إسلام ويب

شرح زاد المستقنع فصل: الأولى بالإمامة [1]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يتعلق بصلاة الجماعة: أحكام الإمامة، ويقدم فيها الأقرأ للقرآن العالم فقه الصلاة، ثم الأكبر سناً، ثم الأقدم هجرة، ثم يقرع فمن خرجت قرعته تقدم، وهناك أئمة أحق من غيرهم؛ كصاحب البيت، وإمام المسجد الراتب. ويقدم الحر والحاضر والمقيم والبصير على غيره، ولا تصح الصلاة خلف الكافر، ولا خلف امرأة أو خنثى.

    1.   

    أحكام الإمامة

    تقديم أقرأ الناس للإمامة في الصلاة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

    فيقول المصنف عليه رحمة الله: [فصلٌ: الأولى بالإمامة الأقرأ العالم فقه صلاته]

    الإمامة منصبٌ شريف ومقام عزيز مُنيف لا ينبغي لكل أحدٍ أن يتصدّر له، ولا ينبغي لكل أحدٍ أن يكون فيه إلا إذا كان أهلاً لهذا المقام، فحينئذٍ يجوز له أن يتقدم على الناس، وأن يتشرف بهذا المكان الذي يكون فيه مؤتمناً على صلاتهم، وإقامة هذه الشعيرة لهم، والناس تقتدي بالأئمة، فكلما كان الإمام على صلاح وتقوى لله عز وجل وعلمٍ بالشريعة وفقه في الدين ومعرفةٍ بهدي النبي صلى الله عليه وسلم كلّما كان ذلك أدعى لحبِّه وحب الصلاة وراءه، والتأثر بقراءته ومواعظه وخطبه، الأمر الذي يكون له أحمدُ العواقب، وأحسنُ الثمرات، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أن تهيئ لهذا المقام من توفرت فيه شروط الأهلية، فقال صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي مسعود في الصحيح-: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).

    فأمرنا عليه الصلاة والسلام أن نقدم الأقرأ لكتاب الله عز وجل، والسبب في ذلك أنّ الغالب في الإنسان إذا شرّفه الله وكمّله وفضّله بحفظ كتابه فالأصل فيه أن يكون من أهل كتاب الله العالمين به، العاملين بما فيه، ومثل هؤلاء أئمة يُقتدى بهم إذا كان القرآن إماماً لهم في القول والعمل والاعتقاد، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).

    فلما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا يحفظ كتاب الله عز وجل إلا من علمه وعمل به كان ذلك أدعى لتقديم هؤلاء الخيرة البررة الذين هم صفوة الله عز وجل من الخلق، أعني العلماء بكتاب الله العاملين به.

    فالمصنف رحمه الله بعد أن بين لنا حكم صلاة الجماعة، والمسائل المتعلقة بمباحث صلاة الجماعة شرع في بيان من الذي يُقدّم للإمامة لكي يُصلِّي بالناس جماعة، فقال رحمه الله: [الأولى بالإمامة الأقرأ] وفي هذه النسخة [العالم فقه صلاته]، وفي غيرها الإطلاق: [الأقرأ]، وهذه المسألة اختلف العلماء رحمهم الله فيها، ولذلك لا بد من بيان المراد بقولهم: (الأقرأ) ثم بعد ذلك نبيِّن أقوالهم وأدلتهم، والراجح من الأقوال والأدلة.

    فلفظ (الأقرأ) اختلف العلماء رحمهم الله فيه على قولين:

    قال بعض العلماء: الأقرأ: هو الأكثر أخذاً للقرآن، والمراد بذلك أن يكون حفظُه أكثر من غيره، والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال ذلك فَهِم منه الصحابة هذا الفهم، كما في الحديث في الصحيح أن سالماً مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما كان يؤم المهاجرين والأنصار، وذلك في المدينة قبل مقدِم النبي صلى الله عليه وسلم قال الراوي: وكان أكثرهم قرآناً. فقوله: كان أكثرهم قرآناً، أي: كان حفظه أكثر. وكذلك استدلوا بحديث عمرو بن سلمة، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا فارقه قوم أبي سلمة قال لهم: (وليؤمكم أكثركم قرآناً) قال: فرجعوا فنظروا فإذا أنا أكثرهم أخذاً للقرآن، فقدموني.

    ووجه الدلالة أنه علَّق التقديم على كثرة الحفظ، فدلّ على أن المراد بالأقرأ الأكثر حفظاً للقرآن، وعلى هذا يُقدم حافظ القرآن كله على من حفظ ثلاثة أرباعه، ويقدم من حفظ ثلاثة أرباع القرآن على من حفِظ النصف ولو كان أكثر ضبطاً لأحكام التجويد والترتيل، فهذا هو الوجه الأول، فالعبرة عندهم بكثرة الحفظ، ولكن يلاحظ أنهم يرون مع كثرة الحفظ أن يكون ضابطاً لما ينبغي أو يُشترط لصحة التلاوة واعتبارها.

    القول الثاني يقول: إن المراد بالأقرأ الأتقن في مخارج الحروف وضوابط القراءة، وهو المجوِّد لكتاب الله عز وجل الذي يحسن ترتيله ويحسن تحبيره وتتأثر الناس بقراءته أكثر، وهذا القول يعتمد على ظاهر اللفظ في قوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)؛ فإن اللغة العربية تدل على أن (الأقرأ) أفعل تفضيل، والمراد به أنه فَضُل على غيره بحسن التلاوة وحسن الأداء للقراءة، فقالوا: المهم عندنا أن يكون محبِّراً لكتاب الله عز وجل، وعلى هذا الوجه. فلو اجتمع حافظٌ للقرآن كله وحافظٌ لنصف القرآن، والذي يحفظ نصف القرآن أكثر ضبطاً لأحكام القراءة، والناس تتأثر بقراءته أكثر، ويُحسن تحبيره وتجويده قالوا: يُقَدَّم على من هو أكثر حفظاً منه.

    والذي يظهر -والعلم عند الله- أن العبرة بكثرة الحفظ، وليس المراد التحبير وحسن النغمات والمبالغة في التجويد، وعلى هذا فلو اجتمع من هو أكثر حفظاً للقرآن مع من هو أحسن أداءً وأحسن ترتيلاً وتجويداً فإنه يُقَدَّم الأحفظ؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم فَهِموا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدلّ على أنه هو المعوَّل وعليه العمل.

    وإذا عرفنا ما هو المراد بالأقرأ فالسؤال: لو اجتمع عندنا رجلان أحدهما أقرأ، سواءٌ أكان أكثر أخذاً للقرآن أم أكثر ضبطاً للقرآن، والآخر أفقه، بمعنى أنه يعلم أحكام الصلاة وما يكون فيها من أحكام السهو ونحوه، وما يطرأ فيها من الطوارئ التي يحتاج الأئمة فيها إلى جبر النواقص والزوائد، أو كان عالماً بالأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات، فهل نُقدِّم الأقرأ أو نقدم الأفقه؟

    في ذلك قولان للعلماء:

    القول الأول: ذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه، ووافقه جمعٌ من المحدثين، وبه قال بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي رحمة الله على الجميع إلى أن الأقرأ لكتاب الله يقدم على الأفقه.

    القول الثاني -وهو قول الجمهور-: أن الأفقه يقدم على الأقرأ، فلو اجتمع حافظٌ للقرآن ومن هو أكثر منه علماً وفقهاً في الدين فإنه يقدم الأفقه والأعلم بالحلال والحرام على الحافظ لكتاب الله عز وجل.

    واستدل الذين قالوا بتقديم الأقرأ بظاهر حديث أبي مسعود رضي الله عنه وأرضاه في الصحيح، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، ووجه الدلالة من هذا الحديث واضح، حيث قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة)، قالوا: فقدّم الأقرأ على الأعلم بالسنة فدل على أن القارئ مقدمٌ على الفقيه.

    وأصحاب القول الثاني احتجوا بحديث أبي بكر رضي الله عنه في إمامته، كما في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم قدّم أبا بكر ، وكان أبو بكر رضي الله عنه من أعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قالوا: قُدِّم لفقهه لا لقراءته؛ لأن أُبياً رضي الله عنه أعلم منه بالقراءة، ومع هذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فدل هذا على أن الأفقه مُقدمٌ على الأقرأ، وهناك أدلة أخرى، ولكن المعوَّل على هذين الدليلين، فالأول حديث أبي مسعود رضي الله عنه، والثاني حديث أبي بكر في إمامته.

    ومما علل به الجمهور لمذهبهم أن قالوا: إن الأقرأ نحتاج إليه للقراءة، والقراءة تتعلق بركنٍ واحدٍ وهو القيام.

    وأما بالنسبة للأفقه فنحتاج إليه في أركان الصلاة؛ فإن الصلاة قد يطرأ فيها السهو، فتطرأ فيها الزيادة ويطرأ فيها النقص، وتختلج الصلاة على الناس، فإذا كان الأفقه موجوداً أو هو الإمام فإن ذلك أدعى لتعليم الناس، وهو أعرف وأعلم بما ينبغي فِعله على الإمام في مثل هذه الأحوال الطارئة. فكأن الفقه يُحتاج إليه لأركانٍ، والقراءة يُحتاج إليها لركن، فقُدِّم ما يحتاج إليه لأركانٍ على ما يحتاج إليه لركنٍ واحد.

    والذي يترجح -والعلم عند الله- هو القول بتقديم الأقرأ لكتاب الله، وذلك لظاهر السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثانياً: أن سالماً مولى أبي حذيفة -كما في الصحيح- كان يؤم المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر رضي الله عنه وأرضاه، وأما إمامة أبي بكر رضي الله عنه فإنها لم تتمحض بإمامة الصلاة، وإنما قُصِد منها الإشارة إلى استخلافه رضي الله عنه وأرضاه، فخرج الدليل عن موضع النزاع، ولذلك يُعتبر تقديم الأقرأ لكتاب الله هو المعوّل عليه، لكن ينبغي أن يُنبه على أن الأقرأ يُقدَّم إذا كان عنده إلمام بضوابط الصلاة، وليس المراد أن يُقدَّم مطلقاً حتى ولو كان جاهلاً ببعض الضوابط، كالأمور التي تطرأ في السهو ونحوه.

    فقول المصنف رحمه الله: [الأولى بالإمامة الأقرأ]، أي: أقرأ الناس لكتاب الله عز وجل. والسبب في هذا ظاهر؛ فإن القرآن يشرِّف أهله، ويرفع من مكانتهم في الدنيا والآخرة، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خيركم من تعلم القرآن وعمله)، وما أوتي أحدٌ عطاءً أشرف ولا أكمل -بعد الإيمان بالله عز وجل- من حفظ كتاب الله عز وجل والعمل بهذا الكتاب؛ فإنه نور في قلبه، ونورٌ له في حشره، ونورٌ له بين يدي ربه ولذلك إذا أنعم الله على العبد بهذا الكتاب فإنه يشرِّفه ويكرِّمه، ولم يبق إلا أن يُكرم قارئ القرآن ما في قلبه، فيصونه -أو يصون نفسه- عن الأمور التي لا تليق بمثله. وقوله: [العالم فقه صلاته] هذا إضافة في بعض النسخ، فنُقدِّم الأقرأ إذا كان عنده إلمام بفقه الصلاة، لكن لو كان عندنا إنسان يحفظ القرآن ولكنه يجهل أحكام الصلاة، ولربما يقع الناس في لبس في صلاتهم فحينئذٍ لا يُقدَّم؛ لأنه قد يُعرِّض صلاة الناس للفساد.

    قال رحمه الله تعالى: [ثم الأفقه].

    (ثم) تقتضي الترتيب، فيُقدم بعد الأقرأ الأفقه، والأفقه: أفْعَلٌ، من فقه الشيء: إذا فَهِمه. ويقال: إن الفقه يختص بالمعضلات، ولا يكون إلا في المسائل الدقيقة، والفقه شرف ونعمةٌ عظيمة يُنعم الله عز وجل بها على من شاء من عباده، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) أي: يعلمه الحلال والحرام حتى يفقه عن الله ورسوله. وإذا كان الإنسان على فقه وعلمٍ. فإنه على نورٍ وبصيرة، وهكذا إذا صحِب الفقيه العالم، فإنه يسعد كما يسعد العالم بفقهه.

    قال ابن مسعود رضي الله عنه: من سعادة المؤمن كثرة الصلاة وكثرة الصيام وصحبة الفقيه. فالفقه رحمةٌ من الله عز وجل بالعبد، ولذلك يعرف حلال الله وحرامه، فما كان من حلالٍ فإنه يأتيه، وما كان من حرامٍ فإنه يجتنبه.

    ومن فضل الفقه أنه يُقدَّم صاحبه لهذا المقام العظيم، وهو مقام الإمامة بالناس والصلاة، كما أنه مؤتمن على الحلال والحرام، فالناس ترجِع إليه في الفتاوى وفي القضاء، فهو أمينٌ من الأمناء يوقِّع عن الله عز وجل في الحلال والحرام لما شرفه الله بمثل هذا، فإنه يُشرَّف في إمامة الناس والصلاة بهم، ويُحتاج إلى الفقيه في الإمامة لما ذكرنا، لأن الصلاة قد يطرأ فيها أحكام، ثم إن الناس إذا تقدَّمهم الفقهاء والعلماء فإنهم يحتاجون إلى مسائل تطرأ إليهم في عباداتهم وفي معاملاتهم، فحينما يؤتى إلى الإمام والإمام عنده علمٌ بالحلال والحرام فإنه يملأ أعين الناس، ويجعل الناس على ثقة بقوله وعملٍ بما يَهدي إليه، ولكنه إذا كان قاصراً في علمه فإن هذا قد يغُض من مكانته ويُنزل من قدره عند الناس.

    ولذلك ينبغي للإنسان أن يسعى للحصول على هذا الفضل العظيم والمقام الجليل، ولذلك يقول علي رضي الله عنه: لا والذي برأ النسمة وفلق الحبة ما خصّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء إلا بما في هذا الصحيفة، أو فهماً يعطيه الله لأحد في كتابه.

    فهذه خصوصية اختص الله عز وجل بها من شاء، فالفقه في الدين المراد به علم الحلال والحرام، فإذا كان الإنسان عالماً بالحلال والحرام فقيهاً في العبادات والمعاملات فإنه يُقدَّم على من هو دونه، ولكن لو اجتمع مع من هو أقرأ فإننا نقدم الأقرأ عليه لما تقدم.

    الأدلة على تقديم الفقيه للإمامة

    أما الدليل على تقديم العالِم بالحلال والحرام فحديث أبي مسعودٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة).

    والعلم بالسنة يكون على ثلاثة أضرب:

    الأول: أن يحفظ السنة ويكون من حفّاظها، وهذا الذي يسميه العلماء الحافظ والمحدّث، وهو الذي يُسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحفظ الأحاديث، ويكون عالماً بما قاله عليه الصلاة والسلام.

    الثاني: أن يعرف، أو يفهم ويفقه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام التي تتضمنها هذه الأحاديث، ولكن حفظه للأحاديث قليل، وليس عنده حفظ للأحاديث، ولكن إذا جاء النص من الأحاديث يحسن فهمه، ويحسن تخريجه، ويعرف ما تعارض من الأحاديث وكيفية الجواب عنها، وكيف الخروج من إشكالها، فالأول حافظٌ للحديث، والثاني فقيه بالحديث.

    الثالث: من جمع الله له بين الحسنيين فحفظ الأحاديث مع الفهم، فيكون عنده إلمام بما قال عليه الصلاة والسلام، بحيث يحفظ الأحاديث والآثار، وعنده شغف وتلهف لمعرفة ما ورد من هدي النبي صلى الله عليه وسلم القولي والفعلي والتقريري، ثم كذلك إذا جاءته السنة فإنه يعرف كيف يفهمها، وعلى أي محملٍ يحملها عليه، فهذه أشرف المراتب، وهي أعلى مراتب السنة، فيكون حافظاً لها فقيهاً بما فيها من المعاني، وكل هذه المراتب مراتب شرف.

    وأما المرتبة الأولى -وهي مرتبة الحفظ- فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها: (نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فحفظها -وفي رواية: فوعاها- فأداها كما سمعها)، فقوله: (نضّر الله) قال بعض العلماء: هو من النضارة، وهي الحسن. وقال بعض العلماء: يُحشر أهل الحديث وهم بيض الوجوه لهذا الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي: نضر الله له وجهه في الآخرة. وقال بعض العلماء: بل الحديث على إطلاقه، أي: نضّر الله وجهه في الدنيا والآخرة. فمن حفظ حديثاً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وبلغه فإنه داخلٌ تحت هذا الفضل، فمن شاء فليستكثر، ومن شاء فليستقل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (نضّر الله) وأطلق، وقال بعض العلماء: لأهل الحديث نورٌ في وجوههم بحفظهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأما فقه الأحاديث فهذا هو المقصود في النصوص، كما قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29]، ولم يجعله للحفظ وحده، وإنما قال: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29].

    وقد عتب على بني إسرائيل حين حفظوا ولم يعملوا، فقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5]، فالمهم مرتبة الفقه والعمل، وإذا جمع الله للعبد الحسنيين فقد حاز تلك الفضيلتين، فلو اجتمع من يحفظ الأحاديث ومن يحفظ القرآن فإننا نقدم من يحفظ القرآن، ثم لو اجتمع من يحفظ السنة أكثر ومن هو أقل منه حفظاً للسنة فإننا نقدم من هو أحفظ للسنة.

    تقديم الأكبر في السن للإمامة عند التساوي في الحفظ والعلم

    قال رحمه الله: [ثم الأسن]

    الأسنَّ: مأخوذ من السِّن، والمراد بذلك: الأكبر سناً، فلو كان عندنا رجلان كلاهما حافظٌ للقرآن، وكلاهما فقيه أو عالم بالحلال والحرام من السنة، فحينئذٍ استوت مرتبتهما في الكتاب والسنة، فنرجع إلى التفضيل بالسن، والسبب في ذلك أن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم منعقد على تفضيل الكبير وإكرامه وإجلاله، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ليس منا -أي: ليس على هدينا الكامل- من لم يوقر كبيرنا)، فتوقير الكبار وإجلالهم ومعرفة قدرهم شأن الفضلاء، فلا يُجلهم إلا الكرام ولا يحتقرهم إلا اللئام، فالكبير له حق على الصغير، ومن هنا قدَّمت الشريعة الإسلامية الكبير في السن حتى في الإمامة، فلو كان أحدهم أسن فإنه يقدم.

    قال العلماء: الدليل على التقديم بالسِّن حديث مالك بن الحويرث ، وذلك أن مالكاً هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه رجلٌ من قومه، فجلسا قرابة عشرين يوماً.. فقال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حليماً رحيماً رفيقاً بأصحابه، فرأى أنا قد اشتقنا إلى أهلنا، فقال: (ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما)، ووجه الدلالة أن مالكاً رضي الله عنه والذي معه اجتمعا في الحفظ والفهم، فعلما وسمعا القرآن، وسمعا السنة، فاستوت مرتبتهما في العلم، فقال: (وليؤمكما أكبركما).

    قال العلماء: في هذا دليل على التقديم للإمامة بالسن، فلو اجتمعت مراتب المتقدمين علماً بالقرآن والسنة فإننا نقدم بالسن. وهذا يدل على ما ينبغي من تقديم الكبار وإجلالهم، وقال العلماء: تقديم الكبار له فضيلة، فإن الكبير -خاصةً إذا كان كبير السن ضابطاً لصلاته- يكون أخشع في الصلاة وفي القراءة؛ لأنه قريبٌ من الآخرة، فيتأثر أكثر من تأثر الشاب الحدث.

    ثانياً: أن كبير السن أكثر هيبةً وأكثر إجلالاً، فتهاب الناس المحراب، وتهاب المنبر، وتُحس بهيبته ورهبته إذا تقدم كبار السن والأجلاء والعُقلاء.

    الأمر الثالث: أنهم أناس لهم بصيرة ولهم علم ومعرفة بالحوادث وبما يكون، فإذا وقع أمرٌ ما على الناس واحتاجوا إلى من عنده تجربة ومعرفة وجدوا عند الإمام ما يعينهم على صلاح دينهم ودنياهم، فهذه كلها أمور تدل على حكمة الشريعة في تقديم الأكبر سناً، ولكن إذا استوت مرتبة العلم بكتاب الله والعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال رحمه الله تعالى: [ثم الأشرف].

    الأشرف: مأخوذ من الشّرف، والشرف يرجع إلى النسب؛ فإن الإنسان إذا شرُف نسبه فكان من أهل البيوت الشريفة، وفضّله الله عز وجل بنسبه فإنه يُقدَّم، وهذا مذهب بعض العلماء، والصحيح أن النسب لا دخل له في التقديم بالإمامة، ولكن على سبيل الاستحباب، فلو وُجِد من ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وله شرف النسب فإنه يقدم، كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأئمة من قريش)، ففضَّل بالنسب، وقالوا: لأنه لما يكون نسيباً فإن الناس تهابه وتجله وتكرمه، وكل ذلك المراد منه أن تتهيأ الأمور التي تعين على إجلال الإمامة وتشريفها وتشريف من يقوم بها.

    فالصحيح أن الشّرف لا يُقدَّم به، أي: أنه لا يُلزم بالتقديم به كما تقدم في القراءة وفي السنة وفي السِّن، فلو اجتمع عندنا من هو أتقى لله عز وجل، ومن هو أشرف فإننا نقدِّم الأتقى لله عز وجل، قال علي رضي الله عنه لما نزل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] قال: ذهب النسب اليوم. ولكن قوله هذا معناه -كما قال العلماء-: ذهبت المفاخرة بالنسب، لكن لو وجد إنسان عنده دين وصلاح وأعطاه الله شرف النسب فإنه يُقدّم؛ لأن الله جمع له بين الحسنيين، وشرّفه بهاتين الفضيلتين، فهو مقدمٌ على من دونه.

    تقديم الأقدم هجرة والأتقى للإمامة

    قال رحمه الله تعالى: [ثم الأقدم هجرة].

    وهذا ثابتٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله: (فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً) وهذه رواية صحيح مسلم، ومعنى (أقدمهم سِلماً): أي: إسلاماً. ويمكن الآن أن يُنظر إلى التزام الشخص واستقامته وهدايته، فلو كان كِلا الشخصين حافظاً للقرآن عالماً بالسنة، ولكن أحدهما أقدم وأسبق في الالتزام وسنهم سواء؛ فإننا نقدم من نشأ في طاعة الله عز وجل على من هو دونه؛ ولذلك له شرف السَّبق والالتزام بدين الله عز وجل فحملوا عليه رواية الصحيح: (فأقدمهم سِلماً)، وقال صلى الله عليه وسلم: (فإن كانوا في السِّلم سواء فأقدمهم هجرةً) وفي رواية الأشج في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فأقدمهم سناً) بدل (سِلماً)، وعليها حُملت الرواية بتقديم الأسن، ثم بعد السن جاء التفضيل من جهة الهجرة، وكانت الهجرة -ولا زالت- سنة من السنن، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، ولذلك الهجرة باقية، وإذا كان أحدهم أقدمهم هجرة فإنه يقدم لسبقه إلى الإسلام، وابتلائه في ذات الله عز وجل، وصبره على هذا الابتلاء أكثر من غيره، وهذا يدل على أن التقديم كله من جهة الدين، وهذا شرفٌ للإنسان من جهة الدين لا من جهة الدنيا.

    قال رحمه الله تعالى: [ثم الأتقى].

    الأتقى: أي: الأكثر تقوى لله عز وجل، وهذا بلا إشكال؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم أشخاصاً للإمامة ومفاضلته بين المتقدمين يدل على أن الأتقى لله عز وجل مُقدّم؛ فإن الأتقى لله عز وجل ينفع الله بقراءته، وينفع الله بمواعظه، وينفع الله بهديه واستقامته، بخلاف الفاسق الفاجر المتهالك المتهافت، فإنه قد يدعو الناس إلى الرذائل، وقد يستخف الناس بالحرام بسبب وجود هذا الفاجر والعياذ بالله، وقد ترى هذا الفاجر وهو إمام يصلي بالناس يفعل أموراً لا تليق بمثله، فيُشِين الإمامة ويجعل الناس في نفرة من دين الله عز وجل، ولكن الأتقى لله عز وجل على العكس من ذلك؛ فإنه لا يزال الإنسان يتمسك بشريعة الله عز وجل ويلتزم بدين الله حتى يتأثر به من يراه، ويحبه من يسمع قوله ويرى هديه، كما قال سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96] أي: سيجعل الله لهم في القلوب حباً. ولكن بالإيمان والعمل الصالح، فإذا كان الإمام تقياً نقياً يخاف الله عز وجل ورعاً بعيداً عن الحرام فإن هذا أدعى لتأثر الناس به واقتدائهم به.

    العمل بالقرعة عند التنازع على الإمامة

    قال رحمه الله تعالى: [ثم من قرع].

    أي: من أصابته القرعة، فلو كان عندنا جماعة تقدموا للإمامة حفظهم لكتاب الله على حدٍ سواءً، وكلهم عالمٌ بالسنة بمرتبة واحد، وكلهم في سنٍ واحد، والتزامهم واحد، وتقواهم وديانتهم وصلاحهم واحد فإننا حينئذٍ نرجِع إلى التفضيل بالقرعة، والسبب في ذلك أن القرعة تُخرج عند المشاحّة، وقد عمل بها العلماء والأئمة والسلف رحمة الله عليهم، واعتبرها العلماء رحمهم الله حتى في مسائل عديدة مسائل القضاء، فإذا تشاح القوم فإن الناس سيفترقون بسبب أن كل طائفة تريد فلاناً أن يتقدم، فتقع فتنة ويقع شر، ولذلك يُقرع، أي: تُكتب أسماؤهم، ثم بعد ذلك يؤخذ بالقُرعة، فمن خرج اسمه فقد اختارهُ الله عز وجل، فيُقدم على غيره.

    صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره

    قال رحمه الله تعالى: [وساكن البيت وإمام المسجد أحق إلا من ذي سلطان].

    قوله: (وساكن البيت) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يؤمن الرجل في داره، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)، فدل على أن صاحب البيت أحق، وهذا فيه حِكم ذكر العلماء رحمهم الله منها: أولاً: أحقيته بالدار.

    ثانياً: أنه ربما كان يحتاج في ضيافته للناس إلى أن يستعجل، وإذا تقدم الإنسان الذي ليس وراءه مثل هذه الأمور فقد يُجحف برب البيت، فحينئذٍ يقدم للإمامة صاحب الدار، وشرط هذا ألا يكون فيه ما يمنع من إمامته، فإذا كان أهلاً للإمامة قُدِّم، وإلا تقدم من هو أهل على الصفة التي ذكرنا، إلا من ذي سلطان؛ فإن السلطان إمام للإنسان ولو في بيته، كالأمير ونحو ذلك، فإنه يلي أمره ويُقدَّم؛ لأنه ولي أمر الإمامة العامة، فمن باب أولى أن يلي ما دون ذلك، وهذا هو الأصل، وبناءً على ذلك يتقدم عليه، وفيه استثناء حديث السنن، فإذا حضر على بساطه، أو في بيته يتقدم عليه، وقال العلماء: ينبغي لصاحب البيت إذا رأى من هو أعلم وأفقه منه أن يقدمه ويشرِّفه بالإمامة، وهو مثاب على ذلك؛ لأنه من إنزال الناس منازلهم.

    إمام المسجد أحق بالإمامة من غيره

    قال رحمه الله تعالى: [وإمام المسجد أحق إلا من ذي سلطان].

    إمام المسجد هو الذي يسميه العلماء: الإمام الراتب. والإمام الراتب سواءٌ أكان من قبل ولي الأمر كما يحصل الآن، حيث يكون الإنسان مرتبطاً بالإمامة ومعيناً فيها، فهو أحق ويُقدم على غيره، أم كان راتباً لأن أهل الحي أحبُّوه، ورضوا به أن يتقدمهم، فهو إمامٌ راتب، فيُقدم ولا يتقدم عليه أحد إلا بإذنه.

    أما الدليل على تقديمه فإن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث الصحيح- لما تأخر في قُباء ليُصلح بين حيين من بني عوف جاء إلى المسجد وقد تقدم أبو بكر يصلي، فسبّح القوم فلم يلتفت أبو بكر -وكان رضي الله عنه خشوعاً في صلاته مقبلاً-، فلما أكثروا عليه التشويش التفت فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب يتأخر، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك، فتأخر رضي الله عنه وأرضاه. وهذا لمكان أحقية النبي صلى الله عليه وسلم مع النبوة ومع الولاية، وأحقيته كذلك بالإمامة الراتبة ولذلك استنبط العلماء رحمهم الله أنه إذا حضر الإمام الراتب في الركعة الأولى حُقَّ له أن يتقدم، وهذا نص عليه غير واحدٌ من السلف، فلو حضر أثناء إمامة هذا المستخلَف الذي وُضِع من قبل الناس، أو تقدم من نفسه وحضر الإمام الراتب فمن حقه أن يؤخِّره ويتقدم ويُتم بالناس صلاتهم، وهذا مذهب طائفة من العلماء، وتدل عليه السنة.

    وذهب بعض العلماء إلى تخصيص ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لقول أبي بكر: (ما كان لـابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: كان يتأوّل آية الحجرات.

    والصحيح أنه على ظاهره، وإمام الحي إذا حضر فإن إمامة من دونه إنما كانت لضرورة وحاجة، وما أبيح للضرورة والحاجة يبطل بزوالها، فيتأخر ويتقدم الإمام الراتب، وهذا إذا كان في الركعة الأولى، أما إذا كان في أثناء الركعة الثانية والثالثة فمن حقه أن يتقدم، ثم الناس يثبتون بعد تمام صلاتهم، ويُتِم كصلاة الخوف، ولكن نظراً لجهل كثير من الناس وعدم معرفتهم بالسنن وحدوث التشويش، إذ قد يُحدث هذا إرباكاً في المسجد، فحينئذٍ إذا اقتصر الإمام وبقي في آخر القوم فلا حرج، ولكن لو أراد الفضل فله أن يتقدم؛ لأن صلاته بالناس لها فضل، ولا إيثار في الفضل؛ لأنه إذا تأخر فقد آثر غيره بهذا الفضل، ولذلك قالوا: لو رضي أن يتنازل عن هذا فلا حرج.

    وقوله: [إلا من ذي سلطان] هو لمكان الولاية كما قلنا.

    استحباب بعض العلماء لبعض صفات الإمام

    قال رحمه الله تعالى: [وحرٌ وحاضر ومقيم وبصير ومختون ومن له ثياب أولى من ضدهم].

    قوله: [وحر].

    هذه من باب الأفضلية، فالحر يُقدم على العبد والرقيق؛ لأن الرِّق يكون بسبب الكفر، كما هو معلوم أنهم يؤخذون في الجهاد ويُضرب عليهم الرق، فلِمكان النقص الموجود في الرقيق يُقدَّم عليه الحر، فهو أولى، ولكن ليس هناك نص، بل لو كان العبد حافظاً لكتاب الله عز وجل، أو عالماً بالسنة فإنه يُقدم ولو كان مولىً أو عبداً، خلافاً لمن قال: إنه لا يؤُم العبد، وهذا قولٌ ضعيف، والصحيح أن القرآن يُقدِّمه وعلمه يقدمه ولذلك لما سُئِل بعض السلف رحمة الله عليهم عن إمامة العبد قال: سبحان الله! ومن لا يصلّ وراء عكرمة ؟ ثم ذكر غيره ممن كان من الموالي كـنافع وغيره، فمن الذي لا يستطيع أن يصلي وراء هؤلاء الأئمة الأجلاء، فالإسلام وإن كان قد ضرب الرِّق عليهم فإن هذا لا يعني عدم إعطائهم حقوقهم إذا كانوا أهلاً لهذه الإمامة بحفظهم لكتاب الله عز وجل وعلمهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وفقههم في الدين، فإنهم يُقدمون ولو كان فيهم شائبة الرق.

    وقوله: [وحاضر].

    قالوا: يُقدم الحاضر على البادي. والسبب في ذلك غلبة العلم في الحاضر أكثر من البادي، ولكن لو كان من بالبادية أعلم وأفقه فإنَّه يقدم، والصحيح أنه لا تُمنع إمامة البادي إذا كان عالماً أو فقيهاً أو عارفاً بالسنة؛ لأن العبرة في الإمامة بالأوصاف التي ذكرناها، وأما ما ذكره العلماء رحمةُ الله عليهم من هذه الأوصاف فهذه كلها أمورٌ اجتهادية، والنص الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم سلماً، فإن كانوا في السلم سواء فأكبرهم سناً) يدل على التفضيل بهذه الأمور، وأما ما عداها فإنه لم يرد به نص مما اجتهد به العلماء رحمهم الله، كالعبد والحاضر ونحو ذلك، فكل هذا مما لا نص فيه، بل قد تجد غير الحاضر أكثر ديانةً واستقامةً، وأبعد عن المعاصي والفواحش من غيره، وأكثر تمسكاً بالدين، وقد يكون على فطرته التي فيها استقامة في الأخلاق، وكمال في العقل، فالعبرة بالديانة والاستقامة، بغض النظر عن كون هذا حاضراً أو غير حاضر، فهذا كله لا تأثير له مع وجود الدين والاستقامة والعلم بأحكام الصلاة.

    وقوله: [ومقيم].

    قالوا: يُقدم المقيم على المسافر، والسبب في ذلك أن المسافر سيقصر الصلاة، وبناءً على ذلك قالوا: ربما اختلجت على الناس صلاتهم؛ لأنه سيصلي ركعتين في الرباعية، فإذا تقدّم بالناس وصلى بهم فإنهم يظنون أنه وَهِم فربما سبّحوا له، وربما سلّم بعضهم معه؛ لأن الناس بعضهم فيه غفلة فيدخل في الصلاة ولا يعي عدد ما صلّى، فإذا قال الإمام: (السلام عليكم) ظن أنه على الكمال فسلّم معه، ولذلك قالوا: يُقدَّم المقيم على المسافر. وكل ذلك من باب الاجتهاد، ولكن المسافر إذا كان على عِلمٍ، وكان حافظاً لكتاب الله عز وجل، وأحب القوم أن يقدموه فإنه يقدم.

    وقوله: [وبصير].

    قالوا: البصير يقدم على الأعمى. وهذا لا نص فيه، وإنما هو اجتهاد من العلماء رحمة الله عليهم، ولكن قالوا: إن وُجِد من هو أعمى ومن هو بصير، فإن البصير ربما يكون أرفق بالناس. ولكن الحقيقة أن العبرة بالديانة والاستقامة، وأما البصير والأعمى فهما على حدٍ سواء؛ فإنه لا يُفضَّل بينهما إلا بنص من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكم من أَعمى قد كُف بصره ولكن استنارت بصيرته، والعمى عمى القلب، ولذلك إذا جمع الله للإنسان الفقه في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مقدَّم ولو كان كفيف البصر.

    وقوله: [ومختونٌ].

    قالوا: يُقدم على الأقلف وهو غير المختون؛ لأن غير المختون تنحبس النجاسة في الموضع المعروف، ولذلك يكون المختون أكمل طهارة من غير المختون، وهذا ذكره العلماء رحمة الله عليهم من باب الاحتياط للصلاة، وعندهم كلام في إمامة الأقلف، ولكن ليس هناك نص على بطلانها وعدم صحتها، والصحيح أنه يجوز أن يُصلي بالناس، ومثاله: أن يسلم رجلان، ثم أحدهما اختتن، وكلاهما حفظ القرآن، أو حفظا مع بعضهما من كتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فكان علمهم على حدٍ سواء، ولكن أحدهم اختتن والثاني لم يختتن، فقالوا: نقدِّم المختون. وفي مثل هذا يستقيم، فيُقدم المختون على غير المختون؛ لأن هذا تقديم من جهة الدين، والسبب في ذلك أنه التزم بشرع الله أكثر من غير المختون؛ فإنه بادر واختتن، ولذلك يكون هنا التقديم من جهة الدين، ويعتبر زيادة في تقوى الله عز وجل، والتزاماً بحدود الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: [ومن له ثياب].

    لأن شرط صحة الصلاة ستر العورة، فإذا وُجِد العاري وغير العاري فإن الذي يؤم هو الذي قد ستر عورته، ولا يتقدم العاري؛ لأنه إذا تقدم انكشف، وتكون إمامته سبباً في انكشافه ولذلك يتقدم غير العاري على العاري.

    وقوله: [أولى من ضدهم].

    ولا يُشترط أن يكون العري كاملاً، فلو كان أحدهم عنده ثوبٌ كامل، وآخر عنده ثوب يستر العورة، والثاني عنده ثوب إلى نصف العورة فإننا نقدم من كمُل ستر عورته على من هو دونه.

    1.   

    حكم الصلاة خلف الكافر والفاسق

    قال رحمه الله تعالى: [ولا تصح خلف فاسق ككافر].

    بعد أن بين لنا رحمه الله من الذي يُقدم للإمامة ومراتب الأئمة والمفاضلة بينهم شرع رحمه الله في حكم إمامة من لا تصح الصلاة وراءه، فقال رحمه الله: [ولا تصح خلف فاسق ككافر].

    والفاسق: مأخوذٌ من قولهم: فسقت الرُّطبة، أو الثمرة عن قِشرها إذا خرجت، فأصل الفِسق في لغة العرب: الخروج، وسُمِّي الفاسق فاسقاً لأنه خارج عن طاعة الله -والعياذ بالله-، وذلك بعصيانه والتمرد عليه سبحانه وتعالى، والفسق يكون على حالتين:

    الأولى: أن يصل بالإنسان إلى الكفر والعياذ بالله، فإن الكافر يُوصف بكونه فاسقاً لأنه على أعلى درجات الفسق والخروج عن طاعة الله عز وجل.

    الثانية: أن يكون دون حد الكفر، بمعنى أن فِسقه لا يُخرجه من الإسلام، ولذلك تجد في القرآن وصف الكفار بالفسق؛ لأنهم خرجوا عن طاعة الله عز وجل على أكمل ما يكون عليه الخروج.

    فأما إذا كان الإمام كافراً فالصلاة لا تصح وراءه بإجماع العلماء؛ لأن إمامة الكافر لا تجوز، ولا يجوز تقديمه، ومذهب طائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم أنّهم يُلزمون بإعادة الصلاة فلو أن كافراً قُدِّم للصلاة بالناس ولم يعلموا إلا بعد خمس سنوات فإنهم يُلزموا بإعادتها خمس سنوات، ووقع هذا في بعض الأماكن، حيث قدّموا بعض الكفار فصلّوا وراءه أكثر من خمس سنوات، ثم تبين أنه كافر فأعادوا صلاتهم خمس سنوات، وهذا يكون بالترتيب في الفروض على الصفة التي ذكرناها في قضاء الفوائت.

    فلا تجوز إمامة الكافر، ولا يجوز تقديمه، ولا تجوز الصلاة وراءه.

    وبناءً على ذلك قال رحمه الله: [ولا تصح خلف فاسق ككافر].

    والفاسق الذي يرتكب الكبائر أو يصر على الصغائر ضد العدل، فالعدل: الذي لا يرتكب الكبيرة ولا يصر على الصغيرة. كما قيل:

    العدل من يجتنب الكبائر ويتقي في الأغلب الصغائر

    فالذي يرتكب الكبائر ولو كبيرة واحدة، أو يصر على الصغائر ويداوم عليها يُوصف بكونه فاسقاً، فلا تصح الصلاة وراءه، واختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة، فلو أن إنساناً فاسقاً تقدم وصلى بالناس، فهل صلاتهم وراءه صحيحة أو ليست بصحيحة؟ فللعلماء قولان فيها:

    القول الأول: الصلاة وراء الفاسق صحيحة، ما دام أن فِسقه لم يخرجه عن الإسلام، وبه قال جمهور العلماء، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية وبعض أصحاب الإمام أحمد رحمة الله على الجميع.

    القول الثاني: الصلاة وراء الفاسق باطلة لا تصح إمامته، ولا تصح الصلاة وراءه، وهو مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه.

    واستدل الذين قالوا بصحة الصلاة وراء الفاسق بأدلة، أولها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإن أخطأوا فلكم -أي: لكم صلاتكم كاملة- وعليهم) : أي عليهم خطؤهم. فبين أنه لا علاقة للإنسان بفسق الإمام أو صلاحه، فالعبرة بصلاتك، فقال: (يصلون لكم، فإن أصابوا -أي: إن كانوا صالحين- فلكم ولهم -أي: الصلاة على ما هي عليه- وإن أخطئوا -أي: كانوا على خطأ- فلكم -أي: صلاتكم لكم وعليهم خطؤهم-. وهذا الحديث نصٌ واضح في صحة إمامة الفاسق.

    الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا ذرٍ رضي الله عنه أن يصلي مع الجماعة، وقال: (صلها معهم فإنها لك نافلة)، كما في الصحيح، ووجه الدلالة أنه صحّح صلاته وراء الفسّاق، وأثبت كونها نافلة؛ إذ لو كانت باطلة لم تكن نافلة ولا فريضة.

    الدليل الثالث: هدي السلف وإجماع السلف الصالح رحمةُ الله عليهم، فإن ابن عمر وأنس بن مالك رضي الله عن الجميع صليا وراء الحجاج، ومع ذلك لم يحكم أحدهما ببطلان الصلاة وراءه، ولم ينكر عليهما أحد، فدل على أن الصلاة وراء الفاسق صحيحة.

    الدليل الرابع من العقل: قالوا: الفاسق صلاته في نفسه صحيحة، أي: مجزئة لنفسه، فمن باب أولى أن تُجزئ إمامته لغيره.

    وتوضيح ذلك أنهم قالوا للحنابلة: الفاسق لو صلى الظهر وصلى العصر فهل تطالبونه بإعادة الظهر والعصر؟ قالوا: لا. قالوا: ما دام أن صلاته صحيحة في حق نفسه فمن باب أولى أن تصح في حق غيره.

    أما بالنسبة لمن قال بعدم صحة الصلاة وراء الفاسق ففي الحقيقة ليس لهم دليل واضح صحيح صريح يدل على بطلان الصلاة وراء الفاسق.

    ولكن لهم أُصول، منها: أنه إذا تقدم الفاسق وأمّ بالناس فإنه لا يُؤمن أن يحملهم على المحرمات، أو يدعوهم إلى المنكرات، ثم إن هذا فيه انتقاصٌ من مكانة الإمامة، وامتهانٌ لهذه الإمامة التي تقوم عليها أعظم شعائر الدين بعد الشهادتين وهي الصلاة، ولهم في ذلك اجتهادات، لكن الصحيح ما ذهب إليه الجمهور وهو أن الصلاة وراء الفاسق صحيحة، وأن الفاسق له صلاته، فكما أن صلاته صحيحة في حق نفسه فمن باب أولى أن تصح في حق غيره.

    فقوله رحمه الله: [ولا خلف فاسق ككافر] جمع به رحمه الله بين هذه المسائل:

    أولاً: عدم صحة الصلاة وراء الفاسق، وهذا مذهب مرجوح.

    ثانياً: عدم صحة الصلاة وراء الكافر، وهذا يكاد يكون إجماعاً.

    ثالثاً: الدليل في قوله: [خلف فاسق ككافر] قياس.

    1.   

    حكم صلاة الرجال خلف امرأة أو خنثى

    قال رحمه الله تعالى: [ولا امرأة وخنثى للرجال]

    أي: ولا تصح الصلاة وراء امرأةٍ، أي: الرجال أن تكون إمامتهم امرأة، فلا تجوز إمامة المرأة للرجال، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله، لكن شذّ بعض العلماء -ويُنسب الشذوذ إلى الطبري وداود- فقالوا: يجوز أن تؤم المرأة الرجال. وهذا قولٌ شاذ، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة)، وقال في الحديث: (استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، فخير الأمور الصلاة، فإذا لم تصح إمامتها فيما هو دونها، وورد الوعيد فيما دونها فمن باب أولى في الصلاة نفسها، فلا تُقدَّم المرأة للإمامة بالرجال، ولأنها إذا تقدمت بالرجال فَتنت أو فُتِنت، أو اجتمعت الفتنتين، فكانت الإمامة فتنةً لها في نفسها وفتنةً لغيرها، فلا تتقدم المرأة على الرجال.

    قوله: [وخنثى]

    كذلك الخنثى؛ لأن الخنثى محكومٌ بكونه أنثى، ولا يؤم الرجال، وإنما يؤم من هو مثله، أو يؤم من هو دونه وهي المرأة.

    1.   

    الأسئلة

    الفرق بين الإمامة والأذان من حيث الفضل

    السؤال: أيهما أفضل: الإمامة أم الأذان؟

    الجواب: اختلف العلماء رحمهم الله في ذلك:

    فمذهب الجمهور أن الإمامة أفضل، وذلك لأن الإمامة هي المقصد، والأذان وسيلةٌ للإمامة والصلاة جماعة، ولأن الإمامة يُشترط فيها من الفضائل ما لا يشترط في الأذان، ويشترط لصحة الصلاة نفسها ما لا يشترط لصحة الأذان، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أم، وأمّ مِن بعده الخلفاء الراشدون، وكذلك أيضاً لم يُحفظ عنه عليه الصلاة والسلام نصٌ صحيح بتقديم الأذان على الإمامة، ولهذا قالوا بتقديم الإمامة على الأذان.

    القول الثاني: الأذان أفضل. وهو روايةٌ عن الإمام أحمد رحمةُ الله عليه اختارها جمعٌ من أصحابه، وقيل: إنها هي المذهب، فالأذان أفضل من الإمامة. واحتجوا بما أُثر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لولا الخلافة لأذّنت، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)، وهو حديث أبي داود وأحمد في مسنده عن أبي هريرة .

    قالوا: هذا يدل على أن الأذان أفضل من الإمامة، وقال صلى الله عليه وسلم: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا حجرٌ ولا شجرٌ إلا شهد له يوم القيامة)، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أطول الناس أعناقاً يوم القيامة المؤذنون) قالوا: هذا يدل على فضل الأذان، وأنه أفضل من الإمامة.

    والصحيح أن الإمامة أفضل من الأذان؛ لأن الله اختارها لنبيه عليه الصلاة والسلام، ولم يحفظ في حديث واحدٍ أنه تولّى عليه الصلاة والسلام الأذان.

    وأما كونه يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم الدلالة على فضل الأذان فإن هذا لا يدل على أنه أفضل من الإمامة، ألا ترى الصلوات النوافل وردت فيها أحاديث بفضلها، ولم يرد بخصوص صلاة الفرائض كصلاة الفجر والعشاء والمغرب مثل الأحاديث التي وردت في النوافل، ولذلك الإمامة مقدمة من وجوهٍ عديدة، فإن الإنسان إذا نظر إلى ما للإمامة من مسئولية ومن تحمل أعباء أدرك ذلك، ولما فيها من الفضل، كما قال بعض السلف: من صلى بالناس كُتب له أجره. يعني أن الإمام له أجر من يصلي وراءه قلُّوا أو كثروا، وهذا فضل عظيم، مع ما في مواعظهم وتذكيرهم؛ فإن الإمام يذكِّر الناس في الخطب، وفي المواعظ العابرة، وفي المناسبات المقتضية لذلك، وهذا التذكير فيه حياةٌ للقلوب، ودلالةٌ على الخير، وانشراحٌ للصدور، وهداية إلى سبيل الله عز وجل، والله تعالى يقول: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت:33]، فإن (مَنْ): بمعنى (لا)، أي: ولا أحد أحسن قولاً ممن دعا إلى الله. وقد يقول قائل: إن هذه وردت في المؤذن! فنقولك هذا قول مرجوح، وإنما هي عامة.

    وعلى هذا نقول: المؤذن داعٍ إلى شيء معين وهو الصلاة، والإمام الخطيب داعٍ إلى أشياء، بل داعٍ إلى شعائر الإسلام كلها، فإن قلت بتفضيل المؤذن لكونِه يدعو إلى الصلاة فإن الإمام يقوم بها، وإن قلت إنه يدعو فإن الإمام يدعو إلى الصلاة، ويدعو إلى ما هو أعظم وأجل، كدعوته إلى توحيد الله عز وجل، وخطبته في الناس وتذكيره، فالذي يظهر -والعلم عند الله- أن القول بترجيح الإمامةَ أولى وأحرى، وأن الإمامة لها فضلٌ عظيم.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين) دليلٌ لنا لا علينا؛ فإن قوله: (اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين) يدل على فضل الإمام؛ لأنه لعظم مسئوليتها صرف الدعوة إلى أن يعينهم على أدائها حتى يكون أجرهم أكثر، وقال عليه الصلاة والسلام: (واغفر للمؤذنين) فلخفة أعباء الأذان كان الدعاء لهم بما يناسبهم، وقال بعض العلماء: إنما هو دعاءٌ بما يناسب الحال لا علاقة له بالتفضيل، والذي يظهر -والله أعلم- أن تفضيل الإمامة أولى وأحرى، وذلك لما ذكرناه من الوجوه التي بُنِيت على النقل والعقل والقول بتفضيلها، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس. والله تعالى أعلم.

    حالات المأمومين أثناء سهو الإمام

    السؤال: إذا قام الإمام لركعةٍ خامسة فهل المسبوق بركعة يصلى معه الخامسة وهي له رابعة، أم ماذا يفعل؟

    الجواب: إذا قام الإمام لخامسة فحينئذٍ الناس على ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: من منهم تامةٌ صلاته ويعلم بخطأ الإمام، فحينئذٍ يجب عليه أن يبقى في التشهد، ويترك الإمام يُتم الخامسة ويتشهد معه ويسلم، أي: يتشهد ويطيل في الدعاء حتى ينتهي الإمام من الركعة الخامسة الزائدة، فأنت معذور لأن الواجب عليك أربع، والإمام معذور لأنه مأمور إذا شك أن يُتِم الخامسة، وأما المأموم فيبقى على ما هو عليه وصلاته صحيحة.

    القسم الثاني: من يكون غير عالم بزيادة الإمام، فتلزمه متابعة الإمام ولا يجوز له أن يبقى؛ لأنه ملزم بالمتابعة حتى يتيقن أنها الخامسة فيجلس كالطائفة الأولى، وبناءً على ذلك إذا لم تعلم هذه الزيادة، ولم تدرِ هل زاد أم لم يزد. فالأصل أنك تتابع، فتصلي معه، فإن تبيّن أنها خامسة فصلاتك صحيحة؛ لأنك كالإمام لمكان العذر بالسهو.

    القسم الثالث: هم الذين سُبِقوا بأجزاء من الصلاة، أو بكل الصلاة، فهؤلاء يتابعون الإمام ويصلون معه الركعة الخامسة؛ لأنهم مأمورون بالاقتداء بالإمام، والإمام معذورٌ فيما زاد، وبناءً على ذلك: ركعة الإمام صالحةٌ له وصالحةٌ لمن وراءه، فلو أنك علمت أنها زائدة وقد فاتتك ركعة دخلت وراءه وأتممت وسلمت معهم، فتسلم معه لأنه قد تمت لك أربع ركعات، فأنت مأمورٌ بالصلاة أربعاً، ومأمور بمتابعة الإمام، فتابعت الإمام فيما يُشرع لا فيما يُمنع، والطائفة الأولى إنما تعذرت عليها المتابعة لأنها في الممنوع لا في المشروع، والله تعالى أعلم.

    حكم الصلاة في مسجد فيه قبر

    السؤال: ما حكم الصلاة في المسجد الذي به قبر؟

    الجواب: لا تجوز الصلاة في القبور، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى، واتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وقالت أم المؤمنين رضي الله عنها: يحذر مما صنعوا. أي: يُحذِّر أمته أن تصنع كما صنعت اليهود والنصارى. فإن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح يبيِّن لنا أنه لا يجوز اتخاذ القبور مساجد، فلا تجوز الصلاة على قبر، ولا عند قبر، ولا بين القبور، وكذلك لا تجوز الصلاة إلى القبور، كأن تكون جدرانها متصلة بالمساجد.

    وهذا القول قال به جماهير السلف رحمة الله عليهم، وقال جمعٌ منهم بعدم صحةِ الصلاة، وأنها باطلة ولو صلى في المقابر فإن صلاته غير صحيحة.

    ويستثنى من هذا الصلاة على الجنازة في القبر إذا دُفِن وقُبر، فقال بعض السلف بجواز الصلاة على الميت بعد قبره، ثم اختلفوا في المدة فقال بعضهم: في حدود ثلاثة أشهر. وقال آخرون: في حدود ستة أشهر. وقال آخرون: ما لم يبلَ. فهي ثلاثة أقوال للعلماء الذين يقولون بجواز الصلاة على القبر بعد دفنه، وإن كان الأقوى والأولى من ناحية الدليل أن الصلاة على القبر مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما صلّى على المرأة التي كانت تقيم المسجد قال: (إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم)، فهذا يقتضي التخصيص كما يقول الجمهور، حيث قال: (ينورها بصلاتي)، وهذه رواية مسلم، لكن لو أن إنساناً صلّى على قبر يتأول قول من يقول بالجواز فلا حرج.

    فالشاهد أنه لا تجوز الصلاة في المسجد الذي فيه قبر لعدم صحة الصلاة فيه، ولأنه ذريعة إلى الشرك والعياذ بالله؛ فإن الصلاة على القبور أو عند القبور تفضي إلى تعظيمها، وقد حدث الشرك أول ما حدث في قوم نوح بتعظيم الصالحين، وذلك حينما صوّروا صورهم، ثم جاء مِن بعدهم جيل فعبدوهم والعياذ بالله، وكان السبب في عبادتهم تعظيم الأوائل لهم.

    فالصلاة عند القبر تعظيم له، فقد يُعتقد أن هذه البقعة لها فضل ولها مزيَّة، ولذلك إذا فُتح هذا الباب للجهال فإنهم يسترسلون ويقعون في الشرك -والعياذ بالله-، كما هو واقع في بعض الأماكن -نسأل الله السلامة والعافية-؛ فإنه لما بُنِيت المساجد على القبور طافوا واستغاثوا بها، وذبحوا ونذروا لها -نسأل الله السلامة والعافية- حتى إنهم يعظمونها كتعظيمهم لبيت الله الحرام -نسأل الله السلامة والعافية-، بل إن بعضهم لو دُعي إلى تعظيم شيء من هذه الأمور فإنه قد يُعظمها أكثر من البيت، فلو دُعي للحلف عند قبر فلان من الصالحين ودعي للحلف عند الكعبة لربما وجد أن الحلف عند قبر الصالح أشد وأعظم من الحلف عند البيت، وقيل لرجل: أتحلف بالله؟ فحلف بالله أيماناً مغلظة أنه ما فعل. فقيل له: احلف بفلان الصالح؟ قال: لا.

    فأصبح -والعياذ بالله- تعظيمه لهذا أكثر من تعظيمه لله، وهذا بسبب الجهل، وبسبب التساهل في الذرائع التي تُفضي إلى الشرك، فلا تجوز الصلاة في القبور أو عندها أو الصلاة إليها. والله تعالى أعلم.

    حكم من صلى بالناس وهو محدث وعلم ذلك بعد الصلاة

    السؤال: لو صلى الإمام بجماعةٍ وهو محدث، ولم يعلم إلا بعد انتهاء الصلاة، فهل يخبر المأمومين ويُعتبر من واجبات الإمامة بيان هذا الأمر؟

    الجواب: إذا صلى الإمام وهو محدث ثم تبيّن له بعد الصلاة وبعد تمام الصلاة أنه كان محدثاً فصلاة من وراءه صحيحة، ولا يلزمه أن يخبرهم، بل يقتصر على الوضوء إذا كان محدثاً حدثاً أصغر، أو الغسل وإعادة الصلاة إن كان محدثاً حدثاً أكبر، وقد جاء عن عمر رضي الله عنه وأرضاه -كما روى مالك في الموطأ- أنه صلى بالناس الصبح -أي: الفجر- ثم انطلق إلى مزرعةٍ له بالجرف -وهي من ضواحي المدينة- فلما جلس على الساقية -أي: على القنطرة التي فيها الماء- رأى أثر المني على فخِذه، فقال: ما أُراني إلا أجنبت وصليت وما اغتسلت. وهذا بعد طلوع الشمس، ثم اغتسل رضي الله عنه، وفي رواية قال: إنا لما أصبنا الودك لانت العروق. اغتسل رضي الله عنه وصلى، ولم يأمر الناس بالإعادة.

    قالوا: وهذا القول هو قول جمهور العلماء رحمةُ الله عليهم، وله أصل في حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في صحيح البخاري : (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) أي: لكم صلاتكم صحيحة وعليهم خطؤهم. ولكن لا يجوز للإمام أن يتقدم بالناس وهو مُحدِث، ولا يجوز للمأموم أن يأتم به إذا علم حَدَثَه، أو رأى عليه نجاسة، فإنك إذا رأيت حدثه وعلمت كونه مُحدِثاً، أو رأيت الإمام وقد دخل وقضى حاجته وانتقض وضوؤه، أو سمعت منه ما يُوجب انتقاض وضوئه، ثم رأيت منه الذهول والنسيان، فتقدم بالناس وصلَّى فلا يجوز لك أن تأتم به، وإن ائتممت به فذهب طائفة من العلماء إلى أن الصلاة باطلة ولا تصح.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3038269177

    عدد مرات الحفظ

    728599770