إسلام ويب

شرح زاد المستقنع المقدمة [1]للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العلم فضله عظيم، وما رفع الله العلماء إلا لفضل هذا العلم، وهذا العلم هو ميراث الأنبياء عليهم السلام، فما شرح الله صدر عبد يطلب العلم إلا أراد به خيراً، وأهل العلم هم أهل خشية الله سبحانه وتعالى؛ وكما قيل: أصل العلم خشية الله، والعلم له حقوق ينبغي القيام بها عند طلب العلم، فأول هذه الحقوق وأعظمها هو الإخلاص لله في طلب العلم، وكذلك النصيحة والمجاهدة.. وغيرها من الحقوق التي ينبغي القيام بها عند طلب العلم.

    1.   

    نعمة العلم وفضله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، من أراد به خيراً فقهه في الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، أما بعد:

    فالحمد لله الذي أكرمنا بأن تغبرت الخطا في طاعته ومحبته ومرضاته، وهنيئاً لطلاب العلم يوم خرجوا من البيوت إلى حَلْقة من حلق العلم، وروضة من رياض الجنة، أسأل الله العظيم أن يكتب لنا ولهم أجر الخطا، وأن يوجب لنا ولهم بها من لدنه الحب والرضا.

    أيها الأحبة في الله: إن الله تعالى إذا أراد بالعبد خيراً شرح صدره للعلم، وشرح صدره لكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل ذلك الصدر والقلب بمثابة الحِواء والوعاء لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

    إنها نعمة العلم التي شرح الله بها صدور العلماء، فرفع لهم بها القدر، وأعظم لهم البهاء، فعظم بها عند الله قدرهم، وانشرحت لها قلوبهم، وعظم في الدين بلاؤهم.

    إن العلم نعمة من نعم الله عز وجل، جعلها الله تبارك وتعالى من مواريث النبوة، يوم يصبح الإنسان إماماً من أئمة المسلمين، يؤتمن على أحكام الشريعة والدين، يوم تتلهف القلوب وتشتاق الأسماع إلى معرفة حكم الله من حلال وحرام، وما يكون من الشريعة والأحكام، فيبينها ذلك اللسان الصادق، والعبد الموفق المحقق، فما أجلها من نعمة وما أعظمها من منّة، نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من أهلها.

    ولذلك أجمع العلماء على أنه لا ينشرح صدر عبد للعلم إلا أراد الله به خيراً، وقد شهد الله تعالى لأهل هذه النعمة العظيمة أنهم أهل الدرجات، وقرن درجاتهم بدرجات أهل الإيمان، الذي هو أعز شيء وأسمى شيء وأكمل شيء، وشهد الله تبارك وتعالى أن أهل العلم هم أهل خشيته، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: أصل العلم خشية الله.

    1.   

    حقوق العلم على أهله

    إذا كانت نعمة العلم عظيمة، ومنة الله بها على العبد جليلة كريمة، فإنه ينبغي لكل طالب علم أن يقف قبل العلم وقفات يتدبر فيها ويتأمل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في حقوق هذا العلم، فقد أخبر الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن للعلم حقوقاً، ومن هذه الحقوق:

    أولاً: الإخلاص:

    فمن أعظم هذه الحقوق وأجلها: حق الإخلاص الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من فاته فقد فاته حق العلم كله، بل أخبر أن علمه حينها وبالٌ عليه، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لينال به عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من تعلم العلم ليماري به السفهاء، وليجادل به العلماء، فليتبوأ مقعده من النار).

    وأخبر صلوات الله وسلامه عليه أن أول خلق الله الذين تسعر بهم نار جهنم من أراد بعلمه غير وجه الله جل جلاله، ذلك القلب المفتون الذي اتجه إلى هذه الدنيا الفانية، فآثرها على الآخرة الباقية، فأصبح حظه من العلم أن ينال السمعة والرياء، فيقف بين يدي الله جل وعلا ليقول له: (عبدي! ألم تكن جاهلاً فعلمتك؟ قال: بلى، ألم تكن وضيعاً فرفعتك؟ قال: بلى، قال: فما عملت لي؟ قال: تعلمت فيك، وعلّمت من أجلك، فقال الله له: كذبت، وقالت الملائكة له: كذبت)، نعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم أن يجعلنا ذلك الرجل.

    فما أعظمها من ساعة رهيبة لو وقف العبد أمام الأولين والآخرين، فقال الله على رءوسهم: كذبت، نعوذ بالله من ذلك المقام.

    وما أشرف ذلك المقام لمن أخلص لوجه الله، فوقف في ذلك الموقف العظيم فقال: (تعلمت لوجهك، وعلمت من أجلك، فقال الله له: صدقت، وقالت الملائكة له: صدقت).

    فحق العلم الأول: أن يخرج الطالب من بيته وليس في قلبه إلا الله، وأن يخرج إلى حلق العلم وهو يرجو ما عند الله، فإنك إن أردت وجه الله بارك الله لك في العلم، وحفظك الله بهذا العلم، ولا زال العلم يأخذ بيدك حتى يقودك إلى الجنة.

    العلم الخالص لوجه الله قربة، والعلم الخالص لوجه الله يوجب من الله الرضا والمحبة.

    فيا أيها الأحبة في الله: على طالب العلم ألا يخرج إلى حلق العلم إلا وهو يريد وجه الله والدار الآخرة، ليشتري رحمة الله بخطواته، ويشتري رحمة الله بمجالسه وإنصاته وكتابته، فتكتب في دواوينه تلك الحسنات، فرجله تمشي في طاعة الله، ويده تكتب في مرضاة الله، وعينه ترى كتب العلم في مرضاة الله، وسمعه يسمع ما أمر الله تعالى به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم في طاعة الله، وذهنه وقاد مشتغل بتلك الآيات الكريمات، وتلك الأحكام الجليلة العظيمة، وكل ذلك في طاعة الله ومرضاته، إذا أخلص لوجه الله جل جلاله.

    فلا نخرج لطلب العلم إلا ونحن نريد ما عند الله عز وجل، ولذلك قال بعض العلماء: من تعلم العلم لغير الله مكر الله به، فينبغي لطالب العلم أن ينـزه قلبه من حظوظ الدنيا؛ فإن من طلب العلم للسمعة سمّع الله به، ومن طلبه للرياء راءى الله به، فعلى العبد أن يتقي ربه، وليحرص كل الحرص على الإخلاص، وهذا الحق كان العلماء كثيراً ما يذكرون به.

    وقال بعض مشايخنا رحمة الله عليه: الإخلاص يُحتاج أن يذكر به طلاب العلم في كل مجلس من مجالس العلم، ولو أن كل مجلس من مجالس العلم استفتحه العالم بالكلام على الإخلاص لكان ذلك خليقاً به وليس بكثير.

    فالإخلاص هو الفرق بين العبد المطيع الذي أراد وجه الله عز وجل والدار الآخرة، ومن أراد ما عند عباد الله من حظ السمعة والرياء.

    ثانياً: التضحية والمجاهدة:

    والوقفة الثانية أيها الأحبة في الله تعالى: أن هذا العلم يحتاج إلى تضحية وجهاد، ولا ينال إلا بالتعب والنصب، فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يهيئ من نفسه الهمة الصادقة في طلب العلم؛ فإن في العلم سآمة ومللاً، وتضحية بالأوقات والأعمار، وتضحية بالمال والنفس، وبالجَهد والجُهد.

    فإذا أخلص طالب العلم لله عز وجل، فليتبع إخلاصه بالصبر والتحمل، حتى يبلغ من هذا العلم أعلى المراتب، وكلما ضحى الإنسان نال أعالي الدرجات عند الله عز وجل، وانظر في سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم، وكيف أن الله فاضل بين علمائهم، فجعل لبعضهم من الدرجات ما لم يجعل لبعض، وصدق الله إذ يقول: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76].

    فينبغي على الإنسان أن يجتهد وأن يجد في تحصيل هذا العلم، حتى قال بعض العلماء: (أعط العلم كلك يعطك بعضه) فكيف إذا أعطى الإنسان العلم بعضه؟!

    فينبغي على الإنسان أن يجتهد في تحصيل هذا العلم، وأن يجد، وتكتحل عيناه بالسهر، وأن يضنى جسمه من التعب والنصب، لعلمه أن الله يسمعه ويراه، ولعلمه أن كل تعب ونصب يبذله فإن الله يحب ذلك التعب والنصب.

    وإن أفضل ما أنفقت فيه الأعمار، وأفضل ما قضي فيه الليل والنهار طاعة الله جل وعلا بالعلم.

    فهذا العلم الذي تقاد به الأمم، والذي تتبدد به دياجير الظلم، وتنشرح به الصدور، وتخرج به الأمة من الظلمات إلى النور، يحتاج صاحبه أن يجد ويجتهد، وكلما قرأت في سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم من العلماء العاملين الربانيين وجدت الهمة العالية والتعب والنصب من أبرز ما يكون في تراجمهم.

    يتغرب أحدهم من أجل العلم، فتهون عليه الأموال والأولاد والأوطان، كل ذلك لكي يسمع حديثاً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا سمعه رفع الله درجته وأعلى مقامه، وكل آية تسمعها وتتعلم حكمها وتفهمه وتعمل به، فإن الله يرفعك بها درجات، وكل حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلمته وعملت به وعلّمته يرفعك الله به درجات، فاستقل من ذلك الخير أو استكثر.

    ثالثاً: الأخوة والرفقة:

    والوقفة الثالثة التي ينبغي أن يتواصى بها طلاب العلم:

    المحبة، والتعاون، والتكاتف، والتعاطف لبلوغ هذه الغاية الكريمة؛ إذ يحتاج الطالب دائماً إلى الأخ الصادق الذي يشد من أزره في طاعة الله جل وعلا، ويحتاج إلى من يذاكره العلم، ومن يعينه على تفهم المسائل والأحكام واستذكارها واستحضارها.

    فينبغي على طالب العلم أن ينظر في إخوانه وخلانه، فمن وجده صادق العزيمة، تلوح من أعماله وأقواله أمارات الإخلاص فليقربه إليه، وليحبه في الله ولله، وليجتهد معه في بلوغ هذه الغاية الموجبة لرضى الله جل وعلا.

    ولذلك قال الله عن نبيه موسى صلوات الله وسلامه عليه: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا [طه:29-34].

    فما أجلها من نعمة حين يقيض الله لك عبداً صالحاً، فإذا كنت على طاعة ثبتك، وإذا كنت على غيرها دعاك للإقلاع عنها.

    فينبغي علينا أن نحرص على طلب الإخوة في طلب العلم، وكثير من طلاب العلم يضيعون هذا الأمر العظيم الذي يكمل به طالب العلم نقصه، فطالب العلم لا يستطيع أن يعيش وحده، ولا يمكن أن يحصل هذا العلم على أتم الوجوه وأكملها إلا بأخ صادق يعينه على استحضار المسائل، وكذلك على حل المشاكل، ومعرفة ما كان في حلق العلم، ويحاول الإنسان أن يتناقش معه مناقشة تدل على المودة والمحبة، ولذلك قالوا في العلم:

    واعلم بأن العلم بالمذاكرة والدرس والفكرة والمناظرة

    فيحتاج العلم إلى مذاكرته مع الأخ الصادق.

    رابعاً: محبة العلماء:

    والوصية الأخيرة في حقوق العلم التي أحب أن أوصي بها: أنه ينبغي على طالب العلم أن يكون حريصاً على محبة العلماء، فإن من مفاتيح العلم محبة العلماء، ومن فقد محبة العلماء والقرب منهم، فإنه قد حرم خيراً كثيراً من العلم، فحبهم قربة، والدنو منهم قربة، وكذلك اعتقاد فضلهم ونشر علمهم وفتاويهم قربة من الله جل وعلا، وكان السلف يوصون طالب العلم بالحرص على القرب من الشيخ وحفظ علمه، ونشر فتاواه، والدعاء له بظهر الغيب.

    فينبغي على طالب العلم أن يحرص على هذه المرتبة التي تقربه من الله جل وعلا.

    فحب العلماء الغالب فيه أن يكون خالصاً لوجه الله عز وجل، فمن أحبهم أحبهم لدين الله الذي في صدورهم، فقد جعلهم الله عز وجل أمناء على وحيه، هداة مهتدين إلى طاعته وسبيله ومرضاته، فحبهم طاعة وقربة، والجفوة التي بين طلاب العلم وبين العلماء لا تليق، ولذلك كانوا يثنون على كثيرٍ من السلف بحبهم للعلماء، وقل أن تجد عالماً نفع الله بعلمه إلا وجدته آية في حب عالمه، والقرب منه والاستفادة منه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم في ذلك الحظ الأوفر والمقام الأكبر رضوان الله عليهم، فقد كانوا أقرب الناس للنبي صلى الله عليه وسلم.

    فقد قال سهيل حينما وصف النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: (والله ما كلمهم إلا أطرقت رءوسهم حتى يقضي حديثه، ولا تنخم نخامة إلا سقطت في كف أحدهم فدلك بها وجهه)، وهذا من خصوصياته عليه الصلاة والسلام؛ ولا يليق بغيره كائناً من كان، فكان الصحابة أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما في كلام قريب من هذا الكلام: (إذا رأيت العالم بالسنة العامل بها، فإن النظر إليه عبادة وقربة)، فالعلماء حبهم والقرب منهم طاعة، وهم الأدلاء على الخير الأمناء على الطاعة والبر، وما رقت القلوب إلا بالقرب منهم، ولا أنس المستوحشون إلا بحبهم والدنو منهم.

    فينبغي على من وفقه الله للخير أن يحرص على حب العلماء، وأئمة الإسلام أمواتهم وأحيائهم.

    نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل لنا ولكم من ذلك أوفر حظ ونصيب.

    1.   

    نصائح وإرشادات لطالب العلم

    أولاً: عدم الاستعجال في طلب العلم:

    ينبغي على طالب العلم ألا يستعجل في طلب العلم، فبعض طلاب العلم يقول: لو استمرينا في قراءة متن على طريقة ما بالبسط والشرح فقد نمكث سنوات، ونحن نريد في أقرب فرصة أن ننتهي من هذا العلم، وهذا الكلام يعتبر من آفات العلم في هذا الزمان، فقد كان السلف الصالح رحمة الله عليهم يعتنون بطول الزمان في طلب العلم، فكلما طال زمان طالب العلم كلما أحبه الله، وهيأه لمرتبة عظيمة في الإسلام، وكلما استعجل طالب العلم فظهر للناس ظهر على قصور، وحب الانتهاء من العلم بداراً يدل على وجود الفتنة في قلب صاحبه، وأنه يحب الظهور للناس.

    فينبغي على الإنسان أن لا يستعجل وأن يتريث، فقد تفقه علماء الإسلام على أئمة سنوات عظيمة؛ فقد تفقه عبد الله بن وهب -وهو إمام من أئمة الحديث والفقه- على يدي الإمام مالك رحمه الله تعالى أكثر من عشرين سنة، وكان سواده لا يفارق سواد الإمام مالك رحمة الله عليه.

    وكانوا يلازمون العالم يسمعون ما يقول، ويعملون بما يأمر به، ثم لا يمكن أن يفوتهم مجلس من مجالس العلم، ولا يمكن أن تفوتهم فتوى، حتى إن بعض أئمة الإسلام -وهذا من الأمر العجيب الذي يدل على حرص السلف وطول الصحبة- كان الرجل منهم أو الصاحب للعالم يقول: حضرته عند بئر كذا، وقد سئل عن مسألة كذا وكذا في الطلاق أو البيع، فهذا يدل على أنهم كانوا يلازمون العلماء ملازمة تامة.

    وذكر عن الإمام مالك رحمة الله عليه أنه لما قرئ عليه الموطأ فيما يقرب من عام قال: (كتاب ألفته في أكثر من عشرين سنة، تقرؤونه في عام! ما أقل ما تفقهون) أي: ما أقل ما يكون لكم من الفقه.

    فإياك أن تقول في البداية: لا أستطيع أن أداوم على ذلك المجلس؛ لأن الزمان يطول، فالهدف أن تعمر الأوقات في طاعة الله، والشرف أن تتشرف الآذان بسماع كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فلذلك لا ينبغي الاستعجال في تحصيل هذا العلم، وأنبه على هذا الأمر؛ لأن الحلق في العلم كثيرة، فيستعجل كثير من طلابها، وقد ينقطع عنها الناس بسبب الاستعجال في وصول أو بلوغ النهاية في العلم، فلا يزال الإنسان في طاعة ما صبر على طلبه.

    فينبغي على طالب العلم الموفق أن يجعل نصب عينيه لحده حتى ينتهي من العلم.

    وأذكر علماء أجلاء ومشايخ فضلاء كانوا مع علمهم وجلالة قدرهم يجلسون في مجالس بعض المشايخ كأنهم أطفال لا يفقهون شيئاً.

    فطالب العلم الذي يريد مرضاة الله عز وجل يصبر، ويطول زمانه في طلب العلم وصحبة العلم.

    ولذلك أقول: خيرٌ لنا أن نتقن هذا العلم المبارك، وأن نقرأ مسائله بتفصيل وبيان مع ضبط ولو طال الزمان، وذلك خير من أن يكون على سبيل العجالة، ونسأل الله العظيم أن يرزقنا الصبر، وأن يرزقنا التحمل لذلك.

    ثانياً: تحضير الدروس:

    ينبغي على طالب العلم أن يقرأ الدرس ولو مرة واحدة على الأقل، وأكمل ما يكون من التحضير الصورة التالية:

    أن يقرأ المتن أو الباب الذي يريد أن يشرحه ثلاث مرات، ويقرأه مع إدمان نظر، ثم يأخذ أبسط الشروح وأخصرها، ويمر عليه مرة واحدة، ويحاول أن يكون عنده تصور ولو أبتداءً للذي قاله المصنف، ثم بعد ذلك يحضر في حلقة علم، ثم يرجع ويقرأه المرة والمرتين.

    وفي الخاتمة أن يدون ما علق بذهنه كتابةً، فبعد أن يقرأ ثلاث مرات ويحضر الدرس ويعلق يقرأ الدرس مرة أخرى أو مرتين، وكلما أكثر كلما ضبط، ثم بعد ذلك يكتب شرحاً مختصراً من إملائه، ثم يرفع هذا الشرح ويستذكر به دائماً، وحبذا لو أنه بعد انتهائه من هذا الشرح المبسط يعرضه على عالم يستبين فيه صحة ما كتبه ودونه.

    1.   

    أنواع العلوم

    علم العقيدة والتوحيد

    أيها الأحبة في الله! إن العلوم والفنون مختلفة، أجلها وأعظمها ما قرب إلى الله وزاد العبد معرفة بالله سبحانه وتعالى، ألا وهو علم العقيدة والتوحيد، فهو أشرف العلوم، وأنبلها وأسماها وأزكاها، وثغرة العقيدة أعلى الثغور مقاماً، وأعظمها قربة عند الله عز وجل، وأفضلها مراماً، فالإنسان إذا ضبط علوم العقيدة، وأتقن فنونها، فكفى الأمة شئونها، فإن بلاءه يعظم، وأجره يتم ويكمل.

    والسبب في ذلك: أن من حفظ هذا العلم فقد حفظ للأمة أهم شيء في دينها، وهو علم الإيمان الذي من أجله خلق الله الخلق، ومن أجله أوجد الحياة والرزق، فعلم العقيدة أشرف العلوم وأجلها وأحبها إلى الله جل وعلا.

    علم الحلال والحرام

    ثم يلي علم العقيدة علم الأحكام الشرعية، وهو علم الحلال والحرام، الذي يستطيع العبد أن يعبد الله به على بصيرة، ويكون بذلك على نهج الأنبياء والمرسلين، كما قال الله تبارك وتعالى في كتابه المبين: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108].

    فعلم الحلال والحرام علم مهم جداً، ذلك أن الله عز وجل أحل حلالاً وحرم حراماً، فإذا علم العبد حلال الله، وعلم حرام الله، أمكنه أن يطيع الله فيحل ما أحل، ويحرم ما حرم، فإذا لم يكن على علم بالحلال والحرام، فلا يؤمن منه أن يقع فيما حرم الله عليه، ولذلك قال بعض العلماء: (إن العبد قد يشيب عارضه، ولم تقبل له صلاة واحدة)، والسبب في ذلك:

    إما أن يكون جاهلاً بأحكام الطهارة، فيصلي والنجاسة قد أصابته.

    وإما أن يكون جاهلاً بأحكام الوضوء، فيصلي ووضوءه غير صحيح.

    وإما أن يكون جاهلاً بأحكام الغسل، فيصلي وغسله غير معتبر فلا تصح له صلاة.

    وقد يقوم في صلاته وعبادته بين يدي الله ربه، فيضيع للصلاة أركانها وشروطها وأحكامها، فيوجب ذلك حبوط عمله ورده -والعياذ بالله- عليه.

    وكما أن العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج تحتاج إلى فقه وعلم، فكذلك المعاملات؛ من البيع والإجارة والشركة والقراض والهبة وغيرها من المعاملات تحتاج إلى علم.

    وقد يكون المرء كأحسن ما أنت راءٍ من استقامة، وحب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنه يمسي ويصبح وقد أكل الربا -والعياذ بالله- لجهله بأحكام المعاملات.

    فينبغي على المؤمن الموفق أن يعلم ما الذي أحل الله وما الذي حرم الله.

    وأول ما يكون من الخير له أن يسلم له دينه، ويلقى الله يوم يلقاه وقد حفظ أعز شيء في دنياه، وهو دينه، فتلقى الله يوم تلقاه وقد أديت الصلاة على وجهها، وأديت الزكاة من حقها، وأديت الصيام والحج وسائر العبادات على وجهها، ثم تلقى الله ولا يسألك مسلم حقاً في معاملة؛ لأنك تعامل الناس على بصيرة ومعرفة وإلمام وعلم.

    فأول ما يكون من الخير لمن فقه في دين الله وعلم الحلال والحرام أن يسلم له دينه، قال بعض العلماء: وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فعلم الحلال والحرام يسلم به دين العبد.

    ومما يكون له من الخير بعد ذلك أنه بعد علمه بالحلال والحرام يعظم نفعه للناس، فكم من أناس ينتظرون من يعلمهم أحكام صلاتهم، ومن يبين لهم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء، وهديه في الغسل، وهديه في الصلاة صلوات الله وسلامه عليه، وهديه في الصيام، وهديه في الحج، وسائر العبادات.

    ألا تعلم أنك لو علّمت إنساناً وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فما أصابت قطرة ماء جسده من ذلك الوضوء إلا أجرت عليه.

    ولو علمت إنساناً غسله من الجنابة فما غَسَّل واغتسل في ليل ولا نهار إلا أجرت على غسله.

    ولا علمت إنساناً كيف يصلي كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يصوم كصيامه، وكيف يقوم كقيامه، وانتصبت له قدم بين يدي الله، فأدى ذلك على الوجه الذي علمته إلا كنت له شريكاً في ذلك الأجر، ولا علّم غيره تلك السنة ولا دعا إليها إلا كان في ميزان حسناتك من الأجور الشيء الكثير.

    قال صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له أجره، وأجر من عمل به إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئ).

    فعلم الحلال والحرام علم شريف، ومقام جليل منيف، يوم تصبح إماماً من أئمة المسلمين، فيأتيك الجاهل لكي تنقذه بإذن الله من جهله.

    ويأتيك الرجل في جوف الليل، وقد قال لامرأته كلمة من الطلاق، ولا يدري أهي حلال فيبيت معها، أم هي حرام عليه فيتركها.

    ويأتيك المرء وهو لا يدري أهذا المال حلالٌ له أم حرام عليه.

    وتأتيك الناس من كل حدب وصوب، بقلوب مليئة بالشوق لكي تعلم حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في النوازل، وحلها ودفع ما يكون فيها من معضلات ومشاكل.

    فعلم الحلال والحرام ثغر من ثغور الإسلام، ينتظر شباب المسلمين وشيبهم، وينتظر أولئك الأخيار الذين يحتسبون الأجر، ويريدون مرضاة الله عز وجل، أولئك الذين يشرون مرضاة الله بتعلم هذا العلم وكفايته، ولا زالت الأمة بحاجة، فكم من بدع انتشرت، وكم من مسائل أشكلت، وكم من معضلات نزلت لم تجد لها حلاً، وقل أن ترى عينك أو تسمع أذنك فقيهاً يضبط أحكامها، أو يحسن سد ثغورها.

    فالله الله يا شباب الإسلام، والله الله يا أبناء الإسلام أن تحتسبوا في هذا الثغر العظيم، وأن يهيئ الإنسان نفسه لمعرفة هذا الباب العظيم.

    ولا يقل الإنسان: من أنا حتى أكون فقيهاً من فقهاء الأمة، ومن أنا حتى أكون عالماً؟ فإن الله تعالى يقول في كتابه: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:54]، فالله له فضل وله منن، وما أخرج العبد من ظلمات المعاصي، ولا شرح صدره فقام بين يديه راكعاً ساجداً إلا وهو يريد به خيراً.

    فإذا علم الله من قلبك حب هذا العلم، وأنك تريد أن تسد عن الأمة هذا الثغر العظيم وهو علم الحلال والحرام، وتبين لهم الشريعة والأحكام، فإن الله يوفقك، ولا يزال معك من الله ظهير ونصير ما دام همك أن تكفي المسلمين هذا الثغر العظيم، فاحتسب العلم عند الله.

    ولو جلست في مجلس علم ولم تخرج منه إلا بحكم واحد شرعي، فليأتين عليك يوم تبلي بهذا الحكم بلاءً عظيماً.

    فكم من المسائل حضرناها في مجالس العلماء، والله ما كنا ولا كان يخطر لنا على بال أننا في يوم من الأيام نحتاج إلى هذه المسألة، فوقعت نوازل ومشاكل ومعضلات حلت بتلك المسائل بفضل الله عز وجل، فاحتسب العلم عند الله.

    وكل مجلس يجلسه الإنسان يتعلم فيه كيف يصلي، وكيف يزكي، وكيف يصوم فهو منتفع فيه بنفسه نافع لغيره.

    فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين، وأن يجعل هذا الفقه موجباً لحب الله ورضوان الله علينا وعليكم.

    1.   

    زاد المستقنع ومنهجية الشرح

    كتاب (زاد المستقنع) يعتبر متناً من متون الفقه، ومن عادة أئمة الفقه أنهم إذا ألفوا في الفقه فإنهم يجعلون تآليفهم على مراتب:

    المرتبة الأولى: مرتبة المتون.

    المرتبة الثانية: مرتبة الشروح.

    المرتبة الثالثة: مرتبة الحواشي.

    وهذا الكتاب من المرتبة الأولى، فهو متن من متون الفقه، والمتن من عادة العالم أن يصوغ فيه فقه الدين بأقل عبارة ممكنة، سواءٌ أكان ذلك المتن من الشعر أم من النثر، ويحرص على أن يجعل الفقه بين يديك بأخصر وأقصر عبارة.

    ولذلك يحتاج هذا الكتاب إلى أن نشرحه ونبين إجماله، ونفصل ما فيه من الأحكام، سائلين المولى جل وعلا أن يلهمنا التوفيق والسداد، وأن يجعل ما يكون من القول والعمل خالصاً لوجهه الكريم.

    وهذا المتن متعلق بمذهب معين، وليس مقصودنا أن ندرس مذهباً معيناً، وإنما المقصود أن نعرف حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فسندرس هذا المتن بالدليل، ولذلك سنبين معنى عبارته، ثم بعد ذلك نذكر موقف العلماء من المسألة التي يذكرها المصنف هل هي إجماعية أو خلافية، وإذا كانت خلافية فهل القول الراجح ما اختاره، أو ما اختاره غيره.

    ولذلك أفضل ما يكون في دراسة الفقه دراسته بالدليل؛ لأن الله تعبدنا بالدليل، فلابد للمسلم إذا قال: هذا حلال، أو: هذا حرام، أن تكون عنده الحجة والدليل، كما قال تعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111]، وقال تعالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148]، فالعلم هو الدليل والحجة الواضحة.

    فسنذكر إن شاء الله تعالى أحكام هذا المتن ومسائله ونبينها بدليلها، وإذا كانت مسائل خلافية فسأعتني بإذن الله ببيان أقوال العلماء وأدلتهم، والراجح من تلك الأقوال والأدلة.

    1.   

    تقسيم الفقه ووجه تقديم فقه العبادات على فقه المعاملات

    وهنا أمر أحب أن أنبه عليه في قراءة الفقه، فالفقه ينقسم إلى قسمين: فقه العبادات، وفقه المعاملات.

    والسبب في هذا التقسيم: أن الله عز وجل شرع الشرائع وبين الأحكام، وكانت هذه الشرائع والأحكام منها ما يتعلق بالعبادة من صلاة وزكاة وصيام وحج، ومنها ما يتعلق بمعاملة الناس بعضهم لبعض من بيع وشراء، وإجارة وهبة وشركة، ونحو ذلك.

    فأما ما يتعلق بما بين العبد وربه، فاصطلح العلماء على تسميته بالعبادات، وما يكون فيه التعامل مع الناس اصطلحوا على تسميته بالمعاملات، فعندنا في الفقه مادتان:

    المادة الأولى: تتعلق بالعبادات.

    والمادة الثانية: تتعلق بالمعاملات.

    أما التي تتعلق بالعبادات، فمنها ما يتعلق بالعبادة البدنية المحضة، كالصلاة والصيام.

    ومنها ما يتعلق بالعبادة المالية كالزكاة.

    ومنها ما يتعلق بالعبادة المشتركة بين البدن والمال كالحج.

    وأما المعاملات فهناك معاملات تتعلق بالمال، وهناك معاملات تتعلق بالنكاح والزواج، وهناك معاملات تتعلق بالجناية والاعتداء على المال، أو على العرض، أو على النفس والأطراف.

    وهناك معاملات تتعلق بكيفية الفصل بين الناس من القضاء والشهادات والإقرار ونحو ذلك.

    فالمعاملات تنقسم إلى هذه الأقسام المشهورة: المعاملات المالية، والمعاملات الزوجية التي تتعلق بالنكاح وما يتبع النكاح من حل العصمة بطلاق أو خلع، أو يكون موجباً لحصول أثر مترتب على ذلك كالرجعة ونفقة الرجعة، وغير ذلك.

    وهناك معاملات تتعلق بجنابة الناس بعضهم على بعض، وجناية الإنسان على نفسه -والعياذ بالله- كالجناية على العقل، وهذا يتعلق بحد المسكر، وباب المسكرات والأشربة.

    وكذلك الجناية على أعراض الناس مما يتعلق به حد الزنا، والجناية على أموالهم مما يتعلق به حد السرقة، وغير ذلك من الحدود كالجناية على النفس بالقتل، والجناية على الأطراف، وما يوجب ذلك من قصاص وديات ونحو ذلك.

    وهناك معاملات تتعلق بفصل الخصومات والنـزاعات وهو باب القضاء، وما يتبع ذلك من آداب مجلس القاضي، وكيفية الفصل وسماع حجج المختصمين، وكذلك الترجيح بين هذه الحجج إذا تعارضت، إلى غير ذلك من المعاملات المتعلقة بباب القضاء.

    والعلماء كلهم متفقون على تقديم فقه العبادات على فقه المعاملات، بمعنى أنهم يبدؤون بالصلاة والزكاة والصيام والحج قبل ابتدائتهم بالبيع والنكاح وغيرها من المعاملات.

    والسبب في ذلك: أن الله عز وجل بين في كتابه أنه ما خلق الخلق إلا لعبادته، فلما كانت العبادات المحضة هي المقصود من خلق الناس من صلاة وزكاة ونحو ذلك، كانت العناية بها آكد، وتقديمها أوجب.

    أما المعاملات فإنها لا تقع عبادة إلا بقصد القربة، فلو أن إنساناً باع أو اشترى، فإن العبادة في بيعه وشرائه لا تحصل إلا إذا قصد القربة، وإلا هي في الأصل معاملة دنيوية تتعلق بحياة الإنسان ودنياه.

    وبناءً على ذلك، قدم المقصود الأصلي وهو العبادة على ما هو تبعٌ له وهو باب المعاملات، فأجمع الفقهاء والمحدثون على تقديم أبواب العبادات على أبواب المعاملات.

    ولذلك سنشرع إن شاء الله تعالى في فقه العبادات أولاً ثم نتبعه بفقه المعاملات، ونسأل الله العظيم أن يلهمنا الصواب، وأن يجنبنا الزلل في القول والعمل، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم أخذ المال على تدريس العلوم الشرعية

    السؤال: نحن نُدرّس العلوم الشرعية، ونأخذ على ذلك رواتب، فهل هذا ينافي الإخلاص؟ علماً بأنَّا لن نتمكن من التفرغ للتدريس إذا لم نأخذ هذه الرواتب؟

    الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

    فمذهب المحققين من العلماء رحمهم الله، وهو الذي اختاره بعض الأئمة، ومنهم الإمام ابن جرير الطبري ، والحافظ ابن حجر، وغيرهما من المحققين أن الإنسان إذا قصد بعلمه الآخرة، ثم أخذ أجراً على ذلك العلم بسبب عدم تمكنه من طلب الرزق فذلك لا يقدح في الإخلاص، ما دام أن مقصوده هو تعليم العلم، ونفع أبناء المسلمين، فلا يقدح في الإخلاص وجود حظ من الدنيا. وقد دل على هذا القول الصحيح دليل الكتاب والسنة.

    أما دليل الكتاب فإن الله عز وجل يقول في كتابه: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال:7]، وهذه الآية نزلت في أهل بدر، فأخبر الله أنهم كانوا يتمنون العير بقوله تعالى: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)، فهم خرجوا للعير، فلما واجهوا القتال صدقوا مع الله، فلم يقدح في قتالهم وجهادهم وجود حظ أو قصد حظ الدنيا من تلك العير.

    ومن الأدلة على صحة هذا القول قول الحق تبارك وتعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198]، فإنها نزلت -كما صح- في أقوام يريدون الحج والتجارة، فالحج عبادة والتجارة دنيا، فلم يقدح في إرادة الآخرة وجود حظ الدنيا.

    كما دل على صحة هذا القول دليل السنة الصحيح، فإن المصطفى عليه الصلاة والسلام قال قبل القتال: (من قتل قتيلاً فله سلبه)، وهذا القول قاله لترغيب الناس في القتال، فأعطى على القتال الذي يراد به وجه الله حظاً من الدنيا، قال بعض العلماء: في هذا دليل على أنه لا يقدح في الإخلاص وجود حظ من الدنيا إذا لم يكن هو مقصود العبد، فإذا كان مقصودك ما عند الله عز وجل فلا يؤثر فيه وجود حظ من الدنيا.

    وقد جاء في حديث أبي محذورة رضي الله عنه أنه قال: (ألقى النبي صلى الله عليه وسلم عليّ الأذان، فلما فرغت، ألقى إليّ صرة من فضة) قالوا: في هذا دليل أيضاً على أن حظ الدنيا لا يؤثر إذا لم يكن هو مقصود العبد.

    ومن مجموع هذه الأدلة خلص هؤلاء العلماء إلى القول بأنه ينظر في الإنسان، فإذا كان مقصوده من التعليم نفع أبناء المسلمين، وإسداء الخير إليهم، ودلهم على طاعة الله ومرضاته، ثم حصل بعد ذلك أجر أو راتب أو غير ذلك، ولم يكن هو مقصوده الأساس، فإن ذلك لا يقدح في إخلاصه، والله تعالى أعلم.

    الزاد والمقنع والمبدع

    السؤال: هل لكتاب الزاد من شروح، وما هو أفضلها؟ وكيف نتمكن من حفظ متن هذا الكتاب؟

    الجواب: هذا الكتاب في الأصل -وهو الزاد- اعتمد فيه المصنف رحمه الله تعالى على كتاب (المقنع)، وهو في الحقيقة كتاب مقنع، وإن كان أضيفت إليه اختيارات الحجاوي رحمة الله عليه وعلى مؤلفه، ولكن في الأصل كتاب (المقنع)، وكتاب (المقنع) له شروحات، تعتبر بمثابة شرح هذا الكتاب وزيادة أيضاً؛ لأن الإمام الحجاوي رحمة الله عليه حذف بعض المسائل.

    وأنفس الشروح وأفضلها لكتاب (المقنع): كتاب (المبدع في شرح المقنع) لـابن مفلح رحمه الله تعالى، فقد شرحه شرحاً وافياً كافياً، وذكر فيه الأوجه والروايات، ورجح بين الأوجه والروايات، وذكر الأدلة، وقد يناقش في بعض المسائل، لكنه كتاب واسع يجمع هذا الكتاب وغيره، خاصة في الفروع والتتمات التي يذكرها في نهاية كل باب.

    وكتاب (المبدع) يعتبر شرحاً لأصل هذا الكتاب؛ لأن كتاب (المقنع) يعتبر في نظر مؤلفه -وهو الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى- في الدرجة الثانية، فإن ابن قدامة رحمة الله عليه جعل علم فقه المذهب على درجات:

    الدرجة الأولى: كتابه (العمدة)، ثم جعل بعد (العمدة) (المقنع)، ثم جعل بعد (المقنع) (الكافي)، ثم جعل خاتمتها بـ(المغني)، ولذلك قال فيه بعض العلماء:

    كفى الخلق بالكافي وأقنع طالباً بمقنع فقه عن كتاب مطول

    فكتابه (المقنع) يعتبر في الدرجة الثانية، وأنفس الشروحات -كما قلنا- شرح ابن مفلح رحمة الله عليه الذي أجاد فيه وأفاد، وجمع فيه مسائل الكتاب وزيادة، مع فروعات وتتمات في الحقيقة يكمل بها كتاب (المقنع)، والله تعالى أعلم.

    نصيحة لمن منعه والداه من السفر لطلب العلم

    السؤال: أنا أريد طلب العلم، ولكن أهلي يرفضون ذلك، وقد تركت كل شيء في مدينتي من أجل أن أذهب إلى مدينة أخرى للجلوس عند علمائها، فهلا من كلمة لوالدي أسمعهما إياها علهما أن يوافقا؟

    الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أهنئك أخي في الله على حب العلم، وحب التغرب من أجل التفقه في الدين، وحمل رسالة الله رب العالمين، وما قذف الله في قلبك حب هذا العلم إلا وهو يريد بك خيراً، فإنهم بذلك عيناً، وليكن حسن ظنك بالله عظيماً، فلابد أن تنال العلم إذا صدقت مع الله جل وعلا.

    أما الوصية الأولى التي أوصيك بها، فإن تيسر لك طلب العلم في دار فيه والداك، فإياك ثم إياك أن يفارق سوادك سوادهما.

    إن من أعظم الأسباب التي تنشرح بها الصدور لطلب العلم، ويوفق فيها طالب العلم في طلبه: رضى الوالدين، فلتجتهد في إرضاء والديك، فقد جاء في الحديث أن رجلاً قال: (يا رسول الله: أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد -أي: أن ألازمك، يريد طلب العلم والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم- قال: أحية أمك؟ قال: نعم، قال: فالزم رجلها فإن الجنة ثَمَّ).

    فالزم رجل والديك إذا كان العلماء في بلدك، وإياك أن تفكر في طلب العلم في مكان ليس فيه والداك، إلا إذا تعين عليك ذلك، ولم تجد أحداً في المكان الذي أنت فيه.

    وقد كتب بعض العلماء ترجمته، وكان رحمة الله تعالى عليه آية في العلم والعمل، موفقاً حتى في كثير من المسائل والنوازل والفتاوى التي كان يفتي فيها، فقال: لا أعلم عملاً صالحاً بعد الإيمان وفقني الله فيه حتى بلغت هذا العلم مثل بري بوالدي، فقد توفي أبي وهو في النـزع يدعو لي بالعلم والعمل.

    ولذلك أوصي طالب العلم فأقول: إذا أردت أن توفق في طلب العلم، وتوفق لكل عمل صالح بعد الإيمان، فأول ما تفكر فيه إرضاء والديك، من إدخال السرور عليهما، والحرص على الإحسان إليهما، وإسداء الخير إليهما، فتلك من أعظم المفاتيح التي ينال الإنسان بها العلم والعمل.

    وكذلك أوصي والديك أن يتذكرا فضل الله عليك، وأن يكونا خير والدين حينما يعينانك على بلوغ هذه الرسالة العظيمة، وما أعظمه من شرف للوالدين حينما يتسببان في تحصيل الابن للعلم والعمل؛ إذ ورد في الحديث: (أن حافظ القرآن يؤتى بوالديه يوم القيامة فيلبسان تاج الكرامة)، إكراماً لحافظ القرآن، فكيف بمن حفظه وعلمه وعمل به وعلم الناس؟!!

    فلذلك أوصي الوالدين أن لا يزهدا في هذا الخير العظيم، فما الذي ينتظران من الأبناء غير أن يكونوا لهما خلفاً صالحاً، ولو لم يكن في العلم إلا أن العالم يأتيه السائل وقد ضاقت عليه الدنيا فإذا أجابه يكون من دعائه له: رحم الله والديك لكفى بها نعمة. وهذا يدل على شرف العلم وبركة العلم وفضله، حتى على والدي الإنسان، فنسأل الله العظيم أن يشرح صدرهما لإعانتك على بلوغ هذه الغاية النبيلة، وتحصيل هذا المقام العظيم، والله تعالى أعلم.

    توجيه قول سفيان: (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله)

    السؤال: ما توجيهكم للقول المنسوب إلى سفيان : (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله)؟

    الجواب: قول سفيان رحمة الله عليه: (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله) هذه العبارة من أصح الأقوال في توجيهها: أن الإنسان في بداية طلب العلم يأتيه نوع من الغرور، ونوع من الطفرة، وهذا معروف ومألوف، فإذا تمكن العلم من قلبه كسره خشية لله جل جلاله.

    ولذلك كانوا يعرفون كون هذا العلم يقرب إلى الله، أو يبعد عن الله على مقدار زيادة الخشوع في القلب، فإذا وجدوا هذا العلم يزيد من الخشية والخشوع عرفوا أن العلم لوجه الله جل جلاله، وأنه يزيد العبد قرباً إلى الله.

    فقوله: (تعلمنا العلم لغير الله) أي: تعلمنا العلم وكان في النية ما كان من دخن بسبب غرور العلم، فالناس تنظر إليك طالب علم تحمل كتابك، ويمدحون الإنسان ويمجدونه فيدخله الدخن.

    وقوله: (فأبى أن يكون إلا لله)، أي: لما تعمقنا فيه، ودخلت آيات الكتاب إلى القلوب، وعمرت بها القلوب انكسرت تلك القلوب لله جل جلاله، والعلم يكسر صاحبه لله سبحانه وتعالى، ويزيده خشية وخوفاً، كما قال الإمام أحمد : (أصل العلم خشية الله)، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من أهل هذا العلم.

    وهذا العلم الموجب للخشية هو ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ميراث العلماء والصلحاء والأخيار والأئمة المهتدين، فهم ورثوا العلم الذي يزيد من خشية الله جل جلاله.

    فقوله: (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله)، أي أنه صاغهم لطاعة الله ومرضاته، حتى خلصت قلوبهم من شوائب الغرور، ونحو ذلك مما يكون لطالب العلم في بداية طلبه، والله تعالى أعلم.

    حكم انتقال المرأة من بيت زوجها في عدة الوفاة

    السؤال: امرأة مات زوجها وهي في عدة الحمل، وتريد الخروج من بيت زوجها لمرضها، ولعدم وجود من يرعاها، مع العلم بأنه قد توفي لها مولودان من قبل، فهل يجوز خروجها إلى بيت أحد محارمها؟

    الجواب: أولاً أهنئ هذه المرأة؛ لما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (جاءت امرأة فقالت: يا رسول الله: ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا يوماً، فجعل لهن يوماً صلوات الله وسلامه عليه، فلما اجتمعن قال: ما منكن من امرأة تقدم بين يديها ثلاثة إلا كانوا لها حجاباً من النار، فقالت امرأة: واثنين يا رسول الله؟ فسكت، فقالت: واثنين يا رسول الله؟ قال: واثنين واثنين واثنين) فأسأل الله أن يجعل ما قدمته هذه المرأة حجاباً لها من النار.

    أما الأمر الثاني: فأوصيها أن تحتسب الأجر في طاعة الله جل وعلا بلزوم بيت الزوج، فقد قال صلى الله عليه وسلم لـفريعة بنت مالك بن سنان رضي الله عنها لما سألته عن حدادها: (امكثي في بيت زوجك الذي جاءك فيه نعيه حتى يبلغ الكتاب أجله).

    فالمرأة تمكث في بيت الزوج في الحداد، فإن كانت مريضة يستدعى لها من يعالجها، فإن تعذر ذلك خرجت للعلاج ولا حرج عليها ثم ترجع؛ لأن ما جاز لحاجة يقدر بقدرها، فلذلك تمكث هذه المرأة في بيت زوجها حتى يبلغ الكتاب أجله، ولله الحكمة البالغة في هذا الحداد، فإن المرأة إذا مكثت في بيت زوجها تذكرته فترحمت عليه، ودعت له، واستغفرت له، وكان ذلك أدعى لسماحها عن أخطائه، وما كان منه من تقصير.

    فمقصود الشرع من بقائها في هذا المكان أن يكون أدعى لترحمها، وهو حق الأزواج على أزواجهن، فكون كثير من النساء يتساهلن في هذا الحق، ويحرصن على الخروج هو خلاف السنة، وخلاف الهدي، فينبغي الحرص على هذا الأمر الذي شرعه الله تبارك وتعالى.

    وأما إذا بلغ بالمرأة مقام الاضطرار، كأن تكون في مكان لا تأمن فيه أن تؤذى من الناس في عرضها، أو تقتل، أو يحصل لها ضرر في نفسها، أو أولادها فيجوز لها أن تتحول، واختلف العلماء في تحولها، فقال بعض العلماء: تتحول إلى أقرب مكان من قرابتها، وقال بعض العلماء: إذا إذن لها بالتحول ساغ لها أن تتحول لبيت بعيد مع وجود القريب، والله تعالى أعلم.

    حكم النوم بعد صلاة الفجر والعصر

    السؤال: ما رأيكم في طالب العلم الذي ينام بعد صلاة الفجر؟

    الجواب: كان السلف يكرهون النوم بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، حتى إن الإمام أحمد رحمة الله عليه كان يكره النوم بعد العصر، وقال: كانوا يخافون على عقل الإنسان، وذكروا عن رجل أنه حذر أخاه من النوم بعد صلاة العصر، فقال له: إني أخشى على عقلك، فقال له رجل مجنون: لا تصدقه، فإني ما تركتها. يعني هذه النومة.

    فالنوم بعد صلاة العصر لا يمدحونه، وما بعد الفجر قيل: إنها ساعة البركة، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بورك لأمتي في بكورها) فإذا كان عندك بحث، أو رسالة أو طلب علم، وبكرت وابتكرت وجدت خيراً كثيراً، وهكذا لو كانت عندك أعمال من الدنيا.

    وما محقت البركة في كثير من أعمال الناس وأوقاتهم إلا بسبب إضاعة البكور، لكن إذا كان قواماً لليل، ويريد أن ينام بعد صلاة الفجر حتى يكسب أعماله في النهار فلا حرج والأمر واسع.

    وفي التحذير من النوم بعد العصر حديث ضعيف عن عائشة رضي الله عنها رواه ابن ماجة : (من نام بعد صلاة العصر فأصيب في عقله فلا يلومن إلا نفسه) ولكنه حديث ضعيف، كما نبه على ذلك ابن الجوزي وغيره، وهو حديث غير معتبر، والأصل الجواز حتى يدل الدليل على المنع، لكن قالوا: إن النوم في هذين الوقتين مكروه لما فيه من تفويت البركة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في نوم الصبح، وكذلك أيضاً قالوا: بعد العصر لا يحمد للإنسان منامه، والله تعالى أعلم.

    أما طالب العلم إذا كان يسهر في تحصيل العلوم والمنافع وينام بعد صلاة الفجر، فهذا رأيي فيه أنه ذكي؛ لأن الناس في النهار يشغلون عن طلب العلم، فإذا سهر ليله في تحصيل العلوم وضبط العلوم، ونام النهار، فهذا على خير كثير.

    وأما بالنسبة للنوم على سبيل الكسل والخمول، فهذا لا شك أنه يدل على ضعف الهمة وقصورها، والأفضل والأكمل للإنسان أن يحرص على قضاء هذا الوقت في طاعة الله تعالى، كأن يجلس بعد صلاة الفجر إلى الإشراق، فتكون له حجة وعمرة تامة تامة تامة، والله تعالى أعلم.

    حكم حج من داعب زوجته دون جماع بعد التحلل الأول

    السؤال: تحللت التحلل الأول، وبقي عليّ الطواف والسعي، وقبل أن أقوم بتكملة هذا الركن، كنت أداعب زوجتي بدون جماع ولا إنزال، فهل عليّ شيء؟

    الجواب: إذا لم يحصل الإنزال، فإن الحج صحيح، وليس عليك شيء؛ لأنه ليس هناك موجب للفدية، والأصل براءة الذمة حتى يدل الدليل على شغلها، والله تعالى أعلم.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3047279769

    عدد مرات الحفظ

    738420436