إسلام ويب

شرح زاد المستقنع كتاب اللعان [1]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حرصت الشريعة الإسلامية على حماية الأعراض من أن تنتهك حرمتها، وتوعد الله باللعنات والعذاب الشديد في الحياة وبعد الممات لمن تكلم في أعراض المسلمين والمسلمات، وشرع الله اللعان بين الزوجين حتى لا يلحق الزوج ما طرأ على فراشه من ولد الحرام، وأيضاً حتى تدفع المرأة الضرر عن نفسها إذا اتهمت بالباطل، واللعان يدور على ثلاثة أحوال هي: الوجوب والحرمة والإباحة، كما أن للعان بين الزوج والزوجة كيفية مخصوصة بينها الله سبحانه وتعالى في كتابه، وقد شرح ذلك الفقهاء رحمهم الله.

    1.   

    تعريف اللعان وكيفيته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ كتاب اللعان ].

    اللعان: مأخوذٌ من اللعن، وأصل اللعن الطرد والإبعاد، ويطلق اللعن بمعنى الشتم في لغة العرب، ولكن يراد به في شرع الله: الطرد والإبعاد من رحمة الله -والعياذ بالله- فمن لعنه الله فإنه مطرود من رحمته، ولن يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، نسأل الله بعزته وجلاله أن يعيذنا من لعنته وغضبه وشر عقابه!

    أما في الاصطلاح فالمراد باللعان: شهادات مؤكدات بأيمان مقرونة باللعنة والغضب، وهذه الشهادات مخصوصة تصدر من شخص مخصوص، وهو إما الزوج وإما الزوجة، فليس هناك لعانٌ في الإسلام يقع بين غير الزوجين، فهو مختص بحالة معينة حددها الشرع، لأمور وأسباب سننبه عليها إن شاء الله تعالى.

    وهذه الشهادات يشهد فيها الرجل الذي هو الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما يدعيه من زنا زوجته أو من نفي ولدها منه، فهو إما أن يقذفها بأنها زنت، وإما أن ينفي الولد، فيقول: هذا الولد ليس بولدي، فاللعان من الزوج على أحد هذين الأمرين، وقد يجتمع الأمران بأنها زنت، وأن الولد ليس بولده؛ لأنه إذا كان اللعان بأحدهما، فمن باب أولى إذا اجتمعا، وهذا بالنسبة لشهادات الزوج.

    وأما شهادات الزوجة فإنها تشهد بالله أربع شهادات مقرونة باليمين أن زوجها كاذبٌ فيما ادعاه من زناها، أي: فيما قذفها به من الزنا، وتشهد إذا كان الزوج قد نفى ولدها منه أن الولد ولده.

    إذاً: إما أن يشهد الزوج على أنها زنت، وإما أن يشهد على أن هذا الولد ليس بولده، والمرأة حينما تشهد الأربع الشهادات تضاد بها وتقابل بها شهادات الزوج، فتشهد أربع شهادات مؤكدة بالأيمان أنه كذب عليها فيما ادعاه من زناها، وكذلك أيضاً أنه كاذب في نفي الولد، وأن الولد ولده.

    وهذه الشهادات الأربع المؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن والغضب، أما كونها مقرونة باللعن فمن جهة الزوج، وأما كونها مقرونة بالغضب فمن جهة الزوجة، والمراد باللعن والغضب: لعن الله عز وجل وغضب الله، فالزوج يحلف اليمين الخامسة وهي -والعياذ بالله- الموجبة، ووصفت بكونها موجبة؛ لأنه إذ حلفها أوجبت عليه لعنة الله -والعياذ بالله-، وأوجبت عليه عقوبة الآخرة إذا كان كاذباً فاجراً في يمينه، وفيما ادعاه من زنا زوجته أو نفي ولده منها، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه الزوج لما حلف الزوج الأربعة الأيمان والشهادات الأربع الأولى أوقفه بعدها، وجاء في بعض الروايات: أنه أُخذ على فمه، وكل هذا خوفاً عليه من لعنة الله، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اتق الله! فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ويحك إنها الموجبة) ، أي: اتق الله في نفسك، ولا تحمل ما لا تطيق، فإن كنت كاذباً فارجع عما قلته، فحلف الرجل.

    وأما بالنسبة للمرأة فالغضب في حقها، فتحلف اليمين الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين -أي زوجها-، وهذه الخامسة -والعياذ بالله- موجبة لغضب الله عز وجل، وإذا حل غضب الله على العبد فقد هوى، يعني: هلك هلاكاً عظيماً؛ ولذلك جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام أوقف المرأة عند الخامسة وقال لها: (اتقي الله! عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وفضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، إنها الموجبة )، فلما قال لها: إنها الموجبة، أي: أنك لو حلفت هذه الخامسة بأن غضب الله عليكِ، فإنه سيحل عليك غضب الله، والله تعالى يقول في كتابه: وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى [طه:81]، وهذا إشارة إلى عظيم ما يصيبه من البلاء، حتى هوى وسقط سقوطاً قد لا يسلم معه أبداً، وهذا أمر عظيم جداً، ولذلك إذا حدث اللعان على هذه الصورة تنتقل الخصومة من خصومة الدنيا إلى خصومة الآخرة، ويكون أمر الزوجين إلى الله عز وجل، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (حسابكما على الله، الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل من تائب؟)، أي: منكما، وقد جاء في رواية أنس رضي الله عنه: أن المرأة لما أوقفت، وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها الموجبة)؛ تلكأت وكادت أن تعترف ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فحلفتها!

    1.   

    سبب نزول آيات اللعان

    هذا اللعان وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف العلماء رحمهم الله في قصتين صحيحتين ثابتتين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    القصة الأولى: وقعت لصحابي يدعى: عويمر العجلاني من بني عجلان، والثانية: لـهلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله عز وجل عليهم كما في قصة غزوة تبوك، فاختلف العلماء رحمهم الله: هل نزلت آيات اللعان بسبب قصة عويمر أو بسبب قصة هلال؟ والذي عليه أكثر الأئمة رحمهم الله واختاره بعض أئمة التفسير أنها نزلت في هلال بن أمية لما قذف امرأته بـشريك بن سحماء رضي الله عن الجميع، واختار الإمام النووي رحمه الله أنها نزلت في عويمر العجلاني، وقصته أنه أتى إلى عاصم العجلاني، وهو ابن عمه فقال: يا عاصم ! الرجل يجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي -يا عاصم- عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله، فكره النبي صلى الله عليه وسلم سؤاله؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام لا يحب المسائل التي لم تقع خشية أن تحدث تشريعات وأحكام تضيق على الأمة؛ ولذلك كان يقول كما في مسند أحمد : (أعظم المسلمين جرماً رجلٌ سأل عن شيء لم يحرم، فحرّم من أجل مسألته)، وقال: (إن الله أحل أشياء فلا تحرموها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها)، فكان يكره المسائل، فلما جاء عاصم وسأل هذا السؤال ولم يبين أنه وقع لم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع عاصم إلى قومه فجاءه عويمر ، وقال: يا عاصم ! هل سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال له عاصم : قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة، فقال عويمر: والله! لا أنتهي حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله، وكانت زوجته ابنة عمه، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ يعني: لو أنه قتله، ليس عنده شهود يثبتون أنه زانٍ؛ ولذلك سيقتل به؛ لأنه لو فتح هذا الباب لأمكن كل شخص يكره شخصاً أن يدعوه إلى بيته ثم يقتله، وقد يكون كارهاً لزوجته، فيدعي زناها بالرجل، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنه قد نزل فيك وفي صاحبتك قرآن فاذهب فأت بها، فذهب وجاء بامرأته، وتلاعنا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    وأما قصة هلال بن أمية رضي الله عنه -وكان أخاً للبراء بن مالك لأمه- فإنه أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ بين أصحابه فقذف امرأته بـشريك بن سحماء، أما عويمر ففي قصته أنه قال: يا رسول الله! الرجل يجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فتقتلونه؟ أما هلال بن أمية فإنه تلفظ باللفظ الصريح أن امرأته زنت بـشريك بن سحماء ، قال عبد الله بن عباس كما في صحيح البخاري وغيره: إن هلال بن أمية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقذف امرأته بـشريك بن سحماء، يعني: سمى الرجل الذي وجده، وقال: يا رسول الله! لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني، والله! يعلم إني صادقٌ فيما أقول، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حدٌ في ظهرك)، فقال هلال : (والله! ما كذبت يا رسول الله! والله! يعلم إني صادق وسينزل الله فيّ قرآناً يصدقني)، فقال عليه الصلاة والسلام: البينة أو حدٌ في ظهرك؛ لأن الله عز وجل أثبت الحد في أول الإسلام على كل من قذف زوجته أو غيرها، فإما أن يثبت زناها بالبينة أو يقام عليه الحد، وهو ثمانون جلدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم -على الأصل-: (البينة أو حدٌ في ظهرك)، يعني إما أن تحضر البينة أو أقمت عليك الحد، وسياق الحديث في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما يؤكد أن القصة أول ما حدثت مع هلال بن أمية ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطبه بالأصل الذي سبق نزول آيات اللعان، فقال له: (البينة أو حدٌ في ظهرك)، وهذا يرجع ويقوي أنها نزلت أول ما نزلت في هلال، وهو مذهب الأكثرين، فلما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حدٌ في ظهرك)، اعتذر الرجل بما اعتذر، وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي، فلما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي أمره أن يحضر المرأة ثم أمرهما أن يتلاعنا، فبدأ بـهلال فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، وإنها زنت، وإن الحمل الذي في بطنها ليس منه، ثم خمّس بشهادة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم بعد ذلك شهدت المرأة أيمانها، فقال صلى الله عليه وسلم: (انظروا إليه فإن جاءت به أُصيهباً أحمش الساقين فهو لـهلال -يعني: قد كذب والولد ولده-، وإن جاءت به أورق خدلج الساقين فهو للذي ذكر)، فجاءت به على صفة الرجل الزاني والعياذ بالله!

    1.   

    الحكمة من تشريع اللعان بين الزوجين

    اللعان تشريع حكيم شرعه الله من فوق سبع سماوات، وبيّن شأن هذا الأمر العظيم، وجعل له أحكاماً خاصة، والسبب أن القضايا التي تقع فيها الخيانة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: يتيسر فيه الدليل وتقوم فيه الحجة من إقرار أو شهودٍ عدول يشهدون بأن المرأة أو الرجل قد وقعا في زنا، وحينئذٍ لا إشكال.

    القسم الثاني: لا يتيسر فيه وجود الدليل؛ ولذلك قال سعد رضي الله عنه كما في الحديث الصحيح: يا رسول لله! أرأيت لكعاً لو أنه تفخذها رجل أيقتله فيقتل أو يذهب فيحضر الشهود فيفرغ الرجل من حاجته؟ لأنه يصعب إحضار أربعة شهود، وهذا الباب شددت فيه الشريعة كما سيأتي -إن شاء الله في باب حد الزنا- بيان حكمة التشريع في وجوب أن يبلغ النصاب أربعة شهود، وقد خصّ أمر الزنا بذلك، لعظيم البلاء فيه، فالضرر لا يقتصر على المرأة ولا على الزوج، بل ينتشر إلى أهل المرأة وإلى أهل الزوج، ومثل هذا الأمر تسفك به الدماء، ويحصل فيه من الشر ما الله به عليم، إضافةً إلى أن الناس عندهم نوع من التساهل في القذف بسبب شدة الغيرة، فقد يكون الرجل شديد الغيرة فيتهم امرأته ويبادر باتهامها، والعكس أيضاً. وعلى كل حال، لما كان أمراً زوجياً له أحكام خاصة وضعت الشريعة له هذا التشريع، إذ غالب الظن أن الرجل لا يقدم على اتهام امرأته ولا يقدم على نفي ولده منها والأمر بخلاف ما يقول؛ فالغالب أن الرجل لا يقدم على اللعان إلا إذا كان صادقاً، أما الشذوذ وكون الرجل -والعياذ بالله- جريئاً على محارم الله وجريئاً على الكذب على الله عز وجل بشهادة الأيمان؛ فهذه أحوال نادرة، لكن الغالب أن الزوج لا يمكن أن يأتي إلى فراش الزوجية فيتهم زوجته وينفي ولده منها إلا وهو صادقٌ فيما يقول أو عنده ما يدل على ما يثبت صدق دعواه، فنظراً إلى أن الرجل يحتك بزوجته ويطلع على أمور زوجته ويدخل على زوجته في أحوال مختلفة؛ ففي ذلك مظنة أن يقع على شيء، ثم هذا الشيء قد يقع فجأة فلا يتيسر له وجود الدليل، وهذا الذي جعل بعض الصحابة يشتكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت الشريعة حلاً خاصاً بهذه الأيمان التي يُدفع بها الضرر عن الزوج فلا يلحق به ما دنس فراشه من ولد الحرام، وأيضاً يدفع به الضرر عن المرأة إذا اتهمت بالباطل، فعدل الله عز وجل بين الاثنين، وجعل هذه الحالة الخاصة والأمر الخاص مرده إلى الآخرة إذا أصر الزوج على أمره وكذبه أو أصرت الزوجة على كذبها؛ لأنه لابد أن يكون أحدهما كاذباً، فجعل لها هذا التشريع الخاص الذي يخوف به الزوج وتخوّف به الزوجة، فإما أن يقدما وإما أن يحجما، وأمر اللعان فيه تفصيل، فتارةً يجب على الرجل أن يلاعن زوجته، وتارةً يحرم على الرجل أن يلاعن زوجته، وتارةً يباح له فإن شاء لاعن وإن شاء ترك ويكون الأفضل له الستر.

    أما في الحالة الأولى وهي التي يجب على الرجل أن يلاعن زوجته فهي أن يتحقق من زناها أو يتحقق أن الولد ليس بولده، مثل أن يدخل فيراها على الزنا، فيرى بعينيه ويسمع بأذنيه ويتحقق أنه قد وقعت الفاحشة بالصفة المعتبرة في إثبات جريمة الزنا، فيرى فرجه في فرجها على الصفة التي لا لبس فيها ولا غموض، فلو أنه رآه مختلياً بالمرأة فلا يكفي هذا لإثبات الزنا، فإنه ربما كان الرجل لم يجامعها بعد، وقد يكون ما بينهما علاقة غرام ومحبة، وتمنعه المرأة من نفسها كما يحدث من بعض النساء فتتمنع، فليس وجود الرجل مع المرأة كافياً لإثبات الزنا، وهذا أمر عام لا يختص بالزوجين، فعلى كل مسلم أن يعلم أن الله سائله ومحاسبه عن اتهامه إخوانه المسلمين، فلا يجوز له أن يثبت الزنا على رجل أو على امرأة حتى يرى بعينه أو تقر المرأة للزوج أو يقر الرجل على نفسه.

    فالزوج يحكم بأنه متأكد وعلى يقين من زناها بدليلين أحدهما: أن يرى بعينيه الفاحشة، نسأل الله السلامة والعافية! ثانيهما: أن تقر له زوجته وتخبره أنها فعلت هذا الشيء، وأنه وقع منها.

    وفي حكم اليقين غلبة الظن أن يأتي شهود يثق فيهم وفي أمانتهم وصدقهم وعدالتهم فيشهدون عنده أنهم رءوا زوجته على الزنا ويشهدون بالصفة المعتبرة في إثبات حد الزنا.

    إذاً: هناك حالتان يتحقق فيها الزوج من زنا الزوجة:

    الأولى: أن يرى بعينيه ويشهد ذلك بنفسه.

    الثانية: أن يشهد عنده العدول، فالأولى تندرج تحت اليقين والثانية هي غالب الظن، ويندرج في حكم اليقين أن تخبره الزوجة كما ذكرنا.

    1.   

    حكم اللعان

    الحالة التي يجب فيها اللعان

    الحالة الأولى: إذا تحقق الرجل من زنا زوجته فيجب عليه أن يلاعن إذا ترتب على هذا الزنا حمل وولد، وقطع بأن هذا الولد ليس بولده، مثلاً لأنه لم يجامعها، أو مثلاً حدث الحمل من هذا الزنا فتركها بعد زناها وتحقق أن هذا الحمل من حمل الزنا وأنه ليس بولده، فحينئذٍ إذا لم يستطع أن يتخلى عن هذا الحمل إلا باللعان بحيث يتأكد أنه لو سكت عن هذه الجريمة سيبقى الولد ينسب له، وسيكون هذا الولد شريكاً لأولاده في الميراث ويستحل النظر إلى من لا يجوز النظر إليهن، وكذلك أولاد أولاده، وما يتبع ذلك من تبعات، قال العلماء: يجب عليه أن يلاعن، لكن لو أمكنه أن يتخلص من هذا الولد مثل أن تعترف له بالزنا بعد وضعها الولد، فأمكنه أن يأخذ الولد ويجعله لقيطاً فيخرجه إلى سابلة أو إلى طريق ويضع معه مالاً ليأخذه أحد الناس، ولم يحصل ضرر على فراشه، ولم ينسب الولد إليه، فإذا انعدم عنه الضرر فحينئذٍ إن شاء سترها وهذا أفضل وأعظم أجراً عند الله عز وجل؛ لأن الستر في الزنا مندوبٌ إليه شرعاً، وأجمع العلماء رحمهم الله على أن الشهود -ولو كانوا أربعة- إذا رءوا الرجل يزني فالأفضل لهم أن يستروه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في صحيح مسلم من حديث بريدة بن حصيب رضي الله عنه أنه جاءه ماعز بن مالك رضي الله عنه وهو جالسٌ في المسجد، وقال: (يا رسول الله! إني أصبت حداً فطهرني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ويحك ارجع فاستغفر الله ثم تب إليه، فرجع غير بعيد، ثم أتاه وقال: يا رسول الله! إني أصبت حداً فطهرني، فقال: ويحك ارجع فاستغفر الله ثم تب إليه)، فكرر عليه أربع مرات. وجه الدلالة: أن ماعزاً اعترف وأقر ومع ذلك صرفه النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يستر نفسه، وأن يراجع نفسه في هذا، وأمره أن يتوب لعل الله أن يتوب عليه، ولذلك لما أقيم عليه الحد وفرّ، قال عليه الصلاة والسلام: (هلا تركتموه ليتوب فيتوب الله عليه)، فهذا يدل على رحمة الله عز وجل بعباده، وهذا أمر أجمع عليه العلماء أن الأفضل أن يستر على الزاني زناه، حتى الشخص لو وقع -والعياذ بالله- في الجريمة، وأراد أن يعترف؛ فبالإجماع أنه يرغب في ستر نفسه، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد قضية ماعز والمرأة التي اعترفت بالزنا قام على المنبر وقال: (أيها الناس! من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله). فهذا محل إجماع بين العلماء رحمهم الله أن الأفضل والأكمل أن يستر نفسه، لكن إذا كان هناك ضرر مثلما ذكرنا: أنه لو سكت وستر عليه فمعنى ذلك أن فراشه يلوث، وأنه يحصل عليه الضرر، فلا إشكال حينئذٍ في كونه يجب عليه أن يدفع عن نفسه الضرر حتى لا ينسب الولد إليه.

    ولوجوب الملاعنة جانبان:

    الأول: أن يتحقق من زناها.

    الثاني: ألا يمكنه دفع الضرر المترتب على زناها، وهو الولد، فحينئذٍ يجب عليه أن يلاعن، وإذا أمكنه دفع ضرر الولد بإخراجه عنه وعن فراشه ودفع بلائه عنه. فالأفضل أن يستر المرأة، لكن هل يبقي المرأة عنده أم يسرحها؟

    هذا فيه تفصيل: فالمرأة التي وقعت في الحرام ثم تابت توبةً نصوحاً، وظهرت الدلائل والقرائن على أنها تائبة إلى الله عز وجل، وأنها كارهة لهذا الأمر، فمذهب طائفة من العلماء أنه يشرع له أن يسترها وأن يضمها إليه، خاصةً إذا غلب على ظنه أنه لو طلقها قد تقع في الزنا، ويفسد حالها أكثر، فيضمها إليه وخاصةً إذا كانت قريبة أو نحو ذلك.

    وأما إذا خشي أنها تكذب في توبتها أو لم يظهر له الدليل على صدق توبتها فلا يجوز له أن يبقيها؛ لأن هذا يعرض فراشه ونسبه للحرام، ويؤثر عليه وعلى ذريته ونسبه، فلا يجوز أن يبقي مثل هذه، ويجوز له شرعاً إذا ثبت أنها زانية أن يضيق عليها حتى تدفع له المهر ويخالعها خلعاً شرعياً؛ لأنه إذا أتت بفاحشة مبينة فمن حق الزوج أن يضيق عليها حتى ترد له مهره؛ لأنها خانت عشرته، وأفسدت عليه فراشه، ويكفيه ما بلي به من العذاب، وحينئذٍ يأخذ حقه من المهر لعل الله أن يعوضه خيراً منها، ولا يجوز له إذا علم أنها زانية أنه يبقيها. ويشكل على هذا حديث: (إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال عليه الصلاة والسلام: طلقها، قال: يا رسول الله! إني أخشى أن تتبعها نفسي، فأمره أن يمسكها)، هذا الحديث -أولاً- ضعيف الإسناد، ضعفه العلماء رحمهم الله، وممن أشار إلى ضعفه الإمام ابن الجوزي رحمه الله في كتاب: العلل المتناهية في بيان الأحاديث الواهية، وبيّن أنه حديث موضوع، ومن أهل العلم من حسن هذا الحديث، وعلى فرض تحسينه يجاب عنه بأجوبة، منها: إن قوله: (إن امرأتي لا ترد يد لامس)، ليس المراد به الزنا، وإنما المراد ما كان في أعراف الجاهلية بما يسمى: بالأخدان، فكانت المرأة لها عشيق وعشير يقبلها ويلمسها ولكن دون أن يزني بها، كما يقع الآن في أعراف الجاهلية المعاصرة عند الكفار أن المرأة المتزوجة يكون لها صديق أو لها خدن، وهذا الذي عناه الله بقوله: وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ [النساء:25]، فهذا الخدن قد يستمتع من المرأة بما دون الفرج، فقوله: ترد يد لامس، أي: أنها يستمع بها بما دون الفرج، وهذا الجواب اختاره غير واحدٍ ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله، وعلى كل حال، فقد دلت النصوص على أنه لا يجوز أن يمسك بعصمة المرأة الزانية خاصةً إذا لم تتب من زناها؛ لأن الله يقول: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3]، فلا يجوز للرجل أن يتساهل في هذا الأمر؛ لأنه ينشر الفساد، ويعين على الفساد، والشريعة ما جاءت بالمعونة على الفساد، ولا شك أن الرجل إذا ضعف في مثل هذه الأمور كان ديّوثاً -والعياذ بالله- يقر الحرام في أهله، فعليه لعنة الله عز وجل، فلا يجوز التساهل في مثل هذه الأمور، إنما يشرع الستر إذا كانت المرأة معروفة بالمحافظة وحصل الزلل منها، فكل حالة تدرس على حدة، ويرجع فيها إلى أهل العلم، ففي بعض الأحوال يكون الرجل متساهلاً في فراش المرأة ويغيب عنها الشهور فتقع في الحرام بسبب الزوج، وقد تكون هناك أمور مهيأة مثل تساهله في اختلاط أقاربه بها واحتكاكهم بها ونحو ذلك، وعلى كل حال فالأصل الشرعي يقتضي أنه يجب أن نحافظ على الفراش، وهذه هي الحالة الأولى التي يجب فيها اللعان.

    الحالة التي يحرم فيها اللعان

    الحالة الثانية: يحرم اللعان إذا كان الرجل كاذباً على زوجته فيتهمها بالباطل ويتهمها بالزور، وهذا الأمر من السبع الموبقات التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيح، وحذّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته منها، ومنها قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وتوعد الله عز وجل من فعل ذلك باللعنة في الدنيا واللعنة في الآخرة، والعذاب العظيم في الدنيا والآخرة، ويفضحه الله على رءوس الأشهاد؛ فتشهد عليه يده وتشهد عليه رجله ويشهد عليه لسانه بما افتراه على المرأة البريئة من الزور والبهتان، والتساهل في التهم والقذف أمر عظيم، ومن تأمل نصوص الشريعة في الكتاب والسنة وجدها تعظم حرمة المسلم، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قرن العرض بالدم، ولربما كان قتل الإنسان أهون عنده من أن يُطعن في عرضه، ولكن لا شك أن الله سبحانه وتعالى يعين البريء ويحفظه ويثبته؛ لأن من يصبر يصبره الله، وهذا البلاء يرفع الله به درجته؛ ولذلك قدر الله عز وجل هذا البلاء لخير الأمة صلوات الله وسلامه عليه؛ حتى يُعلّم أمته الصبر على التهم، ويعلم كل مؤمن وكل مؤمنة أن يتجلدا في مثل هذا البلاء الذي يصدر من هذه النوعية من الناس التي لا تبالي بما تقول، وتلصق التهم بأتفه الأشياء، فتجد الرجل بمجرد أن يرى غريباً دخل بيتاً اتهمه بالزنا! وبمجرد أن يرى امرأةً في مكان اتهمها بالزنا! فهذا أمر ينبغي للمسلم أن يتقي الله عز وجل فيه، وأن يخاف الله سبحانه وتعالى، وأن يلتمس لإخوانه وأخواته المؤمنات الأعذار، وأن ينزل نفسه منزلتهم، وإذا فعل ذلك حفظ الله له دينه، وحفظ له عرضه، ومن صان أعراض الناس صان الله عرضه، ومن عف عن الناس عفت الناس عنه، قال الإمام مالك رحمه الله: ( أعرف أناساً لهم عيوب سكتوا عن عيوب الناس فسكت الناس عن عيوبهم، وأعرف أناساً لا عيوب لهم تكلموا في عيوب الناس فأحدث الناس لهم عيوباً).

    فتهمة الزوج لزوجته بالحرام أمر عظيم، وأجمع العلماء على أن اللعان في هذه الحالة محرمٌ على الزوج، ولا يجوز له أن يلاعن، فإذا بلغت به الجرأة أن ادعى ذلك في مجلس القضاء، وطلب أن يلاعن زوجته فالأمر أشد والمصيبة عليه أعظم؛ لأنه سيحلف الأيمان الفاجرة الكاذبة -والعياذ بالله- ثم يقول في الموجبة الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وإذا قالها حلّت عليه لعنة الله عز وجل والعياذ بالله!

    الحالة التي يجوز فيها اللعان وعدمه

    ذكرنا الحالة الأولى وهي: الوجوب، والحالة الثانية وهي: التحريم، وهما شبه مجمع عليها بين العلماء رحمهم الله. والحالة الثالثة هي: الجواز، إذا اطلع الرجل على زنا زوجته ولم يحدث من هذا الزنا حمل، ففي هذه الحالة من حقه أن يضيق عليها فيما بينه وبينها حتى تفتدي، ومن حقه أن يلاعنها، فإذا شاء أن يلاعنها لاعنها، وإذا شاء أن يضيق عليها حتى تفتدي ويسرحها فعل ذلك، والأفضل والأكمل -كما ذكرنا- أن يسترها ألا يلاعنها، وإذا أراد أن يأخذ حقه بأن تفتدي أخذه، وإذا أراد أن يطلقها ولا يأخذ شيئاً فإن الله عز وجل سيعوضه.

    1.   

    وصية لمن ابتلي في عرضه

    والذي ينبغي أن ينبه عليه في مثل هذا: أن خيانة الفراش والوقوع في الحرام بلاءٌ عظيم، ومن ابتلي بشيء من ذلك فعليه أن يصبر، وأن يعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى؛ لأن البلاء إذا حلّ بالعبد ليس هناك أحب إلى الله من أن يصبر ويرضى بقضاء الله وقدره، وقد جاءت النصوص في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم تبشر من صبر عند البلاء، فكما أن البلاء يكون في الجسد يكون أيضاً في العرض؛ ولذلك ابتلى الله عز وجل بالبلاء بالعرض أنبياء الله، فموسى عليه السلام تكلموا فيه وقالوا: إنه آدر، أي: له خصية واحدة كما ثبت في الصحيحين: (أن الله عز وجل ابتلاه بكلام بني إسرائيل فيه فقالوا: إنه آدر؛ لأنه كان لا يغتسل معهم، فقالوا: لا يغتسل معنا وإلا وفيه عيب)، فاختلقوا له هذا العيب، وهذا ابتلاء من الله عز وجل للذين في قلوبهم مرض، فالقلب يمرض فيما بينه وبين الله، ويمرض فيما بينه وبين الناس، فللقلوب أمراض بسبب تعديها على حقوق الله عز وجل ومحارمه، وللقلوب أمراض بسبب تعديها على حقوق المسلمين وواجباتهم، فإذا وجد المرء نفسه لا يرعوي عن إلصاق التهم بإخوانه فهذا مرض في القلب نسأل الله السلامة والعافية! وقد ذكر الله عز وجل أن القوم البهت كاليهود يحل الله عليهم سخطه وغضبه بسبب أذيتهم للناس، فأوذي موسى عليه الصلاة والسلام فقيل عنه: إنه آدر، فشاء الله عز وجل أن ينزل ويغتسل، وأمر الله الحجر أن ينطلق بثيابه، فأصبح موسى يركض وراء الحجر عارياً أمام الناس، وهذا ابتلاء، فلا يظن أحد أنه سيخرج من الدنيا -ما دام عنده إيمان- دون أن يمحص ودون أن يؤذى ودون أن يبتلى، فتجد من عنده ضعف إيمان إذا ابتلي بمثل هذه المصائب طاش عقله وذهب عنه رشده، فأخذ يسب ويشتم ويضيق على نفسه ويكدر عيشه؛ فيزداد ضيقاً إلى ضيق كما قال صلى الله عليه وسلم: (فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط)، فيضيق على نفسه، وهذا من علامة الخسران، حتى إنه -والعياذ بالله- قد تزني امرأته ويطلع على زناها فيتكلم فيها ويفضحها ويشهر بها ويغتابها، فيحمل ذنوباً وسيئات قد تذهب صلاته وصيامه -والعياذ بالله- فيجمع الله له بين مصيبتين:

    مصيبته في أهله، وأذيته لها بعد وقوعها في هذا الحرام، فيجب عليه أن يصبر ويتجلد، ولذلك قرن الله الصبر بالتقوى، والتقوى: حفظ اللسان، وحفظ الجوارح والأركان، وحفظ الجنان. فإذا ابتلي شخص بمثل هذه الأمور فإنه يوصى بالصبر، والأئمة والخطباء وطلاب العلم والعلماء والموجهون والأصدقاء والقرناء عليهم إذا اطلعوا على مثل هذه الأمور أن يثبتوا من ابتلي بها؛ لأنه ليس هناك فرج أقرب من فرج الله لمن صبر وصابر ورابط، ويوصى المبتلى بذلك بالرجوع إلى الله سبحانه وتعالى والالتجاء إليه كما ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قصتها التي هي من أعظم القصص عبرةً وعظة، في قوة إيمانها وثبات جنانها وصدق التجائها إلى ربها، حتى جاءها الله بالفرج من حيث لم تحتسب وقالت: (ما كنت أظن أن ينزل الله فيّ قرآناً)، فأنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات، حتى أنها من كمال إيمانها وتوحيدها وتعظيمها لله سبحانه وتعالى لما قيل لها: (اشكري رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: لا، والله! بل أشكر الله)، فابتدأت بشكر الله قبل شكر أي أحد؛ لأنها مرت عليها ساعات وأيام قاست فيها وعانت وليس معها إلا الله وحده، حتى أنها رضي الله عنها وأرضاها لما عظم البلاء وجلست عند والديها جاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح- وقال: (يا عائشة ! إن كنت أذنبت ذنباً فتوبي إلى الله واستغفريه)، وانظروا كيف الرحمة واليسر! إن كنت أذنبت ذنباً فتوبي إلى الله واستغفريه، ليس هناك أعظم من الشرك، وليس بعد الكفر ذنب، ومع ذلك أمر الله المشركين أن يتوبوا إليه فقال: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، فرحمة الله واسعة، إن كنت أذنبت ذنباً فتوبي إلى الله واستغفريه، قصة فيها عبرة للزوج وعبرة للزوجة، وعبرة لأهل الزوج وأهل الزوجة، وسلوى للمؤمن، فقال لها هذه الكلمات، فقالت لأبيها وأمها رضي الله عنهم وأرضاهم: أجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما استطاعوا أن يجيبوه، فقالت: لا أقول إلا كما قال أبو يوسف -ما استطاعت من شدة ما تعانيه أن تتذكر اسم يعقوب عليه السلام-: قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف:86]، فصبرت صبراً جميلاً واستعانت بالله جل وعلا، فما لبث أن نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءتها، والعلماء رحمهم الله لما تكلموا عن بعض أهل الزيغ والضلال الذين يطعنون في أمهات المؤمنين ويتكلمون في الصحابة كان بعض العلماء يقول: لا أشك في كفر من اتهم عائشة رضي الله عنها؛ لأنه يكذب نص القرآن، وهذا بلا مرية، ويكاد يكون بالإجماع أن من قذف عائشة كافر؛ لأن الله عز وجل نص على براءتها، ونص على طيبها، ونص على أنها مبرأة مما اتهمت به، فجعل الله لها هذا الشرف وهذا الفضل، حتى أن القرآن يتلى ويتقرب إلى الله عز وجل ببراءتها رضي الله عنها وأرضاها، فهذه عاجل بشرى الله عز وجل لأوليائه، وحينما تنزل مثل هذه البلايا على الإنسان تضيق عليه الدنيا بما رحبت، ولكن حبل الباطل قصير، وكما بين الله عز وجل أن كيد الشيطان ضعيف، فتضيق الأمور وتعظم وتشتد ويصبح الإنسان في همٍ وغم لا يعلمه إلا الله عز وجل، لكن لا يلبث أن يأتيه الفرج ويكون أقرب إليه من حبل الوريد، فإذا بالأمر كأن لم يكن شيئاً: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [الأنبياء:18]، ولكن العجيب أن بعض الناس لقوة إيمانه وثباته -ولعل الله عز وجل يحبه- يجعل الله براءته في الآخرة ولا يجعل براءته في الدنيا، فقد يتكلم فيه الناس فإذا وقف بين يدي الله عز وجل وأظهر الله صدق الصادقين وكذب الكاذبين، فعندها كما قال الله تعالى: هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة:119] فالمرأة والرجل إذا ابتليا بمن لا يتقي الله عز وجل في أعراض المسلمين، فيتكلم فيهم ويتهمهم بالزور والباطل، فما عليهما إلا أن يصبرا، والأمر في حق النساء آكد وأوجب، فإن النساء يُظلمن كثيراً في هذه الأمور، وبالأخص إذا كان الظلم من القريب، فأخوها بمجرد أن يرى أقل الأشياء يضخم الأمور ويتهمها عند والديها أو يضيق عليها، فهذا أمر ينبغي أن ينصح فيه الناس وأن يذكروا بالله عز وجل، وعلى المرأة أيضاً ألا تفتح على نفسها أبواب التهم، وعليها -دائماً- أن تحافظ على دينها وعلى كرامتها وعلى عفتها، وعليها إذا رأت من أخيها أو زوجها أو قريبها تضييقاً في أمر ألا تعتقد أنه يسيء الظن بها، بل إنه قد يخاف الإنسان على عرضه، والله يعلم أنه قد يضحي بدمه وبأغلى ما يملك من محبته لأهله وقرابته، فعليها أن تتحمل ذلك وأن تتقبله.

    1.   

    الذب عن أعراض المسلمين وحرمة الطعن فيهم

    والوصية الأخيرة التي ينبغي أن يوصى بها وهي عبرة تنبني على هذه المسألة: أن الوعيد الشديد ثابتٌ في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم باللعنات والدركات والعذاب الشديد في الحياة وبعد الممات لمن تكلم في أعراض المسلمين، وإذا كان هذا في العرض فقط، فما بالك بمن يتكلم في عقيدة الإنسان أو يتكلم في فكر الإنسان؟ الأمر أشد، والعرض أهون من الاعتقاد، وهذا لا يعني أن يتساهل الإنسان مع أهل الزيغ والضلال إنما المراد أن يتأكد وأن يتحفظ فيما يقوله.

    ولنعلم أن الله عز وجل لم يحل للمسلم أن يستطيل على عرض أخيه المسلم، وأن الله لا يرضى الباطل ولا يرضى الزور ولا يرضى البهتان، وأن ينزل نفسه منزلة من يتكلم فيه، وألا يقبل لنفسه ولا لمتكلم ولا سامع أن ينقل إليه عن أحد -خاصة إذا كان من الدعاة أو الأخيار أو الصالحين- تهمة أو لمزة أو شيء من هذا، بل عليه أن ينصحه بأن يتقي الله عز وجل، ولذلك ضرب الصحابة رضوان الله عليهم أروع الأمثلة في الذب عن أعراض المسلمين، حتى أن الله سبحانه وتعالى أشاد بهذا، فـأبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه له موقف مع أم أيوب حينما وقعت حادثة الإفك، قال الله: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا [النور:12]، وهذه الآية نزلت في أبي أيوب وأم أيوب لما بلغهم خبر اتهام عائشة رضي الله عنها، فبرءاها واستبعدا ذلك منها ورفعاها رضي الله عنهما، وهي أهل لذلك، وبعيدة عن تلك التهمة، فيقول الله عز وجل: (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ)، فقال: ظن المؤمنون، فوصفهم بأنهم أهل إيمان؛ فلا تجد شخصاً يبرئ سمعه ويبرئ لسانه عن أعراض المسلمين وعن الطعن في الناس إلا وفيه إيمان يردعه ويزجره، وفيه خوف من الله سبحانه وتعالى، ولا يصلح سلوك الإنسان وتصرفاته شيء مثل: الخوف من الله عز وجل ومراقبة الله سبحانه وتعالى والإنصاف والعدل؛ لأن الشخص الذي كما لا يحب أن يُظلم فلا يظلم الناس، فتجد الشخص الذي يخاف أن يرتكب حداً من حدود الله عز وجل لا يقع في إخوانه المسلمين، فلا يأذن لسمعه ولا يأذن للسانه أن يستبيح أعراض المسلمين، قال الله تعالى: (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ)، وما قال: بإخوانهم، وإنما قال: بأنفسهم، فنزل أخاك المسلم منزلة نفسك التي بين جنبيك، ومعنى: بأنفسهم في قول جماهير المفسرين: بإخوانهم، كما قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]، أي: لا تقتلوا إخوانكم، وانظر إلى جمال القرآن وعلوّ هذا الأسلوب الرباني المنزل من لدن حكيم خبير: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1]، قال الله: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12]، فنزهوها رضي الله عنها وقالوا: سبحانك؛ وهذا شيء من الخوف من الله سبحانه وتعالى والمراقبة لله عز وجل.

    فالواجب على كل مؤمن فضلاً عن طالب علم، فضلاً عن قدوة، أن ينزه نفسه عن الوقيعة في إخوانه المسلمين، ولا يشعر المرء أن الناس مراتب فيحتقر بعضهم؛ فقد يكون الشخص الذي تراه أشعث أغبر ذي طمرين ليس معروفاً في نسبه وليس عنده وظيفة ويكون ضعيفاً فقيراً لكنه عند الله أمة: (رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)، وقد يتكلم الشخص بعدل في عقيدة مبتدع أو فكره أو منهجه، ولا نقول: لا تتكلم فيمن يستحق، لكن الشريعة وضعت لذلك موازين صحيحة ثابتة قال تعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا [الأنعام:152]، العدل أمر الله عز وجل به، وكان أئمة السلف يضربون فيه أروع الأمثلة، وكان بعض أئمة الجرح والتعديل يتكلم في الرجال فمر أحد العلماء رحمهم الله عليه، وهو يتكلم في تراجم الرجال، فقال له: اتق الله فلربما تكلمت في أقوام قد حطوا رحالهم في الجنة، فأجهش هذا الإمام الحافظ الذي يتكلم في الرجال بالبكاء من هول هذه الكلمة! وما قال له: أنت عدوّ للسنة، بل كانت قلوبهم ترجف من الخوف؛ ولذلك يقولون: لا يقبل الجرح والتعديل إلا من العدل الذي يعرف بالعدالة والاستقامة، الأمين الذي عنده أمانة فلا يخون الأمة، ومع ذلك يكون خائفاً من الله عز وجل ويتمنى أنه لو كُفي هذا الأمر، ولولا أنه مضطر لما تكلم فيه، فلا يتكلم تشهياً ولا شهرة، ولا يتكلم عن غرض، ولا يتكلم عن حقد، ولا عن حسد، فهذه موازين عامة ينبغي مراعاتها في كل عصر وزمان ومكان؛ لأن واجبنا كطلاب علم وأهل علم أن نبين للناس هذا خاصة في هذا الزمان الذي تساهل فيه عامتهم وخاصتهم، وهذا إذا كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فمن باب أولى في غيره.

    فعلى كل حال: على الناس أن يتقوا الله عز وجل، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال له معاذ : (أو إنا مؤاخذون يا رسول الله! بما نقول؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم)؟! حتى العيب إذا رأيته من أخيك المسلم مندوبٌ لك أن تستره، فأول ما ترى العورة من أخيك المسلم فاعلم أنك ممتحن وأنك مبتلى من الله عز وجل، فالله عز وجل يبتليك بهذا الشيء، جيء بـحاطب بن أبي بلتعة عندما ارتكب خيانة عظمى، حيث كتب إلى قريش بأن محمداً يريد غزوكم، حتى تستعد قريش قبل أن يأتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يسمى: الخيانة العظمى، حيث يفشو سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكتب لأعداء الله عز وجل من المشركين، أي ذنب بالنسبة للمسلم حينما يوالي أعداء الله إلى هذه الدرجة؟ فلما كتب ما كتب وبعث بالكتاب، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه، فلحق بالمرأة ووجد معها الكتاب، قال: ما هذا يا حاطب ؟ فقال: يا رسول الله! إن لي ولداً وأهلاً فأحببت أن تكون لي يداً عليهم أحميهم بها، يعني: ما فعلت هذا حقداً على الإسلام والمسلمين، انظروا كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن عذره، مع أن الذنب واضح، والخطيئة واضحة، والجريمة عظيمة، والله ينزل فيها قرآناً من فوق سبع سماوات، مع أن القوم مشركون كافرون بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم، فكاتب قريشاً، وهي ستتخذ الحيطة وستقتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر ليس سهلاً حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: دعه يا عمر! ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)! وأنت ما يدريك أن هذا العالم والإمام الذي تتكلم فيه كانت بينه وبين الله مواقف صدق، وقد يكون الله غفر له ذنوبه. ونزله منازل ما تخطر له على بال!

    على الإنسان أن يتقي الله وأن يتورع، وأن يحرص كل الحرص على أن يزم نفسه بزمام التقوى، وليعلم كل إنسان أن أي ناصح وعالم وخطيب ومذكر إذا ذكر الناس وقال لهم: اتقوا الله فيما تقولون في إخوانكم المسلمين، فإنه ما قال شيئاً من عنده، بل كلها من نصوص الكتاب والسنة، وكل أمر بالتقوى يتضمن أن يتقي المسلم أول ما يتقي ما بينه وبين الله ثم يتقي ما بينه وبين الناس؛ ولذلك قيل: (يا رسول الله! من المسلم؟ قال: من سلم المسلمون من يده ولسانه)، فهذه نصوص الكتاب والسنة تحذر من هذا البلاء العظيم، وحينما نذكر قضية القذف والخيانة الزوجية؛ نذكر بما هو أعظم منها وأولى بالتأكيد عليه، وجماع الخير كله تقوى الله عز وجل، وأن يعلم كل مسلم أن الله رضي له العبودية والإيمان والنصيحة والبر والإحسان، وكره إلى قلبه الكفر وعبادة الأوثان، وكره إلى قلبه الفواحش ما ظهر منها وما بطن، سواءً كان في اللسان أو الجنان أو الجوارح والأركان حتى يكون من أولياء الله السعداء، وليعلم كل إنسان أن هذه الدنيا بساعاتها ولحظاتها سيقضي منها ما كتب الله له أن يقضي، فإما أن يعيش عفيفاً عن أعراض المسلمين فيعيش حميداً، ويموت سعيداً، ويبعث يوم القيامة وهو لا يحمل تبعة مسلم، ولا يحاسب بين يدي الله عن مسلم تكلم فيه، وإما أن يطلق لنفسه العنان فتكون منه زلات الجوارح واللسان والأركان، وعندها سيقف بين يدي العظيم الديان، حين لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وتنشر له كلماته، ويرى أمام عينيه عباراته، ويقال له: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14]، ويندم حين لا ينفع الندم، فيؤخذ من حسناته، فإذا فنيت منه الحسنات أُخِذ من سيئات صاحبه ثم طُرحَت عليه فيكون مصيره إلى النار، قال صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟ المفلس من يأتي يوم القيامة وقد شتم هذا، وأكل مال هذا، فيؤخذ من حسناته على قدر مظلمته، حتى إذا فنيت حسناته أمر بسيئات صاحبه فطرحت عليه ثم أمر به فطرح في النار)، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل!

    وأختم هذه الوصية: بأن الأمر لا يختص بنا، وأرى أنه من الواجب أن نربي أبناءنا منذ الصغر على العفة، فينبغي أن نحافظ على أولادنا وذرياتنا، فإن الخير في المجتمع والمحافظة على الحقوق لا يمكن أن ينتشر إلا بإصلاح الذريات، والعناية بالنشأة الصالحة، وعلى كل والد في بيته أن يعود أولاده ألا يتكلموا في أعراض الناس، وأن يرسموا المنهج السديد في حفظ عورات المسلمين، وألا يرضى لابنه يوماً من الأيام أن يأتيه بكلمة فيها لمزة لجاره أو لأخيه أو لقريبه حتى الأولاد بعضهم مع بعض يعودهم ألا يتكلم بعضهم في بعض، ولا يعودهم الوشاية ونقل الحديث، حتى ينشأ الطفل على سلامة وبراءة وطُهر وعِفة، وكذلك يرسم له المنهج في النصيحة والتذكير، بأن يكون لهم خير قدوة، فلا يذكر المسلم إلا بخير، ولا يذكر لهم عورات المسلمين، ولا يتكلم في أعراض المسلمين مع زوجته أمام أولاده؛ لأن هذا يرسم لهم القدوة، وعندها يحمل وزره ووزرهم، نسأل الله السلامة والعافية، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يسلمنا وأن يسلم منا وأن يتوب علينا وأن يتجاوز عنا، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    اللعان يوجب الفراق المؤبد بين الزوجين

    السؤال: هل يفتقر اللعان إلى طلاق أم أنه طلاق بائن؟

    الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فإذا لاعن الرجل امرأته وحلفت المرأة الأيمان فيفرق بين المتلاعنين فراقاً أبدياً لا يجتمعان بعده أبداً، قال سهل رضي الله عنه كما في الصحيحين: (مضت السنة عن رسول صلى الله عليه وسلم أن يفرق بين المتلاعنين فلا يجتمعان أبداً)، ولما لاعن عويمر ، ولذلك عويمر امرأته، وحلفت المرأة قال: (يا رسول الله! كذبت عليها إن أمسكتها، هي طالق ثلاثاً)، فطلقها بالثلاث في كلمة واحدة في مجلس واحد، وهذا الذي جعل الشافعي رحمه الله يقول: إن طلاق الثلاث بلفظ واحد سنة؛ لأنه ثبت كما في الصحيح أنه طلقها ثلاثاً بلفظ واحد، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح أنه بدعة كما تقدم معنا في مسائل الطلاق؛ فالطلاق وقع من عويمر ، لكن بدون إذن من النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها، فوقع الطلاق منه رضي الله عنه حمية وتأكيداً على أنه صادق، ولا يريد أن تبقى معه هذه المرأة، لكن السنة أن يفرق بينهما، فليس هناك طلاق، بل يفرق بينهما فراقاً أبدياً، والله تعالى أعلم.

    الطريقة المثلى لمن رأى في بيت جاره ما يريبه

    السؤال: أحياناً يرى الجار ما يريبه في بيت جاره، فهل له أن يخبر جاره أم الأفضل أن يسكت؟

    الجواب: لابد أن يؤخذ في الاعتبار فقه الفتوى فليس كل سؤال يجاب عنه، فما هي هذه الأمور المريبة؟ وما هي الضوابط المحددة التي يمكن أن يعرف فيها أن التهمة قوية أو ضعيفة؟ فصعب جداً أن تضع ضابطاً من الشريعة، فالشريعة لم تضع ضابطاً معيناً للمتردد على البيت أو أحوال البيوت بحيث يحكم أن هناك تهماً قوية أو ضعيفة؛ لكن المنبغي على أهل العلم وأهل الفتوى أن يجيبوا في مثل هذا على كل سؤال بعينه، فالشخص الذي يرى شيئاً من ذلك عليه أن يتصل بعالم، فينبغي عليه أول شيء أن يرجع إلى العلماء، وإذا سئل العالم ودرس الموضوع فيستطيع أن يحكم على هذا الأمر، فقد تقع أمور مريبة منها ما يمكن التحقق فيه، ومنها ما لا يمكن التحقق فيه، فما يمكن التحقق فيه مثل أن تكون المرأة من الأقرباء بحيث يستطيع أن يتصل عليها ويسألها: من هذا الذي يدخل البيت؟ فقالت: هذا عامل يأتي ويفعل كذا وكذا، ويعلم سبب الدخول على المرأة، ويجد أن الأمر ليس فيه أي ريبة، ولا يمكنه قطع الشك باليقين، وفي بعض الأحيان يستطيع أن يتأكد هو بنفسه، مثل أن يرى الشيء ويسهل الاطلاع عليه دون أن يسألها ودون أن يتحرى من الغير، فهذه الأمور ينبغي على العالم حينما يأتيه السائل أن يسأله: ما الذي رآه؟ وما حدود التهمة فيما رآه؟ ثم النساء يختلفن؛ فمن النساء من يعرف لهن قدم سابقة في الخير والصلاح والبر والبراءة والغفلة والبعد عن الحرام، وبعض الأحيان لا يخشى من المرأة لكن يخشى من الرجل نفسه، فالفساد في الرجل أكثر من المرأة، وفي بعض الأحيان العكس، فتكون المرأة فاسدة والرجل دين صالح، يدعى لعمل أو أمر ما والزوجة متساهلة، فهناك أمور تحتاج إلى دراسة، فمن فقه الفتوى أن الأمور التي تحتاج إلى نظر لا يفتى فيها بالقواعد العامة؛ لأن الناس حتى طلاب العلم تختلف أفهامهم، فلو أعطيت فيها قواعد عامة لفسرها كل شخص على حدود فهمه، وهذا يسمى بفقه الفتوى، فعلى العلماء وطلاب العلم والخطباء أن يوجهوا الناس، ولا يضعوا في مثل هذه الأمور قواعد عامة، فالذي نعرفه عن أئمتنا ومشايخنا رحمةُ الله عليهم أنها تُبحث كل مسألة على حدة، فإذا نظر فيها العالم أو الشيخ واستطاع أن يستبين وأن يتأكد من الأمر، فإن كان الأفضل الستر أمر به، وإذا رأى أن مثله لا يسكت عليه بل ينبغي عليه أن يطلع الزوج أمره فليخبر زوجها، وبعض الأحيان يكون الأسلم أن يخبر قرابتها ولا يخبر الزوج، حيث يكون في قرابتها من هو أعقل ومن هو أتقى لله عز وجل وأكثر محافظة من الزوج، وبعض الأحيان يكون ولدها أكثر صيانةً لها وأكثر محافظة فيطلعه على الأمر، فكل هذه مسائل ينبغي أن ينظر فيها على حدة، ويعطى فيها الجواب بحسب أحوالها، والله تعالى أعلم.

    حكم قضاء الصلاة لمن تركها متعمداً

    السؤال: من ترك الصلاة متعمداً هل عليه القضاء؟

    الجواب: هذه المسألة فيها خلاف مشهور، جمهور العلماء على أن ترك الصلاة متعمداً لا يوجب الكفر، وإذا كان لا يوجب الكفر فيجب عليه القضاء، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية رحمة الله عليهم، وذهب الحنابلة رحمةُ الله عليهم إلى أنه كافر، فعلى القول بكفره لا يقضي، وهذا الخلاف مشهور بين العلماء رحمهم الله، والصحيح الجمع بين النصوص فإذا ترك تركاً كلياً لا يقضي، وإذا صلى أحياناً وترك أحياناً فحديث عبادة يقوي أنه ليس بكافر، خاصةً وأن قوله: (فمن تركها)، يحمل على الترك الكلي، وحينئذٍ يجمع بين النصوص، والله تعالى أعلم.

    كيفية زكاة من نسي إخراج زكاة ماله

    السؤال: من نسي أن يخرج زكاة ماله في وقت الحول ومضى على ذلك فترة، فكيف يخرج زكاة ماله؟

    الجواب: يجب عليه أن يخرج عن السنوات التي لم يخرج الزكاة فيها، واختلف العلماء في كيفية ذلك على قولين:

    منهم من يقول: يحسب السنة الأولى ويخرج منها الزكاة ثم يحسب زكاة السنة الثانية ويسقط قدر الزكاة التي أخرجها، ثم يحسب زكاة السنة الثالثة ويسقط قدر الزكاة من السنة الأولى والثانية، وهكذا، بمعنى: أنه يعفى عن المال الواجب في الزكاة فلا يزكه، ومن أهل العلم من قال: إنه يجب عليه أن يحسب المال تاماً كاملاً، ولا يسقط منه قدر الزكاة في السنوات السابقة، وهذا هو الصحيح فيما يظهر، والله تعالى أعلم.

    المراد بفتنة المحيا والممات

    السؤال: ما معنى فتنة المحيا والممات؟

    الجواب: الفتنة تطلق بمعانٍ عديدة، تطلق الفتنة بمعنى: العذاب، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج:10]، يعني: عذبوهم واضطهدوهم؛ لأن الآية في سياق أصحاب الأخدود الذين عذبوا أهل الأخدود من المؤمنين، وتطلق الفتنة بمعنى: الشرك، لقوله تعالى: وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:191]، يعني: الكفر والشرك بالله عز وجل، وتطلق الفتنة بمعنى: الصد عن سبيل الله عز وجل، وفتنة الناس عن دينهم وصدهم عن دينهم وإغوائهم بالضلالات أو الشهوات.

    وفتنة المحيا هي: الأمور التي يبتلى بها الإنسان في دينه حال حياته، فما من مسلمٍ ولا مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر إلا وابتلاه الله على قدر إيمانه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)، فدل على أنه لابد وأن يفتن المؤمن، ولذلك قال تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]، أي: لا يختبرون ولا يمتحنون ولا يبتلون من الله عز وجل، قال تعالى: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:141]، وقال: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال:42]، وفتن الحياة التي تتعلق بالدين تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: فتنة الشهوات، والقسم الثاني: فتنة الشبهات. ففتنة الشهوات هي: الفتن التي يُبتلى بها العبد في شهوته، فبعض العلماء يجعل الشهوة قاصرة على شهوة الفرج والبطن، وبعضهم يجعل الشهوة عامة حتى جعل من الشهوة: شهوة الحديث والكلام، ففتنة الشهوة دركات وبعضها أشد من بعض، فهناك مقاصد، وهناك وسائل، فعلى سبيل المثال: الزنا فتنة شهوة لكن هناك ما هو دون الزنا مما يفضي إلى الزنا، كالنظرة المحرمة، واللمس المحرم، والخلوة بالأجنبية، ومحادثة النساء، وإغرائهن، فقد تصير هذه الوسائل -في بعض الأحيان- بتكرارها وتعاطيها أعظم من الزنا نفسه، فمثلاً شخص -والعياذ بالله- اعتاد أن يحادث النساء ويغريهن ويفسدهن، فلربما أغرى المرأة الواحدة فتصبح عاهرة حياتها كلها بسبب كلامه وإغرائه، فيحمل بين يدي الله وزرها ووزر إغرائها بالحرام، مع أنه ربما لو زنى -والعياذ بالله- لا يصل في الإثم إلى هذا الذي وصله بسبب تكرار هذه الوسائل، فالفتن إذا كانت في الشهوات فهي دركات تختلف بحسب اختلاف آثارها، وما تفضي إليه من غضب الله عز وجل وسخطه، وفتنة الشهوات تشمل فتنة محبة العلو على الناس والمناصب، فتجد الشخص -مثلاً- في وظيفته مبتلىً بحب الظهور والبروز، فيظلم من تحت يديه، ويظلم عماله، ويظلم المستخدمين، وبعض الأحيان تكون عنده فتنة شهوة المدح والثناء والإطراء، فيحب أن يجله الناس ويمجدوه وإن كذبوا في وصفه وتمجيده، فهذه كلها من فتنة الشهوات، وهذه من فتنة الحياة التي قد تفضي بالإنسان -والعياذ بالله- إلى سخط الله وغضبه، والذنب قد يكون بريداً إلى الكفر، وقد يكون صغيراً ويكون بريداً إلى الكفر، فلا يستهين الإنسان بالمعاصي، فإن الجبال تكون من دقائق الحصى، نسأل الله السلامة والعافية! ولذلك قال عبد الله بن عباس : (لا تنظر إلى المعصية، ولكن انظر إلى من عصيت).

    أما فتنة الشبهة فتكون في مسائل الدين نسأل الله السلامة والعافية! وأعظمها ما يكون في الاعتقاد من الشكوك في الله عز وجل، فيفتن الإنسان في توحيده وإخلاص العبادة لله عز وجل، ومن ذلك الرياء في الطاعات فتجد الإنسان -والعياذ بالله- يصلي ولا حظ له في صلاته ولا أجر ولا مثوبة؛ لأنه صلى للناس، ويطلب العلم وهو يريد أمراً من الدنيا فيذهب أجره، وهذا من فتنته في دينه، فالفتنة أنواع ودركات مهلكات، نسأل الله السلامة والعافية! ولذلك كان من سنته عليه الصلاة والسلام الاستعاذة بالله عز وجل من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المحيا -كما يقولون-: طول العمر حتى يرى الإنسان ما لا يسره ويسمع ما يسوءه، قال الشاعر:

    يا رب يومٍ بكيت فيه فلما صرت في غيره بكيت عليه

    فكم من إنسان رأى شهوات ورأى معاصي ورأى منكرات فمدّ له في عمره إلى زمان بكى على الذي قبله، وقد قال صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم-: (ما من زمانٍ إلا والذي بعده شرٌ منه حتى تقوم الساعة)، فمن فتنة المحيا أن يزاد في عمر الإنسان ولا يزال يتهاوى في المعاصي والمحرمات، فيزيده طول العمر معصيةً لله، وبعداً عن الله عز وجل، وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (شركم من طال عمره وساء عمله).

    وأما فتنة الممات فإن الإنسان يُفتن عند موته حتى أن الشيطان ربما استزله عند موته فختم له بخاتمة سيئة، ولذلك خاف العلماء والصالحون والأتقياء من سوء الخواتم، نسأل الله حسن الخاتمة! نسأل الله الثبات عند الممات! استعيذوا بالله من الفتن خاصةً في سكرات الموت عندما يوقن الفاجر، ويؤمن الكافر، ويزلزل العبد فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، ويرزقهم الله عز وجل القوة واليقين، وليس هناك فيصل في هذه الدنيا أصدق من فصل الخاتمة، فهي التي تفصل بين الناس، فالسعيد يرى خاتمة السعداء: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [التوبة:21-22]، فولي الله المؤمن أسعد لحظة له وأعز ساعة عنده؛ إذا دنت سكرته وحانت قيامته وأوذن بالرحيل من هذه الدنيا، فليس هناك ساعة أسعد عنده من تلك الساعة، حتى أنه لو خُيّر بين الرجوع إلى أهله وبين الإقبال على ربه لاختار ما عند الله عز وجل على أهله وولده؛ من عظيم ما يجد عند الله سبحانه وتعالى من البشائر الطيبة؛ لأن الله يثبت بها المؤمنين؛ ولذلك تجد القصص العجيبة للأخيار عند الموت، فتجد الشخص منهم يتهلل وجهه ويشرق جبينه ويصبح كأنه صفحة من قمر أو كالشمس! ولقد رأينا ذلك في الرجال والنساء، وتجد منهم الأمر العجيب جداً من الثبات والسلوى والبشائر الطيبة حتى أنك ربما جلست جواره وهو ميت وأنت لا تحس أنك بجوار ميت! ليس فيه وحشة الأموات، والسبب حسن الخاتمة التي من الله عز وجل عليه بها. وقد يزلزل الإنسان عند الموت -والعياذ بالله- ولذلك تجد عبدة المال يزلزلون عند الموت، وتجد الشخص منهم قدمه في الآخرة وروحه في الدنيا حاملاً هم المال وهم التجارة وكيف يخرج من هذه الدنيا! وكيف يخرج من شهواتها! لأنه عمّر الدنيا وخرّب الآخرة، فلا يحب أن ينتقل من عمارٍ إلى خراب، فتجده مزلزلاً مشتتاً فإذا حانت قيامته ودنت سكرته فإذا به لا يعرف ما الذي يقول وما الذي يفعل! وإذا بكلامه يتغير، وإذا بصفحات وجهه تبدي ما في مكنون قلبه نسأل الله السلامة والعافية! وأشد الناس فتنة عند الموت الذين في قلوبهم مرض وهم أهل الزيغ في العقائد، وهؤلاء الذين يستهزئون بالدين، ويستهزئون بالصالحين ويغضبون الله سبحانه وتعالى بالكلام في حرماته العظيمة، ولذلك فإن الذي يسب الدين ويسب الله عز وجل لا يؤمن عليه من سوء الخاتمة، ومن يتهكم ويسخر من القرآن أو يسخر من النبي صلى الله عليه وسلم فينتظر لهم الخاتمة السيئة وحينها سيعلم هؤلاء جزاؤهم؛ لأن الله يقول: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227]، وسيعلمون عاقبة الكلام في الصالحين، وقد ذكرنا قصة الكاتب المشهور أبي رية الذي كان ينتقص أبا هريرة رضي الله عنه، ويتكلم فيه، قال بعض العلماء: لما سافرت نزلت إلى بلده، فشاء الله أني عزمت على زيارته في عصر ذلك اليوم لأجل أن أناقشه، فدخلت عليه وهو، في سكرات الموت، قال: وكان الرجل أبيض الوجه فإذا به قد اسود وجهه! وإذا هو في أشد الأحوال، وروحه ضيقة، ويلتقط أنفاسه بصعوبة شديدة، وهو يصيح ويقول: آه أبو هريرة، آه أبو هريرة ، آه أبو هريرة، حتى فاضت روحه!

    فالكلام في الصالحين والعلماء والأخيار والاستهزاء بأهل الطاعة، وكذلك سب الدين والسخرية من الدين؛ عواقبه وخيمة ذكر والدي رحمه الله أنه جاء مسافرون وأقبلوا على المدينة، وكانوا بحذاء وادي العقيق، فقال رجل: وصلنا المدينة، فقال رجل من الصالحين للمتكلم: قل: إن شاء الله، فقال ذلك الشقي: وإن لم يشأ! جرأة على الله عز وجل، قال: فما جاوزوا العقيق حتى انعطفت بهم السيارة فكان أول من دقت رقبته هذا الكافر، الذي رد على ربه المشيئة وقال: وإن لم يشأ سنصلها، فمثل ذلك عواقبه وخيمة، ولذلك لا يبتلى الإنسان بفتنة في الموت أشد من سوء المعتقد والمرض في القلب، قال بعض العلماء رحمهم الله: لا تعرف سوء الخاتمة لمن صلحت عقيدته، فمن كان صالح المعتقد يعيش في هذه الحياة قوي الإيمان بالله مخلصاً لله عز وجل.

    ودائماً على الإنسان أن يعود نفسه أن يكون مع الله عز وجل، فيخلص له العمل كله، فيتكلم لله ويعمل لله ويعطي لله ويفعل كل شيء لله، فإذا صارت أموره كلها لله عز وجل ثبت الله قلبه عند الموت.

    نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل أسعد اللحظات وأعزها عند المصير إليه، وأن يرحمنا برحمته، وأن يعمنا بواسع مغفرته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245771

    عدد مرات الحفظ

    723947443