إسلام ويب

شرح زاد المستقنع كتاب الوصايا [2]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوصية قبل الموت تتنوع بحسب حالها، فقد تكون الوصية واجبة إذا كانت متعلقة بحق لله أو بحقوق للمخلوقين واجب، وقد تكون مستحبة إذا قصد بها سبل الخير، وقد تكون محرمة إذا كانت تأمر بعقوق أو بقطيعة رحم، أو أن يصرف بعض المال في دعم أفعال محرمة أو مبتدعة، وقد تكون مكروهة. ولا تجوز الوصية بأكثر من الثلث، والأفضل أن يوصى بأقل من الثلث، فإن كان ولابد فالثلث والثلث كثير.

    1.   

    أنواع الوصايا

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [يسن لمن ترك خيراً].

    شرع المصنف رحمه الله في بيان الأحكام والمسائل المتعلقة بالوصية، فابتدأ بمسألة حكم الوصية، فبين رحمه الله أن من السنة واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصي المسلم وتكون وصيته بعد موته، وهذا هو الذي دل عليه كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد عبر المصنف رحمه الله بقوله: (يسن)، ومعنى ذلك: أن الوصية ليست بواجبة، وهذا هو قول جمهور العلماء رحمهم الله، أن الوصية تعتريها عدة أحكام؛ فتارة تكون واجبة لازمة، وتارة تكون مندوبة مستحبة، وتارة تكون محرّمة ممنوعة، وتارة تكون مكروهة يثاب تاركها، ولا يعاقب فاعلها.

    فهذه أربعة أحكام تتعلق بالوصية، لكن الأصل العام أنها مسنونة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سن لأمته سنن الهدى، ومن ذلك الوصية التي يكتبها المسلم، فيأمر فيها بما أمر الله، أو ينهى فيها عما نهى الله عز وجل عنه، أو يجمع بين الأمرين.

    الوصية الواجبة

    أما كونها واجبة: فإن أي شخص تعلّقت به حقوق لله عز وجل أو لعباده، فإنه يجب عليه أن يَكتب وصيته، وأن ينبه على هذه الحقوق، والدليل على ذلك: أن الله فرض علينا أداء هذه الحقوق والواجبات، فقال سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، فلو كانت عند الإنسان حقوق ومظالم للناس، ولا طريق للوصول إلى أدائها إلى أهلها والتحلل منها إلا بالوصية؛ صارت الوصية واجبة.

    ومن أمثلة ذلك: لو استدان شخص مبلغاً من المال وكتب عليه صاحب المبلغ سنداً وأشهد فلا إشكال؛ لأن صاحب الحق محفوظ حقه بوجود البينة.

    لكن لو أنه يُحبُّك وتحبه وبينكما مودة، وحصل شيء من الاستحياء أو الثقة، فلم تكتبا، فاطمأن إليك؛ فالواجب عليك أن تكتب في وصيتك أن لفلان علي مبلغاً من المال؛ لأنك لو لم تكتب ذلك لأدى إلى ضياع حقه وحرمانه مما له عليك، والله قد أمرك بأداء هذه الأمانة، وأداء هذا الواجب متوقف على الوصية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

    إذاً: كل شخص عليه حق لله أو حق للمخلوق، فينبغي عليه أن يكتب وصيته، وأن ينبه على هذا الحق؛ صيانة لحقوق الناس، وأداءً للأمانات ووفاءً بها.

    أما حقوق الله تعالى فتشمل الكفارات، كأن تكون عليه كفارات، أو تكون عليه فدية في حج أو عمرة، كما لو وقع في بعض المحظورات ولزمته الفدية ولم يؤدها؛ فالواجب عليه ألا يبيت إلا وقد كتب في وصيته أن عليه فدية من كذا وكذا، أو عليه كفارة كذا وكذا، أو عليه صيام، على القول بأن الولي يصوم عن وليّه إذا كان صيام نذر أو كان صيام كفارة، فإذا كان صياماً عن قضاء فيكتب هذا وينبِّه عليه؛ لأن الله فرض عليه أن يقوم بحقه، وقد جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: (إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى).

    فمن كانت عليه حقوق لله عز وجل؛ من صيام، أو وجب عليه الحج ولكنه قصّر في ذلك مع قدرته واستطاعته؛ فالواجب أن يُخرج من تركته وماله ما يحج به عنه، أو يقوم بعض ورثته بذلك مجزياً من الله بأعظم الجزاء وأحسنه، وهذا بالنسبة لحقوق الله عز وجل.

    أما حقوق المخلوقين: فمثل الدين، والودائع والأمانات، كأن تكون استعرت كتاباً من أخيك، فالواجب أن تكتب في وصيتك، وأن تُنبه على هذا الكتاب والحق الذي لأخيك المسلم، حتى لا يضيع؛ لأنك لو لم تكتب ذلك ولم تنبه عليه لربما ضاع هذا الحق، ولربما ضُم الكتاب إلى كتبك، فإذا استعار طالب العلم كتاباً فينبه أو يكتب في وصيته أن الكتاب الفلاني لفلان، وكذلك لو استعار شيئاً من أخيه؛ كالأدوات والآلات ونحو ذلك من الأشياء التي هي حقوق للناس؛ فالواجب أن يكتب ذلك في وصيته، وينبه عليه إذا توقف أداؤه على مثل هذا.

    إذاً: فالوصية واجبة إذا كانت بحق لله أو حق للمخلوقين ويدخل في هذا الوصية بالأمر بما أمر الله به والنهي عما نهى الله عنه، فإذا كان يعلم أن ورثته من بعده قد يقعون في بعض المحرمات والأمور التي لا تُرضي الله عز وجل؛ فعليه أن يكتب في وصيته أنني أوصيكم بتحري السنة في تغسيلي وتكفيني وتجهيزي والصلاة علي، وإذا كان يعلم أنهم سيبالغون في البكاء فيوصيهم بأن لا يفعلوا ذلك، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه)، وقال بعض العلماء: إن هذا في حالة علم الميت أنه سيُبكى عليه ويبُالغ في البكاء حتى يوصل إلى الحد المحرم، فسكت على ذلك ولم ينه عنه.

    إذاً: لابد أن تشتمل الوصية على إحقاق الحق وإبطال الباطل، فمتى ما توقف إحقاق الحق وإبطال الباطل على ذلك؛ فإنه يجب عليه أن يكتب الوصية بذلك فإنها واجبة، وهكذا إذا علم حقوقاً بين الناس، كأن يعلم أن هناك حقاً لفلان على فلان، فيكتب ذلك وينبه على ذلك.

    المهم أن الوصية تكون واجبة إذا توقف عليها أداء الحقوق وردها لأهلها وأصحابها.

    الوصية المستحبة

    ثانياً: تكون الوصية مستحبة إذا قصد الإنسان منها سُبُل الخير، وطلب بها مرضاة الله سبحانه وتعالى في الأمور غير الواجبة عليه، مثل أن يُوصي بالصدقات، أو يوقف شيئاً من أملاكه، أو يوصي بعمل بر من بعد موته غير واجب عليه، فإذا وصَّى بمثل هذا؛ فإن الوصية تكون أفضل وأعظم استحباباً وأجراً وثواباً عند الله سبحانه وتعالى عندما تكون لأقرباء الإنسان الذين لا يرثون، فيُوصي -مثلاً- لعمه، أو لخاله، أو لأولاد عمه، أو لأولاد خاله، ويوصي لخالته، ولعمته، عندما يعلم أن هناك زيادة في المال، وأن العم والعمة والخال الخالة وجميع آله وقرابته محتاجون للمال لقضاء دين أو تفريج كربة؛ فيكتب في وصيته: أن أخرجوا من مالي مبلغ كذا لعمي، أو اجعلوا المبلغ الفلاني لأعمامي، أو اجعلوه لإخواني الذين لا يرثون؛ لأنه قد يكون عنده أبناء يحجبون الإخوة، فهو يريد أن يصل إخوانه وأخواته، ويعلم أن أخته مديونة، أو أن أخاه مديون، فأراد أن يفرِّج كربته؛ فأوصى أن يُقضى دين أخيه، أو يُقضى دين أخته، أو يوصي وصية عامة ويقول -إذا أحب أن يوصي بالثلث-: ثلث مالي يُتَصدق به على أقربائي في قضاء ديونهم، أو يكون ثلث مالي لأيتام أخي، أو يكون ربع مالي من بعد موتي لأيتام أختي، ونحو ذلك من الوصايا التي يُقصد بها البر وطاعة الله سبحانه وتعالى.

    فأفضل الصلة عندما تكون للرحم، وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل الرحم تتساوى مراتبها من حيث العموم فكل ما كان للرحم فله فضله من دون تفصيل أم أن هناك تفصيلاً؟

    فاختار بعض الأئمة وبعض المحققين رحمهم الله أن الوصية المستحبة تتفاوت درجاتها ومراتبها بحسب تفاوت القرابة والرحم، فأوّل من تقدم القرابة من جهة النسب، ثم يليهم القرابة من جهة الرضاعة، ثم يليهم القرابة من جهة المصاهرة، ثم الولاء.

    فأما بالنسبة للقرابة من جهة النسب فقالوا: تقدم المحارم على غير المحارم، فمثلاً: وصيته لعمه وعمته أفضل من وصيته لابن عمه وابن عمته؛ لأن المحرَمية في العم والعمة، فإذا وصت لعمها أو وصى لعمته؛ فإن العم والعمة من المحارم، فالوصية لهم أفضل وأعظم أجراً عند الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله جعل مرتبتهم مقدمة على مرتبة غيرهم.

    كذلك أيضاً لو كان له أبناء عم، وبعضهم أقرب من بعض، فمثلاً: ابن العم الشقيق الوصية له أفضل من ابن العم لأب، وابن العم الشقيق الوصية له أفضل من ابن العم لأم ونحو ذلك، فالقرابة من جهة النسب تتفاوت مراتبهم.

    والذي اختاره جمع من العلماء: أن الوصية للأرحام الذين يكونون من الذكور والإناث أفضل وأعظم ثواباً عند الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك جعل الشرع لهم من الحق ما لم يجعله لغيرهم، وقال: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأنفال:75]، فقدَّمُوا الرحم - أي: المحرمية- من هذا الوجه.

    ثم يأتي بعد القرابة الوصية للأقرباء من جهة الرضاعة، كأمه التي أرضعته -سواء كانت محتاجة أو غير محتاجة- ويوصي لأقربائه من جهة الرضاعة؛ كأمه وأخته وعمته من الرضاعة، ونحو ذلك من القرابات من جهة الرضاعة، ويُقدم محارمه على غيرهم، وتكون صلةً وبراً يعظُم من الله عز وجل أجرها وثوابها.

    وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم عِظم أمر الرضاعة، وأن لها حقاً على المسلم، ولما خرج عليه الصلاة والسلام إلى الطائف، وقاتل هوازن، وغنم الغنائم، اتقى الله فيهم ورعى الرحم، فلم يقسم غنائم حنين مباشرة، وكان صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يكلموه حتى لا تُسبى ذراريهم، ولا تُقسم أموالهم شفقة عليهم منه صلوات الله وسلامه عليه، وحفظاً للرضاعة من حليمة السعدية التي أرضعته صلوات الله وسلامه عليه.

    فلما ذهب إلى الطائف وفتحها وبعد رجوعه ونزوله بالجعرانة قسم صلى الله عليه وسلم الغنائم، فلما قسمها تألمت هوازن، وجاءه عليه الصلاة والسلام وفدها، وقام خطيبهم وقال له: يا رسول الله! إن اللاتي بالحظائر ما هن إلا عماتك وخالاتك من الرضاعة، فتأثر عليه الصلاة والسلام أثراً بليغاً، وقال له عباس بن مرداس السلمي في أبياته المشهورة والتي منها:

    امنن على نسوة قد كنت ترضعها إذ فوك تملؤه من محضها الدرر

    إلى غير ذلك مما كان من الأبيات التي ذكرته حق الرضاعة، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما كان لي ولبني هاشم فهو لكم)، وقالت الأنصار مثل ذلك، وهذا كله يدل على حفظه صلى الله عليه وسلم لحق الرضاعة.

    فالمرضعة والأقرباء من جهة الرضاعة يوصَلون بالوصية، وتكون الوصية مستحبة في حقهم؛ لأنهم لا يرثون.

    ثم بعد الرضاعة القرابة من جهة المصاهرة، فلو لم يكن له أقرباء لا من جهة النسب، ولا من جهة الرضاعة؛ فحينئذٍ ينظر إلى أصهاره، وهم أقرباؤه من جهة زوجته أو زوجة والده أو زوجة ولده؛ فهؤلاء يصلهم لتكون رحماً وصلة يرجو ثوابها من الله سبحانه وتعالى.

    هذا بالنسبة للوصية المستحبة التي تكون لغير الوارث، وتكون صلة وبراً للأقرباء، وهي أفضل وأعظم ما تكون أجراً وثواباً من الله سبحانه وتعالى، وقد قرر العلماء أن الوصية للأقرباء أعظم أجراً من الوصية لغير الأقرباء؛ لثبوت النصوص بذلك، ولذلك لما دخل عليه الصلاة والسلام على أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنه وقالت: (يا رسول الله! هل شعرت أني أعتقت فلانة -أي: أعتقتها لوجه الله- فقال صلى الله عليه وسلم: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك).

    مع أن العتق أمره عظيم، وإذا أعتق الإنسان فإنه يُعتق بكل عضوٍ من المعتَق عضو منه من النار، ومع هذا يقول لها (لو أنك أعطيتها أخوالك) أي: لو أبقيتِها على العتق ووصلت بها القرابة لكان أعظم لأجرك عند الله سبحانه وتعالى.

    الوصية المحرمة

    ثالثاً: وقد تكون الوصية محرمة، وهذا هو النوع الثالث من الأحكام المتعلقة بالوصية، وتكون الوصية محرمة إذا اشتملت على حرام، وقد مثّل العلماء لذلك بأن يوصي لكنيسة، أو يوصي بنسخ التوراة أو الإنجيل أو الكتب المحرفة، أو الكتب التي تشتمل على الضلالات والبدع والأهواء التي تُضل الناس وتخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، فمثل هذه لا تُرضي الله ولا ترضي رسوله عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك إذا وصَّى بحرام؛ كأن يغضب الأخ على أخيه فيقول: لا يشهد فلان جنازتي، ولا يحضر تغسيلي ولا تكفيني، ولا يفعل كذا ولا كذا.. فهذه قطيعة للرحم، وأمر بمعصية، وأمر بما لا يحبه الله ولا يرضاه، فإن الله يحب من القريب أن يشهد قريبه، ويترحم عليه، ويدعو له، والأقرباء أبلغ شفقة من غيرهم، فإذا وصى أنه لا يدخل بيته ولا يشهد تغسيله ولا يحضُر جنازته، فهذه من القطيعة، وقد يكون هذا بين الوالد وولده والعياذ بالله! فهذه -نسأل الله السلامة والعافية- من الوصايا المحرمة.

    حتى ذكر العلماء رحمهم الله أن الوصية المحرمة من علامات سوء الخاتمة -والعياذ بالله- للإنسان؛ لأنه يختم ديوانه وعمله -والعياذ بالله- بالقطيعة وبعقوق الوالدين وبالمظلمة، وإذا خُتم له بعقوق الوالدين أو عقوق الأولاد أو قطيعة الرحم؛ فإن هذه كبائر توجب دخول النار ما لم يغفر الله الذنب، فيُختم له بخاتمة سيئة تكون سبباً في دخوله النار تعذيباً إذا كان من الموحدين، ثم يخرج منها بفضل الله وهو أرحم الراحمين، وهذا ممن يعمل بعمل أهل الجنة فيسبق عليه الكتاب في بعض العمل إذا لم يكن مخلداً في النار فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها مطهّراً من ذنب كبير.

    وهذا هو أحد الأوجه عند العلماء رحمهم الله في قوله عليه الصلاة والسلام : (وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة)، فيكون عبداً صالحاً ثم يغضب على ولده أو على قريبه، ثم يكتب هذه الوصية الجائرة الظالمة التي تشتمل على عقوق أو تشتمل على قطيعة، فيختم له -والعياذ بالله- بهذه الخاتمة السيئة، نسأل الله السلامة والعافية.

    فلا يجوز أن يوصي بالمحرمات، فإذا وصى بمثل هذه الوصايا فهي وصية باطلة، ولا يجوز للورثة أن يطيعوا، ولا يجوز حتى للقريب أن يطيع قريبه في قطيعة الرحم، ولو قالت الأم: لا تزر خالك، أو لا تزر عمك، أو لا تزر قريبك؛ فلا تطاع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الطاعة في المعروف)، وهذا ليس بمعروف، ولأن الله أمرك بصلة الرحم، وغيرك نهاك عنها؛ فتُقدم أمر الله على سائر الأوامر، وطاعة الله على سائر الطاعات، فلذلك لا تنفذ مثل هذه الوصايا، ولا يجوز العمل بها.

    الوصية المكروهة

    رابعاً: وقد تكون الوصية مكروهة، مثل أن يكون الشخص قليل المال وورثته محتاجون لهذا المال فيُوصي بصدقة، فإن هذه الصدقة تُضيق على ورثته في الإرث، فمثلاً: لو كان الورثة محتاجين لهذا المال، أو كان عنده ولد، والولد مديون مكروب، وترك ألفاً أو ألفين قد لا تفي بسداد دينه، فجاء ووصى بثلثها، فهذا يضيق على ولده ويضيق على وارثه إلى درجة أنه قد لا ينتفع النفع المرجو من التركة، فحينئذٍ كره العلماء رحمهم الله مثل هذه الوصية، وبيّنوا أن الوصية في حق الفقير أو قليل المال مكروهة إذا كانت تضيق على الورثة وتوجب لهم ما ذكرنا من الحرج.

    هذا بالنسبة لأحوال الوصية الواجبة، والمندوبة المستحبة، والمحرمة، والمكروهة، فما عدا ذلك من حيث الأصل العام فالوصية سنة، أي: سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله شرع لهذه الأمة سنن الهدى، وذلك بأقواله وأفعاله بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، التي جعلها الله أسوة للمؤمنين، وقدوة للأخيار والصالحين، فلا أكمل من هديه بأمي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    اختلاف العلماء في حكم الوصية

    قال رحمه الله: [يسن لمن ترك خيراً].

    الخير: هو المال الكثير كما فسره المصنف رحمه الله.

    وقوله: (المال) لا يشترط السيولة، إنما المال كل شيء له قيمة، فلو لم يترك نقوداً، وإنما ترك (عمائر)، فلو ترك عشر عمائر فهي مال، وإن لم يترك أي ريال في محفظته أو في رصيده، فهو يُعتبر ممن ترك خيراً، فلا يشترط أن تكون هناك سيولة بالنقد، إنما العبرة بقيمة المال؛ سواءً كان من الأعيان أو من غيرها.

    فقوله: (يسن لمن ترك خيراً) أي: من بعد وفاته، ولذلك العبرة بما يكون في حال مرض الموت ويغلب على ظنه أنه يموت فيه، فلو أنه وصى وهو غني ميسور، ثم أصابته أمراض، أو جاءت كربات أو نكبات على أمواله فخسر؛ فالعبرة بحاله عند مرض الموت لا عندما كتب الوصية.

    وقوله: (لمن ترك خيراً) أي: ينظر في حال مرضه للموت ودنو الأجل، فلو كتب وصيته قبل موته بسنة أو قبل موته بشهور، فإن هذا لا يُعتد به؛ لأن العبرة بحاله عند موته، أو بما هو قريب من موته؛ وذلك لأن هذا سيؤثر على مصالح الورثة، والعبرة في المال الكثير والخير الكثير بما يكون سابقاً للأجل لا بما قبل ذلك، فالورثة ماذا يستفيدون لو كان قبل وفاته بسنة عنده ملايين الأموال، ولما حضرته المنية لم يكن عنده إلا يسير من المال؛ فالعبرة بما يؤول إليه الأمر وينتهي إليه الحال، فقوله رحمه الله (لمن ترك خيراً) أي: بعد وفاته، وغلب على ظنه أنه سيكون بعد وفاته.

    والخير كما قال: (المال الكثير) وهذا تأسٍ بالكتاب؛ لأن الله نص على الوصية وألزم بها إذا ترك خيراً.

    وقوله رحمه الله: (يسن) فيه رد على من يقول: إن الوصية واجبة، فقد ذهب بعض السلف كـالزهري وأبي مجلد رحمة الله عليهما إلى أن الوصية واجبة، سواءً كان الإنسان عليه حقوق أو لم تكن عليه حقوق، فيجب عليه أن يوصي، والأصل أنهم استدلوا بظاهر قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ [البقرة:180]، و(كُتِبَ) بمعنى: فُرِض، وهذا القول عارضه قول جمهور العلماء رحمهم الله من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.

    وهو قول طائفة من السلف كـإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وغيرهم من الأئمة -رحمة الله على الجميع- بأن الوصية ليست بواجبة من حيث الأصل.

    وهناك قول ثالث في المسألة يقول: الوصية واجبة لأقربائك الذين لا يرثون، وهذا هو قول الظاهرية، وهو قول بعض السلف كـمسروق صاحب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ورحم الله الجميع، وكذلك قال به طاوس بن كيسان وقتادة من تلامذة ابن عباس رضي الله عنهما، يقولون: إن الوصية واجبة للقريب الذي لا يرث، فمن كان عنده قريب لا يرث فيجب أن يكتب في وصيته له شيئاً، ويرون أن الآية منسوخة بالنسبة للوارثين، وتبقى محكمة في غير الوارث: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [البقرة:180] قالوا: (كُتِبَ) بمعنى: فُرِض، فنسخ الله ذلك في أهل المواريث، فبقي الأقرباء الذين لا يرثون؛ فيجب عليك أن توصي لهم.

    والصحيح هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو: أن الوصية ليست بواجبة، والدليل على ذلك حديث ابن عباس الصحيح، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)، وقد اختلف في الجملة الأولى هل هي مدرجة أو من كلامه صلى الله عليه وسلم؟ فقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) يدل من حيث الأصل على أن آية المواريث التي نزلت في سورة النساء وغيرها قد نسخت فرضيّة الوصية، فلم تكن هناك مواريث في أول الإسلام، وإنما الشخص يُوصِي ويكتب: أعطوا فلاناً، وأعطوا فلانة، فيتولى قسمة تركته قبل موته، ولكن الله سبحانه وتعالى تولى قسمة المواريث من فوق سبع سماوات: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، والكلالة: هي أن يموت الرجل وليس له والد ولا مولود، قال الناظم:

    ويسألونك عن الكلالة هي انقطاع النسل لا محالة

    لا والد يبقى ولا مولود انقطع الآباء والجدود

    فاستفتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقال الله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء:176]، فتولى جبار السموات والأرض قسمتها من فوق سبع سماوات قسمة العدل، فأعطى كل ذي حقه.

    فإذا كانت النصوص في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم قد قسمت الحقوق، وأعطت كل ذي حق حقه؛ فحينئذٍ ليس من حق أحد أن يقول: إن هناك من الأقارب من له حق يجب عليك أن توصي له؛ لأنه لو كان هناك لبيّن الله تعالى كيف يُقسم للأقارب الذين لا يرثون، وبناءً على ذلك: فلا يُعتبر القول بأنها محكمة في الأقارب الذين لا يرثون صحيحاً من هذا الوجه.

    والذي يترجح: أن الوصية ليست بواجبة عليك إلا في الأحوال التي يتوقف عليها أداء حق الله عز وجل، أو إيصال حقوق الناس إليهم، على التفصيل الذي ذكرناه، وهذا القول هو قول الجمهور بقوة دليل السنة، على أن آية الوصية منسوخة وليست بمحكمة.

    ومما يقوي هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عمر في الصحيحين: (ما حق امرئ مسلم عنده شيء يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه)، فهذا يدل على أن الوصية لو كانت واجبة لسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وترك آية الوصية دالة على اللزوم؛ لكنه لما بين أن الوصية تكون واجبة في مثل هذه الحالة؛ دل على أن الأصل عدم وجوبها، وعلى هذا قال المصنف رحمه الله: (يسن لمن ترك): أي للشخص الذي ترك، سواءً كان رجلاً أو امرأة، وسيأتي من هو الذي يوصي، وما هي الشروط المعتبرة في الأوصياء.

    1.   

    ضابط المال الكثير

    قال رحمه الله: [وهو المال الكثير].

    الكثير: وصف للمال، وكيف نعرف أن هذا المال كثير أو أنه ليس بكثير؟

    هذا يُرجع فيه إلى العرف، وتجري في ذلك القاعدة المشهورة: العادة محكَّمة، فإذا كان العرف أن هذا المبلغ الذي تركه يُعتبر كثيراً فهو كثير، فلو نظرنا قبل خمسين سنة فربما كانت العشرة ريالاً تُعتبر من المال الكثير جداً، والعشرة الريال ربما تعادل الآن أكثر من مائة ألف، مما يشتري بها الإنسان من رُخص الأشياء وعزة المال وقلته وندرته، لكن اليوم لو كانت تركته مائة أو ألف ريال فقد تكون قليلة، فيرجع إلى العرف، وقد بيّن الله تعالى في كتابه وفي هدي رسوله صلى الله عليه وسلم أن عُرف المسلمين محتكم إليه، ولذلك رُدت كثير من القضايا والمسائل والأحكام والتقديرات إلى الأعراف، فما دل عرف المسلمين أو عرف الميت على أنه كثير فهو كثير، وما دل العرف على أنه قليل فهو قليل.

    1.   

    القدر الذي يوصى به من المال

    قال رحمه الله تعالى: [ أن يوصي بالخمس، ولا تجوز بأكثر من الثلث لأجنبي، ولا لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت فتصح تنفيذاً].

    قوله: (أن يوصي بالخمس): إذا كانت الوصية مسنونة، ومستحب للإنسان أن يوصي، فما هو القدر الذي يوصي به؟

    من حيث الأصل: فإن الإجماع قائم على أنه لا يجوز للشخص أن يوصي فوق الثلث؛ لثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يُوصَى فوق الثلث، كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، فإنه لما مرض بمكة، ودخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! إني لا وارث لي إلا ابنة -أي: ليس لي وارث إلا ابنة واحدة- وعندي مال كثير، أفأوصِي بمالي كله؟ قال: لا، قال: أفأوصي بثلثيه؟ قال: لا. قال: فبنصفه؟ قال: لا. قال: فبالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).

    ثم قال له قولته المشهورة: (اللهم اشف سعداً ، اللهم اشف سعداً، لعلك أن تخلَّف فينتفع بك أقوام ويُضر بك آخرون)، فقد كان سعد يظن أن أجله قد حضر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اشف سعداً، اللهم اشف سعداً ) فاستُجيبت دعوته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فشفي سعد، ثم قال: (لعلك أن تخلَّف فينتفع بك أقوام ويُضر بك آخرون)، فرفع لواء الجهاد في سبيل الله؛ فأعلى الله به كلمته، وكبت به أعداءه، وكان على يديه من الفتوح والخيرات على الإسلام والمسلمين ما الله به عليم، نسأل الله العظيم أن يجزيه بخير الجزاء وأعظمه وأسناه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لعلك أن تعمَّر -فمُد له في عمره رضي الله عنه وأرضاه- فينتفع بك أقوام، ويُضر بك آخرون).

    ثم قال: (اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم خاسرين، لكن البائس سعد بن خولة ) يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة.

    وهذا الحديث المشهور قد اشتمل على بعض معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وجملة من المسائل والأحكام، منها: مسألة الوصية، فإنه يعتبر قاعدة عند العلماء في باب الوصية.

    ولذلك قال له: (الثلث والثلث كثير)، فلما قال: (أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا)، وهذا يقتضي التحريم والمنع، فلما قال: (بالثلثين؟ قال: لا)، وهذا يقتضي التحريم ومنع الوصية بالثلثين. (فبنصفه؟ قال: لا)، وهذا يقتضي التحريم والمنع أيضاً، ثم قال له: (بالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير)، فسن عليه الصلاة والسلام الثلث من حيث الحد الأعلى.

    فاتفق العلماء رحمهم الله على أنه لا يجوز للموصِي أن يجاوز الثلث، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تصدّق عليكم بثلث أموالكم عند موتكم زيادةً في أعمالكم)، فهذه رحمة من الله عز وجل بالإنسان أنه يتصدق ويوصي في حدود الثلث ولا يزيد، فيصل رحمه، ويكون له من الأجر والخير في تلك الصلة، فيتدارك بعض الأعمال الصالحة، ولا يزيد على الثلث.

    لكن السؤال: هل يوصي بالثلث كاملاً أو يُنقص من الثلث؟ وإذا أنقص من الثلث فهل يقارب الثلث أو يبتعد عن الثلث؟

    لكل ذلك تفصيل عند العلماء، فمن أهل العلم من قال: يوصي بالثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم)، ولذلك قال عمر رضي الله عنه فيما رواه عنه البيهقي : (الثلث وسط، لا نقص فيه ولا شطط).

    فقول عمر رضي الله عنه: (الثلث وسط لا نقص فيه)؛ بحيث إن الإنسان عندما ينقص من الثلث تقل حسناته وأجره، وقوله رضي الله عنه: (ولا شطط)؛ لأنه ليس فيه تضييق على الورثة؛ فقد ترك للورثة ثلثي ماله؛ فحينئذٍ كان عدلاً.

    وقال بعض العلماء: إنه يغض من الثلث، أي: يُنقص منه ولا يبلغ الثلث على الأفضل، وكلهم متفقون على جواز الوصية بالثلث، فإن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنها ماضية وصيته؛ لكن الإشكال: هل الأفضل أن تستغرق الثلث كاملاً فتتصدق وتعمل الأعمال الصالحة وتبقى لك صدقات جارية بعد موتك، أم أن الأفضل أن تحد وتنقص من الثلث؟

    قلنا: إن بعض السلف يرى أنه يستغرق الثلث، فيتدارك به الأعمال الصالحة، وقد تبقى أشياء، مثل: أن يحفر آباراً، وقد يبني مساجد، وقد يشيِّد أربطة ينتفع بها الفقراء والضعفاء، فتبقى له حسنات جارية من بعد موته، وهذا لا شك أن فيه تداركاً لكثير من الخير، وقال بعض السلف: لا يصل إلى الثلث.

    قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لو أن الناس غضوا من الثلث، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الثلث والثلث كثير)، فقوله: (لو أن الناس غضوا) أي: لا يصلون إلى الثلث، بل يغضون منه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الثلث والثلث كثير).

    ومذهب أبي بكر وعلي رضي الله عنهما وطائفة من الصحابة أن المستحب هو الخمس، ولذلك وصَّى أبو بكر رضي الله عنه -مع أنه كان له مال- بخمس ماله، وقال في وصيته المشهورة: (إني رضيت بما رضي الله لنفسه) يقصد قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [الأنفال:41]، فقال: (رضيت بما رضي الله لنفسه)، وهو الخمس، فجعل الوصية في الخمس.

    وكذلك علي رضي الله عنه قال: (من أوصى بالسدس أحب إليّ من الربع، ومن أوصى بالربع أحب إليّ ممن أوصى بالثلث)، وهم يريدون من ذلك أن يكون للورثة الحظ الأكثر.

    قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل منعه لـسعد بقوله: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)، فهم يرون أن المال الذي يُترك للورثة فيه صدقة على الورثة، والصدقة على القريب أعظم أجراً من الصدقة على الغريب، وعلى هذا قالوا: إنَّه يفضل ألا يبلغ الثلث، وألا يصل إلى الثلث؛ مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الثلث والثلث كثير).

    1.   

    الأسئلة

    حكم تخصيص بعض الورثة ببعض الميراث

    السؤال: سائل لديه أبناء معاقون، وآخر لديه بنت لم تتزوج، فهل إذا مُلِّكُوا داراً أو شقة يُحتاج فيه أيضاً إلى إذن الورثة، أم أن عذرهم هذا شفيع لهم؟

    الجواب: السؤال فيه بعض الغموض، هو يقول: إن هناك ورثة معاقين، وإن هناك بنتاً لم تتزوج لآخر؛ فهل إذا مُلِّكوا شقة أو (عمارة) لابد من إذن الورثة؟ فهل مقصوده كونه يعطي أولاده المعاقين، أو يوصِي لأولاده المعاقين بالشقق أو العمائر، بمعنى: أن يملِّكهم إياها شفقة عليهم لوجود الإعاقة؟

    في الحقيقة الحكم واحد، والقاعدة في عدم جواز الوصية للوارث شاملة للوارث المحتاج ولغير المحتاج، فمثلاً: لو كانوا ثلاثة أبناء وواحد من الأبناء معاق، فأحب الوالد أن يَخُص هذا المعاق بشيء ويوصي له بشيء خاص؛ فإنه لا وصية لوارث، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، والدليل: أن الحديث عام لم يفصِّل بين وارث معاق وغير معاق، أو وارث محتاج أو غير محتاج، فيبقى العام على عمومه، وهذا من حيث الأصل عند العلماء بلا خلاف، وهو أنه لا وصية لوارث بدون تفصيل، لكن لو أنه نظر إلى أنه بحاجة إلى شيء معين، وأحب أن يخصَّه بهذا الشيء المعين، فلا بأس أن يرضي إخوانه، فيقول لإخوانه: أنتم تعلمون حاجة أخيكم، وتعلمون اضطراره، فأنا أوصي له بكذا وكذا، فأخذ رضاهم، فلا بأس بهذا، وهو -إن شاء الله- مأجور على ذلك؛ لأن هذا من الرحمة، لكن من حيث الحكم الشرعي ليس من حقه أن يَخُص بعض الورثة بشيءٍ دون وجود إذن الورثة جميعاً في ذلك.

    تبقى مسألة تمليكهم شقة أو (عمارة): بالنسبة لتمليك الشُّقق قد أبدينا عليه ملاحظة، بمعنى: أنه لا يصح لشخص أن يبيع شقة من عمارة، وقد فصّلنا في هذا فيما تقدم من الدروس، وبيّنا أنه إذا أراد الشخص أن يدخل شريكاً لصاحب العمارة فيقول له: أشتري نصف العمارة، أو ربعها أو ثلثها، أما شقة من العمارة فلا، وبيّنا أن السبب في ذلك أنه إذا نظرنا إلى أصول الشريعة فنجد أن من ملك أرضاً ملك باطنها وظاهرها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أراضين)، فجعل باطن الشيء تابعاً للشيء، فإذا جاء يملك شقة وقلنا أنه يملك الشقة، فمعناه: أنه يملك الشقة وما تحتها من حيث الأصل العام، ولذلك صح الطواف في الدور الثاني ونُزِّل منزلة الدور الأول، فإن من ملك أرضاً ملك سماءها، وصح للمعتكف أن يصعد إلى سطح المسجد الحرام ولا يبطل اعتكافه ما دام أنه من داخل المسجد؛ لأن هذا كله في حكم الأرض نفسها، وتابع للأرض نفسها.

    فإذا جئنا نقول: إنه يملك الشقة فقط التي في الدور الثاني، فيبقى السؤال الآن بالنسبة للدور الأول والثالث والرابع والخامس، فكل شخص يملك فيه شقة، ولو كانت العمارة من أربعة أدوار، فلمن تكون السطوح؟ قالوا: ملك للمالك الأصلي، والمالك الأصلي سيبني شقة، ثم يبني في الدور الخامس والسادس والسابع إلى ما شاء الله سبحانه وتعالى ويقول: أنا مالك للسطوح، فيفعل فيه ما يشاء؛ لأنه لا يعتد ولا يرى أن من ملك أرضاً ملك سماءها بالنسبة لأصحاب الشقق، وحينئذٍ يحدث الغرر، ووجه الغرر: أنه اشترى شقة، وهذه الشقة باقية ببقاء العمارة، فقد تنهدم العمارة بعد سنة أو بعد عشرين سنة، وقد تنهدم بعد ثلاثين سنة، فهو ملك مؤقت مثل المستأجر، كأنه ملكها مـدة بقائها، وملكية البيع لا تقتضي هذا؛ بل ملكية البيع تنصب على ذاتها، فتكون مالكاً للأرض، ومن دخل في عمارة بالبيع الشرعي المعروف، فيدخل مالكاً لربعها أو لنصفها أو لثلثها.

    ويصح أن يقول شخص: عندي عمارة ثلاثة أدوار، ومن أراد أن يشتري مني ثلث هذه العمارة فليدفع مائة ألف؛ فيصبح عندي شريكاً في الثلث وأعطيه شقة من الشقق، وهذه يسمونها: (قسمة المهايأة)، فهذه جائزة، والشريعة -والحمد لله- لم تضيق على الناس، لكن لا ندخل في عقود لا يعرفها المسلمون، بل استحدثت عليهم، وقد تدخل عليهم اللبس، فمثلاً: افرض أنه في يوم من الأيام أراد صاحب العمارة أن يهدمها، فقال لأصحاب الشقق: اخرجوا، فبأي تعليل شرعي تمنعه؟ فقد يقول: الأرض أرضي، فتقول: نحن نملك الشقق، فيقول: لكن أنا أريد أن أهدم هذه العمارة وأبني أرضي؛ لأني أملك الأرض الأساسية، ولأنك أبحت له أن يبني الدور الأعلى والذي أعلاه؛ لأنه مالك للأرض وما عليها.

    إذاً: فكيف تجعل صاحب الشقة يملك فقط هذه الشقة من العمارة؟ فالغرر في هذا واضح، ولذلك لا يعرف المسلمون مثل هذا البيع، ولا يُعرف هذا البيع في بلاد المسلمين قبل خمسين سنة تقريباً، إنما طرأ قريباً ودخل على المسلمين، وهو من البيوع التي فيها الإشكال الذي ذكرناه، لكن أن تدخل مع مالك العمارة بالملك الشرعي الذي تتحمل فيه مسئولية العمارة، وتأخذ ربح العمارة سواءً بسواء مثل أخيك، وعلى قدر حصتك من الملكية، فهذا هو الصحيح، أما أن تدخل على وجه فيه غرر، فهذا لا يجوز.

    فإذا قال له: أُمَلِّك شقة، فلا، وإنما يملكه جزءاً من العمارة، ويقول: وهبت له نصف العمارة أو ربعها أو ثلثها، ويُعطي قدراً من العمارة وتُقدر العمارة، فإذا بلغت الثلث فحكمها حكم الوصية بالثلث، وإذا كانت أكثر من الثلث فتصح فيما نقص، وتبطل فيما زاد عن الثلث، والله تعالى أعلم.

    حكم من عليه أقساط شهرية ويريد أن يوصي

    السؤال: إذا كانت عليّ حقوقٌ مالية تشتمل على أقساط شهرية، فهل تتغير كتابة الوصية في نهاية كل شهر؟

    الجواب: من حيث الأصل يمكن للشخص أن يقول: المؤسسة الفلانية لها علي مائة ألف، أو لها علي سيارة مقسطة بقسط كذا وكذا، فيسأل عما بقي من الأقساط، وهذا يكفي إن كان من أحلت عليه صادقاً.

    وينبغي للشخص الذي عليه أقساط أن يحتفظ بالأوراق التي تُثبت دفعاً؛ لأن هذا يحفظ حقوق الورثة، ويحفظ لهم المال من بعد موته ولا يُغرر بهم، حتى يعرفوا ما الذي له وما الذي عليه، والله تعالى أعلم.

    حكم قراءة الجنب للقرآن الكريم

    السؤال: إذا توضأ الجنب وأراد أن ينام فهل له أن يقرأ أذكار النوم المتضمنة لآيات من القرآن؟

    الجواب: الجنب لا يقرأ القرآن، وقد بينا هذه المسألة وذكرنا الأدلة على أن الجنب لا يقرأ القرآن، وأن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحجزه عن القرآن وجود الجنابة، وعلى هذا أشرنا إلى الحديث الذي رواه أبو يعلى في مسنده، وهو من أقوى ما ورد شاهداً لرواية: (كان لا يحجزه شيء عن القرآن إلا الجنابة)، وهذا الشاهد قواه غير واحد من العلماء رحمهم الله، وأثبتوا أن الجنابة تمنع من قراءة القرآن، ويقوي هذا ما ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر عليه الرجل، وكان قد قضى حاجته، فسلم عليه عليه الصلاة والسلام، فاستدار إلى الجدار وضرب بكفيه فتيمم، ثم رد السلام وقال: (إني كنت على غير طهارة فكرهت أن أذكر الله)، فإذا كان هذا في الحدث الأصغر فمن باب أولى الحدث الأكبر.

    وأياً ما كان فإن الجنب لا يجوز له أن يقرأ القرآن، لكن إذا كان الجنب أو الحائض يخشى الضرر، مثل: أن يخشى السحر أو العين، وضاق عليه الوقت ودخل عليه وقت المغرب أو دخل عليه وقت الفجر وعليه جنابة، وخَشي أن يُبتلى؛ فقد رخص بعض العلماء في قراءة المعوذات خوفاً من السحر، وفي هذه الحالة: الأفضل له أن يتيمم ويخرج من الإشكال ثم يقرأ القرآن، فهذا أكمل وأفضل، وأما أذكار النوم فما كان منها من غير القرآن فإنها تُقرأ، سواءً كان على الإنسان جنابة أم لا، وأما ما كان من القرآن كقراءة آية الكرسي ونحوها، فلا بد فيه من الطهارة، والله تعالى أعلم.

    حكم تأخير دفن الجنازة ليصلي عليها من لم يصلِّ

    السؤال: من صلى على جنازة ثم تبعها، وقبل أن تدفن أراد من لم يدرك الصلاة أن يصلي عليها، فهل يجوز له أن يصلي معهم مرة ثانية؟

    الجواب: السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حضرت الجنازة دفنها مباشرة، وهذا هو المحفوظ من هديِه، ولذلك إذا صُلِّي عليها مع الجماعة فمن أدرك فالحمد لله، ومن لم يدرك فلا حاجة إلى تأخير دفنها؛ لأن هذا من تأخير الجنازة لمصلحة الحي، والميت من مصلحته المبادرة.

    وهذه سنة تخفى على الكثير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه قال: (أسرعوا بالجنازة)، وهي إذا كانت صالحة تقول: قدموني قدموني، فأي تأخير فإنه حجزٌ لها عن الفضل وحجزٌ لها عن الخير، فلا يجوز في هذه الحالة أن يُعتدى على الميت بتأخيره لمصلحة الحي.

    وقد يقول قائل: إنه سيدعي له ويترحم عليه، فنقول: إن هذا متدارك بالدعاء له حتى بعد دفنه، فليس الأمر موقوفاً على الصلاة عليه فقط؛ لأن الصلاة عليه قُصدت للدعاء، وقد حصل هذا المقصود وتحقق بصلاة الجماعة، خاصة إذا كان في الحرمين أو نحو ذلك، فكلما جيء بجنازة قبل دفنها توضع ثم يقال: من لم يصل فليصل ونحو ذلك، فهذا فيه تكلف.

    والذي يظهر من ظاهر السنة أننا مطالبون بالإسراع، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : (أسرعوا بالجنازة)، فهذا أمر يقتضي المبادرة والتعجُّل، وحق الميت في هذا ينبغي حفظه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله).

    ومن هنا وصَّى أهل العلم رحمهم الله بأنه لا يجوز تأخير الجنائز، وهذا أمر تساهل فيه كثير من الناس إلا من رحم الله، فينبغي المبادرة بالجنائز والإسراع بها، وهذا فضل للميت وخير له، وقد صح عن رسول الأمة صلى الله عليه وسلم أن الله كشف له الغيب، وبيّن أن الجنازة تصيح وتقول: قدموني قدموني إذا كان صالحة، فنسأل الله بعزته وجلاله أن يجعلنا ذلك القائل: قدموني قدموني؛ لما يرجو من رحمة الله والخير، ونقول: الدعاء له متدارك بعد دفنه، خاصة وأن هناك قولاً -وإن كان مرجوحاً- بجواز الصلاة عليه بعد الدفن، والله تعالى أعلم.

    معنى قول العلماء: (قياس مع الفارق)

    السؤال: نرجو من فضيلتكم توضيح قول الفقهاء رحمهم الله: (قياس مع الفارق)؟

    الجواب: القياس دليل شرعي، وهذا الدليل الشرعي لا يجوز لأحد أن يستخدمه إلا إذا علم ضوابط الشريعة فيه، فالسلف والعلماء والأئمة أكثر من عشرة قرون قد قعَّدوا هذا الدليل الشرعي، وبيّنوا ضوابطه، فلا يجوز لأي شخص أن يستخدم هذا النوع من الأدلة إلا وهو يعرف أركانه وشروط، أي: الأركان المعتبرة للعمل به وإثباته، فلا يأتي أحد فيقيس شيئاً على شيء دون علم ومعرفة؛ لأنه قد يحلِّل ما حرم الله، وقد يحرم ما أحل الله، والرأي قد يكون مزلّة للإنسان إذا لم يحسنه؛ لأن الرأي سلاح ذو حدين، فإما أن يكون سبباً في بناء الشرع وتميُّز أحكامه ومعرفتها والوصول إلى الحق في المسائل المشكلة، وإما أن يكون العكس والعياذ بالله!

    ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه المشهور الذي كتبه لـأبي موسى الأشعري ، وهو من أعظم كتب الفقه، وقد اشتمل على قواعد مهمة للفقيه، حتى إن الإمام ابن القيم رحمه الله شرحه في أكثر من مائة صفحة، وهو كتاب عمر رضي الله عنه الذي قال فيه: (اعرف الأشباه والنظائر، ثم قس الأمور بأمثالها)، فبدأ بالمعرفة، فتحتاج إلى أن تعرف ما هو الأصل؟ وما هي العلة التي تربط بين الأصل والفرع؟ وتعرف الحكم المستنبط والذي تتوصل إليه، والذي من أجله أثبتَّ القياس.

    والقياس يقوم على أربعة أركان:

    1-فرع مختلف فيه.

    2-وأصل متفق عليه بين الطرفين.

    3-وحكم لذلك الأصل.

    4-وعلة تربط بين الفرع وبين الأصل.

    فمثلاً: نقول: لا يجوز التفاضل في الأرز كما لا يجوز في التمر، بجامع الكيل عند الحنفية، والقوت والادخار عند المالكية، والطعم عند الشافعية، والطعم مع الكيل أو الوزن على رواية عند الحنابلة رحمهم الله، أو الطعم على الرواية الثانية، أو الكيل على الرواية الثالثة، فهذا القياس قد ألحقت الأرز بالتمر فقلت: لا يجوز أن يُباع الرز بالأرز متفاضلاً، ويجري فيه الربا مثل التمر والشعير؛ لأنك ترى أن الأرز والشعير لا فرق بينهما من حيث القياس.

    إذاً: الفرع هو الأرز؛ لأنه لم يرد فيه نص لا في الكتاب ولا في السنة، والأصل المتفق عليه هو التمر؛ بأنه لا يجوز بيع التمر بالتمر متفاضلاً، والحكم: هو عدم جواز التفاضل، والعلة: ما ذكرناه في المذاهب الأربعة مفصلة، وفي هذه الحالة يجري القياس.

    ويشترط في الأصل الذي تقيس عليه من الشروط: ألا يكون معدولاً به عن سنن القياس؛ فلابد أن يكون صالحاً لأن يقاس عليه غيره، فإذا كان معدولاً به عن سنن القياس فلا يصح، فمثلاً: المرأة إذا قذفها زوجها -والعياذ بالله- بالزنا فإنه يلاعنها إذا لم تكن له بينة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حد في ظهرك)، وذلك في حديث ابن عباس لما قذف هلال بن أمية رضي الله عنه امرأته بـشريك بن سحماء ، فقال صلى الله عليه وسلم: (البينة أو حد في ظهرك)، فاشتكى هلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه نزل فيك وفي صاحبتك قرآن)، فجاءت فتلاعنا، فالرجل مع زوجته إذا قذفها فإنهما يتلاعنان، لكن لو أن أخاً قذف أخاه والعياذ بالله، فهل يجري بينهما اللعان؟ فلو جاء شخص يجهل ضوابط القياس فقال: يجري اللعان بين الأخ وأخيه كما يجري بين الزوج وزوجته، بجامع وجود القرابة في كلٍ؛ فنقول: هذا قياس فاسد؛ لأن الأصل معدولٌ به عن سنن القياس.

    إذاً: هناك شروط وضوابط في الأقيسة، فمثلاً: إذا كانت الجوارب خفيفة، وقد كان الموجود على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن الجوارب سميكة، فنزلت الجوارب السميكة منزلة الخف؛ لأنه مثله في الوصف وقريب منه، حتى إنهم ربما يواصلون عليه المشي ولا يسترون أقدامهم، حتى إنهم يلفُّون التساخين لأجل الوقاية من الحجارة، ولا تكون كذلك إذا كانت رقيقة، فإذا كان الأمر كذلك، فلو جاء أحد يقيس فقال مثلاً: يجوز المسح على الخفيف من الجوارب كما يجوز المسح على الخفين، فنقول: هذا قياس مع الفارق؛ لأن الخف يمكن مواصلة المشي عليه، وهو ساتر للرجل بخلاف هذا الشفاف الرقيق، ولأن الخف في الأصل رخصة عُدل بها عن الأصل الذي هو غسل الرجلين، وهذه الرخصة ينبغي أن تتقيد بما ورد وثبت في السنة، والمحفوظ في زمان النبي صلى الله عليه وسلم هو الخف، والجورب الثخين، ولذلك جاء في رواية السنن: (الجورب المنَعَّل)، أي: الذي يكون في أسفله جلد، فإذا ثبت هذا، ثم إذا جاء أحد يقيس -وأعني: عند من لا يرى المسح على الخفيف- فنقول: إن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الثخين في حكم الخف، ولذلك جاز المسح على الجوارب لأنها في حكم الخفاف، فلا يجوز قياس الخفيف عليها، وهذا كله قياس مع الفارق، فتثبت الفارق بينهما؛ فإذا أثبتّ الفارق قَدَحْت في القياس.

    والقياس مع الفارق يسميه العلماء: قادح من قوادح القياس، وهذا القياس الذي أثبته العلماء كدليل وحجة يُعترض عليه، ويُقدح فيه من أربعة عشر وجهاً، منها: فساد الاعتبار، والقلب، والنقض، ومنها: أن يقال: هذا قياس مع الفارق، فتثبت أن هناك فرقاً بين الأصل وبين الفرع، وتُضعِّف إلحاق الفرع بالأصل من هذا الوجه.

    فالقياس مع الفارق قادح من قوادح القياس الأربعة عشر، وإذا سلّم الخصم أن هذا الفارق مؤثر فحينئذٍ يبطل قياسه، أو يلزم بدليل آخر بدلاً عنه، والله تعالى أعلم.

    جدة الزوجة محرم للزوج

    السؤال: هل يكون زوج المرأة محرماً لجدة تلك المرأة من أبيها، أي: هل يدل قوله تعالى: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23] على ذلك؟

    الجواب: نعم، أم الزوجة من جهة أبيها ومن جهة أمها أم لها، ولذلك تعتبر مَحرَماً له، وقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23] يشمل الأم المباشرة والأم بواسطة، سواءً تمحضت بالإناث كأم الأم، أو تمحضت بالذكور كأم أب الأب، فجدة الزوجة سواءً كانت من جهة أمها -وهي الجدة التي تمحضت بالإناث وهي أم أم الزوجة- أو كانت جدتها من جهة أبيها؛ كأم أبيها أو أم أبي أمها، فإنها مَحرَم؛ لأنها في حكم الأم؛ للعموم الذي ذكرناه بنص الآية الكريمة، والله تعالى أعلم.

    تخصيص شعبان بكثرة الصيام

    السؤال: هل ورد فضل للصيام في شهر شعبان سواءً كله أو بعضه؟

    الجواب: لم يرد في شعبان دليل على تخصيصه بالصيام من جهة الفضل، لكن ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم ويكثر في شعبان من أجل التقوي على رمضان، وليس المراد من هذا خصوص الشهر، ولا يراد به الاعتقاد في الشهر، وإنما يُراد به التقوي على رمضان، ولا يخفى أن من دخل عليه رمضان، ولم يكن قد صام شيئاً من شعبان؛ فإنه يضعف في أول رمضان، وقد يتعب في الأيام الأُوَل من رمضان، ويُنهك بدنه؛ لأنه لم يألف الصوم، ولم يتعود عليه قبل دخول رمضان، فإذا أراد أن يكون قوياً في رمضان، ويتقوى على صيامه؛ فالأفضل ألا يبالغ في صيام شعبان، ولا يترك -أيضاً- صيام شعبان؛ لأنه إذا بالغ في صيام شعبان فإن رمضان سيدخل عليه وهو منهك، فيؤذيه الصوم، فيكون قد اشتغل بالنافلة عن الفرض، وإذا ترك صيام شعبان كلية دخل عليه رمضان فأضعفه بالصوم، ولذلك فإن من يعتاد الصيام في شعبان إذا دخل عليه اليوم الأول فلا يصدع رأسه، ولا ينهك بدنه، ولا تخور قواه، لكن بعض الناس ممن لا يألف الصوم ربما سقط من بعد صلاة الظهر، وإذا به لا يتحرك، وقد لا يستطيع أن يُصلي العصر من شدة ما يأتيه من وطأة الصوم عليه.

    فالمقصود من صيام شعبان هو التقوي على صيام رمضان، وهذا وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن هنا نُهي عن الصيام بعد منتصف شعبان؛ لحديث العلاء بن عبد الرحمن : (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصوم بعد منتصف شعبان)؛ لأنه إذا انتصف شعبان وبالغ في الصوم أنهكه عن رمضان، ولما نهى عن الصوم بعد المنتصف، كأنه يحبب الصوم قبل المنتصف، وهذا مفهوم مخالفة، فإذا صام بعد منتصف شعبان، وبالغ في الصيام؛ ضعُف عن رمضان.

    ونقول: إنه يُفصَّل في ذلك: فمن كان الصوم لا يُضعفه فيجوز له الصوم، ليتقوى به على رمضان، ويدل على ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين).

    وهذا أصح من حديث النهي عن الصوم بعد منتصف شعبان، فلما نهى عن ذلك وقال: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين) نبه على أنه يجوز تقدمه بصوم أربعة أيام أو خمسة، وذلك من باب التقوي على رمضان، وهذا أمر يخفى على الكثير، حتى في بعض الخلافات التي وقعت بين العلماء رحمهم الله في هذه المسألة أن صوم شعبان لا يُراد لذاته، وإنما يراد به التقوي على رمضان، بحيث إذا دخل عليه وقد ألفت نفسه الصوم قوي عليه في فريضته، ولم يُبالغ في ذلك إلى درجة يُنهك بسببها في صيام رمضان الفريضة، والله تعالى أعلم.

    وصايا مهمة لمن يحضر الدروس العلمية

    السؤال: نود منكم نصيحة لمن يضع سيارته خلف سيارات يريد أصحابها الخروج فلا يستطيعون بسبب تلك السيارة، ونريد نصيحة أخرى لمن يؤذي المسلمين أثناء الدرس بفتح نغمات التلفون أو بالكلام؟

    الجواب: لا يجوز للمسلم أن يتسبب في الإضرار بأخيه، وأوصي كل طالب علم، وأحرِّج عليه بالله عز وجل -لما وجدنا من الأذية في الدروس، وإزعاج بعض العوام وتشويشهم- أنه إذا أوقف سيارته ألا يوقفها وهي مقفلة على أحد، ولو أن يضعها على بعد كيلو من المسجد، فلا يحضر مجلسي أحد قد آذى أحداً بقفل سيارته على إخوانه، وهذا أمر قد تكرر أكثر من مرة، سواء في درس جدة أو في درس مكة أو غيره من الدروس، فرجائي للإخوة أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم، وأن يتقوا الله في إخوانهم، وقد حدث في بعض الدروس أن كان بعض الجيران عنده مريض، واحتاج إلى إسعافه، فلم يستطع، لأن أحدهم أقفل بسيارته على سيارة صاحب المريض.

    وبعضهم يأتي وكلما وجد سيارة ظنها سيارة طالب مثله، فيقفل عليها، فهذا لا ينبغي أبداً، فإذا أردت أن توقف سيارتك فلا تقفل على أحد وإلا حملت الإثم والوزر، وخاصة إن كنت طالب علم أو كنت منتسباً للعلم.

    الأمر الثاني: مما كثرت الشكوى فيه: قضية الجوّالات وأصوات البيجرات أثناء الدروس، فأُناشدكم الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه ألا يجلس أحد في مجلس علم -وأخص مجلسي- وقد فتح جواله، فإذا أراد أن يجلس ويغلق الجرس فليجلس، أما أن يجلس ومعه جواله وقد فتح جرسه، فلا آذن له، والله يشهد على ذلك، وأشهد الله أنه مؤذٍ لإخوانه ومضر بهم، سواءً كان ذلك عن طريق فتح الجرس فيُزعج من حوله -وهذه الأجراس تعرفون أن كثيراً منها موسيقية وذات نغمات لا تليق في بيت الله عز وجل- أو كان ذلك عن طريق التكلم والتحدث أثناء الدرس، وهذا قد تكرر أكثر من مرة، وقد بعث لي الإخوة رسائل في درس جدة ومكة، أنه بلغ ببعضهم أنه يتكلم أثناء الدرس وداخل الحلقة، وما رأيت ذلك، لكن لا أشك أنه ظالم لإخوانه؛ لأنه إذا أراد أن يكلم أحداً فليخرج من الحلقة، والأغرب من هذا أن البعض يخرج ويتخطى الرقاب ثم يرجع مرة ثانية، ولا أرى له شرعاً أن يعود إلى المكان.

    وعليه: فالذي يريد أن يتصل ويكلم الناس فليجعل كلامه في الخارج، وليبتعد عن الحلقة، فهذا مكان علم، ومكان تتلى فيه آيات الله والحكمة، وليحمد الله المسلم أن الله شرفه وكرمه بسماع آيات التنزيل والأحكام، وهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى يغبط عليها، فهذه الثواني والدقائق إن كانت عندك قليلة فإنها عند الله ليست بالقليلة، بل هي التي تكفر فيها السيئات، وترفع فيها الدرجات، وكفى الإنسان لغط الدنيا وهمومها، ألا يستطيع أن يصبر ساعة في ذكر الله جل جلاله؟

    والبعض قد يأخذ معه جواله وبيجره إلى الصلاة، فيزعج ويُشغل فلا يعرف كيف صلى، نسأل الله السلامة والعافية، اللهم إنا نعوذ بك من قسوة القلوب.. أنت أثناء الصلاة في آخرتك، فالإنسان يقضي الساعات كلها في أمور الدنيا، أفلا يستطيع أن يصبر نفسه دقائق؟! فالصلوات لا تبلغ بعض الأحيان ربع ساعة، أفلا يستطيع أن يُغلق جوَّاله؟!

    وهل الذي يتصل عليه أعز عليه من ربه الذي يلقاه ويستقبله ويذكره ويمجده ويثني عليه بالذي هو أهله سبحانه وتعالى؟! إن ذلك كله بسبب قسوة القلب والعياذ بالله! ولا أشك أن هذه من الفتن التي فُتحت على الناس حتى شُغلوا في موقفهم بين يدي الله جل جلاله.

    فينبغي على الإنسان أن يكون منتبهاً لهذه الأمور، فبمجرد أن آتي إلى المسجد أُغلق جوالي، أو أفتح جوالي وأتركه في السيارة وليتصل من أراد، ثم إذا رجعت رجعت إلى دنياي، لكن إذا دخلت في آخرتي مقبلاً على ربي فليس هناك أي شيء يشغلني عن الله جل جلاله، ولأن الشخص إذا اتصل عليه أحد في الصلاة، فإنه يتشوش ويقول في نفسه: من هذا الذي اتصل؟ أهي الزوجة أم الأهل أم غيرهم؟ أمور كلها تُدخِل على الإنسان الوساوس وتشغله عن ذكر الله عز وجل.

    فهذا أمر قد كثرت فيه الشكاوي، ولذلك أعود وأكرر: إني أحرج بالله على كل شخص يحضر مجلسنا ألا يتسبب في أذية إخوانه، سواءً عن طريق البيجرات أو عن طريق الجوالات، ولينصح بعضكم بعضاً.

    وإذا حضر إلى الدرس فهذا درس علم ومجلس علم، يُذكر فيه الله جل جلاله، ويَبتعد الإنسان عن أي شيء يزعج إخوانه أو يؤذيهم، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهدينا إلى سواء السبيل، وأن يعصمنا من الزلل وأن يوفقنا في القول والعمل، فإن رسول الأمة صلى الله عليه وسلم قد عظم أذية المسلم إلى درجة أنه أسقط صلاة الجماعة عمن أكل ثوماً، وهذا الثوم رائحة فقط، فإذا جئت لتصلي وتقف بين يدي الله شوش عليك في الرائحة؛ فكيف وأنت تستمع حكماً شرعياً تنتظره أمم من طالب العلم؟

    فالأمر ليس بالسهل، الأمر تتقطع له القلوب حرقة، وقد كنا نرى من مشايخنا من يسقط طالب العلم من عينه لمجرد غلطة يذيعها أثناء درسه وحضوره مجلس العلم.

    ربما أثناء اتصال الجوال يكون إخوانك متجهة أفهامهم وأنظارهم لمسألة، فقطعتهم وحرمتهم منها، أليس هذا ظلم؟ أليس هذا جور؟ أليس هذا اعتداء لحدود الله عز وجل؟

    وهذه المسألة قد تكون من أهم المسائل، وقد تكون معضلة من المعضلات، فقد جاء طالب العلم ربما من عشرات الكيلو مترات من أجل (قال الله وقال رسوله)، فأنصت وأصغى وأحضر قلبه، حتى إذا أراد أن يصل إلى النتيجة جاء هذا الاتصال وقطعه عنها، فمن الذي يُسأل أمام الله عن هذا؟ وأي ضرر يحصل للإنسان في مثل هذا؟ وإذا كان الشخص لا يُعظِّم مثل هذا، فإننا والله نعظم حدود الله ونعظم شعائره، وعندنا الكلمة من العلم تساوي شيئاً كثيراً، وعندنا الحكم الشرعي كبير جداً؛ لأن هذا العلم هو الذي رفعنا على رءوس الناس بفضل الله سبحانه وتعالى، وهو الذي رقينا به المنابر، وهو الذي نلنا به الخير والسعادة والبركة؛ فكل قليل منه عندنا كثير وكبير جداً، فلا نستخف بمثل هذا.

    فإذا جاء أحد ومعه جواله وبيجره فليحتط، ولا يتسبب في أذية إخوانه، فالأمر ليس بالسهولة مثلما يظن البعض، وينبغي علينا أن نتواصى بالحق، وأن يزجر بعضنا بعضاً، فالشخص الذي يفعل هذا لا يفوتك، وقل له بعد الصلاة: يا أخي! اتق الله، فهذا لا يجوز، وهذا من الاعتداء على حدود الله عز وجل، فيأتمر المسلم بما أمر الله، وينهى أخاه عما حرم الله عز وجل من أذيته والإضرار به.

    والأمر أيضاً عند النساء: قضية الأطفال، وإزعاج طالبات العلم بهم، وقد تكررت الشكوى من النساء، حتى إن بعض النسوة قد ناشدنني فقلن: اتق الله فينا، فإننا نحضر من مسافات بعيدة، ونريد هذه الساعة في الأسبوع لسماع الذكر وسماع الأحكام، ونحن أحوج ما نكون، فيأتي الأطفال ويشوشن علينا، ولربما يصل الأمر إلى تدليل الأطفال وعبثهم ولعبهم على مرأى ومسمع من والدتهم، وهذا لا يجوز.

    فلا يجوز ترك الأطفال -سواءً عند الرجال أو عند النساء- بطريقة تشوّش على طلاب العلم، فهذه بيوت الله، وليخش والد الطفل أن يُدعى على طفله دعوة تكون سبباً في شقائه؛ لأن بعض الناس لا يتمالك نفسه، وقد يأخذه القهر لأنه يأتي من عشرات الكيلو مترات للعلم الذي يريد أن يُفني له عمره وحياته، ويضحِّي له بالغالي والرخيص، فيأتي من يشوِّش عليه سواءً ممن يعقل أو لا يعقل.

    فعلى المرأة أن تحفظ أطفالها، وإذا غلب على ظنها أن حضور الأطفال يُشوِّش على أخواتها فلتتقي الله عز وجل، ولتخف منه سبحانه وتعالى، ولتجلس في بيتها وتسمع الشريط، أما أن تأتي إلى بيت الله عز وجل بأطفالها، وتزعج من حضر من طالبات العلم، وتُسبب في ضياع تركيزهن وضبطهن للعلم، ونحن أحوج ما نكون إلى طالبة علم تضبط هذا الدين وتقوم بحقوقه، فهذا لا يجوز، فأوصي أخواتي بأن يراعين ذلك، وأن يتقي الله بعضنا في بعض، نسأل الله العظيم أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل، إنه المرجو والأمل، والله تعالى أعلم.

    وأختم هذا الدرس بوصيتكم بما وصى الله به المسلم تجاه أخيه المسلم: بأن يُعينه وأن يناصره وأن يؤازره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

    فكم من مسلم دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب، فجعل الله سعادته في دعوته، فقال الملك: آمين، ولك مثله، وكم من كربة ونكبة وفاجعة فُرِّجت عن مسلم بفضل الله ثم بدعوة أخ له صادق بظهر الغيب! فأعظم الله أجر الداعي، وأحسن العاقبة لمن دُعي له، وإن إخوانك في الشيشان يعانون كرباً وبلاءً عظيماً لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، فقد شرِّدوا، وأخرجوا من ديارهم،، وفرق بين الوالدة وأولادها، وبين الأخ وأخيه، وعانوا من البلاء ما الله به عليم عندما طرقتهم أبواب البرد في مكان هو من أشد أرض الله عز وجل برداً وزمهريراً! فلا يعلم ما الذي يكابدون ويجدون من كيد وحقد أعداء الإسلام والمسلمين على هذا الدين إلا الله سبحانه وتعالى، فما أحوجهم منكم إلى النصرة بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وهذا أصل شرعي، وهو: أن الله فرض على المسلم أن ينصُر أخاه المسلم.

    وإن مما ينصر به المسلم الدعاء، ولا يستهين المسلم بالدعاء، فإن الله تعالى قد زلزل عروش الظالمين وشتّت شملهم أجمعين بدعوة المظلومين، والله يرفع دعوة المظلوم ويقول: (وعزتي وجلالي لأنصرنكِ ولو بعد حين).

    فاضرعوا إلى جبار السموات والأرض، وابتهلوا لهم بخالص الدعاء، خاصة في مظان الإجابة من الأسحار وبين الأذان والإقامة بقلوب خاشعة متجهة إلى الله سبحانه وتعالى، بل بكل ما يستطيع المسلم من خشوع وإخبات وإنابة، فيستجمع بها ما يكون سبباً في قبول دعوته نصيحة لإخوانه المسلمين.

    وعلى الأئمة أن يضرعوا إلى الله بالدعاء في القنوت، فيقنتوا ويستحضروا الخشوع، ويستحضروا عظمة الله جل جلاله، الذي لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، والله على كل شيء قدير، ولا يعجز الله شيء أبداً، فإن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وما أهون الكافر على ربه! وما أهون العبد على ربه إذا أراد أخذه! وإن أخذ الله أليم شديد، فاضرعوا إلى الله بالدعاء، وابتهلوا بسؤال الله سبحانه وتعالى حتى يفرِّج عن إخوانكم.

    فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وعزته وجلاله.. اللهم إن نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت أن تدمر الروس ومن شايعهم، اللهم شتت شملهم، اللهم فرق جمعهم، اللهم فرق جمعهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم اسلبهم عافيتك، واشدد عليهم وطأتك، وأنزل بهم يا جبار السموات والأرض لعنتك، يا حي يا قيوم! اللهم إنهم طغوا وبغوا وإنهم لا يعجزونك، فنسألك بعزتك وجلالك أن تدمر كيدهم، يا حي يا قيوم! اللهم إنا نسألك بعزتك وجلالك أن تجعل لإخواننا في الشيشان وفي كل مكان من كل هم فرجاً، اللهم اجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، اللهم ثبت أقدامهم، وسدد سهامهم، وصوب آراءهم، اللهم اجمع شملهم يا حي يا قيوم! اللهم اربط على قلوبهم يا حي يا قيوم! اللهم إنهم حُفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جياع فأطعمهم، خائفون فأمِّنهم، يا حي يا قيوم! يا حي يا قيوم! يا حي يا قيوم!

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046175533

    عدد مرات الحفظ

    733758180