إسلام ويب

شرح زاد المستقنع باب المساقاة [1]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أن يسر لهم أموراً مشروعة، وأباحها لهم لكي ينتفع بعضهم من بعض، ومن ذلك المساقاة على كل شجر له ثمر كالنخيل والعنب والزروع، وذلك بضوابط شرعية يحفظ بها حق المالك والعامل في نفس الوقت. وقد اختلف العلماء فيما تجوز عليه المساقاة، وقد وضح الشيخ سبب اختلافهم، ودلل لأقوالهم، وبين أن عقد المساقاة من العقود الجائزة، ثم ذكر بعض ما يترتب على ذلك من أحكام.

    1.   

    مشروعية المساقاة والحكمة من ذلك

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله: [باب المساقاة]

    الْمُسَاقَاة: مفاعلةٌ من السقي، والمراد بالسقي ريٌ الأرض.

    وإنما سميت الْمُسَاقَاة بهذا الاسم؛ لأنهم كانوا بالمدينة وبالحجاز يحتاجون إلى سقي المزروعات؛ لأن الماء يكون في الآبار غالباً، ومن هنا كان أهم ما يُحتاج إليه في هذا العقد سقي النخل والقيام عليه، ومن هنا سميت مساقاة، وإلا ففي الأصل أنها تشمل سقي النخيل والقيام عليه وغرسَه ورعايته، وبذل كل ما يمكن أن يكون من أجل صلاح الثمرة وخروجها.

    وهذا النوع من العقود عرَّفه بعض العلماء بقوله: المساقاة أن يدفع إنسانٌ شجرَهُ إلى آخر لكي يقوم بسقيه وما يحتاج إليه على جزءٍ من الثمرة.

    أدلة مشروعية المساقاة

    وهذا النوع من العقود مشروع بدليل السنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم:

    أما دليل السنة فقد روى الشيخان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها)، والمراد بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما فتح خيبر وأذعنت له يهود، قالوا: يا محمد! دعنا في هذه الأرض نقوم عليها ونصلحها ولنا جزءٌ من ثمرتها.

    فنَظَر عليه الصلاة والسلام فوجد أن المصلحة تقتضي بقاءهم في خيبر، وقيامهم على النخل بالسقي؛ لأن الأنصار والمهاجرين سيرجعون معه إلى المدينة، ومن هنا رأى عليه الصلاة والسلام أن المصلحة في إبقاء النخل، يقومون على سقيه ورعايته فتخرج الثمرة ويبقى الأصل، ثم يأخذون جزءاً من الثمرة، وحينئذٍ تكون مصلحة الإسلام في المعاملة بهذا النوع من العقود، فأقرَّهم عليه الصلاة والسلام، ولما سألوه أن يبقوا في الأرض بقاءً مستديماً قال عليه الصلاة والسلام: (نقركم فيها ما أقركم الله)، أي: أننا نبقيكم وليس العقد مؤبداً، وإنما هو مؤقت إلى وقت أن يشاء الله عز وجل فنخرجكم منها، ولذلك نفذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأنجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبقاهم صدراً من خلافته، ثم أخرجهم عن خيبر وأجلاهم منها.

    فالشاهد أن ثمر خيبر ونخلها كان يُحتاج إلى صيانته ورعايته، فأقرهم عليه الصلاة والسلام.

    أركان عقد المساقاة بين النبي ويهود خيبر

    فأصبح عقد المساقاة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود على النحو الآتي:

    الْمُساقِي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الركن الأول في عقد المساقاة؛ لأنها تستلزم مساقياً، ومُسَاقَى، ومُسَاقَى عليه وهو المحل، وصيغة يتم بها العقد، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب الأرض لأنه ولي المؤمنين والقائم على مصالحهم.

    والمساقَى هم اليهود، وهم العمال الذي يقيمون باستصلاح الأرض.

    ثم المُسَاقَى عليه وهو نخل خيبر وما كان فيها من زروع.

    وأما الصيغة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم فيها وقال: (نقركم ما شاء الله).

    فعاملهم، وكان الاتفاق بينه وبينهم على أنهم دائماً يوفون بعقد المساقاة الذي يستلزم جانبين:

    الجانب الأول: أن يقوم العامل بالعمل.

    والجانب الثاني: أن يلتزم رب النخل بإعطاء الأجرة والمقابل له بعد تمام عمله.

    فإذاً عندنا عمل العامل وهو رعايته للنخل وسقيه لها، وسنبين ما الذي يُطَالب به من القيام على مصالح النخيل.

    إذا قام العامل بسقي النخل ورعى المزرعة رعايةً تامة كاملة على الوجه المعتبر استحق الأُجرة التي اتُّفِق عليها، وهي نصف الثمرة أو ربعها الثمرة أو ثلثها أو غيره، فإذا جُذَّ النخل وأُخْرِجت منه ثمرته وحُصِد فإنه يأخذ الثمرة المتفق عليه.

    وبناءً على ذلك عقد عليه الصلاة والسلام هذا العقد على هذا الوجه، فدلَّت السنة على مشروعيته.

    ولذلك أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على جواز هذا النوع من العقود، وقد حكى إجماعهم غير واحدٍ من أهل العلم، ونقل الإمام ابن قدامة رحمه الله عن أبي جعفر الإمام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر ثم أبو بكر ثم عمر ثم المسلمون من بعدهم) دل على أنه كان أمراً معروفاً وشائعاً ذائعاً بين المسلمين.

    فتبين أن جماهير السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على جوازه، لكن خالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه، وعَدَّ عقد المساقاة من العقود التي فيها غرر، ووافقه على ذلك صاحبه زفر بن الهذيل رحمه الله، فقال بعدم مشروعية المساقاة، والصحيح ما قاله جماهير السلف والخلف وأئمة الصحابة والتابعين رحمة الله عليهم أجمعين؛ أن عقد المساقاة عقدٌ مشروع.

    وأما ما قاله من الغرر فإن الشريعة قد أذِنت بهذا النوع على سبيل الرخصة، والأصل يقتضي أنها إجارةٌ بمجهول جهالة الزمان وجهالة العمل؛ لأننا لا ندري متى تخرج الثمرة؟ ولا ندري هل تخرج كاملةً أو ناقصة؟ ولا ندري هل تسلَم من الآفات أو لا تسلم؟ فهو عقد فيه مخاطرة ولكن الشريعة الإسلامية أجازته.

    وبناءً على ذلك فالقول المعتبر قول من قال بجوازه، لدلالة السنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك.

    ومن الحِكم التي تُستفاد من جواز عقد المساقاة عظيم الرفق الذي جعله الله في هذا العقد، فإنك ربما ملكت مزرعةً لا تستطيع القيام بها، وقد لا تستطيع دفع النقود وسيولة المال للعامل، وأنت تريد أن تبقى هذه المزرعة، كأن يكون عندك مائة من النخل، فإن النخل يحتاج إلى جهدٍ عظيم، ومشقة وعناية، وخبرة ودراية، فليس كل إنسانٍ يُحسِن القيام على مزارع النخيل كما لا يخفى.

    فإذا كان هذا النوع من المال عندك فإنه لو قيل لك: استأجر عاملاً. ربما لا توجد عندك السيولة التي تستأجره بها، ولا تجد من يتبرع، ولا تستطيع بنفسك، فجاءت الشريعة بالسماحة واليسر، وقالت للعامل: اعمل وخذ جزءاً من الثمرة، فأصبحت هناك مصلحة لرب البستان ومصلحةٌ للعامل، وهذا النوع لا شك أنه يقضي على البطالة؛ لأنه ربما وظفت عاملاً لم يجد عملاً، وأيضاً فيه نوعٌ من التكافل واستغلال الأموال وتنميتها دون أن تبقى معطَّلة.

    وعلى هذا فلا شك أن القول بمشروعيته تتضمن الخير للأفراد والجماعات، ثم بقاء هذا البستان وخروج ثمرته وحصول منفعته؛ منفعةٍ للمجتمع، فإن المجتمعات تنتفع بالنخيل وبالثمار التي تكون من المزروعات.

    إذا ثبت القول بمشروعية عقد المساقاة، وأن فيه حكماً عظيمة، فعقد المساقاة يستلزم الأركان التي ذكرناها، ومنها المُسَاقِي، وهو صاحب المزرعة، وقد تكون المزرعة لأكثر من شخص، كرجلين اشتريا مزرعة واستأجرا عاملاً ليقوم بسقيها على أن يعطيه جزءاً من الثمرة، فيكون الْمُسَاقِي أكثر من شخص.

    وقد تكون المزرعة عند شخص ثم يموت ويتركها لورثته، والورثة يحبون بقاء المزرعة، أو لا يرغبون في بيعها، فحينئذٍ يكون الْمُسَاقِي أكثر من شخص وهم الورثة، ويوكلون من يقوم عنهم لإبرام العقد مع العامل.

    والركن الثاني: المسَاقَى، وهو العامل، وقد يكون عاملاً واحداً وقد يكون أكثر من شخص، كأن تساقي شخصين أو ثلاثة وتقول لهم: اعملوا في هذه المزرعة واسقوها وقوموا برعايتها، ولكم نصف ما يخرج منها، فحينئذٍ يكون الطرف الثاني في العقد وهو المُسَاقَى أكثر من شخص، ويتفق هؤلاء الثلاثة أو الأربعة على القيام بالمزرعة، خاصةً إذا كانت كبيرةً لا يستطيع شخص واحد أن يقوم بها وإنما يقوم بها أكثر من شخص.

    من شروط المساقاة أن تكون على جزء معين من الثمر

    كذلك تستلزم المساقاة محلاً، وهو مورد العقد، ويشمل ذلك جانبين؛ فالاتفاق بينك وبين العامل يستلزم جانبين: جانبٌ لك وجانبٌ عليك، والعامل جانبٌ له وجانبٌ عليه.

    فأما الذي لك أنت صاحب النخل، فحقك عند العامل أن يقوم بتنظيف النخل وإصلاحه ورعايته وسقيه على الوجه الذي تحصل به الثمرة على أتم الوجوه وأحسنها، هذا بالنسبة للحق الذي لك على العامل.

    والحق الذي للعامل عليك أن تدفع له ما اتفقتما عليه من نصف الثمرة أو ربعها أو جزء منها، ولا بد من أن يكون هذا الحق الذي للعامل معلوماً، فلا يصح أن تقول له مثلاً: اسق المزرعة وأعطيك جزءاً منها، أو أعطيك شيئاً منها، أو أُرضيك بثمرةٍ منها أو نحو ذلك.

    وبناءً على ذلك تتمحض المساقاة في كونها على جزءٍ مما يخرج من النخل.

    قد يكون الاتفاق على نخلٍ ليس له ثمرة في الحال، وإنما في المستقبل، كما يقع في النخل الصغير، وهو ما يسمى بفسائل النخل، فإنها قد تتأخر في الطلع وتحتاج إلى سنتين أو ثلاث، وذلك يختلف باختلاف جودة الصنف والفسيلة، ووجود الرزق فيها من كونها تُطْلِع بعد سنة أو سنتين، فتقول له: قم على هذا النوع من الفسائل وإذا خرجت ثمرته فإني أُعطيك نصفها، فقد يجلس أربع سنوات وهو يعمل ثم تخرج الثمرة بعد أربع سنوات، ويستحق نصف الخارج أو ربعه كما سيأتي إن شاء الله.

    فمحل العقد من حيث الأصل لك فيه حقٌ من حيث إصلاح ثمرتك ورعايتها بالسقي وما يلزم. وسنبين ذلك.

    وللعامل حق أن تدفع له جزءاً من الثمرة متفقاً عليه، لكن لا يجوز أن تجمع له بين النقد وبين الجزء الخارج، فتقول له مثلاً: اسق المزرعة وأُعطيك ألف ريالٍ في الشهر ولك نصف الخارج.

    وبناءً على ذلك فالإجارة هنا تتمحض في جزءٍ من الخارج ولا يكون معه مالٌ خارجٌ عن هذا العقد؛ لأنها من العقود المستثناة ووردت على سبيل الرخصة، ولأنها إجارةٌ في مجهول وهذا مسلك طائفة من العلماء كما هو مذهب الحنفية والمالكية، وهو أصح القولين في هذه المسألة.

    قال رحمه الله تعالى: [تصح على كل شجرٍ له ثمرٌ يؤكل، وعلى ثمرةٍ موجودة، وعلى شجرٍ يغرسه، ويعمل عليه حتى يثمر، بجزءٍ من الثمرة]

    قوله رحمه الله: [تصح] أي: المساقاة.

    وعندما قال: (تصح) أفادنا أن عقدها من العقود الجائزة والمشروعة، وهذا كما قلنا قول جماهير العلماء، ودليل هذه الصحة حديث ابن عمر : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها) فدل على الجواز والمشروعية.

    وقوله: (على كل شجر) هذا عموم.

    إذا قلنا: يجوز للمسلم أن يُساقي على أرضه، فتصوير المسألة: إذا كان عندك مزرعة وفيها نخل فإنك قد تختار في بعض الأحيان أن تأتي بعامل وتعطيه مبلغاً شهرياً أو أسبوعياً أو سنوياً وتقول له: قم على هذه المزرعة ولك في كل يومٍ خمسون ريالاً، أو كل أسبوع مائة ريال، أو كل شهر ألف ريال، أو كل سنة اثنا عشر ألف ريالاً مثلاً، هذا النوع من العقد يسمى عقد إجارة؛ لأن العمل فيه بالمياومة أو بالمشاهرة -بالشهر- أو بالمسانهة -بالسنة- وسيأتي إن شاء الله بيان أحكام الإجارة.

    أما بالنسبة للمساقاة فإنها تختلف، فإنه يكون المقابل للعامل جزءاً من الثمرة، وبناءً على ذلك تقوم على السقي؛ لأنه الأغلب كما ذكرنا وإن كان عقدها لا ينحصر عليه؛ لأنه يستلزم التأبير والقيام على الثمرة بمصالحها، أما من حيث الأصل فإن المساقاة لا تكون بالنقود وإنما تكون بجزءٍ مما يخرج من الثمرة.

    1.   

    الثمار التي تجوز فيها المساقاة وشروط المساقاة فيها

    واختلف العلماء رحمهم الله في عقد المساقاة على أقوال:

    من أهل العلم من يقول: كل نخلٍ وكل شجرٍ له ثمر تجوز المساقاة عليه، وهذا المذهب يوصف بمذهب العموم، أي: أن أصحاب هذا القول يرون مشروعية المساقاة على جميع المزارع التي تشتمل على مزروعاتٍ فيها ثمار، فيصح أن تساقي على مزرعة النخيل ومزرعة العنب، ومزرعة الليمون، ومزرعة التفاح والبرتقال والتين والمشمش، ونحوها مما له ثمر.

    وبناءً على هذا القول يصبح العموم في جنس ما له ثمر؛ لأن المزروعات يكون لها ثمر، منه ما يؤكل ومنه ما لا يؤكل.

    ثم إن هناك مزروعات لا ثمر لها مثل أشجار الزينة، فينحصر عند أصحاب هذا القول الاتفاق في المساقاة على المزارع التي تشتمل على ما له ثمر، وهذا القول هو اختيار الحنابلة رحمهم الله، واختاره بعض أئمة الحديث، أعني أنه يجوز أن تُساقي على كل مزرعةٍ فيها مزروعاتٌ لها أثمارٌ تؤكل، فيشمل النخيل والعنب والحمضيات بسائر أنواعها.

    فهذا قول الحنابلة وهو الذي درج عليه المصنف رحمه الله.

    وقال بعض العلماء: لا تصح المساقاة إلا على النخيل فقط، وهذا مذهب الظاهرية قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على النخيل فقط، فلا تصح المساقاة إلا على النخيل دون بقية المزروعات، وهذا القول لا شك أنه مرجوح.

    وقولٌ ثالث عند من يجيز المساقاة في الثمار أنها تصح على نوعين: النخيل والأعناب (الكَرْم) وقالوا: إن النخيل والأعناب يجوز أن يساقى عليها؛ لأن العِنب يأخذ حكم النخيل في أكثر الأحكام كما في الزكاة ونحوها، وأشبه المزروعات بالنخيل العنب.

    وبناءً على ذلك قالوا: لا يصح أن يقع عقد المساقاة إلا على مزرعة تشتمل على نخيل أو على عنب أو عليهما معاً، فلو سأل سائل وعنده أشجار حمضيات كبرتقال أو ليمون، وأراد أن يُساقي عليها ويقوم على رعايتها، فعلى هذا القول لا يجوز، وهو مذهب الشافعية.

    فالظاهرية يخصُّون المساقاة بالنخيل لظاهر الحديث.

    والشافعية يخصونه بالنخيل، والعنب عندهم ملحق بالنخيل قياساً.

    والحنابلة نظروا إلى نص الحديث ومعناه، ومذهبهم أقوى وأرجح إن شاء الله، وهو أن المساقاة تُشرَع وتجوز على كل المزروعات التي لها ثمرة تُؤْكَل، فإن كانت المزروعات لها أثمارٌ لا تُؤْكَل مثل القطن، فإنه لا يصح أن يساقى عليها.

    وهذا شبه إجماع على أن المزروعات التي لا ثمرة لها أو لها ثمرة لا تؤكل لا تجوز المساقاة عليها.

    وهذا يؤكد أن عقد المساقاة ليس عقداً قائماً برأسه، إذ لو كان عقداً قائماً برأسه لانصبّ على كل ما فيه منفعة، ولكن قولهم: إذا لم يكن له ثمرة لا يساقى، يدل على أنه مستثنىً من الأصول، ولذلك انحصر في النخيل وما في حكمها من جهة الثمر.

    وإذا أردت أن تُجري السبر والتقسيم في الأوصاف المعتبرة في النص فإنك تقول:

    إن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على سقي النخل، ولا شك أن العنب كان موجوداً؛ فيكاد يحصل الجزم على أن أرض خيبر كان فيها العنب، وهذا أمر لا يمكن لأحد أن ينكره، ولذلك فالغالب أنه ساقاهم على النخل وغيره، وذُكِر النخل فقط؛ لأنه أغلب، وإلا فقد كانت المزروعات موجودة، وكل ذلك كان معروفاً، حتى إن اليهود لما قدِموا من الشام كانوا يعرفون الحمضيات، وكانت أرض الشام فيها الحمضيات، بل إنه يقوم أكثرها على زراعة الحمضيات، وعلى هذا فإن الصحيح أنه يجوز أن يساقى على كل شجرٍ له ثمرٌ يؤكل. فاستفدنا من هذا صحة المساقاة، ودليلها ما ذكرناه.

    ثانياً: أن المساقاة تصح على كل شجرٍ بشرط أن تكون له ثمرة تؤكل، فلا تصح على كل شجرٍ لا ثمرة له، أو على كل شجرٍ له ثمرة لا تؤكل، ولا تنحصر في نوعٍ من المأكولات والثمار أو من الأشجار التي لها ثمارٌ تؤكل دون غيرها.

    وقوله رحمه الله [تصح على كل شجرٍ له ثمرٌ يؤكل] بنص الحديث في النخل، وفي حكم النخل سائر الأشجار التي تؤكل، وذلك من جهة المعنى.

    توضيح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ضمن حق العاملين بالمساقاة بجزء مما يخرج، فإذا قلنا: إن هذا خاص بالنخل فإن هذا ضعيف؛ لأنه إذا عامل على التين والعنب والليمون والبرتقال فإن حق العامل محفوظ، كما لو عامل على النخل، وبناءً على ذلك فالقول بكونها خاصة بالنخل جمودٌ على الظاهر، والشريعة تعتبر الظاهر والمعنى، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

    فنحن نفقه ونفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قَصَد من المساقاة أمرين: بقاء النخل عند مصلحة النخل لمن يملكه ويعجز عن القيام به، وضمان حق العامل، وهذا يقع في الحمضيات وأشجار الثمار التي لها ثمرة تؤكل كما يقع لغيرها من بقية المزروعات.

    حكم وجود الثمرة في عقد المساقاة

    قال رحمه الله: [وعلى ثمرةٍ موجودة]

    وهذه مسألة خلافية.

    وأريد أن أنبه على أن الأفضل لطلاب العلم والذي ينبغي عليهم -هذا أمر كان يفعله السلف والأئمة رحمة الله عليهم- إذا درسوا أن يرجعوا إلى أهل الخبرة، فإذا كان الدرس يتعلق بالزروع رجعت إلى أهل الخبرة في الزرع وسألت عن حقيقة هذا الشيء؛ حتى تستطيع أن تعرف أحكامه.

    فأنت إذا قرأت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من باع نخلاً قد أُبِّرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع) لا تستطيع أن تفهم هذا الحديث حتى تفهم ما هو النخل؟ ومتى تكون مرحلة التأبير؟ وتعرف ما يترتب على ذلك.

    وكذلك: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها)، كما في حديث أنس وابن عمر في الصحيحين، فلا تستطيع أن تعرف هذا المحرم من المبيعات حتى تعرف متى يبدو صلاح الثمرة؟ وتعرف مراحل بدوها، فكنّا ننبه على الإلمام بهذه الأشياء، وإذا قرأت في كتب العلماء والفقهاء رحمهم الله عجبت من عنايتهم بمثل هذه الأبواب لإلمامهم بها.

    فلما أتقنوا تصور المحكوم عليه والجزئية التى يراد الحكم عليها جاءت أحكامهم واضحة، وجاءت تفريعاتهم من أجمل وأكمل ما تكون.

    كذلك أيضاً عندما تقرأ في قتل الصيد للمحرم، وما الذي يصاد وما الذي لا يصاد، بل حتى في شروط جواز الصيد أكرمكم الله بالكلاب والطيور، فالقرآن قال: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ [المائدة:4]، وأطلق ولم يبين ذلك، فأنت تسأل حتى تعرف كيف يعلم الصقر الصيد؟ وكيف يعلم النسر والباشق والشواهين من الطيور الجارحة وأنواع الطيور التي يمكن استغلالها؟ وما هي الطيور الجارحة والسباع التي يمكن تعليمها للصيد، وكيفية تعليمها؛ فتستطيع أن تعرف حكم الله عز وجل وتتفهم هذه الأحكام بصورة واضحة جلية وتفهم كلام العلماء رحمهم الله.

    فالمساقاة تحتاج من طالب العلم أن يفهم ويعرف كيف يُسَاقى على النخل، ومن هنا مسألة المساقاة على نخلٍ بدا ثمره والمساقاة على نخل لم يَبْدُ ثمره.

    أولاً: إذا كان عندك مزرعة فيها مائة نخلة وأردت أن يقوم العامل عليها، فإن هذا يكون على صورتين:

    الصورة الأولى: أن تتفق معه والثمرة لم تخرج بعد؛ لأن النخيل يكون له ثلاثة أشهر تقريباً تسمى أشهر الكن، وقد بينَّا هذا في بيع النخيل قبل بدو الصلاح، وقلنا: هناك ما يقرب من ثلاثة أشهر تستكين فيها الثمرة، وهي المرحلة التي ما بين الجذاذ -قطف ثمرة العام الماضي- وانتظار ثمرة العام القادم، ثم بعد ذلك تبدأ تطلع شيئاً فشيئاً حتى يكتمل خروجها، ثم تتشقق وتُؤبَّر كما فصلنا ذلك في باب البيوع، وبعد تأبيرها تبدو الثمرة، فتأخذ تقريباً فترة ثلاثة أشهر، ثم يبدو صلاحها فتزهو وتحمار أو تصفار، ثم تصير رطباً، ثم تصير تمراً، ثم تُجَذ.

    فإذاً: إذا وقع عقد المساقاة، إما أن يقع قبل خروج الثمرة التي هي مرحلة الكن، الثلاثة الأشهر التي تستكين فيها الثمرة، وإما أن يقع بعد بدو الثمرة.

    فإن وقع قبل بدو الثمرة فهذا هو الذي وقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين يهود خيبر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عاملهم على ثمرة غير موجودة أثناء العقد، وبناءً على ذلك فإنهم يحتاجون إلى سقيها ورعايتها والقيام عليها حتى تخرج، فهذا هو الأصل.

    ولذلك فجماهير العلماء على أن رب المال إذا تعاقد مع العامل على النخيل قبل بدو الثمرة فإنه جائزٌ ومشروع.

    الصورة الثانية: إذا بدت الثمرة؛ فبعض العلماء يقول: إذا بدت الثمرة فليس ثمّ جهد سيقوم به العامل؛ لأن الثمرة قد خرجت، وبناءً على ذلك يبقى الأصل من حرمة العقد لوجود نوعٍ من الجهالة.

    وقال بعض العلماء -وهو الصحيح كما اختاره المصنف واختاره بعض أئمة الشافعية، وهو قول للإمام الشافعي رحمه الله-: يجوز أن يساقيه بعد بدو الثمرة، بل حتى بعد بدو صلاحها، فلو ظهر البلح وأَزهت فاصفرَّت واحمرَّت، وغلب على الظن سلامتها، فاستدعى العامل -وكان الشهر شهر رمضان مثلاً- وقال له: اسق لي هذا النخل، وقم عليه حتى نجده ولك نصف الثمرة، فقال: قبلت. صح ذلك.

    واستدل أصحاب هذا القول بالآتي:

    أن النص ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في المساقاة على ثمرة غير موجودة، فمن باب أولى وأحرى أن يصح العقد على ثمرة موجودة؛ لأن الخطر في غير الموجود أعظم، فإذا جاز والثمرة غير موجودة فمن باب أولى أن يجوز بعد وجود الثمرة، وهذا ما يسميه العلماء بقياس الأولى.

    فإذا كنت تقول بهذا القول كما اختاره المصنف رحمه الله وطائفة من أهل العلم وهو الصحيح، فدليلك أن الشريعة أو السنة دلت على الأدنى ونبهت به على الأعلى أي: أجازت في حال عدم وجود الثمرة وكأنها تقول: إذا وجدت الثمرة فالحكم بالجواز أولى وأحرى.

    حكم المغارسة

    قال رحمه الله: [وعلى شجرٍ يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر، بجزءٍ من الثمرة]

    تصِحّ على كل شجرٍ له ثمر، وقد بينّا الحكم فيما إذا لم توجد الثمرة، وفيما لو ظهرت الثمرة.

    يبقى السؤال: الضورتان الماضيتان إذا نظرت إليهما وجدت أن النخل سيطلع، فمعناه: أن الغالب خروج الثمرة.

    لكن النخل الصغير وهو ما يُسمى بالفسائل وولائد النخل، وتسمى في عرف العامة اليوم (الصنو)، وبعضهم يقول إنها عربية من (أصنية النخل).

    ومن باب العلم فإن هذه الأصنية تؤخذ وتُقَص من أمها بطريقة معينة، ولا تقص إلا بعد بدو العرق فيها، وذلك كما أن الجنين لا يولد إلا بعد اكتمال خلقته، فالصنو لا يُقص إلا بعد تكون العرق، فإذا خرج العرق من أسفل الصنو صلح قصه، وإلا مات.

    ومن باب المعرفة والعلم فإن النخل الذي يؤخذ من تحت أمه يُقص ويقلع ثم يُوضَع في فِقَر، وقد جاء في حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهب يا سلمان، فإذا فرغت فآذني أكون معك حتى أضعها بيدي، قال سلمان : ففقرت لها)، يعني الفسائل.

    فالنخل إذا أُخِذ من الأم، ووضعته في هذه الفقر يبس، إلا إذا كان قد أطلق العروق واخضر، فحينئذٍ يكون بقيلاً، وإنما يسمى بالبقيل إذا نجا أو كان الغالب نجاته.

    لكن إذا كان عالياً عن الأرض أو قريباً من الأرض والعروق فيه صغيرة فيحتمل موته بعد نقله من أمه؛ لأنه فقد التغذية من أمه ولم يُطلق عروقاً.

    فإذا أخذ من أمه ووضع في الفقرة، فيحتمل أن ينجو وأن يموت، فأخذها عليه الصلاة والسلام وفُقِّرَت الثلاثمائة صنو، فما مات منها صنوٌ واحد، وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام، وقد تأخذ ألف صنو فتموت جميع الأصنية ولا ينجو منها واحد؛ لأن الله لم يكتب لك فيها رزقاً.

    فإذاً: مسألة الصنو تحتاج إلى مخاطرة، فقد تأتي بالصنو وتقول لرجل: اغرس لي الأصنية، فإن أطلعت قم عليها، وثمرتها بيني وبينك، وهذا يسمى بالمغارسة.

    فالصورتان اللتان ذكرناهما مساقاة، وهما: إذا كان النخل موجوداً والثمرة غير موجودة، أو كان النخل موجوداً والثمرة موجودة.

    لكن الصورة التي معنا: يكون النخل فيها بين السلامة والهلاك، ثم إنها سيأخذ فترة، وقد يُطلِع السنة القادمة أو بعد سنوات، فيقول له: اغرس لي الأصنية ثم إذا أَطلَعَت فالثمرة بيني وبينك، وهذا يقع غالباً في المزارع الجديدة.

    فاختلف العلماء هل تصح المغارسة أم لا؟

    فمذهب جمهرة العلماء القائلين بجواز المساقاة يجيزون المغارسة وهي: أن يغرس النخل على أن يكون له جزءٌ من ثمرته إذا أطلَع.

    فقال رحمه الله: [وعلى شجرٍ يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر]

    وهذا يقع على صورتين:

    فمثلاً عندك مزرعة، وهذه المزرعة فرضنا أن طولها مائتا متر، مائة متر منها مزروعة وفيها نخل كبير، فأنت تريد أن تحيي الأرض بكاملها، فتحتاج إلى أن تضع بعد النخل المزروع النخيل الجديد فتأخذ بنات القديم وتضعها في الأرض الجديدة، فتقول له: عاملتك على أن تأخذ هذه الفسائل وتقلعها من الأمهات ثم تغرسها في هذه الأرض البكر -ويُفَقِّر لها ويغرسها ويقوم عليها- والثمرة بيني وبينك مناصفة، فهذه تسمى بالمغارسة، أي: على أن يغرس ويكون له جزء من الثمر.

    فإذا كنا نقول: الحكم لا يختص بالنخل فالمسألة تشمل أيضاً العنب، فالعنب يؤخذ من عقده، ويقص بطريقة معينة، ثم تؤخذ هذه الأغصان، وتُقَص في موسم معين ثم تُزْرَع وبقدرة الله عز وجل تنمو.

    وبعض الأحيان يأخذون غصن العنب ينزلونه إلى الأرض، ثم يحفرون له في الأرض ويدفنوه في موسم معين، فيطلق هذا الغصن عروقاً فيُقَص فيما بينه وبين أمه القديمة، ثم يُنقل هذا الجديد إلى موضعٍ آخر، هذا بالنسبة للعنب.

    كذلك شجرة الليمون تأخذ منها غصناً وتدلِّيه إلى الأرض، أي: تعكس الغصن إلى الأرض إذا كان يحتمل ذلك،وتحفر له بطريقة معينة، ثم تضعه على الأرض في نفس الحفرة هذه فيخرج طرفه من المكان الثاني ويكون جزؤه متصلاً بالأم يرتوي منها، ثم الجزء الآخر خارجاً من بعد الفقرة التي حفرتها، ثم تدفنه وتضع عليه طوبة أو حجراً، ثم يمكث ما شاء الله عز وجل، فإذا رأيت أن الغصن أصبح أمتن من الغصن الخارج من الأم، علمت أنه قد تهيأ وتمكن من الأرض فتقطعه من أمه ولا يضره؛ لأنه قد اعتمد على نفسه.

    وهذا عجائب قدرة الله! فسبحان من خلق كل شيء فقدره تقديراً! ولا يمكن أن تضع هذا الغصن إلا في زمان معين وبطريقة معينة، وممكن أن تلقح شجرة الليمون لكي تصير برتقالاً، والمشمش ممكن أن تلحقه بالمشمش؛ فهذه أشياء تحار فيها العقول! ونسأل الله العظيم أن يزيدنا من الإيمان؛ فإن هذا كله مما يزيد من الإيمان، والواجب على كل مسلمٍ أن ينظُر في مثل هذه الأشياء في المقصود منها، وهو الإيمان بالله وزيادة التوحيد إلى درجة اليقين؛ حينما يرى عظمة الله سبحانه وتعالى في خلقه.

    فالمقصود: أنه إذا كان عنده مزرعة نخيل يقول له: عاملتك على أن تأخذ بنات النخيل وتفقِّر لها، وتزرع لي هذه الأرض، وإذا اتفق معه على هذا يُحدِّد عدد الفسائل فيقول له: مائة فسيلة أو مائتان أو حسب العدد الذي يريده.

    ثانياً: يُحدد له الأرض التي يريد أن يغارسه عليها؛ حتى يكون ذلك أبعد عن الجهالة الموجبة للغرر، كذلك في الليمون والبرتقال والحمضيات ممكن أن يُفَقِّر لها ويزرعها وتكون الثمرة بينه وبين رب الأرض والمزرعة.

    1.   

    المساقاة من العقود الجائزة لا اللازمة

    قال رحمه الله: [وهي عقدٌ جائز]

    أي: المساقاة عقدٌ جائز، وقد تقدم في مقدمات البيوع أن العقود منها ما هو عقدٌ لازم، ومنها ما هو عقدٌ جائز، وبينّا أن العقد اللازم هو العقد الذي لا يملك أحد الطرفين فسخه إلا برضا الآخر، فلا يستطيع أحد أن يتخلى عن هذا العقد من طرفٍ واحد، بل لا بد وأن يستأذن الطرف الثاني، ويوافق على فسخه.

    فمثلاً: إذا بعت سيارة واشتراها منك الغير لا تستطيع أن ترجع عن بيعك بعد حصول الافتراق حتى يرضى ذلك الغير؛ لأن العقد يلزمك.

    وهناك عقود جائزة ممكن أن تفسخها في أي وقت، وسواء عندك عذر أو لا عذر لك، مثل المضاربة ومثل الشركة، وهي العقود التي يملك فيها كل واحد من الطرفين الفسخ دون رضا الآخر.

    يبقى السؤال: هل عقد المساقاة عقدٌ لازم أم جائز؟

    وجهان للعلماء رحمهم الله، والأكثرون على أن عقد المساقاة عقدٌ لازم، وذهب طائفةٌ من العلماء واختاره الإمام ابن قدامة رحمه الله وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن عقد المساقاة عقدٌ جائز، والحقيقة أن القول بالجواز فيه قوة، لكن قد يئول إلى اللزوم.

    ولذلك قد يجمع بين القولين كما اختاره بعض أصحاب الشافعية؛ أنه في بدايته جائز ولكنه يئول إلى اللزوم بالشروع والدخول، فإذا دخل العامل، وتمكن من العمل -أي: قام عليه- فلو قلنا من حق رب المال أن يفسخ العقد فإنه سيضر بالعامل، وهذا هو الذي دعا جمهور العلماء إلى أن يقولوا: عقد المساقاة عقدٌ لازم، فلو كان جائزاً لضر بالعامل، لأنه يمكن أن يأتي رب المال فجأة قبل طلوع الثمرة وبعد أن يعمل العامل شهراً.. أو شهرين.. أو ثلاثة ثم يقول له: فسخت العقد بيني وبينك، فهذا فيه ضرر على العامل، ولكن إذا قيل بالجواز إلى اللزوم فإنه أشبه وأقوى.

    وأجاب الإمام ابن قدامة رحمه الله عن هذا الإشكال بأنه ليس من حق رب المال أن يُخرِج العامل في هذه المسألة، وبيَّن أن ذلك مثل المضاربة، فهي عقدٍ جائز، ولكن إذا اشتمل فسخها على ضررٍ أحد الطرفين كان من حقه أن يعترض على الفسخ، وهذا القول الذي اختاره الإمام ابن قدامة فيه قوة، أعني: القول بالجواز كما ذكرنا، وإن كان يئول إلى اللزوم فهو أشبه وأقوى.

    إذا فسخ المالك أو العامل عقد المساقاة قبل ظهور الثمرة

    قال رحمه الله: [فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة فللعامل الأجرة]

    الفاء للتفريع، والمعنى أنها عقدٌ جائز.

    فلو أن شخصاً قال لعامل: اسق لي المزرعةَ والثمرةُ بيني وبينك فسقى ثلاثة أشهر، وكادَت الثمرة أن تخرُج قال له: انتهى العقد بيني وبينك. وفسخ المساقاة.

    فإذا فسخ رب المال المساقاة -على القول بالجواز- طولب بأجرة العامل ثلاثة أشهر، ويُعطى أجرة المثل.

    وبناءً على ذلك لو أن العامل اشتغل ثلاثة أشهر، وعند أهل الخبرة والمعرفة كانت أجرة مثله في كل شهر ألف ريال، فنقول لرب المزرعة: أنت بالخيار بين أمرين: إما أن تُبقِي العقد كما هو صيانةً لحق العامل، وإما أن تعطيه أجرته تامةً كاملة خلال الثلاثة الأشهر. فنقدِّر ما الذي عمله؟ وما الذي يستحقه؟

    فأحياناً تكون أجرة العامل كل شهر ألفاً، ولكن في بعض الأحيان تكون ألفاً وخمسمائة، فمثلاً: المواسم التي يكون فيها النخل ساكناً لا يحتاج إلى عمل كثير، وقد يحتاج إلى حراثة الأرض وتسميدها ونحو ذلك، لكن يكون الجهد أكثر في تأبير النخل، وبرش النخل الذي هو إزالة الشوك، وإصلاح الأقنية وتعديلها إلى غير ذلك، فتكون أجرة العامل في مثل هذه الشهور ألفين ريال ولكن في بداية العقد أيام الكن قد تكون ألفاً.

    وبناءً على ذلك لا بد أن نقدِّر له أجرته بالمثل، ونقول لرب المال: أنت بالخيار: إما أن تبقي العامل على عقده وحقه، وإما أن تعطيه أجرته تامةً كاملة من اليوم الذي عمل فيه إلى يوم فسخ العقد، هذا إذا فسخ رب المال.

    قال المصنف: (وهي عقدٌ جائز)، ومن عادة العلماء والأئمة رحمة الله عليهم أنهم إذا قرروا حكماً -وهذه ميزة الفقه عند المتقدمين- فإنهم يبحثون جميع الجوانب والآثار المترتبة على هذه الفتوى والأصل، لكن ربما في بعض الأحيان يعطيك الفتوى بأنه يجوز، وقد تتفرع على القول بالجواز عشر مسائل، وهل يَنْتَظر حتى يشتكي الناس من العشر المسائل ويأتي ليبحث مرة ثانية المسألة الثانية والمسألة الثالثة والرابعة؟

    كان الأولون من دقتهم وضبطهم يقررون الأصل وما ينبني عليه.

    فالمصنف رحمه الله قال: (هي عقدٌ جائز)، فإذا كانت عقداً جائزاً فإن ذلك يُحدث ضرراً بين المتعاقدين؛ لأنه ممكن لرب المال أن يقول للعامل: اسق ولك النصف، فلمَّا سقى مدة ثلاثة أشهر إذا به يقول له: اخرج من مزرعتي، فإذا قال له: لماذا؟ قال: لأنها عقد ليس بلازم، ومن حقي أن أخرجك في أي وقت!

    ففي هذه الحالة لن يرضى العامل وسيطالِب بحقه، فتقع الفتنة وتقع الخصومة.

    فقال العلماء: إذا كان عقداً جائزاً وأراد أحدهما الفسخ ففيه تفصيل، إن فسخ رب الأرض فحينئذٍ نقول له: اضمن للعامل حقه، ولا يجوز أن تضيع أجرته خلال الأشهر الماضية، وإن فسخ العامل فقال: لا أريد أن أُتِم العقد، أو حدثت له ظروف يريد أن يسافر وقال: لا أستطيع أن أُتِم العقد، فهل نعطيه أجرته أو لا نعطيه؟ قالوا: إن رب المال التزم له بجزءٍ من الثمرة، فإذا أدخل الضرر على نفسه فإنه لا يلزم رب المال بأجرته، وبذلك نضمن لكل واحد حقه.

    فإذا قال العلماء: من حق العامل أن يخرج ويذهب ضاع حق رب المال، وإذا قالوا: من حق رب المال أن يفسخ ولا يعطيه الأجرة ضاع حق العامل، فكما ضمنا حق العامل في حال الفسخ ينبغي أن نضمن حق رب المال، فيُقال لهذا العامل: إن خرجت فلا شيء لك، فأنت الذي رضيت بالضرر على نفسك.

    لكن يمكن العامل أن يُقيم غيره مقامه في اختيار بعض العلماء إذا كان عنده ظروف حالت دون القيام، بشرط أن يكون ذلك الغير في المهارة والخبرة والضبط والعلم مثله أو أفضل منه، فإذا أقام غيره مقامه نقول له: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فنحن لا نكلف رب المال فوق طاقته فلا نقول له: ادفع أجرة الأشهر؛ لأنه لم يتفق معك بالأشهر، وإنما أعطيناك حقك من الأشهر لأن رب المال سيضرك، أما الآن فلم يضرك أحد ورب المال ملتزمٌ بعقده وشرطه، فإما أن تمضي معه على الشرط، وإما أن تقيم غيرك مقامك على أن يكون مثلك في الأداء والكفاءة، وحينئذٍ تضمن حق رب المال، وتضمن أيضاً حقك، وإلا انصرفت راشداً ليس لك أي شيء.

    قال رحمه الله: [وإن فسخ هو فلا شيء له]

    أي: إن فسخ العامل المساقاة؛ لأن الجملة قبلها تعود على العامل أنه يعطى أجرة المثل، فإن فسخها هو فلا شيء له.

    وهنا مسألة: في حكم إضاعة العامل لحقه في أن يُساقِي على شجرٍ لا ثمرة لها، فقال له رب الأرض: خذ هذا الكافور واسقه وأعطيك ما يرضيك، فإذا دخل في هذه المساقاة فللعلماء وجهان:

    أولاً: العقد باطل؛ لأنه ليس بعقد مساقاة؛ لأنها شجرة لا ثمرة لها، لكن يبقى السؤال: لو أننا أفسدنا هذا العقد، والعامل اشتغل ثلاثة أشهر وهو يسقي هذا الكافور، فهل نعطيه أجرة الثلاثة الأشهر إذا أبطلنا العقد؟ قال بعض العلماء: لا يُعطى لأنه حينما عقد هذا العقد على شجرٍ لا ثمر له رضي بسقوط حقه، مثل العامل إذا انسحب، فألحقوا هذه المسألة بهذه المسألة وقالوا: إذا عامل العامل على شجرٍ أو زرعٍ لا ثمرة له فقد أسقط حقه فلا شيء له.

    وقال بعض العلماء: يُضمن له أجرة المثل.

    1.   

    الأسئلة

    من آداب طالب العلم

    السؤال: في ضابط العقد اللازم والعقد الجائز، هل يمكننا أن نقول: إن العقد اللازم لا يصح إلا على مدة معلومة بخلاف الجائز؟

    الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فالمدة المعلومة قد تكون واردة في كثير من العقود، لأن عقد البيع لازم، وعقد الإجارة لازم ويحتاج إلى مدة معلومة، ونحوه من العقود المبنية على الآجال، لكن هذا الضابط ضعيف، لأنه غير جامع، والسبب في ذلك أنه حينما تقول: إن العقود اللازمة هي العقود التي تحتاج إلى مدة معينة أو تؤقت بمدة معينة، فهذا يصدق على جزء من العقود؛ لأنه ليس كل العقود تقوم على الْمُدد، والعقود التي تقوم على المدد هي الإجارات مثل السكن ونحو ذلك، والعارية تقوم على مدة لكنها ليست بلازمة، وأيضاً الإجارات جزء منها يقوم على المدة، وإلا قد تتأقت بالعمل مثل بناء البيوت وتشييدها، وبناء الجدران ونحو ذلك، فهذه لا ترجع إلى مدد، وهي لازمة.

    فإذاً: لو ضبطت العقد اللازم بكون مدّته معلومة فهذا ضابط فيه قصور، ويسعُك ما يسع علماءك وأئمتك.

    وفي الحقيقة أُنبِّه على مسألة: من الخبرة الضعيفة في الفقه، ومما قرأناه على مشايخنا وعلمائنا، والذي أدركنا عليه أهل العلم، أن الأفضل للإنسان في مسائل طُرِقت وضُبِطت للعلماء أن يأخذ عمن تقدَّم، وأن يأخذ عن الأئمة، وأن يعلم أنهم قد كَفَوه المئونة فيما بُحِث ومُحِّص، لأن هؤلاء العلماء قل أن يتركوا جزئية متصلة بالأمر إلا وقد بيَّنوها.

    فكون الإنسان يأتي في القرن الرابع عشر لكي يضع ضابطاً أو قاعدة -وما أكثر القواعد اليوم- فيه نظر، يأتينا طالب علم يقول: القاعدة كذا، بل حتى تجد بعض طلاب العلم أو بعض المعاصرين من طلاب العلم ونحوهم يأتي ويستدرك في تعاريف دقيقة جداً مضت عليها قرون، وعقول العلماء مضت على هذا التعريف أو الضابط، ويأتي يُضِيف قيداً من أوضح الواضحات.

    ففي العبادات يأتي يقول: وهذا التعريف قاصر يحتاج زيادة (بنية التقرُّب إلى الله)، العبادة أصلاً ما سميت عبادة إلا للتقرب بها إلى الله، فالعلماء الأولون تركوا مثل هذه الضوابط للعلم بها بداهة.

    ثقوا ثقة تامة.. أنه قلَّ أن توجد لهم ثغرة، نحن لا نقول إنهم معصومون، لكن مر أكثر من عشرة قرون وأذهان الأئمة الذين توفَّر لهم من الإتقان والضبط ما لم يتوفر لغيرهم، أولاً: صفاء ذلك الزمان، ثانياً: إتقان العلم وتحصيله على الأئمة الكبار الذين وضع الله لهم القبول حتى جاء سواد الأمة الأعظم تبعاً لهم، ثم هذه المؤلفات تُدرَّس في المساجد والمدارس والبيوت، وتُدرَّس من الأشخاص والجماعات، ويُؤلَّف عليها المؤلفات من الشروح والحواشي، والتقريرات..

    أكثر من عشرة قرون وأذهان العلماء تُعصَر في العبارة، الآن في درس الفقه نحن نجلس بين المغرب والعشاء، سلفنا رحمة الله عليهم كانوا يجلسون من بعد الفجر إلى أذان الظهر، وهم في شرح سطرٍ واحد.

    أولاً: شرح الغريب، يُسأل كل طالب عما ضبط من هذا الغريب، ثم يُفرَّع هذا الشرح ويُبيَّن معناه، ثم تُذكر الأدلة للأحكام، ثم يُبيَّن وجه دلالتها، ثم يُبيَّن هل المسألة خلافية أو إجماعية، ثم.. ثم.. حتى يؤذن الظهر، ونحن ما شاء الله ندرس بين المغرب والعشاء، ونصبح أئمة.

    هذا هو واقعنا، ووالله أقولها محبة للخير لكم، نحن لا نقول: إن العلماء معصومون، صحيح إذا خالف العالم النص أو الحجة، فالحجة لكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكن لا ينبغي لأحد أن يستهين بعلم العلماء، ولا يتزبب طالب العلم قبل أن يتحصرم، كما يقال في المثل: (تزبب قبل أن يتحصرم)، وهو مثل لمَن يضع نفسه في الشيء قبل أن يكمُل فهمه وضبطه، فمن كَمُل فهمه وعلمه عرف قدر العلماء، وكنت أعرف دقة العالم من تحفظه في نقد غيره، وأعرِف تهوُّر من يكتب أو يؤلف في جُرأَته على تخطئة الغير:

    وكم من عـائبٍ قولاً سليماً وآفته من الفهم السقيـم

    ووالله إنك لترى الثغرات في مثل هذا النقد بسبب عدم وعي كلام العلماء المتقدمين، وعدم الضبط والتمحيص، ولذلك نقول: وضع القواعد ليس بالأمر السهل، فالقواعد كليات، وغالباً ما توضع القاعدة تحت أصول عديدة من الكتاب والسنة.

    ثم ينبغي في القاعدة أول شيء أن تفهم الأصل الذي تريد أن تُقعِّد له، فمثلاً: اللزوم، ما معنى لازم؟ وما ضده؟ الذي هو الجواز، وهل هناك قسيمٌ بينهما؟ أي: ما يجمع بين الجواز واللزوم، فبعد ما تفهم النظائر الثلاث تنظُر في حقيقة اللزوم، وأصله، ودليله، حتى تفهم مقصود الشرع فتضع الشيء على أساس: تعرف حقيقته وتتصوره، وتتصوَّر أضداده، وتعرِف دليله الشرعي، ومستنده الذي أُخذ منه، هل هذا اللزوم يجعله الشرعُ خاصاً أو عاماً؟ أعني: هل اللزوم خاص بعقد معين أم أنه يشمل عقوداً؟

    ثم إذا كان عاماً هل هو عام في جنس معين مثل العقود المالية أو عام في العقود المالية وغيرها؟

    فالنكاح عقد لازم، وعليه فاللزوم لا يختص بالعقود المالية، بل يشمل الأنكحة مثلاً، فتنظر إلى لزومه من جهة الأصل العام.

    بعد ما تفهم هذا كلِّه تأتي وتنظر كيفية وضع الضابط، فيحتاج أولاً إلى عبارة دقيقة جداً، يمكن من خلال هذه العبارة بإضافتها إلى غيرها أن تكون جامعة لهذا اللزوم مانعة من دخول غيره.

    في الحقيقة يا إخوان! القاعدة شيء، والضابط شيء؛ القاعدة قضيةٌ كلِّية لا تختص بباب، كأن تقول: (المشقة تجلب التيسير).

    فتستخدمها في الطهارة، فتقول: تيمّم إذا كنت عاجزاً عن الغُسل.

    وتستخدمها في الصلاة نفسها، فتصلي قاعداً إذا لم تستطع القيام، وتستخدمها في كثير من العقود والمعاملات.

    فهذه قاعدة؛ لأنها كلية لا تختص بباب، ولا تختص بمسألة، لكن الضابط يختص بباب أو يختص بمسألة.

    فتقول مثلاً: الكفارة عند الحنابلة والشافعية في الجماع تختص برمضان، وفي حال القتل العمد على تفصيل، هذا الضابط تستفيد منه لو سألك سائل وقال: جامع الرجل في قضاء رمضان ما كفارته؟

    فتقول: الضابط عندي أن الكفارة لا تجب إلا في الجماع في نهار رمضان، فلا يأخذ القضاء حكم الأداء في هذه المسألة، فهذا ضابط، لكنه خاص، ولذلك فالضوابط تحتاج إلى نوع من الدقة في نفس الباب.

    فتدرُس الباب مثلاً وتقول: الحنفية والمالكية يقولون: الكفّارة وجبت عندنا في نهار رمضان لحرمة الشهر، ولانتهاك الواجب.

    وإذا نظرت إلى وجود الانتهاك تجد أن الحنابلة يشترطون الجماع في نهار رمضان، فلو جامع في غير نهار رمضان في صيام واجب مثل صيام الكفارات أو قضاء رمضان، أو نذر جامع فيه فتقول: لا كفارة، لأن الكفارة عندهم لا يُقاس عليها وتختص بنهار رمضان.

    لكن الحنفية والمالكية عندهم الأصل أن الذي جامع في رمضان قد انتهك حرمة صوم واجب، فكل من جامع في صيامٍ واجب فعليه كفارة، فصار الضابط عندهم الصيام الواجب، فلم يختص برمضان ولم يَتقيَّد به، وإنما شمِل كل صيامٍ لأن هذا ضابط لهم يضبِطون به الحكم.

    فإذاً الضوابط لها منهج، والقواعد لها منهج.

    ولذلك يا طلاب العلم! افقهوا نصوص الكتاب والسنة، وافهموا ما قاله العلماء في هذه المتون دون تعصُّبٍ إذا صحّ الدليل بخلاف هذا القول، وافهموا كلام العلماء واضبطوه، وسيفتح الله عليكم من واسع فضله، وستجدون إن شاء الله من أبواب الخير التي يمكن أن يبرُز بها طالب العلم الشيء الكثير، فيفتح الله لك من أبواب رحمته، ونشهد لله من واسع فضله وكرمه أنه لا يخذل من أراد وجهه في هذا العلم أبداً.

    مثلما فتح الله على الأولين رحمة الله عليهم في التأصيل والتقعيد سيفتح الله على من بعدهم، ومن بعدهم إلى قيام الساعة، كما قال ابن المنيِّر رحمه الله: وفضل الله عظيم، ومن ظن أنه محصورٌ في بعض العصور فقد حجَّر واسعاً، والليالي حبالى يلدن كل غريب.

    فالله عز وجل فضله عظيم، فقد يكون الأولون يقعِّدون كذا، ثم يفتح الله عليك في الفهم والتحصيل، ولكن بالإخلاص وإرادة وجه الله عز وجل والبعد عن الغرور، وإياك أن تضع نفسك في موضع تستدرك فيه على العلماء حتى تنظُر فيما أنت فيه من الأهلية، وتنظر إلى شهادة أهل العلم أنك أهلٌ أن تقعِّد أو تنظِّر، أما اليوم فاقرأ وتعلَّم، ومثلما قالوا: يتعلم الإنسان ثم يتكلَّم.. أول شيء يأخذ الإنسان ويتلقَّى، ولا يكتب ولا يؤلِّف، فإذا حرِص على ذلك فإن الله يبارك له.

    وبالمناسبة.. أن التقعيد والتفريع.. ينبغي لطالب العلم أن لا يستعجل فيه، كذلك التدريس والفتوى والحرص على الظهور قبل الضبط، وكنا نرى من بعض الأقران والزملاء من يحرص على أن يفتي بمجرد ما يقرأ مسألة ليبرز، فكان بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يقول له: لا تستعجل، واترك الفتوى في زمانك لمن هو أهل لها، فحريٌ بك إن شاء الله إن وضع الله لك قبولاً في الفتوى أن يرجع الناس إليك، وأن لا يزاحمك الغير كما لم تزاحم من هو أهلٌ للفتوى وأحق بها منك، انتظر وأتقن واضبط، ثم بعد ذلك تفرَّغ للتدريس والتعليم.

    وهذا مما أحببت أن أنبه إليه بمناسبة هذا السؤال، فبعض طلاب العلم -أصلحهم الله- بمجرد ما يقرأ كتاب الطهارة أو كتاب الصلاة أخرج المذكرة وعلَّق عليها، وأضاف ونقَّح، وزاد! فهذا كله من الآفات التي ينبغي لطالب العلم أن يتجنبها، وأن يحفظ حقوق أهل العلم، لا يختص هذا بعالم، إنما يشمل كل أهل العلم المتقدمين والمتأخرين.

    وينبغي للإنسان أن يكون حريصاً على إرادة وجه الله؛ لأن العلم فيه فتنة، والشيطان حريص، ومما ذكره العلماء أن الدِّين يُفسِده نصف فقيه وعابد جاهل.

    فنصف العالم عنده علم، لكنه لم يكتمل علمه، فيُلفِّق، فهو ما بين الهلاك والنجاة، فتارةً يأخذ قولاً صحيحاً فيُعجب الناس من صحته وصوابه، ثم يوردهم المهالك، فإذا قال لهم أحد: إنه أخطأ في هذه المسألة، قالوا: لا، قد أصاب في غيرها فهو من أهل العلم.

    ولذلك ينبغي لطالب العلم أن لا يستعجل، ونصف العالم ونصف الفقيه يقع في أثناء الطلب، ولذلك كان من الحِكم المشهورة: (أول العلم طفرةٌ وهزة، وآخره خشية وانكسار).

    أول العلم فيه غرور، فإذا ثبَّت الله قدم صاحبه ومشى فيه حتى أتمَّه، وحرص على أنه لا يخرج ولا يكتب ولا يتصدَّر للناس إلا على أرضٍ ثابتة، وبيِّنة من ربه، فإن الله تعالى سيضع له القبول، ويجعله على بيِّنةٍ من أمرِه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

    نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا ممن أصاب الحق، نسأله تعالى أن يُلهِمنا السداد والرشاد، وأن لا يَزِلّ بنا فيما نقول وما نتعلم، والله تعالى أعلم.

    حكم الضمان إذا تلفت الثمرة بتفريط أو آفة سماوية

    السؤال: إذا فرّطَ العامل وتلِفت الثمرة، أو تلِفت بآفة سماوية، فما الحكم أثابكم الله؟

    الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه

    أما بعد:

    فإن العامل كما نص العلماء في المساقاة أمين، وبناءً على ذلك لا يضمن إلا إذا فرَّط، فإذا فرَّط في الثمرة فإنه يضمن.

    مثال ذلك.. إذا تشقق النخل أَطْلَع وبدا الطّلْع فيه، هناك نخل يحتاج إلى أن تبكير في تأبيره، ونخل يحتاج إلى تأخير، فهناك أنواع بمجرد ما يخرج الكوز على النخلة حتى ولو لم يتشقق تأتي وتشقه وتؤبره، وهذا ما يُسمى بالشرِه من النخل، وإذا لم تفعل ذلك فانتظرت إلى أن تتشقق تخرج الثمرة صغيرة، ولربما لا تخرج الثمرة.

    والعكس.. فهناك نوع آخر ينتظر حتى يتشقق، ثم ينقسم إلى أنواع، فمنه نوع بمجرد ما يتشقق تؤبره، ومنه ما تنتظره يومين، ومنه ما تنتظره ثلاثة أيام، ومنه ما تنتظره أربعة أيام، ومنه ما لا يقبل التأبير أصلاً، بل تؤبره الريح بقدرة الله عز وجل.

    وكل هذا يدل على الوحدانية، ولذلك يقولون: إن من أعظم الأدلة التي تدمغ الطبيعيين الذين يقولون إن الحياة طبيعية، ولا إله، وكل شيء وُجِد هكذا طبيعةً، هو هذا الاختلاف، فاختلاف الأشياء يدل على وجود من وضعها بهذا الترتيب، إذ لو كانت النخل تثمر من نفسها، والثمرة تخرج من نفسها لكانت على وتيرة واحدة، ولكن كون بعضها يحتاج إلى تبريد.. وبعضها إلى استعجال.. وبعضها يحتاج إلى وبَار كثير.. وبعضها يحتاج إلى وبارٍ قليل.. وبعضها يحتاج إلى وبارٍ بين بين، فإنه يدل على أن هناك قدرة إلهية، فخلق كل شيء وأتقنه، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل:88]، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنه أحسن الخالقين، وتبارك الله رب العالمين.

    ولذلك عند التساهل والتفريط يضمن العامل، فلو كان يعلم أن هذا النوع -مثلاً- يحتاج إلى تبكير في التأبير، فمثلاً الروثانة تحتاج إلى تبريد ثلاثة أيام، فأخّرها إلى سبعة أيام، فهذا قد يفسد الثمرة، فيضمَن.

    كذلك أيضاً هناك انواع كالخشيمي يحتاج إلى مبادرة، فهذا النوع لو تأخر وتركه يوماً أو يومين أو ثلاثة فإنه يفسُد.

    فالشاهد أن كل نوع له حاله وحكمه، فإذا قصَّر العامل ضمن، ولا يمكن أن نحكم بتقصير العامل إلا بشهادة أهل الخبرة، فإذا قال أهل الخبرة بأن هذا النخل يُبَكَّر وما بكَّر، وهذا يحتاج إلى تأخير ولكن العامل عجّل ونحو ذلك؛ فإنه يضمن ويتحمل المسئولية، هذا إذا كان عمل العامل بتفريط.

    أما لو تلِفت بآفة سماوية فمذهب بعض العلماء أنها تنفسخ وليس له شيء، والله تعالى أعلم.

    وصية في التفكر في آيات الله الكونية

    السؤال: إن التفكر في الآيات المنثورة في الكون والفلوات مما يزيد من إيمان العبد، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام من الليل تلا أواخر آل عمران، فهل من وصيَّة حول هذا الأمر؟

    الجواب: سعادة الدنيا وبهجتها وسرورها وأنسها بذكر الله جل جلاله، وأسعد الناس في هذه الدنيا من عمر الله قلبه بذكره، ولا حلاوة ولا لذة لهذه الدنيا إلا إذا عرَف العبد ربه، وبمعرفة الله جل جلاله بأسمائه وصفاته، ودلائل وحدانيته، وشواهد قدرته وعظمته، تُحِبه صدق المحبّة، وتخافه كمال الخوف، ومن عرَف الله أحبَّه وهابه ومن أحب الله وهابه تكفَّل الله له بسعادة لا يشقى بعدها أبداً.

    ولذلك أمر الله بذكره، وندب كل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُكثِر من ذكره سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41]* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:42]* هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الأحزاب:43].

    فهذا الإله العظيم، من عظمته جل جلاله، بل من عظيم كرمه وجوده علينا، أن جعل هذا الكون كله يذكِّر به سبحانه وتعالى، فإذا نظرت أمامك أو نظرت خلفك، أو عن يمينك أو عن شمالك أو من فوقك أو من تحتك؛ وجدت شواهد عظمته ودلائل ألوهيته ووحدانيته سبحانه وتعالى.

    وفي كل شيء له آيـة تدل على أنه واحـد

    وفي كل شيءٍ له دليل وشاهد على أنه المتفرِّد بالملكوت والجبروت سبحانه وتعالى، فإذا نظرت إلى السماء وهي مظلمة في الليل تتلألأ كواكبها ونجومها، وكيف قُدِّرت ونُظِّمت ورُتِّبت..

    السماء ليس فيها فطور، تتعاقب عليها الليل والنهار، وتتابعت عليها الدهور والعصور، وما اختلفت، ولا تغيّرت ولا تبدّلت، ولا أصبحت ضعيفة بمرور الأزمان: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل:88] سبحانه وتعالى؛ لأن الله خلقها وقال لها: كوني، أي: كوني على أتم الوجوه وأكملها، فكانت وما زالت على أتم الوجوه التي صنعها الله وقدرها عليها.

    وإذا نظرت إليها وقد أشرقت شمسها، واستبان ضوؤها، وكيف أصبح الإنسان في وضح النهار يرى عظمة الله سبحانه وتعالى في كل شيءٍ يراه بعينه، أو يسمعه بأذنه، أو يحسه في جسده، كل ذلك يدل على عظمة الله ووحدانيته وقدرته.

    سعادة المؤمن أن لا يغفل عن الله جل جلاله، والله سبحانه وتعالى جعل الآيات حتى في النفس.

    وقف الأطباء حائرين أمام عظمة إله الأولين والآخرين، وقفوا أمام العين وهي جزء من البدن، تجدهم يبحثون ويتعبون ويكدحون دهوراً وقروناً وأزمنة تلو الأزمنة، ومع ذلك يقفون على طرف البحر ولم يخوضوه.

    في كل زمان جديد، وفي كل زمان مُكتَشَف، ومع ذلك قلّ أن تجد من يقول: لا إله إلا الله! وقل أن تجد من يقول: آمنا بالله، فإذا نظرت إلى العين فقط ودلائل عظمة الله سبحانه وتعالى فيها كيف أنها تميِّز بين الألوان! وكيف أنها تفرِّق بين الأشكال والأحجام، تتصوّر الأشياء ثم تُنقَل هذه الصورة إلى دِماغ الإنسان في أقل من طرفة عين.

    يقفون أمام الكمبيوترات والمصنوعات التي خلقها المخلوق الضعيف، والذي إذا أخطأ وقف كل شيء، ولا يقفون أمام عظمة الله جل جلاله، ولا يسبحون الله ولا يمجدونه سبحانه وتعالى، بل أكثر الناس عن آيات ربهم غافلون.

    ولذلك فسعادة المسلم أن ينظر إلى عظمة الله.

    وقف الأطباء أمام العين وهي مريضة سقيمة، فعجِبوا من أمراضها المتعددة، وأسقامها المختلفة، وما تُصاب به على اختلاف الإصابات، وإذا بكل مرض له حدود، وله قدْر، وله مكان، لأن الله قدّرَه وحدّده، لا يزيد ولا يمكن أن يُجاوز هذا الحد بعينه.

    علّمهم سبحانه ودلّهم، فإذا بهم يَحارون من هذه العين وهي سليمة، ويحارون منها وهي سقيمة، ثم بعد ذلك كله تفضَّل وتكرّم فأعطاهم الدواء، ودلّهم على عظمته ووحدانيته وقدرته، أنها إذا تعطّلت فهو قادرٌ على أن يعيدها، وقادرٌ على أن يجعلها كأحسن مما كانت عليه، فيقفون في طب القديم أو طب الحديث أمام عروقها وأعصابها فيعالجونها بدوائها، فإذا بها قد تفتّحت وأبصرت، وإذا بالمواعيد التي تُحدد للعمليات الجراحية وللعلاجات محددة، مقدّرة.. يُقال: ضع هذا الدواء ثلاثة أيام.. افعل كذا ثلاثة أيام..، ولا تفعل كذا، واحجبها عن النور، وافعل.. وافعل، وإذا بها بعد ثلاثة أيام تشفى.

    إن الله هو الشافي، ووالله لا طبيب ولا مداوٍ يستطيع أن يجاوز قيد شعرة من عظمة الله جل جلاله.

    ثم لما تفضل عليهم بذلك اغتروا فقالوا: علِمنا طب العيون، فقال لهم: خذوا من عظمتي ودلائل وحدانيتي، فأوقفهم حائرين أمام كفيفٍ لا يُبصر، فقال لهم: أعيدوا له البصر، فإذا بهم يقفون أمامه، ويصفقون الأيدي، فقالوا: خلقك الله أعمى فلا نستطيع أن نرد لك البصر، فجاءهم بصحيح كان يُبصر بالأمس، وفجأة طُفئ نوره فأصبح لا يرى، وانفصلت شبكيته فقال لهم: ردوا البصر إن كنتم قادرين، فقالوا: آمنا بالله رب العالمين. هذا حدود الطب.

    فتجد أقوى طبيب يقف أمامه ويقول له: لا أملك لك شيئاً، فعلنا المستحيل ولا نستطيع أن نجاوز عظمة الله الجليل، وقفوا حائرين أمام عظمة الله جل جلاله في كل شيء.

    لو قرأت عن عالم الطب في الأعصاب، وما جعل الله في هذا الجسم من الأعصاب الدقيقة في جميع أجزاء الجسم، تنقُل الأحاسيس.. الحار والبارد يُنقل إلى دماغ الإنسان في أقل من طرفة عين، وتقف أمام أي موقف فتُنقَل أحاسيسك إلى الدماغ، فلو كنت أمام نار فإن ما تراه العين يُنقَل إلى الدماغ: أنني أمام نار، وإذا بالدماغ يفهم أن النار مُحرِقة، فيأتيك الأمر من الدماغ: ارجع.. فِرّ.. ابتعد، خذ الماء، وذلك في طرفة عين.

    هذا الجهاز -جهاز العصَب- في دراستي لبحث الدكتوراة، جلست مع طبيب متخصص في مسألة التخدير الجراحي، كان متخصصاً فقط في مسألة الأعصاب وكيفية تخديرها، والله حار العقل من عظمة الله جل جلاله، فيقف ويقول: سبحان الله رب العالمين، ما أغفلنا عن الله!

    ووالله إن التفكر في عظمة الله ودلائل وحدانية الله هو لذة الدنيا وسرورها، ينتقل المؤمن من فكرة إلى فكرة، ومن عبرة إلى عبرة، ولا يزال يتفكَّر في ملكوت الله حتى يملأ الله قلبه بالمعرفة بالله، وعندها يطمئن ويرضى بالله، إن أصابته ضراء صبر، وأحسَّ أن الكون كون الله، فلم يجزع ولم يتسخط، لأنه يحس بعظمة الله جل جلاله، ويفر من الله إلى الله، وإن أصابته سراء ذلّ لله جل جلاله، فإذا بك تراه غنياً في ثوب فقير، وإذا بك تراه عزيزاً في ثوب ذليل، فيقول: الله أعطاني.. والله أغناني.. والله أولاني.. فيُثنِي على الله بما هو أهله، فإذا هي كلمات تُفتّح لها أبواب السماوات، يراها أمام عينيه في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

    إن التفكر في عظمة الله وملكوته، أمرٌ ينبغي للمسلم أن لا يغفل عنه في جميع الشئون والأحوال، فإذا وفّّق الله العبد لذلك فقد أعطاه سعادة الدنيا والآخرة.

    اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تملأ قلوبنا بالإيمان بك، اللهم إنا نسألك حلاوة الإيمان ولذة اليقين، ونسألك بعزتك وأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعل لنا من ذكرك وشكرك وحسن عبادتك أوفر الحظ والنصيب، حتى تتوفانا وأنت راضٍ عنا.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046830150

    عدد مرات الحفظ

    738287172