدة الوفاة إذا كان قد توفي عنها زوجها، وعدة الطلاق إذا كانت مطلقة.

    فإذاً: لا بد من وجود صورة الخلقة، فإذا وجد فيه التخلق وكان ذلك بعد نفخ الروح فيه، فيأخذ حكم الحمل، وقد بينا هذه المسألة وذكرنا وجه اعتبار هذا النوع من الحمل موجباً للخروج من العدة، وأنه تسري عليه أحكام العبادات من كون الدم دم نفاس، والله تعالى أعلم.

    حكم العزاء بعد ثلاثة أيام

    السؤال: جاء في الشرع أنه لا يجوز الإحداد فوق الثلاثة أيام إلا للمرأة المنكوحة المتوفى عنها زوجها فيجب عليها إتمام عدتها، فهل يدل هذا على جواز العزاء بعد الثلاثة أيام؟

    الجواب: ذكر بعض العلماء أنه لا يعزى إلا في الثلاث؛ لأنها أقرب شيء إلى المصيبة، ولذلك كانوا يشددون فيما زاد على الثلاث؛ لأنه تذكير بالمصيبة، والشريعة فرقت ما بين الثلاث وما بعد الثلاث، ومن هنا: كانوا لا يستحبون إذا تطاول الزمان أن يعزى الرجل؛ لأنه إذا تطاول الزمان وجاء يعزيه ذكره بالمصيبة، والمراد بالتعزية التثبيت عند المصيبة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى) فالثلاثة الأيام هي القريبة من الصدمة الأولى، فهذا وجهها، فكانوا يعتدون بالثلاث، وظاهر السنة واضح في هذا: أنه جعل الحداد في ثلاثة أيام؛ لأنها قريبة من الصدمة الأولى، وما بعد الثلاث -يقولون- يختلف: فإذا كان هناك تقارب في الزمن فيمكن أن يعزى فيه، كشخص كان غائباً مسافراً وقدم من سفره، أو تعذر عليه الوصول خلال الثلاثة أيام، أو لم يعلم الخبر إلا بعد أسبوع، ثم جاء يطيب خاطر أهل الميت، فهذا لا بأس به، لكن إن تفاحش الزمان وطال فإنه تجديد للحزن، وهذا خلاف المقصود من العزاء وهو إسكان النفس من ثورة الصدمة وضررها، والله تعالى أعلم.

    العدل بين الزوجات

    السؤال: من فارق زوجته بأن تزوج عليها ثم مات، فهل تعتبر الزوجة الأولى في عصمته وتعتد؟

    الجواب: إذا (فارق) هذا فيه تفصيل، فإذا قصد بالفرقة الطلاق فلا إشكال أنها إذا خرجت من عدة الطلاق فهي أجنبية عنه، وأما ما يجري من بعض الناس -نسأل الله السلامة والعافية- إذا تزوج امرأة ثانية انقطع عن الأولى ولم يأتها، وربما لا ينفق عليها وهي في عصمته، فهذا ينطبق عليه الحديث الصحيح: (أن من تزوج امرأتين ولم يعدل بينهما أتى يوم القيامة وشقه مائل)، إما مشلول -والعياذ بالله- عقوبة من الله له لجوره وظلمه، أو كما يقول بعض العلماء: شقه مائل. أي: كفة السيئات تميل بكفة الحسنات، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أحرج) -يعني: عظيم الحرج والإثم- في حق الضعيفين المرأة واليتيم) كما في صحيح البخاري ، وهذا يدل على أن ظلم المرأة إثم عظيم، والوزر المترتب على أذية النساء لمكان الضعف فيهن أعظم من أذية غيرهن، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي يوم القيامة وشقه مائل نسال الله السلامة والعافية.

    وذكر بعض أئمة الحديث في شرحه أن المراد به: أن سيئاته تربو على حسناته لسبب ظلمه لفراشه وأهله، ولذلك كما أن خيركم خيركم لأهله، فمهوم ذلك أن من أشر الناس من كان شريراً على أهله وزوجه، فإذا فارقها بهذا الشكل، وتوفي عنها فهي زوجته وترث منه ويرثها ولو ماتت، وعليها عدة الوفاة بإجماع العلماء، والله تعالى أعلم.

    حكم الوصية بالثلث للمطلقة

    السؤال: إن طلق الرجل زوجته وأراد الإصلاح والإحسان إليها كأن يوصي لها بالثلث، فما حكم ذلك؟

    الجواب: إذا كانت المرأة لا ترث ووصى لها فجزاه الله خيراً، وهذا من حفظ المعروف، ومن البر، فإذا وصى لها بشيء من الميراث، فجبر كسرها وجبر خاطرها فهذا خير، والله تعالى يقول: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237]، ولذلك ليس هناك أكمل من شرع الله عز وجل، ولو تبجح الناس بحقوق المرأة فليس هناك على وجه الأرض أكمل ولا أتم من هذا الدين الذي وصى بالنساء وصيةً لا يمكن أن يُعلى عليه، ولا يمكن لأحد أن يبلغ ما بلغه هذا الشرع الكريم، فإن الله تبارك وتعالى وصى بالنساء خيراً، وثبتت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك: ومن هنا إذا طلقت المرأة مع تفرقهما عن بعضهما، يقول الله تعالى: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237]، ثم يوصي بمتعة الطلاق فقال: وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة:236]، وجعل الإحسان أعلى مراتب العبادة لله عز وجل، ثم قال: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241]، والتقوى كلها خير، فلا يحفظ هذا العهد إلا المحسن المتقي؛ ولذلك جاء رجل إلى القاضي الفاضل الإمام أبي أمية شريح الكندي رحمه الله برحمته الواسعة وقد كان قاضياً لثلاثة من الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، جاءه رجل طلق امرأته فقال له: يا هذا! متع زوجتك متاعاً حسنا، فقال الرجل: لا. فتلا عليه قول الله جل وعلا: وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة:236]، فأبى الرجل، فتلا عليه قول الله جل وعلا: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241]، فأبى الرجل، ومضت الأيام، ثم بعد مدة جاء هذا الرجل ليشهد في قضية فأهانه شريح ورد شهادته، وقال له: لا والله لا أقبل شهادتك، إنك أبيت أن تكون من المحسنين، وأبيت أن تكون من المتقين فلا أرضى شهادتك؛ لأن الله يقول: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، فلما أبى أن يكون من أهل التقوى، وأبى أن يكون من أهل الإحسان اعتبرها شريح طعناً في شهادته، فأذله وأهانه؛ وإسقاط الشهادة أمر عظيم، ولذلك أسقط الله شهادة القاذف، وأئمة السلف كانوا لا يتساهلون في مثل هذه الأمور التي وصى بها كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالرجل الذي وصى للمرأة من ميراثه صاحب كرمٌ وفضل، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، والله تعالى أعلم.

    حكم بيع الجلود قبل دبغها

    السؤال: هل يجوز بيع الجلد قبل الدباغ لشركات الدباغة؟

    الجواب: الجلد قبل الدباغ على وجهين:

    الوجه الأول: أن يكون جلد مذكاة، فجمهور العلماء على أن جلدها وأجزاءها كلها طاهرة بالذكاة.

    وأما بالنسبة للميتة التي ماتت حتف نفسها، فهل يطهر جلدها إذا دبغ أو لا يطهر؟ للعلماء رحمهم الله وجهان: أصحهما مذهب الجمهور: أن الأديم والجلد إذا دبغ طهر، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر)، وقوله في الصحيح: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، وقال في الحديث الحسن: (دباغ الأديم ذكاته) فإذا كان جلد ميتة ودبغ ثم بيع فلا بأس ولا حرج، وإذا كان جلد مذكاة فبيع قبل الدباغ فلا بأس ولا حرج، وإن كان جلد ميتةٍ وبيع قبل الدباغ فذلك لا يجوز؛ لأنه في حكم الميتة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: (خطب في الغد من يوم الفتح فقال: إن الله ورسوله حرم بيع الميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام)، فهذا يدل على أن الميتة بجميع أجزائها التي تقبل الحياة لا يجوز بيعها، وبناءً على ذلك: فكما أنه لا يجوز بيع الميتة كلها فلا يجوز بيع أجزائها التي تقبل الحياة، فإذا دبغ جلدها صار طاهراً؛ لأن العلة في هذه الأربع النجاسات كما في حديث جابر بن عبد الله : إما معنوية أو حسية أو جامعة للحس والمعنى، ولذلك يقول العلماء -وممن ذكر هذا ابن رشد في بداية المجتهد -والأصل تحريم بيع الأعيان النجسة لحديث جابر بن عبد الله ، فالنجاسة الأصل في تحريم بيعها حديث جابر بن عبد الله هذا، فإن من حكمة النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر نجاسة في حيوان حي، ونجاسة في حيوان ميت، وذكر نجاسة الجامد والماء، وهذا لأجل أن يكون الحديث أصلاً لغيره فيقاس عليه غيره؛ لأن الشيء إما من الحيوانات وإما من غير الحيوانات، وغير الحيوانات إما جامد أو مائع، والحيوان إما حي أو ميت، فدل هذا على صحة القياس، وأن المقصود أن يلحق بهذه الأشياء غيرها، وبناءً على ذلك: فلو باع جلد الميتة قبل الدباغ، فإنه قد باع نجساً، والنجاسات لا يجوز بيعها في قول جماهير السلف والخلف، فلا يحل مالها ولا يحل أكل ثمنها، ولذلك حرم بيع الكلب وهو نجس، وقال صلى الله عليه وسلم: (ثمن الكلب سحت)، وقد قال في حديث عبد الله بن المغفل في الصحيح: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات وعفروه .)، الحديث، فنبه على نجاسته فإذا ثبت هذا فالبيع هذا فيه هذا التفصيل، وأما إذا كانت ميتة ودبغ جلدها فالحنابلة يقولون بنجاسته ولو دبغ ويستدلون بحديث عبد الله بن عكيم عن أشياخ بني جهينة أنهم أتاهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بشهر أو شهرين: (أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)، وهذا حديث ضعيف وهو مضطرب إسناداً ومتناً؛ ولذلك لا يُعارض، ولو قيل بتحسينه، فإنه لا يقوى على معارضة ما في الصحيح، وبناءً على ذلك فإننا نقول: إن جلد الميتة إذا دبغ حل بيعه؛ لأنه صار طاهراً، وإذا لم يدبغ بقي على الأصل، فهو نجس والنجاسة لا يجوز بيعها ولا شراؤها. والله تعالى أعلم.

    حكم بيع المنابذة

    السؤال: إذا كان المشتري يجهل أوصاف السلعة فنبذ البائع على المشتري هذه السلعة دون أن يطلبها أو ينظر إليها. فهل هذه الصورة جائزة؟

    الجواب: إذا نبذ الشيء المبيع ومن يشتريه يعرف صفاته؛ فإنه يصح شراؤه؛ لأن المحرم بيع المجهول، والجهالة نوعٌ من الغرر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن بيع الغرر)، فكل بيعٍ لمجهولٍ في صفته، أو قدره، أو وجوده، أو سلامته، أو بقائه لا يصح.

    المجهول في قدره: كبيع الحصاة، يقول له: أبيعك ما انتهت إليه الحصاة، فهذا مجهول القدر، أو تقول: أبيعك هذه الدار بدنانير، فالدنانير مجهول قدرها، وكذا لا يصح مجهول الصفة كأن تقول: أبيعك سيارةً بعشرة آلاف، فلا يصح حتى تبين نوع السيارة وصفاتها، أو تقول: أبيعك بيتاً بمائة ألف، فلا يصح حتى تبين صفة البيت ومكانه بما يندفع به الغرر.

    أما المجهول في الوجود -هل هو موجود أو غير موجود- كأن يبيع ما في بطن الشاة أو ما في بطن الناقة كما في الصحيحين من حديث ابن عمر : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حبل الحبلة)، فإننا لا ندري هل هذا الذي في بطنها نفخ أو جنين، ثم هو مجهول السلامة فلا ندري هل هو حي أو ميت، وهو مجهول الصفة -أيضاً- لأنه بعد خروجه من بطن أمه لا ندري أهو كامل الخلقة أو ناقص الخلقة، فكل هذه البيوعات حرمها الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، لمكان الغرر وجهالة؛ ولذلك حرم النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين من حديث ابن عمر وأنس بن مالك رضي الله عن الجميع-: (بيع الثمر قبل بدو صلاحه)، لأنه مجهول السلامة.

    وقال -كما في الصحيح من حديث أنس - (أرأيت: لو منع الله الثمرة على أخيك فبم تستحل أكل ماله)، فالثمرة قبل بدو صلاحها معرضة للتلف، ولكن إذا بدا صلاحها فالغالب السلامة كما تقدم معنا في كتاب البيوع، فهذا النوع من البيوعات حرمه الله ورسوله لمكان الغرر، فإذا قال له: أبيعك سيارةً، وهو يعلم سيارته ويعرفها، وليس عنده سيارة غير هذه السيارة التي يعرفها بصفاتها جاز، أو يقول: أبيعك مزرعتي وهو يعرف مزرعته، أو أبيعك عمارتي وليس عنده إلا هذه العمارة، ولم يصفها له وكان المشتري على علم بها، جاز، وبناءً على ذلك فيصح البيع بشرط: أن لا تكون السلعة قد اختلف حالها بعد العلم، فإن اختلف شيءٌ من حالها بعد العلم كان له الخيار، وعلى كل حال: فمعوّل القضية ومدارها يدور حول زوال الجهالة والغرر، فإن كان يعلم فقد زال الغرر من جهة الجهالة ويصح البيع، والله تعالى أعلم.

    حكم الضفائر من الخيوط التي توصل بالشعر

    السؤال: ما حكم ضفائر النساء التي تُعمل من الخيط وتضفر مع الشعر ومن يراها يعرف أنها خيط وليست شعراً، علماً أن الخيط الذي يضفر له عدة ألوان؟

    الجواب: هذا من الوصل الذي لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعله، ومن فُعِل به ذلك، ففي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة)، والسبب في ذلك: أنه لا يجوز تغيير خلقة الله، ومن خلقة الله أن المرأة إذا كان شعرها قليلاً يترك كما هو ولا يوصل، ولذلك لما جاءت المرأة تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن شعر ابنتها قليل؛ فقالت له: أفأصله؟ فلعن النبي صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة، مع أن عندها عذراً، وهذا النوع من الفعل سواء كان الخيط على لون الشعر أو على غير لون الشعر، لا يجوز.

    وينبغي على المسلمة أن تجتنب هذا الأمر وأن تنصح من ترى من النساء يفعلن هذا، ففيه اللعنة، ومن لعنه رسول صلى الله عليه وسلم فقد لعنه الله، ومن لعنه الله لم يبق شيء في الأرض ولا في السماء إلا لعنه، واللعن أمره عظيم، فعلى المرأة أن تتجنب ذلك، والسبب في هذا -كما ذكر العلماء- أنه راجع إلى الاعتقاد؛ لأن الواجب على المسلم إذا أعطي خِلقة أن يرضى بها، سواء في شعره أو في جسده، أو في طوله، أو في قصره، يجب عليه أن يرضى بذلك، فإذا لم يرض بقسمة الله عز وجل جاء اللعن من هذا الوجه؛ ولذلك كان الوعيد شديداً والعقوبة أليمة؛ لأنه متعلق بالعقيدة؛ وليست القضية في فعلها؛ إنما الأمر في الاعتقاد، وقد يقول قائل: لماذا ضُيق في هذا الأمر؟ فنقول: لما فيه من عظيم الحكمة، فإن المرأة إذا دخلت على النساء وشعرها قصير، رأتها المرأة ذات الشعر الطويل فحمدت نعمة الله عليها وعرفت فضل الله عليها، فصار أجراً للمبتلاة وذكراً لغير المبتلاة، وكذلك في الخلقة -مثلاً- لو كان أعمى، وكانت عينه عوراءً -مثلاً- فتترك على خلقتها، ولا يستخدم العدسات أو الأشياء التي تركب حتى تظهر العين بصورة جميلة وكأنها عين مُبصر، فهذا كله من تغيير الخِلقة بل تترك كما هي؛ لأن هذا هو الأصل، ولذلك لعن النبي صلى الله عليه وسلم -نسأل الله السلامة العافية- المغيرات لخلق الله.

    وجعل اللعن في النساء؛ لأنهن أحوج وأشد حاجة من الرجال، فتترك الخلقة كما هي في صورة الجلود وصورة الأعضاء والشعر، ويُرضى بقسمة الله عز وجل، فذلك أتقى لله وأعظم أجراً للعبد عند سيده ومولاه، والله تعالى أعلم.

    حكم أخذ أنقاض البيوت التي تهدم مقابل التعويض

    السؤال: إذا أُعطيت بدل بيتي بيتاً آخر فهل يجوز أن آخذ الأخشاب التي في البيت مع العلم أن الجهة التي تقوم بهدم البيت لا تهتم بمثل تلك الأنقاض؟

    الجواب: بالنسبة لأنقاض البيوت التي تُهدم، إذا كانت ملكاً لبيت مال المسلمين فلا يجوز استحلالها إلا بوجهٍ شرعي، ولا يملكها أحد؛ لأنها لبيت مال المسلمين، والأصل يوجب أن تُباع ثم توضع في بيت مال المسلمين، وأما إذا كان الذي اشترى منك البيت وهدمه غني وثري ولا يريد هذه الأشياء، وأذن للناس أن يأخذوها، فلا بأس أن تأخذها أنت وغيرك فيها على حدٍ سواء، والحق لمن سبق أو من خصص له المشتري أن يأخذ ذلك الشيء، وبناءً على ذلك يفصل في هذه المسألة فنقول: لا بد من وجود الإذن الشرعي أو الإذن من المالك، وإذا وجد الإذن جاز للغير أن يأخذها، وأنت من الغير فلا بأس أن تأخذها ولا حرج عليك، والله تعالى أعلم.

    حكم الدم الخارج من المرأة قبل الولادة بيوم أو يومين

    السؤال: ما هي أحكام الدم الذي يخرج من المرأة الحامل قبل الولادة بيوم أو يومين، وهل تصلي إذا تأخرت الولادة؟

    الجواب: الدم إذا سبق الولادة بيوم فإنه من دم النفاس، لأن النفاس قد يسبق الولادة، وقد تأتي المرأة عند نفاسها فيخرج الدم أولاً ثم يخرج الولد، وقد يخرج الولد ثم يخرج الدم من بعده على الصورة الغالبة، فإذا سبق الدم بزمن يسير فإنه دم نفاس، ولذلك يأخذ حكم دم النفاس، وإذا صامت ذلك اليوم لزمها قضاؤه ولا تلزمها الصلاة فيه، فيسري عليها ما يسري على المرأة النفساء، أما إذا تفاحش وسبق الولادة بأسبوع أو بعشرة أيام -مثلاً- فهذا دم استحاضةٍ؛ لأن الحامل لا تحيض على أصح قولي العلماء، رحمهم الله، وبناءً على ذلك: فإنه إذا سبق على هذا الوجه تأكدنا أنه استحاضة ويكون حكمها حكم الطاهرة فتصلي وتصوم، والله تعالى أعلم.

    الجمع بين النهي عن ذكر مساوئ الميت وحديث ثناء الناس على الجنازة شراً

    السؤال: كيف نوفق بين أمر النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم بالكف عن ذكر مساوئ الميت وبين ثناء الناس على الميت شراً وقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: (وجبت).

    الجواب: كلا الأمرين والحديثين ثابت عن رسول الله صلى الله عليه سلم، فقد أمر بالكف عن مساوئ الموتى وذكر محاسنهم، وكذلك سمع صلى الله عليه وسلم من أثنى على الميت شراً، والجواب -فيما يظهر والله أعلم- أن الثناء على الميت بالشر راجع إلى جهة المظلمة مثلاً: شخص مظلوم تكلم -مثل ما جاء في الحديث أنهم أثنوا عليه شراً -فيجوز للشخص إذا كان مظلوماً أن يقول: هذا الظالم، هذا الذي أكل مالي، هذا الذي فعل كذا وكذا، مما فعل معه من الإساءة، فإذا قال ذلك على سبيل التظلم فهو مما استثني شرعاً: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء:148]، فالمظلوم من حقه أن يتظلم، ومن حقه أن يبين مظلمته فهو متضرر ولا حرج ولا عذل عليه إذا حكى ما وقع له من الظلم، فإن قالوا له: مات فلان، وقال: الذي فعل بي وفعل، فهذه أشياء تحدث في الجنائز، وتحدث عند سماع خبر الوفاة، وهذا هو الذي وقع في حديث عمر : أنه مُرّ بجنازة فأثني عليها شراً أي: لما مروا قالوا: هذه جنازة فلان، فقال فلان: هذا الذي فعل، وهذا الذي فعل، وهذا الذي فعل -هذا بالنسبة لحقوق الآدميين- فإن كان الثناء الذي في حديث عمر رضي الله عنه بالشر على الجنازة في حقوق الآدميين فلا إشكال؛ لأنها مظالم وتحكى، فصاحبها متظلم ويحكيها كما يحكيها في حياته وفي وجهه، وأما بالنسبة لو كانت تلك المظالم مظالم فيما بينه وبين الله، فيفرق بين الاتفاق والقصد، فإنه لما مُر بالجنازة اتفق الحال فقالوا: هذا فلان فأثنوا بالشر اتفاقاً لا قصداً، وأما بالنسبة لذكر مساوئ الموتى وتتبع عثراتهم، والاشتغال بها والتكلف في ذكرها فلا. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كفوا عن مساوئ موتاكم واذكروا محاسنهم)، وما وقع من الصحابة يحتمل أنه قبل أمره عليه الصلاة والسلام بالكف عن مساوئ الموتى، ويحتمل أن يكون بعد الأمر، ويكون الصحابي لم يبلغه، وقوله عليه الصلاة والسلام (وجبت) حكم مترتب على الثناء بغض النظر عن كونه يجوز أو لا يجوز. والله تعالى أعلم.

    حكم الإشهاد على الدين

    السؤال: هل يجب الإشهاد على الدين، وهل يجب تحديد مدة الدين كسنة أو سنتين؟

    الجواب: الإشهاد على الدين ليس واجباً على إطلاقه، فإذا استدان الشخص من أخيه المسلم فالأصل يقتضي أن تكتب هذه الديون وتُحفظ، فإذا حفظت بالشهادة أو بالكتابة فلا إشكال، أو يكتب في وصيته: أن لفلان عليّ كذا وكذا، فإذا حدثت هذه الأشياء أغنت، والشهادة ليست بشرط، فلو كتب في وصيته أجزأ، لكن إذا كان الدين ليس له توثيق لا بكتابة ولا بوصية، وليس هناك ما يدل على ثبوته، كأن يعطي أحدهما الآخر -مثلاً- مائة ألف ريال أو عشرة آلاف ريال في معاملة بينهما، فحينئذٍ يجب الإشهاد على الدين؛ لأن قضاء الحقوق واجب، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر برد الحقوق، ولا وسيلة لقضاء الحق إلا بالشهادة، وما لا يكون الواجب إلا به فهو واجب، ومن هنا: إذا كان الذي استدان لا يحفظ الدين الذي عليه إلا بالشهادة فالشهادة واجبة.

    إذاً: التفصيل في الشهادة كالتفصيل في الوصية، فمن كانت عليه حقوق وأعطى أصحابها ما يوثق هذه الحقوق فالوصية في حقه مستحبة، وأما إذا كانت الحقوق التي أخذها من الناس لم يشهد عليها وليس هناك ما يثبتها فيجب عليه أن يكتبها في وصيته؛ لحديث ابن عمر في الصحيح: (ما حق امرئ مسلم يبيت وله شيء يريد أن يوصي فيه فيبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبةٌ عند رأسه)، فدل على وجوب توثيق الحقوق والاحتياط فيها، والخلاصة: أن الدين إذا كان محفوظاً كأن يكتب ويسجل في سجلات أو يضبط بكتابة بينهما، أو يوثق بأي وجه فالشهادة فيه غير لازمة، وأما إذا كان غير موثق، وإذا مات أحد الطرفين لم يستطع توثيقه فإنه حينئذٍ يجب توثيقه ويلزم، والواجب على المسلم أن يحتاط في ذلك: وأن يحتاط في حقوق الناس، وأن يعلم أنه إذا توفي مديوناً فإن نفسه مرهونة بهذا الدين، فعليه أن يسعى في حفظ حقوق الناس، وعدم إضاعتها حتى لا يرهن بتلك الحقوق، والله تعالى أعلم.

    حكم من جاوز الميقات في الحج دون أن يحرم لعدم علمه

    السؤال: شخصٌ ركب الطائرة يريد الحج أو العمرة فلما حاذت الطائرة الميقات وأعلن عن ذلك لم يفهم لغة من أعلن حتى جاوز الميقات، فماذا يجب عليه، علماً أنه جاء إلى المدينة، وهل يحرم من ذي الحليفة؟

    الجواب: إذا جاوز الميقات فإنه يجب عليه أن يرجع إلى ذلك الميقات، ويجوز أن يرجع إلى أبعد منه أو إلى مثله، فلو كان من أهل الرياض -مثلاً- وجاوز ميقات السيل ونزل بجدة جاز له أن يحرم من رابغ؛ لأنها أبعد من السيل، ويجوز له أن يحرم من يلملم؛ لأنها مثل ميقات السيل، فكلاهما على مرحلتين من مكة، وإذا رجع إلى المدينة -يعني: نزل إلى جدة ثم سافر إلى المدينة- فحينئذٍ لا إشكال؛ لأنه انتقل من الميقات الأدنى إلى الميقات الأبعد، ويلزمه الإحرام من المدينة وجهاً واحد؛ لأنه قد مر على ميقات المدينة، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الميقات لأهله ولمن مر عليه من غير أهله، فلو أنه أحرم في الأول لانعقد إحرامه من ميقات بلده، ولكنه لما ترك الإحرام ونزل إلى المدينة لزمه الميقات الأبعد فيحرم من ميقات المدينة، والله تعالى أعلم.

    ضوابط في نقل الفتوى وأقوال العلماء

    السؤال: إذا سأل شخصٌ طالب علم فأفتاه بفتوى عالم فهل هذا يعتبر مجرد نقلٍ للفتوى لا تلحق الناقل أي تبعات أم أنه يعتبر من الفتوى؟

    الجواب: هذه المسألة (مسألة التقليد في الفتوى) والعلماء رحمهم الله قد اختلفوا في هذه المسألة، لكن عند من يقول بجواز نقل فتوى العالم يشترط شروطاً، منها: أولاً: أن يكون طالب العلم على مستوى من الفهم والضبط للفتوى التي سمعها وللسؤال الذي ورد عليه.

    ثانياً: لابد وأن تكون الفتوى مطابقة ومماثلة للفتوى المسئول عنها، فإذا كان لا بد من المماثلة والمطابقة من حيث المضمون فإنه يستلزم الأهلية عند طالب العلم، ومن هنا لا ينبغي للإنسان أن يأتي ويقرأ الفتاوى على الناس في المسجد دون أن يكون عنده علم وإدراك، فالناس تسمع هذا الفتاوى وتطبقها كيف شاءت، ومقام الفتوى شدد فيه العلماء؛ لأن الفتوى علمٌ له أهله، وليس كل من نصبته الناس وجاءت تسأله في مسجده وفي سوقه وفي عمله أهل للفتوى أبداً.

    الفتوى مسئولية عظيمة، ولذلك يوصف العالم بأنه موقعٌ عن رب العالمين، وليس هناك مقام بعد مقام النبوة أعظم من مقام العلم الذي منه الفتوى، فهذا المقام العظيم يشترط في صاحبه أن تتوفر فيه الأهلية، فإذا أراد أن ينقل الفتاوى وأن يكون من طلاب العلم المنشغلين بنقل الفتاوى فلا بد وأن يدرس الأمور المهمة التي ينبغي توفرها في الشخص الذي يتولى نقل فتاوى العلماء، فيحتاج إلى قوة في الذكاء، وقوة في فهم أسئلة الناس والمراد من السؤال، وما وراء السؤال من المقصود، ويستطيع أن يفهم العبارات التي تستخدم في السؤال والكلمات، ومدلول الكلمات، فهذا أمر لا بد من العناية به، مما يحتم على طلاب العلم أن يكونوا على قرب من أهل العلم ليجمعوا بين العلوم النظرية والتطبيق، ولا يكفي أن يكون الطالب مع العالم يسمع فتواه؛ فإنه قد يسمع الفتاوى مختلفة فيحدث عنده التباس وقد يظن أن الشخص تناقض، ولكن الواقع أن الشيخ راعى حال السائل، وقد كنا نجد بعض مشائخنا رحمةُ الله عليهم في بعض الأحيان أضيق ما يكونون حالاً، وفي بعض الأحيان أشرح ما يكونون صدراً، ويسألهم السائل فتجدهم يعطونه الجواب ويفصل، ويبينون له القضية، ثم تجدهم مع شخصٍ آخر يضيقون عليه، وقد كنت مع الوالد رحمةُ الله عليه أسأله بعض الأحيان عن ذلك، لماذا هل فلان يضيق عليك؟ فيقول: يا بني! لأجل تعلم -ولا يجوز لي أن أغتاب الناس- لكني ألاحظ عليه وأعرف أنه صاحب فتنة، ومنهم من يقول لي: هذا ينقل بين المشايخ ويوقع ويغرب على هذا ويضرب العلماء بعضهم ببعض، وأشد ما تكون النميمة وأسوأ ما تكون بين العلماء، فكان العلماء رحمة الله عليهم لهم فراسة ومعرفة، وكان الوالد بعض الأحيان يقول لي: هذا رجل عجل لا يصلح للعلم فأنا أخشى أن مثل هذا يقلد هذا الشيء فيضر بالمسلمين، وللعلماء نظرات في بعض الأشياء والتصرفات، وبعض الأحيان كنت أجد الوالد ضيقاً فأنظر في حاله فيكون مريضاً، وفي حال المرض بعض الأحيان أجد عنده نوعاً من توطئة الكنف واللين، وبعض الأحيان أجده شديداً ضيقاً فيكون مرضه سبب شدته وضيقه خاصة في آخر عمره رحمة الله عليه عندما كان يتعاطى بعض الأدوية فتتغير طباعه ويضيق فأتعجب من بعض الفتاوى التي كنت أسمعها بالأمس وأسمعها اليوم، فأعرف أن حاله لا يسمح، ولو كنت طالب علم مبتدئاً وجئت وسمعت فتواه في آخر عمره التبس عليك الأمر، لكني أعرف ما الذي يقصده وما الذي يريده، لذلك يحتاج بعض العلماء أن يكون طالب العلم على دراية بأحوالهم، هذا إذا كان يريد أن يصل إلى درجات الكمال، والله يحب من عبده أن يتقن، وأولى ما يكون فيه الإتقان وأفضل ما يكون في العلم وفي الدين والشرع؛ ولذلك تجد طلاب العلم الذين يصحبون العلماء بدقة وأمانة وتحفظ ورعاية لا يلبث إلا أن يفتح الله عليهم حتى يوفقون ويسددون ويعانون وينصرون من الله عز وجل، وكنت والله -حتى بعض المشايخ ومنهم الوالد رحمة الله عليهم- أسمع بعض الفتاوى وأستغرب منها، ولكن لما أجلس معه وأسأله وأراجعه أجد عنده من الأعذار ما لو لم اطلع عليه لم أعذره، لكن حينما بلينا بما بلوا به وتحملنا اليسير مما تحملوه -والله المستعان- أصبحنا نلوم أنفسنا على ما وجدنا في أنفسنا؛ ولذلك الفتاوى علمٌ خاص، لا يصلح له كل أحد، وليس كل واحد يصلح لنقل فتاوى العلماء، والواجب أن ننصح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن نتقي الله في هذه الأمة، فلا يقلد الفتوى كل من هب ودب، ولا ينقل الفتوى كل من هبّ ودب.

    وهنا نقطة أحب أن أنبه إليها: ليس من الحكمة والمصلحة أن تنقل الفتوى، مثلاً: بعض الناس يكون غنياً ثرياً متكبراً، عنده أنفة، لا يرجع إلى العلماء، ولا يريد أن يسأل أهل العلم، فمثل هذا تزجره، ولا تكن عوناً له على الكبرياء، بل تقول له: اذهب واسأل، وتهينه؛ لأنه يتعالى على العلم، فإذا نقلت الفتوى فأنت تعينه على الكبر، فلو أنه أراد أن يبني عمارة وأن يشتغل في تجارة لذهب إلى المستشارين والمهندسين وأهل الشأن في محلاتهم، ولكن للدين.. لا: مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج:74]، والله غني عنه، فالله ليس بحاجة إلى أحد: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37]، وأهل العلم في غناء عن الخلق، وليس هناك أحد أغنى بالله عز وجل بعد الأنبياء من أهل العلم، ومن ظن أنهم بحاجة إلى أحد، فوالله إنه مخطئ، ولا يعرف قدرهم ومنزلتهم، ولا يعرف العلم الذي قذفه الله في قلوبهم.

    إذاً: لا تنقل الفتوى لأمثال هؤلاء المتكبرين -وبعض الأخيار يعين أمثال هؤلاء- وأنت لما تقول له: اذهب للعالم واسأله، فقد يأتي مجلساً من مجالس العلم وتتغير حياته كلها. ومن ذلك ما حدث لرجل كان ثرياً غنياً لا يعرف العلماء ولم يعاشرهم فابتلي بقضية احتاج فيها إلى أهل العلم، فطلب أحد الأخيار وجاءه وجلس معه وحضرت الصلاة فقال له: قم نصلي، فقال: كيف؟ هذه حسابات، فقال له: قم نصلي، الآن وقت الصلاة ويجب أن نصلي، قال: -نسأل الله العافية- لما ذهبنا لنتوضأ إذا بالرجل لا يحسن الوضوء، فلما توضأ جاء وصلى صلاة المغرب في المسجد وبعد الصلاة قال له: نقوم! وإذا بالرجل جالس يذكر الله، قال: فلما أطال تركته فأطال -ولا أدري هل قال له: نقوم أو لا- فإذا بالرجل جالس مستأنس، قد وجد راحةً نفسية ما حلم بها في حياته كلها، وانتظر إلى أن صلى العشاء ثم ما زال جالساً وقال: شعرت بسعادة ما شعرت بها من قبل.

    هذا متى؟ لما احتك بأهل العلم، ولما احتك بمن يتقي الله عز وجل، فقد يأتي إنسان من الأثرياء يتأدب في المجلس هذا، وقد يؤثر احتكاكه بأهل العلم في دينه وخلقه، وقد تكون فاتحة لاتصاله بالعلماء.

    إذاً: نقل الفتاوى له سلبيات ووراءه تبعات.

    وأذكر أن بعض مشايخنا كان يقول للسائل: اذهب وقل لصاحب السؤال أن يأتي، وما يفتيه، وبعض الأحيان الفتاوى لا بد فيها من حضور الشخص بنفسه، فنقل الفتاوى لا يكفي، وينبغي على الإنسان دائماً أن يضبط العلم وأن يتحرى فيه.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017294213

    عدد مرات الحفظ

    724067877