إسلام ويب

شرح زاد المستقنع باب الحجر [2]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدين حق للدائن لا يسقط إلا بسداده أو العفو، فإذا عجز المدين عن السداد فإن الشريعة حفظت حتى الدائن بمنع المدين من التصرف في ماله، وأبطلت جميع تصرفاته المالية التي تضر بحق الدائن، حتى يباع ما عنده، ويؤدي لأصحاب الحقوق ما يمكن أداؤه.

    1.   

    الآثار المترتبة على الحجر في المحجور عليه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    حكم تصرف المحجور عليه في ماله بعد الحجر

    فيقول المصنف رحمه الله: [ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر].

    بهذه الجملة شرع المصنف في بيان الآثار المترتبة على الحجر، فإذا قلت: إنه يحجر على المفلس، فما هي ثمرة وفائدة وأثر الحجر على المفلس؟ فقال رحمه الله: (ولا ينفذ تصرفه في ماله) فقوله: (لا ينفذ) أي: لا يمضي ولا يُحكم به ولا يعتد.

    ولذلك هناك شيء يسمونه: شرط نفاذ، فتجدهم في البيوع يقولون: من شرط نفاذ البيع ألا يكون محجوراً عليه، فيكون من شروط النفاذ، بمعنى: لو أن شخصاً حجرنا عليه لفلس، ثم بعد ذلك باع عمارة يملكها، أو اشترى من شخص سيارة، لا ينفذ شيء من ذلك كله، ولو أنه جاء وتصدق بمال أو وهب مالاً أو أعطى ماله؛ فإن هذه الهبة توقف، ويمنع من التصرف بالهبة والعطية والصدقة.

    حكم إقرار المحجور عليه بمال لشخص بعد الحجر

    قال رحمه الله: [ولا إقراره عليه]

    من دقة العلماء أنهم يذكرون الأصل وما يتبع الأصل، فالإقرار بالمال ليس بتصرف مباشر في المال، ولكن يئول إلى التصرف في المال؛ كما إذا حجرنا على شخص عليه دين مائتا ريال، فلما حجرنا عليه وثبت عند القاضي فلسه جاء رجل بعد أسبوع وقال: فلان أقر لي بمائة، فننظر في الإقرار: فإذا كان الإقرار قبل حجره عليه مضى ونفذ، وإن كان بعد الحجر عليه؛ فإنه لا يصح ولا ينفذ لوجود الشبهة والتهمة، ولأن التصرف أصلاً لا ينفذ، فإقراره بالمال يصح من حيث الأصل، ولكن لا يطالب بالسداد ولا يؤخذ من ماله سداد لهذا الحق إلا بعد انتهاء الغرماء الأولين.

    فالإقرار نؤاخذ به؛ لأن شروط الإقرار متوفرة، لكن أن ينفذ لا، بل نوقفه ويبقى موقوفاً عن النفاذ حتى يسدد الغرماء الذين حجر من أجلهم أولاً ثم بعد ذلك يسدد هذا الدخيل.

    والسبب في هذا: أنه لو كان ينفذ إقراره وكان عندنا -مثلاً- صاحب شركة عليه مليون ديناً، وشركته -مثلاً- دون المليون وحجرنا عليه، فبإمكانه أن يأتي لشخص ويقول له: أقر لك بمال ودين زوراً وكذباً وتدخل تزاحم الغرماء، وحينئذٍ لا تباع كل الشركة للغريم، وإنما يكون لي حصة بدخولك معهم، وممكن أن يدعي أن فلاناً له عليه مليون بدل ما هي مائة ألف، فيدخل على الغرماء ويضر بهم.

    ولذلك قطع هذا الباب وأقفل مع أن الأصل أن إقراره نوع تصرف، والتصرف في ماله موقوف حتى انتهاء الحجر عليه إذا أقر به للغير.

    حكم رجوع من تعامل مع المحجور عليه ببيع أو قرض في معاملته

    قال رحمه الله: [ومن باعه أو أقرضه شيئاً بعده، رجع فيه إن جهل حجره وإلا فلا].

    قوله: (ومن باعه) أي: من باعه سيارة أو باعه داراً، فإنه في هذه الحالة إذا علم بحجره وتبايع معه؛ يتحمل مسئوليته، وليس من حقه أن يرجع في البيع ويمضى على ظاهره، ويتحمل هو مسئولية هذا البيع، أما لو كان لا يَعلم بالحجر فإنه يفسخ هذا البيع ويرد المال إلى صاحبه.

    فائدة هذا: أننا لو قلنا: إنه يرجع في هذه الحالة، لا تدخل السيارة ضمن المال ولا تباع، لكن إذا قلنا: لا يرجع، دخل مال جديد على ماله ويباع مع ماله، وحينئذٍ يكون للغرماء، ثم يتحمل بعد انتهاء الحجر سداد هذا الذي عامله بعد الحجر.

    قوله: [أو أقرضه شيئاً بعده]

    لو أن شخصاً حجرنا عليه لمائة ألف، وحكم القاضي وشهر به، فلما حكم القاضي بذلك اشترى أرضاً من شخص، فإننا ننظر في هذا الشخص ونقول له: يا فلان هل تعلم أن فلاناً محجور عليه؟ فإن قال: أعلم أنه محجور عليه وقد بعته الأرض. فحينئذٍ تكون الأرض قد دخلت في ملكية المحجور عليه، وهذه الأرض تباع مع المال ويسدد، ثم ينتظر هذا الذي هو صاحب الأرض إلى ما بعد الحجر، وما يعطى حقه؛ لأنه تحمل مسئولية التغرير بنفسه.

    فما دام أنه راضٍ بالتعامل معه، فيبقى في هذه الحالة المال للغرماء الأولين، ويباع ويقسم بينهم، وبعد فك الحجر عليه يطالبه بحقه.

    هذا إذا كان عالماً، وأما إذا كان غير عالم؛ فإن البيع ينفسخ ويرد لصاحب الحق عين ماله، وإن قال: لا، اتركوا الأرض عنده، وأنا لا أرجع عن بيعي، وإن شاء الله هو يسددني، ورضيت بذلك، فهذا أمر آخر، وتدخل على ملكه، وتعامل معاملة أملاكه.

    قوله: (رجع فيه إن جهل حجره) لأنه في هذه الحال يكون خيار عيب، وخيار العيب في الثمن مؤثر؛ لأن هذا يضر بثمن الأرض، ويدخل الضرر على البائع للأرض؛ لأنه سيدخل أسوة للغرماء، وأياً ما كان في هذه الحالة له حق الرجوع.

    قوله: (وإلا فلا) إن كان عالماً.

    حكم تصرف المحجور عليه في ذمته أو إقراره بدين أو جناية

    قال رحمه الله: [وإن تصرف في ذمته أو أقر بدين أو جناية توجب قوداً أو مالاًصح، ويطالب به بعد فك الحجر عنه].

    قوله: (وإن تصرف في ذمته) كأن يشتري بالدين وتعامل مع شخص ديناً.

    قوله: (أو أقر بدين) يعني قال: فلان له عليّ مائة ألف، وانظروا إلى دقة المصنف رحمه الله، فنحن نتكلم عن آثار الحجر، وفيه جانبان:

    الجانب الأول: ما كان من التصرفات المالية المباشرة كالبيع والشراء، فالحكم فيها بالتفصيل ما بين أن يكون عالماً أو غير عالم، هذا بالنسبة للتصرفات المباشرة.

    الجانب الثاني: هناك تصرفات غير مباشرة، مثل أن يشتري منه ديناً، أو يشتري على ذمته -بالدين- أو يقر لشخص بماله، فحينئذٍ ليس بالتصرف المباشر وإنما يدخل على الغرماء غريماً جديداً.

    قوله: (أو جناية توجب قوداً أو مالاً)

    كأن يقر بجناية توجب قوداً، فهذه كلها خارجة عن الإضرار بالمال، ويلزم في ذمته للشخص، وهذا شيء خارج عن المال وليس له تأثير في ماله الذي حجر؛ لأن الحجر يختص بالتصرفات المالية وما يلتحق بها، فلو أقر أنه كسر سن رجل؛ فإن هذا الإقرار في ظاهره جناية، لكنها تئول إلى المال، فهذا الإقرار فيه شبهة.

    فأي إقرار فيه مال وتصرف مالي بحيث يدخل على ماله غريماً جديداً، أو يدخل على ماله مستحقاً جديداً، فهذا لا ينقض من التصرف في ماله، فإقراره كبيعه وشرائه إذا تضمن الاعتراف بحقه في المال وإدخال غريم جديد، فإذا تضمن المال أو ما يئول إلى المال كما في مسألة الجنايات المالية؛ فهذا كله لا يؤثر، أي: لا يلتفت إليه حال الحجر، فيصح الإقرار به ثم بعد فك الحجر يطالب بما اعترف وأقر به.

    وقوله: (أو جناية توجب قوداً أو مالاً صح).

    إذا كانت الجناية توجب القود، كما إذا أقر أنه قطع يداً أو رجلاً لإنسان؛ فإنه سيقتص منه ويقاد منه، وهذا ليس له علاقة بالأموال، فالإقرار صحيح.

    وإن أقر بجناية توجب مالاً، فللعلماء فيها وجهان:

    من العلماء من يقول: إن الإقرار بالمال كالتصرف المالي، فنقبل إقراره، ولكن لا يكون إلا بعد فك الحجر لوجود الشبهة بل الاستحقاق، وهذا ما درج عليه المصنف رحمه الله.

    قوله: (ويطالب به بعد فك الحجر عنه) لأنه لو فتحنا باب الإقرارات المالية فقد تحدث المغالطات التي تضر بالغرماء، وإقرار المال أصل عام سواء كان إقراراً بالمال مباشرة كأن يقول: فلان له عليّ مائة ألف، أو إقراراً بالمال بالتبع، كأن يقول: أنا قطعت يده، فيستحق نصف ديته، وهي خمسون ألفاً، أو أنا فعلت كذا ويستحق أربعين ألفاً، فهذا وإن كان في ظاهره جناية لكنه يئول إلى المال حقيقة.

    فكل إقرار يتضمن التزاماً بمال؛ فإنه يؤخر إلى ما بعد فك الحجر، فنصحح الإقرار؛ لأن شروط الإقرار موجودة، فنحكم بصحة الإقرار، ولكن لا يطالب به إلا بعد فك الحجر عنه.

    1.   

    أثر الحجر في مال المحجور

    قال رحمه الله: [ويبيع الحاكم ماله]

    شرع المصنف -رحمه الله- في الأثر الثاني، فعندنا أثر يتعلق بالمحجور عليه، وعندنا أثر بالشيء الذي حجر عن التصرف فيه وهو المال، فقال المصنف رحمه الله: (ويبيع الحاكم ماله).

    من حجر عليه لحقوق أشخاص -وهو حجر الفلس- واستوفى الشروط؛ فإنه يباع ماله بطلب الغرماء، فينظر أولاً في السلع المعروفة بأعيانها، فمن وجد سلعة بعينها فلا تباع، وبالنسبة للغرماء الذين يطالبون بالحجر ولهم على المفلس الدين؛ فلا يخلو مال المفلس من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون المفلس قد تصرف في أموالهم التي أخذها منهم، ولم يبق منها شيء، كأن يكون -مثلاً- استبدل بها ولم تبق أعيانها، بل بقي أشياء مثلها، كرجل استدان مائة سيارة، وباع السيارات واشترى غيرها وباع، فأصبح يتاجر في السيارات، فوجدت عنده سيارات، لكنها ليست عين السيارات التي أخذها، فإذا كان المفلس لم يبق عنده عين المال الذي استدانه فيباع ولا إشكال.

    وإذا بيع يكون الترتيب كالآتي:

    أولاً: ينظر القاضي إلى قدر حاجته ونفقته ونفقة عياله ومن تلزمه مئونته كزوجته وأولاده، فالذي يختص بنفقته ونفقة عياله وزوجه وأولاده هذا يخرج من البيع.

    ثانياً: ينظر إلى المتاع الذي لا بد له ولأولاده ومن يلزمه القيام عليه، ففراش بيته الذي لا بد منه وحوائجه الأصلية هذه لا تباع ولا تعرض للبيع، لكن الكمالات والأمور الزائدة هذه تباع؛ لكن يبقى سؤال يقتضي التفصيل:

    إذا كان الرجل المديون عنده بيت أو (فلة) ومؤثثة بأثاث غالٍ جداً، لكن وضعه الذي كان فيه كصاحب شركة أو كذا يقتضي هذا الأثاث، ومثله يكون في هذا الأثاث، فهل ينظر لوضعه من حيث هو فلا يمس أثاث بيته الفاره الغالي، أم ينظر إلى حق المديونين، وأنه نزل من رتبة الأغنياء إلى رتبة الفقراء؟ الثاني الأصح، فهو قد نزل إلى رتبة الفقراء ويعامل بحقوق الناس؛ لأنه لا يعقل أن نجعله يعيش عيشة الأغنياء وقد تشبع بما لم يعط؛ لأنه في هذه الحالة ليس بغني.

    مثلاً: لو كان عنده سيارة قيمتها مائة ألف، ومثله في وضعه وحالته الاجتماعية يستحق هذه السيارة، إن قيل: يعامل معاملة من هو في وضعه لا تباع وتترك له، واختاره بعض أصحاب الشافعي رحمه الله، وإن قيل: يعامل معاملة المديون، ينظر إلى سيارة تكفي للحاجة قيمتها عشرة آلاف ريال -مثلاً- فهذا قدر حاجته، والتسعون ألفاً تدفع لسداد حقوق الناس، وهذا هو الأصح.

    فإذاً: إذا كان متاعه غالياً صرف من متاعه الغالي، وأبقي على قدر الحاجة والكفاية، كذلك أيضاً يترك على قدر الحاجة في طعامه وقدر الحاجة في فراشه وقدر الحاجة في ركوبه ونحو ذلك. هذا من ناحية ما الذي يباع.

    إذاً: إذا باع الحاكم أو القاضي وكان ماله لم يوجد فيه عين مال الغرماء؛ فإنه يبيع الزائد عن الحاجة ويترك ما تدعو إليه الحاجة، فلا يبيع ثيابه التي تستره وإنما تترك عليه، لكن لو عنده فضل ثياب بيع، ولا يبيع فراشه الذي ينام عليه، ولكن إذا كان عنده فضل فراش بيع.

    ومثلاً: هو يسكن في شقة من عشر غرف، ومثله في ضعف الحال من الفقر يكفيه ثلاث غرف، فإنه يرد إلى شقة بثلاث غرف، ويباع أثاث الغرف الزائد، وقس على هذا، فالضابط عندهم: أنه ينظر إلى قدر حاجته، ويباع ما استفضل أو زاد عن هذه الحاجة.

    الحالة الثانية: إذا كان أصحاب الدين وجدوا عين متاعهم، كأن يكون باعه سيارة؛ فوجد عين السيارة، أو باعه أرضاً وعين الأرض موجودة، فالأراضي والعقارات والمنقولات الموجودة بأعيانها ترد إلى أصحابها، لقوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (من وجد متاعه بعينه عند رجل أفلس؛ فهو أحق به) فدل على أنه يستحق أخذ المتاع بعينه ولا يباع المتاع في سداد الدين.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    الحكمة في نسبة المال للأولياء في قوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)

    السؤال: كيف يكون الخطاب في الآية للولي على أن المال ماله وهو مال المحجور عليه في قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء:5]؟

    الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    أولاً: قضية لماذا تأتي الآية على صورة كذا؟ أو يأتي لفظ القرآن بكذا ولم يأتِ بكذا؟ كان بعض مشايخنا -رحمة الله عليهم- يشددون في هذا، الله تعالى يقول: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23] ولا يَشك المؤمن ولا يمتري، ولا يمكن أن يخالجه أي شك بأن كتاب الله أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم عليم سبحانه وتعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1] .

    الله سبحانه وتعالى أحكم الأمور ووضعها في نصابها، فقوله: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء:5] يقول العلماء وبعض أئمة التفسير: إن إسناد المال إلى المخاطبين وإن كانوا في الحقيقة ليسوا بمالكين له؛ لأن أموال المسلمين إذا تركت بأيدي السفهاء أضرت الجميع.

    فالمال وإن كان في ظاهره ملكاً لليتيم وللسفيه لكنه بسوء تصرفه وصرفه للمال في المواضع التي لا ينبغي صرفه فيها؛ سيضر بالجماعة، وهذا سيؤثر على المجتمع، فكأن أموال المجتمع تذهب.

    ولتوضيح المسألة وحتى يتضح مقصود بعض المفسرين يقول بعض العلماء: إذا انتشر في أي مجتمع السفهاء؛ فإنهم يؤثرون على العقلاء، وهذا واضح جلي، فالآن -مثلاً- إذا جئت إلى بيئة يكثر فيها النساء، لو جاءت المرأة وسفهت في تصرفها في المال، فأصبحت تشتري بخمسين ألفاً أو بعشرين ألفاً أو بثلاثين ألفاً، وغارت منها جارتها فاشترت كما تشتري، ثم الجارة الثانية ثم الثالثة حتى يصبح وضعاً في المجتمع سائداً، بحيث إن العاقل لو جاء يمتنع من هذا الذي لا يشك أنه سفه لا يقدر أن يمتنع؛ لأنه يقول: نعم، أنا أعرف أنه خطأ، لكن ما الذي يصبرني على هذا السيل الجارف من الزوجة والأم والبنت والأخت.

    فمثلاً: لو أنه في كل عيد يشتري فراشاً بعشرين أو ثلاثين ألفاً، لو أنه جاء في عيد من الأعياد ولم يغير فراش بيته، وهو في كل عيد يغير ويجدد بهذا المبلغ الباهظ، ونحن لا نمنع أن يجدد لكن المشكلة في الغلو والإسراف، فإذا جاء يقول: لا أريد التجويد، تأتي الزوجة تلومه، وتأتي الأخت، وتأتي القريبة، وتأتي الجارة ثم تأتي قرابة المرأة، وهذا كذا، وهذا لا يحترمك، وهذا لا يقدرك، وهذا وهذا... فإذا بك تجد أنك ستقع في شيء من الإحراج أعظم مما لو أنفقت هذا المال، فستضطر مجاراة لهم ودفعاً لذلك إلى عمل أنت تراه سفهاً.

    والذي أحدث هذا كثرة السفه، فالسفه يضيع أموالنا نحن وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء:5] قالوا: جعل الله المال قياماً؛ لأنه تقوم به مصالح الناس، فكثرة السفه تعني التبذير للمال في غير موضعه.

    وإذا كان الشخص عاقلاً حكيماً يشتري الأشياء بقيمتها، فإنه لا يضر غيره ولا تذهب أموال الناس، فالمال وإن كان لليتيم لكنه سيئول بتصرفه، وإن كان للناس فسيئول بتصرفهم إلينا ويؤثر فينا.

    كذلك الابن لو أراد أن يشتري سيارة فقد تكفيه سيارة بعشرة آلاف، لكن لو رأى ابن الجار اشترى سيارة بثمانين ألفاً، فسيطالب بسيارة بثمانين ألفاً، ثم ابن الجار الثاني والثالث والرابع، وإذا بابنك الذي لم يبلغ بعد يقف أمامك ويقول: أريد سيارة. تقول له: تريد تقضي بها مصالحك وتقوم على شأنك؟ يقول: نعم. تقول: إذن هذه سيارة بعشرة آلاف، سيارة مستعملة تقضي بها مصالحك. فيقول: لا ما أريد، ويحس أنه إذا لم تشتر له بثمانين ألفاً أن الأبوة قد زالت وأن معاني الحنان ذهبت وأن وأن.

    فتأتي تفكر أنك لو جئت تعامله بالعقل وبما ينبغي أن يعامل به فاتك الابن، ولربما انقطعت الأواصر بينك وبينه، وربما حقد وربما وربما، فتضطر وأنت كاره إلى مجاراة الوضع وهكذا.

    فهذا وجه عند بعض المفسرين في تفسير الآية.

    وهناك وجه ثانٍ: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء:5] أسند الأموال إليهم لما أصبح مالكها سفيهاً فأخلى يده منها، والمال مال الله، والله هو الذي يحكم في الأموال وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد:7] فنحن مستخلفون على الأموال، ومأمورون بصرفها في مواضعها.

    فكل رجل وكل امرأة أنصف في ماله، فصرفه في موضعه، فقد قام بحق الاستخلاف، فإن جاء ينفق المال في غير موضعه فليس هذا الذي استخلف من أجله وليس هذا الذي أُعطي المال من أجله، وحينئذٍ تنتقل ولاية المال إلى الغير، فتصير أموال معاشر الأولياء، كأنها تنتقل بالسفه إلى الأولياء ولم تعد إلى السفهاء.

    ويتخرج على هذا الوجه الثاني في الآية، أن التعبير بالشيء يكون بما يئول إليه؛ لأن العرب تعبر بالشيء عما كان، وتعبر بالشيء عما سيكون.

    كما كان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يتيم أبي طالب؛ لأنه نشأ في حجر عمه أبي طالب ، وسموه يتيماً وهو بالغ وفي عقله عليه الصلاة والسلام باعتبار ما كان، فكانوا يقولون له: اليتيم، باعتبار ما كان، ولذلك قال تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا [النساء:6] فيُسمى الشيء بما كان ويُسمى ويوصف بما سيكون.

    فلما كانت الأموال ستئول إلى الأولياء وهم الذين يتصرفون فيها صارت من عداد أموالهم، وكأنه نوع من الاستعطاف والاسترحام والتوجيه للأولياء، أي: أنكم إذا توليتم أموال الضعفاء فعدوها كأموالكم واتقوا الله فيها فأحسنوا فيها ولا تسيئوا، واستثمروها ولا تضيعوها ونحو ذلك مما فيه مصالح الحجر. والله تعالى أعلم.

    كيفية الإحرام لمن أراد العمرة بعد المكث في جدة لفترة

    السؤال: من سافر من بلده إلى جدة، وكان ناوياً أن يعتمر بعد انتهائه من عمله في جدة، فمن أين يحرم؟

    الجواب: من سافر من المدينة -مثلاً- وعنده حاجة في جدة سافر من أجلها، وفي نيته أن يعتمر، فلا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يتأكد أن الوقت سيسعه، بحيث إذا انتهى من حاجته سيذهب إلى العمرة قطعاً، فهو متأكد أنه سيفعل العمرة، فهذا يجب عليه أن يعتمر من المدينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ذي الحليفة والمواقيت الأخر: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة) فألزم كل من مر بالميقات يريد الحج والعمرة أن يحرم منه، فدل على وجوب الإحرام من الميقات.

    فنقول: يجب عليك أن تحرم من ميقات ذي الحليفة، وأنت بالخيار بين أمرين:

    - إما أن تحرم وتذهب للعمرة وتأتي بها، ثم ترجع إلى جدة وتقضي حوائجك.

    - وإما أن تذهب بعمرتك وتلبس إحرامك وتذهب إلى جدة، وتقضي حوائجك، ثم بعد فراغك من حاجتك تمضي إلى العمرة.

    فإن قال: لا أستطيع أن أذهب بإحرامي، فنقول: يذهب ويقضي حاجته، ثم إذا أراد أن يعتمر يرجع إلى ميقات المدينة ويحرم منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ألزمه بالإحرام منه.

    الحالة الثانية: أن يذهب إلى جدة متردداً، يقول: لا أدري هل يسعني الوقت أو لا يسعني، فمثل هذا يجوز له ألا يحرم من ميقات الميدنة مثلاً: شخص عنده معاملة في جدة، ولا يدري هل يسعه الوقت فيعتمر أو لا يسعه؟ فمن يشك في الوقت يجوز له أن يذهب إلى جدة وهو غير محرم ويقضي حاجته في جدة، ثم يحرم من جدة إذا أنشأ العمرة منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن كان دون ذلك؛ فإحرامه من حيث أنشأ) .

    فهذا الذي لم تتمحض نيته بالعمرة من المدينة وأصبح شاكاً متردداً يعطى حكم الأصل من أنه لا يلزمه الإحرام حتى يتحقق من كونه معتمراً.

    وأحب أن أنبه على مسألة حتى لا يضيق الوقت:

    بعض الإخوة -جزاهم الله خيراً- من حرصه على الدروس والفائدة العلمية يفرغ الدروس في مذكرات، وهذا لا شك أنه خير كثير، فإن من يسمع ويقرأ ويكتب يضبط العلم، والله عز وجل يأجره على حروفه إذا قصد بها وجه الله عز وجل وابتغى ما عند الله.

    لكن اطلعت على ما كتبه بعض الإخوان فوجدته يعلق على الأحاديث ويعلق على المسائل، وهذه طريقة عقيمة، ولا أسمح لأحد في أي درس أو محاضرة أن يعلق على دروسي أو محاضراتي إلا بإذني؛ لأنه ربما ذكر دليلاً بإمكاني أن أجيب عنه فيشوش على طالب العلم الذي يقرأ مذكرة بهذا الشكل، فلا يدري هل هو في الحاشية أو في الصلب.

    وليس من حق أحد أن يأتي على درس أحد من أجل أن يعقب أو يتكلم، إذا كان عنده شيء يذهب ويحدث درساً فيه علم وفيه فائدة ويبينه، خاصة أن مسائلنا خلافية، وفيها أقوال العلماء، والحمد لله ما شذذنا -ولا نزكي أنفسنا على الله- وقد التزمنا ألا نقول بقول شاذ، ولا نعرف على أنفسنا -ولله الحمد- أننا قلنا قولاً إلا ولنا سلف ولنا حجة من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وبإجماع العلماء أنه من اعتقد رأياً عليه دليل فليس لأحد أن ينازعه ذلك إلا إذا كان طالب العلم عنده نظر وعنده اجتهاد، بحيث يستطيع أن يميز بين قول فلان وفلان بالحجة والدليل.

    أما أن يأتي شخص ويأخذ مذكرة الدرس الفلاني ويعلق عليها، فإن كان ضعف حديثاً صححه، أقول: افرض أن هذا التصحيح لا أقتنع به، فما دام الذي شرح الدرس له إلمام بعلم الحديث وعلم الرواية، وله إلمام بالأدلة وله منهج وهو أهل لذلك، وعنده من أهل العلم من رضي له أن يعلِّم، فليس من حق طويلب علم أن يأتي يتعقب؛ لأنه ربما ظن أن هذا الحديث صحيح في اعتقاده وهو ضعيف.

    ولذلك لا أسمح بهذا ولا أرضى، وهو خصمي بين يدي الله إذا كان يأتي إلى مذكرة ويعلق فيها برأيه وما يراه.

    وإذا كان يريد التعقب يفتح درساً يقرأ فيها ما أقرأناه، ويذكر الحجة والدليل، يسعه ما وسع السلف، وما وجدنا في كتب السلف أحداً جاء وأخذ كتاب شخص لأجل أن يعقب عليه فيصحح ضعيفه ويضعف صحيحه، ويأتي بأقوال لمشايخ آخرين في الهوامش تخالف قول المصنف.

    فمثل هذا يحدث البلبلة والتشويش لطلاب العلم، نحن نريد طلب العلم بالطريقة الحكيمة التي سار عليها سلف الأمة، ولا نعتقد أننا معصومون، ونبرأ إلى الله أن نعتقد بأنفسنا عصمة، لكن والله ما نرضى أن أحداً يرد قولنا الذي اعتمدنا عليه بالدليل من الكتاب والسنة بمحض رأيه، أو يأتي يعتقد صواب شيء نعتقد خطأه ويلزمنا خطأه؛ لأنه أجمع العلماء على أنه ليس من حق مجتهد أن يلزم مجتهداً آخر باجتهاده.

    ولذلك أجمع العلماء: على أن الرجلين إذا كانا في سفر، وقال أحدهما: القبلة هكذا، وقال الآخر: القبلة هكذا، أنه لا يصلي أحدهما وراء الآخر إلا إذا اعتقد صحة قوله.

    فلا يجوز أن يأتي طالب علم نال شيئاً من العلم وحفظ كلمة أو كلمتين -نسأل الله السلامة والعافية- ويأخذ مذكرات ويعقب فيها من وراء حجاب، دون أن يأتي ويقارع بالحجة، ويسأل ويستبين، هذا لا نعرفه من طرق العلم ولا نعرفه من منهج العلم.

    وهذا شيء من التعالم، وتكون مذكرة مجهولة لا يعرف من الذي كتبها أصلاً، وبعض العلماء يمنع من قراءة كتاب شخص لا يُعرف لأنه لا تعرف قيمته ولا يعرف هل شهد له أنه أهل، لذلك هذا يشوش فكر طالب العلم.

    وليس هذا خاصاً بدروسنا بل مع أي أحد، فأي شيخ له درسه وله علمه وله وزنه وله قدره ينبغي ألا يغير في كلامه ويزاد أو ينقص عليه شيء، وأن ينزل الناس منازلهم، وأن نتقي الله في هذا العلم.

    فإذا كان الشخص يرى رجحان قوله بدليل، فليعلم أن الذي خالفه عنده دليل، وأنه إذا كان يرى لنفسه أن يلزم الغير بدليله، فللغير أن يلزمه بدليله، فكما أنك تعتقد هذا القول بالدليل فغيرك كذلك، وقد قرر الإمام الحافظ ابن عبد البر وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم والأئمة -رحمة الله عليهم- ودرج عليه حال السلف: أن كل من كانت عنده أهلية وعُرِف عنه أنه يلتزم دليل الكتاب والسنة في رأيه في الفقه ومسائل الفروع فهو لقوله، حتى يستبين له الحق خلاف قوله.

    فالأصل أنه لا يقول قولاً إلا بدليل وحجة، فإن خالفه أحد فلا يخالفه إلا بالحجة، فيأتي ويقارع ويأخذ معه ويعطي، فإما رجع عن قوله، وإما بقي على قوله.

    ما عهدنا من السلف أن إماماً جاء من أجل أن يهدم فقه الذي قبله أبداً، إنما وجدنا أن كلاً يعتقد قوله بدليله وحجته، وهذه مسألة قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد) فالحمد لله على هذا الفضل.

    فليس من الحق ولا من العدل أن تأتي وتقول بقول وتعتقد ضَعف حديث خالفه، فيأتي إنسان ويشوش على طالب علم عندك ويقول: لا. بل هناك حديث صحيح وهو كذا وكذا، وهو صحيح عندك وليس بصحيح عندي وأنت ملزم به ولست ملزماً به، فهذا أصل عام.

    وأنا لا أسمح بالمناسبة بأي مذكرة أن تخرج إلا بالطريقة المعتبرة وبطريقة رسمية معتبرة، أما بهذه الفوضى وأن كل طالب علم يأتي ويعقب، ويكتب مجاهيل لا نعرف من هم وعمن أخذوا ومَن هم رجالهم وما هي أفكارهم، فهذا لا يُسمح به ولا أرضى به.

    والله ما تعلمنا العلم ليهان العلم، ولا تعلمنا العلم ليُرقى على أكتاف العلم، والله لا نقولها غيرةً لأنفسنا؛ لأننا نعلم ونوقن -ولا نزكي أنفسنا على الله- أن عندنا منزلة عند الله، فلا الناس يرفعنا إليها إن رضوا عنها، ولا ينزلوننا عنها إن سخطوا علينا؛ ولكن نريد تقوى الله عز وجل، نريد الكتاب والسنة، وما فهمناه من الكتاب والسنة ألَّا يأتي إنسان بسيط العلم قليل البضاعة يستعجل في شيء يكون هلكةً عليه وعلى غيره، فيَضِل ويُضَل.

    فالله! الله! لا تسلم فكرك ولا زمام رأيك في مسألة أياً كانت شرعية إلا ولك حجة ترضاها بينك وبين الله، ولا يسمح لأحد أن يسلك هذا الطريق سواءً في المحاضرات أو في غيرها.

    وأي طالب علم جاءته مذكرة ليس عليها توقيعي أو إقراري بالنسبة لي فأنا لا اعترف بهذا، ولذلك أوصي بالإعراض عن مثل هذا.

    وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل، إنه المرجو والأمل.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046153989

    عدد مرات الحفظ

    733646010