إسلام ويب

درجات إنكار المنكرللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فرضه الله؛ لكن لابد لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يتحلى بصفات، منها: الإخلاص لله تعالى دون ما سواه، واستشعار الأجر من الله، وأن يكون قدوة في القول والعمل، ولابد للداعية من شيءٍ مهم، ألا وهو التحمل والصبر على ما يجده من الناس في سبيل الدعوة إلى الله. ولإنكار المنكر شروط ومراتب يجب مراعاتها، والإتيان بها وفق ما بينها الشارع، والأخذ بمراتبها حسب ما تقتضيه الحاجة والمصلحة؛ حتى تتحقق المصلحة المرجوة من هذا الإنكار، وتقام الحجة.

    1.   

    وصايا للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين, ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

    وفي بداية هذا اللقاء أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي فضيلة الشيخ كل خير, فإنه كان له الفضل بعد الله عز وجل في تيسيره والدعوة إليه, وأسأله تعالى أن يشكر سعيكم وأن يعظم أجركم وأن يجزل لنا ولكم المثوبة وأن يجمعنا جميعاً في دار كرامته.

    أيها الأحبة في الله:

    الإخلاص شرط العبادة وأساسها

    هناك أمر هو أهم الأمور، به تطمئن القلوب وتنشرح الصدور, هو أساس الدين ووصية الله للخليقة أجمعين, هذا الأمر جعله الله قاعدة الفلاح ومنبع الخير والإصلاح, ما هدى الله قلب عبد إليه إلا سدده ووفقه, وأرشده ويسر له, هذا الأمر هو الإخلاص لله جل جلاله, فاتحة الأمور وأساس كل خير, قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].

    وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] أي: ليخلصوا له وليوحدوه سبحانه وتعالى.

    الإخلاص الذي جعل الله فيه السعادة والنجاة والخلاص, اختار الله منا قلوبنا فلن ينظر إلى ألواننا وأحسابنا وأنسابنا ولكن إلى قلوبنا وأعمالنا, من تكلم وعمل لله أسعده ووفقه وسدده وثبته, وهي وصية الله للأولين والآخرين, التي عليها مدار كل خير, قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: بل إخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله ديناً سواه.

    أول ما ينبغي أن نتواصى به جميعاً وأن يشد بعضنا من أزر بعض فيه؛ تصفية القلوب لله جل جلاله, الداعية المخلص لله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا أخلص لله في قوله فتح الله له القلوب, وشرح الله له الصدور، وأصبحت كلماته ومواعظه وتوجيهاته وأوامره ونواهيه كالغيث لتلك القلوب, يحيي الله عز وجل به تلك القلوب بما نظر من إخلاصه وإرادة وجهه العظيم, قال الحسن البصري رحمه الله: [لا يزال الرجل بخير إذا قال قال لله, وإذا عمل عمل لله] وقال بعض السلف: كم من عمل قليل كثرته النية.

    الإخلاص خير وبركة ورحمة وهدى, إذا نظر الله إليك وأنت تأمر واطلع على قلبك فلم يجد فيه شيئاً سواه جل جلاله, بارك في هذا الكلام, وتلقته الملائكة في صحيفة عملك؛ لكي تراه خالصاً لوجهه الكريم، في يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] .. أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ [العاديات:9-11] وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات:10] هل أرادت وجه الله، أو أرادت أي شيء سواه؟

    الإخلاص هو الوصية الأولى التي لا تملها أذن مؤمن ولا يسأم منها عبدٌ صالح, ونحتاج دائماً أن نتواصى بهذا الأمر العظيم, نحتاج دائماً أن نكون مخلصين، فبمجرد أن تخرج من بيتك تخرج وليس في قلبك إلا ابتغاء وجه الله, وبمجرد أن تقعد في عملك تقعد وليس في قلبك إلا رجاء رضا الله, وإذا تكلمت جعلت الله نصب عينيك, وإذا عملت جعلت الله نصب عينيك, فيشرح صدرك وييسر أمرك إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً [الأنفال:29] وقال سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق:4] كم فتح الله بالإخلاص من القلوب! وكم أنار به من مناهج ودروب! كل ذلك بالإخلاص, ولما أخلص الأئمة والسلف الصالح جعل الله الخير في كلامهم ومواعظهم وأوامرهم ونواهيهم، نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعمر قلوبنا وقلوبكم بالإخلاص لوجهه الكريم.

    أيها الأحبة في الله:

    إنه والله لشرف عظيم, أيُّ أمانة حملتموها؟ وأي مسئولية قُلدتموها؟ حينما حملتم هذه الرسالة العظيمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, هذه الرسالة التي تولى الله أمرها من فوق سبع سماوات, فأمر سبحانه بالمعروف ونهى عن المنكر, فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة على الله بعد هؤلاء الرسل, ولكي تقوم عليهم الحجة وتنقطع عنهم المعذرة, تولاها الأنبياء والرسل صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين, كانوا حملة النور؛ اطمأنت بهم القلوب وانشرحت بهم الصدور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, كانوا يأمرون بما أمر الله به, وينهون عما نهى الله عنه, فرفع الله ذكرهم وأعز شأنهم وأبقى في القلوب حبهم.

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان من أهم الأمور وأعظمها في قلوب الأخيار والصالحين, فكما أنه رسالة الكتاب والسنة التي اعتنى بها رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، فقد اعتنى بها العلماء والحكماء والأخيار والصلحاء, وإذا أردت أن تنظر إلى مقام الإنسان في دين الله عز وجل ومقدار تعظيمه لله سبحانه وتعالى فانظر إليه في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر؛ لأنه إذا عظم الله في قلبه عظم أمره ونهيه, فكان وجهه يتمعر لله سبحانه وتعالى إذا انتهكت حرماته, وكان لسانه ينطلق بالتذكير والموعظة والتوجيه والإرشاد والدلالة على الله سبحانه وتعالى؛ لعظيم شعوره بعظمة الله سبحانه وتعالى وعظيم حقه جل جلاله.

    ولذلك وصَّى لقمان ابنه فقال: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17] فأمره أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر, فهي الرسالة السامية والمرتبة الشريفة الكاملة العالية، التي ينال الإنسان بها الفلاح، قال سبحانه وتعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104].

    فشهد الله أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أنه مفلح، وإذا شهد الله لعبد أنه مفلح فهو المفلح, فلا أصدق من الله حديثاً ولا قيلاً.

    الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مرحوم في رحمة الله, متى ما تكلمت بما أمر الله به ومتى ما نهيت عما نهى الله عنه, فأنت تخوض في رحمة الله سبحانه وتعالى, قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71] أي: لما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فإني سأرحمهم, ولذلك تجد الإنسان كلما أقام حجة الله على عباده أصابته الرحمة, وجعل الله عز وجل في قلبه من الطمأنينة والثبات واليقين، ولا يزال المبلغ لرسالة الله الآمر بما أمر الله الناهي عما نهى الله عنه لا يزال له من الله معين وظهير متى ما كان مخلصاً لوجه الله سبحانه وتعالى.

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجاة من الخسارة: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإْنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    فلذلك -أيها الأحبة في الله- نحمد الله من كل قلوبنا, ونشكره على عظيم فضله علينا حينما يسر لنا وسهل لنا أن نبلغ رسالته, وأن نقيم حجته, وإنه لمن دلائل حب الله للعبد في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أن يضع له القبول في الأرض, فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا أخلص لوجه الله عز وجل، وعلم الله من قلبه أنه يريد وجهه ويريد ما عنده؛ فتح له أبواب الخير, ويسر له الدعوة، ووضع له القبول في الأرض, ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبداً نادى في السماء: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه).

    أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا ذلك الرجل.

    تصور! لو أنه نودي في السماء: إني أحب فلاناً باسمك، أليس هذا شرفاً عظيماً ومقاماً كريماً؟ قال: (فيحبه جبريل، ثم ينادي: يا أهل السماء إن الله يحب فلاناً -باسمه- فأحبوه, فيحبه أهل السماء، قال صلى الله عليه وسلم: ثم يوضع له القبول في الأرض).

    استشعار فضل مقام الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر

    الوصية الثانية بعد الإخلاص الذي كان حديثنا عنه في النقاط الماضية: أن نستشعر فضل هذه الرسالة وفضل هذا المقام, فنحن إذا أخلصنا لوجه الله وشعرنا بأن الله نفحنا برحمته, ووهبنا نعمته, أجللنا هذه النعمة وأحسسنا بعظيم فضلها, فشعر الإنسان أن عليه واجباً لله سبحانه وتعالى, وعندها يستطيع أن يقوم بهذه الأمانة على أتم وجوهها.

    الاهتمام بقضية القدوة الصالحة

    وقبل أن نخوض في كيفية قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي أن نركز على أمر ثالث مهم جداً لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر, هذا الأمر هو: القدوة الصالحة.

    فالإنسان إذا أراد أن يأمر بما أمر الله به, وأن ينهى عما نهى الله عنه, ينبغي أن يخاف ويخشى أن يمقته الله جل جلاله, وأن يجعله ممن -والعياذ بالله- يأمرون ولا يأتمرون, وينهون فيفعلون ما ينهون عنه -نسأل الله السلامة والعافية- أولئك الذين سمّى الله وحذر عباده منهم، فقال سبحانه وتعالى يعتب على بني إسرائيل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] أليس لديكم عقول تعقلكم وتحبسكم عن هذا الأمر الذي هو ضرب من الغي والهوى والضلال؟ نسأل الله السلامة والعافية.

    لا يمكن للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يضع الله له القبول في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر حتى يكون قدوة, وهذه القدوة ظاهرة بينك وبين الناس, إذا أحب الناس العبد هابوه, والهيبة بالمحبة لها أثر في السلوك والتقويم والتوجيه.

    ولذلك لما بعث الله نبيه عليه الصلاة والسلام كمل أخلاقه وجمل آدابه وانعقدت القلوب على حبه, والشهادة له بالخير والصلاح والقدوة الحسنة, فكان يسمى بالصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.

    فإذا أراد الإنسان أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ فينبغي أن تظهر شمائل الإسلام وآدابه وأخلاقه ورحمته وفضله وبره وجميع ما فيه من خير من خلال أقواله وأفعاله وسلوكه وتصرفاته, فإذ سمع الناس كلام الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر, فإنهم أول ما ينظرون إلى أخلاقه وأفعاله وآدابه, فإن وجد التوافق بين القول والفعل أحبوه وهابوه, ووقع ذلك الكلام موقعاً بليغاً في النفوس, ليست القضية أن نتكلم ولكن القضية أن نكون دعاة ونحن صامتون, قال بعض السلف من الأئمة رحمة الله عليهم وكان من العلماء العاملين، قال لطلابه يوماً من الأيام: ادعوا الناس وأنتم صامتون, قالوا: كيف ندعو ونحن صامتون؟ قال: تأدبوا بآداب الإسلام, وتخلقوا بأخلاقه، وادعوا الناس بأفعالكم قبل أن تدعوهم بأقوالكم.

    الرجل الكامل المهذَّب الفاضل، الذي إذا رأيته كأنما ترى أخلاق الإسلام وآدابه إذا سمعته أو تفقدت أحواله كأنك تذكر سنة النبي صلى الله عليه وسلم, تظهر من خلال الأقوال والأفعال والسلوك والتصرفات، وتجده في مجتمعه محبوباً كما كان النبي صلى الله عليه وسلم محبوباً لا تنفر القلوب منه, ولا تمله ولا تسأمه, ومن رآه أحبه, إذا قابل الناس يقابلهم بالبشر والسرور، قال جرير بن عبد الله : (ما لقيت النبي صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي), فالرجل إذا كانت آداب الإسلام في وجهه وأخلاقه وأفعاله أَثَّرَ, قال أنس رضي الله عنه وهو صبي صغير يقوم على شأن النبي صلى الله عليه وسلم: (ولقد خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ما لمست حريراً ولا ديباجاً ألين من كفه صلى الله عليه وسلم, ولا قال لي يوماً قط: أف).

    انظروا! هذا بالنسبة لصغار الناس ما قال له قط: أف، وهو أنس وناهيك عن أبي حمزة رضي الله عنه وأرضاه فضلاً ونبلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأما بالنسبة لـجرير فمن كبارهم, وأما بالنسبة لأهله وزوجه تقول عائشة رضي الله عنها: (ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً وضع بين يديه), ما كان يتكلم ولا يجرح المشاعر من كمال أدبه وأخلاقه وشمائله بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.

    الإسلام والدعوة بالأعمال والأخلاق والآداب, الرجل إذا رأى شمائل الإسلام من خلال الأقوال والأفعال تأثر, بعض الناس يدعو ولو لم يتكلم, فالناس فيهم فطرة، وهذه الفطرة جبلوا فيها على حب الخير والقرب منه وتعظيم صاحبه, وعلى كراهية الشر والنفرة منه واحتقار صاحبه -مهما كان- مهما رأيت لأهل الشر من تعظيم فإنه في الظاهر, وأما في القلوب أو عن قناعة فلا, ومهما رأيت من خير فاعلم أن في الباطن تعظيمه وحبه؛ لأنها فطرة الله التي لا تتبدل ولا تتحول ولا تتغير, ولن تجد لها تحويلاً ولا تبديلاً.

    فالقلوب تنتظر قبل الكلمة الفعل, فليحرص الإنسان على تطبيق شمائل النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه وأخلاقه, فالسنة أصبحت اليوم غريبة بين الناس, حتى أصبحت غريبة بين الأخيار فضلاً عن غيرهم, فالناس إذا رأوا من هذا الداعية الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر شمائل الإسلام, أحسوا عندما ينهاهم أنَّ وراء هذه الكلمات ووراء هذا التوجيه قلباً يخاف الله جل جلاله, وأن وراء هذه الكلمات ووراء هذا التوجيه حب الخير, وليس المراد به الشماتة والاحتقار والانتقاص والغفلة عن الذات والنفس, وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ [هود:88] فلا يوفق إلا الله سبحانه وتعالى.

    إذاً لا بد من أن نقدم بالقدوة الحسنة التي فيها التأثير, ويكون لها عمق الأثر في النفوس.

    الصبر والتحمل

    الأمر الرابع: أن نهيئ أنفسنا للدعوة إلى الله, وتهيئة النفوس للدعوة إلى الله عز وجل تدور حول نقطة مهمة من أهم النقاط وهي: الصبر والتحمل, فإنك تقوم برسالة عظيمة وأمانة جليلة جسيمة تحتاج إلى صبر, ولذلك قال الله لنبيه: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل:5].

    الإسلام بشمائله وآدابه ومعاملاته وعباداته ثقيل, قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل:5] وقال تعالى: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12] يحتاج الأمر إلى صبر وإلى جلد.

    أقوى وأعظم صبر هو صبر النفوس الذي يكون بتمالك النفس عند الغضب, وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) فلا بد من الصبر والتحمل الذي أشار إليه لقمان وهو يوصي ابنه: أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17] أي: اعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وراءه التعب والعناء والنصب, يكون التعب نفسياً؛ لأنك تتحمل هم الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, مثلاً: لو كان في نطاق حيك أو مسئوليتك منكر فإنك ستحمل همين:

    أولاً: جمع النصوص والأدلة التي اعتنت بمعالجة هذا المنكر, فتتأملها وتنظرها وتبحث فيها، فهذا همٌ يحتاج إلى صبر على العلم والبصيرة التي تأمر بها وتنهى.

    ثانياً: تحمل هم المواجهة: كيف تواجه؟ كيف تتكلم؟ كيف تقف في وجه الإنسان؟ ولذلك سأل موسى عليه السلام ربه أن يثبت قلبه لهمّ المواجهة، ولذلك قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه:25] فلا نستطيع أن نفعل شيئاً إلا بالله جل جلاله، قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:25-28], فإذاً لا بد للإنسان أن يتحمل هذا الهم.

    بعد ذلك تأتي النتائج والآثار للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فيأتيك السفيه بسفهه, والإنسان الغوي بغيه وفجوره, ويأتيك الناس على اختلاف طبقاتهم, وعلى اختلاف منازلهم في مجابهة الخير وكراهيته، والتنفير منه وسوء الظن بأهله, وهذا يحتاج إلى صبر, ونفس قوية وشكيمة وعزيمة.

    1.   

    دعامتا الصبر

    ثم إذا يسَّر الله عز وجل للإنسان الصبر فإنه يحتاج إلى أمر مهم يقوي قلبه على الصبر, هذا الأمر يتلخص في نقطتين:

    الأولى: عاجل ما أعد الله للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من حسن العاقبة.

    والثانية: ما ينتظرك عند الله جل جلاله, فلربما أنك هذا اليوم تهان وتسب وتشتم فتغيب عليك الشمس وقد كتب في صحيفة عملك: يوماً من الأيام أوذيت فيه في الله.

    عاجل ما أعد الله للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من حسن العاقبة

    أما أمر الدنيا فإن الله تكفل لك بالعاقبة, لن يقف أحد يبلغ رسالة الله جل جلاله فيؤذى ويهان إلا جعل الله عاقبته أفضل العواقب, وأسماها وأشرفها، ولو احتقره الناس, ويظهر ذلك جلياً من قوله سبحانه: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128] .. وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] يعني: لا تنظر إلى حالك الآن، ضع النظرة إلى الغد، ولا تنظر إلى حالك فإن النبي صلى الله عليه وسلم سُمي الساحر والأفَّاك والأبتر والصابئ، ومات وهو سيد الأولين والآخرين, واسمه صلى الله عليه وسلم يقرن بالنداء: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4], ليس المهم أن تهان الآن, وليس المهم أن يسخر منك الرجل اليوم, ولكن الأهم ما هي العاقبة؟ ما هي النتيجة؟ ما هي الثمرة؟

    أذكر حادثةً لطيفةً يقول فيها عروة بن الزبير رحمة الله عليه -هذا الإمام العظيم من أئمة السلف- كلمة تنبه على هذه النقطة: [والله ما من عبد يقف موقفاً لله فيهان فيه، إلاَّ أوقفه الله موقفاً أعز منه وأكرم] وتوضيح ذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم, نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فريد في قلة وضعف من أصحابه, والرسالة أيامها سرية، والدعوة سرية، فجاءه أمر الله عز وجل: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214], فوقف عليه الصلاة والسلام على الصفا فنادى في قريش فعمم وخصص أي: نادى بطون قريش كلها, فجاءت بطون قريش بقضها وقضيضها ووقفت بين يديه, فما كان منه عليه الصلاة والسلام إلا أن قال كلمته المشهورة: (قولوا: لا إله إلا الله) هذه الكلمة التي قامت عليها السماوات والأرض، ومن أجلها سيكون الحساب والسؤال والعرض, هذه الكلمة العظيمة التي من أجلها خلقوا ومن أجلها بعثوا، لما قالها لهم كان جواب أبي لهب عليه لعنة الله أن قال له على رءوس الأشهاد: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ تصوروا -أيها الأحبة في الله- النبي صلى الله عليه وسلم على رءوس الناس, ثم يقول له على رءوس الملأ: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ وهو عمه, وحينما تأتي الأذية من قريب لك تكون الأذية صعبة جداً, فظلم ذوي القربى أشد من ظلم الأبعدين؛ لأن القريب لا تستطيع أذيته؛ لأنك إن آذيته كأنما آذيت نفسك, فقال له أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا؟! فاحتقره وسفهه وآذاه.

    ثم تمضي الأيام وتتابع السنون والأعوام، فيوقف الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام على الصفا -التي بالأمس شتم عليها وأهين- ومعه مائة ألف من أمته وأصحابه، كلهم يقول: كيف يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ رده الله إلى مكة عزيزاً كريماً رفيع الذكر, يقول أنس : [أنظر أمامي فإذا الناس مد البصر, وأنظر وراءي فإذا الناس مد البصر, كلهم يقولون: ماذا يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟] ولذلك لما رقى على الصفا كأنه ذكر ذلك اليوم الذي كُذِّب فيه على الصفا فكان أول ما رقى عليها قال: (الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, لا إله إلا الله نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده) عظمت عنده، فالعاقبة من الله مضمونة, فالذي يقوم برسالة الله ويؤدي حجة الله على العباد، مهما جاءه من المهانة والمذلة فمهانته كرامة, ومذلتة معزة, لا تنظر إلى كلام الناس واحتقارهم وأذيتهم ولكن انظر إلى عاقبتك عند الله جل جلاله.

    فهذا فيما يكون في الدنيا, ولذلك كلما وجدت الإنسان يقوم لله بحجته ويبلغ لله عز وجل عظيم رسالته، وجدت الله عز وجل يضع في قلوب العباد حبه والهيبة منه والقبول له، ووجدته في أسمى المنازل, الناس تشتري السمعة بالأموال, ولكن العلماء والدعاة إلى الله والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر نشر الله ذكرهم, وأبقى في العباد حبهم بما قدموا لله جل جلاله من صالح القول والعمل.

    لا تنظر إلى كلام الناس ولا يهمك أن يتكلم من تكلم, فإن اللسان الذي يتكلم على الحق أخرس، ولو كان صاحبه أبلغ الناس, واللسان الذي يقف في وجه الحق مقطوع ولو بعد حين, ولذلك قطع الله دابر المجرمين, وقطع الله دابر المفسدين, وجعل العاقبة للمتقين, فهذا أمر مهم جداً لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

    عاقبة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر

    أما بالنسبة للعاقبة التي تكون، فإن الإنسان إذا أهانه أحد أو تكلم عليه أو عنفه أو وبخه فما عليك، فأنت بريءٌ من المسئولية إذا كنت تسير على نهج الله عز جل, مثلاً: لو مررت على رجل فأنكرت عليه منكراً أو غيرت منكراً, فقال: يا ظالم .. أو قال يا كذا .. فسبك وشتمك وأهانك فإنما يتسلط على الحق, ولا يتسلط عليك؛ لأن الذي فعلته هو أمر الله جل جلاله, والذي نهيت عنه هو نهي الله جل جلاله, فالشتم الذي يكون منه والأذية ليس في عرضك منه شيء, وأنت في سلامة منه، ولكن الله هو الذي يتكفل بأمره, ولذلك قلّ أن تجد إنساناً يهين أحداً من أولياء الله عز وجل والدعاة والهداة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يسلم من سوء الخاتمة -نسأل الله السلامة والعافية- وقل أن تجد إنساناً يحتقر العلماء أو يتنقصهم أو يذمهم أو يحاول دائماً أن لا يمكنه من دعوته إلى الله عز وجل أن يسلم كذلك من سوء الخاتمة كما يحصل لبعض الفساق حينما يؤذيك بلسانه أو يحتقرك أو يشيع في حيه أنك شديد وأنك عنيف كل هذا لا تبالي به, لكن المهم للداعية والآمر بالمعروف أن يوطن نفسه على هذه الأمور حتى يصبر؛ لأنها عزيمة على الرشد، وتقوي النفس على طاعة الله سبحانه وتعالى, وتقويها على محبة الله جل جلاله.

    ثم لنا قدوة في الأنبياء والرسل صلوات ربي وسلامه عليهم، حينما أوذوا في الله, وكان لهم ما كان, فأعظم الله أجرهم, قال الله تعالى: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب:69].

    الأولى: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى [الأحزاب:69] وهنا أذية، ومعناها: إذا أوذي موسى فإننا سنؤذى، هذا هو الأصل الذي نتكلم عليه أولاً. ثم قال تعالى: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا [الأحزاب:69] فالذي برأ موسى سيبرئك؛ لأن الرسالة واحدة والمصدر واحد.

    الثانية: وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب:69] قال بعض العلماء: من أمر بطاعة الله ونهى عن معصية الله فأوذي؛ فإنه وجيهٌ عند الله سبحانه وتعالى, وله كرامة عند الله سبحانه وتعالى، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل.

    1.   

    شروط إنكار المنكر

    إذا علمنا هذه الأمور التي ينبغي أن يوطن بها الداعية والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر نفسه فالمنكر الذي أمامنا لا بد فيه من أمور:

    أن يدل دليل على أنه منكر

    أولها: أن يدل دليل الكتاب أو دليل السنة الذي هو الدليل الشرعي على كون هذا الأمر منكراً, فإذاً لا بد من ثبوت الدليل على كونه منكراً, فإذا ثبت الدليل على كونه منكراً؛ فحينئذٍ توجه الخطاب علينا: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان), وهذا الحديث فيه نقاط مهمة:

    النقطة الأولى: علمنا أنه لا بد أن يكون منكراً, فكون الشيء -مثلاً- مختلفاً فيه ويرى الشخص أنه جائز وحلال وهناك -مثلاً- عالم من أهل العلم مشهود له بالعلم عنده دليل وحجة على كونه حلالاً، وأنا أعتقد أنه منكر لكن كونه هو يقلد عالماً يعرف بتمسكه بالكتاب والسنة ويفتيه بأنه ليس بمنكر وليس بحرام فهو يتعبد الله بما ظهر له، فهذه مسألة مهمة جداً.

    التثبت من وجود المنكر

    النقطة الثانية: قال صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا) ومعنى رأى أي نتأكد, ونتحقق, ونتثبت, لا نعجل في الناس، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] فقط التبين والتثبت, ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إلا أن تروا منكراً عندكم فيه من الله برهان) جمع بين الأمرين, كوننا نرى فلا نتتبع الظنون, وكونه يكون منكراً عندنا فيه من الله حجة وبرهان.

    وهذه أصلاً طبيعة إنكار المنكرات، فكل إنسان إذا ابتلي بعمل فسيتأثر من خلال عمله, وكانوا يقولون -مثلاً- القاضي من كثرة ما يمر عليه من جرائم الناس والفحش وما يقع منهم من مصائب، ربما يصبح عنده نوع من ردة الفعل؛ لأنَّ الإنسان ضعيف والنفس البشرية ضعيفة قد يتعجل وما يتحمل فيقول: لا يسلم من الناس إلا القليل, بسبب ما يرى وقد يرى أناساً سيماهم الخير ويقعون في المنكرات.

    فطبيعة معالجة المنكرات والوقوف فيها قد تجعل الإنسان يصل إلى درجة يتحسس فيها أكثر من اللازم, وهذا نبه عليه العلماء في إنكار المنكرات, فكوني أتعامل مع المنكرات، يقتضي مني ألا أتعجل، والسبب في ذلك أن أعراض الناس محرمة, وقد قرن الله العرض بالدم، ففي خطبة حجة الوداع يقول صلى الله عليه وسلم في الخطبة المشهورة التي ما قام النبي صلى الله عليه وسلم في أمته مقاماً مثلها, وقد جمع الله فيها الأمة عليه صلى الله عليه وسلم، وما جمع الله مجمعاً لرسوله صلى الله عليه وسلم مثل حجة الوداع، فكان فيها أن قال للأمة: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم) فجعل العرض مقروناً بالدم, فكما أن دم المسلم حرام وماله حرام كذلك عرضه حرام.

    ولذلك عظم الله أمر العرض، وقطع بالكلام في الأعراض شهادة الشاهد, فالذي يقذف -والعياذ بالله- بلسانه غيره بالزنى ولا يقيم البينة ولو كان من الصحابة فإنه يجلده؛ لأن الله خاطب به الصحابة، يقول العلماء: ولو كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يقم أربعة فإنه يجلد, كما فعل عمر رضي الله عنه بأبي بكرة رضي الله عن الجميع, ليس هناك مجاملة في أعراض الناس, أعراض الناس محترمة، ولذلك عظم الله عز وجل ذلك في كتابه فنهى عن الظن: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ [الحجرات:12] ومعنى هذا: أن القليل من الظن يصيب، والكثير فيه خطورة, وخلل على الإنسان ينبغي أن يتنبه له, توضيح ذلك: أن الإنسان لا يقدم على تتبع شيء إلا إذا احتفت قرائن قوية على وجود هذا الشيء وظهرت القرائن فالشريعة تُعمل القرائن القوية, لكن إذا لم يكن هناك دليل بين وواضح فالأصل في المسلم سلامته, وعدم المساس بعرضه إلا بحجة ودليل, ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تتبع العورة فقال: (إنك إن تتبعت عوراتهم أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم), فإذاً الأصل أننا نقول في المسلم: أنه سالم حتى يدل الدليل على وجود خلل فيه أو نقص.

    1.   

    ضرورة إنكار المنكر

    (من رأى منكم منكراً) إذا ثبت عندنا أنه منكر، وتحققنا أن هذا مما لم يأذن الله عز وجل به ورسوله عليه الصلاة والسلام ورأينا واطلعنا, قال صلى الله عليه وسلم: (فليغيره) فالأصل عندنا في المنكرات أن لا تبقى، وأنه ينبغي أن نهيئ كل السبل والأسباب للقضاء على المنكر؛ لأن المنكر فساد في الأرض، والله لا يحب المفسدين, وكذلك المنكر حجر عثرة دون الخير, فما من بدعة تظهر إلا وماتت مقابلها سنة, وما من شر يظهر إلا ومات مثله من الخير, ولذلك ضرب الله القلوب بعضها ببعض حين غفلت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فالأصل أن المنكر يغير, وهذه قاعدة وأساس في الدين, جعله الله سبباً في فلاح هذه الأمة، بل وفي نجاتها كما في حديث السفينة الذي تعلمونه.

    فإذاً (فليغيره) يدل على أن الأصل في المنكر أنه يغير.

    1.   

    مراتب تغيير المنكر

    ثم بيَّن صلى الله عليه وسلم هذا التغيير قال: (فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) فكون النبي صلى الله عليه وسلم يجعل الأمور مرتبة يدل على فائدة مهمة وهي: أن قضية تغيير المنكرات لم يسندها الله لا إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل, بمعنى: أنه لا يتحكم فيها أحد باجتهاده, ولكن أوحى إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه بهذه الثلاث المراتب: تغيير باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب, (وليس وراء ذلك مثقال خردلة من إيمان) إذا لم يغير باليد، ولا باللسان، ولا بالقلب فليس وراء ذلك مثقال خردلة من إيمان.

    الإنكار باليد

    التغيير باليد ضرب له العلماء رحمة الله عليهم أمثلة مثل: تكسير آلات اللهو, وكذلك أيضاً تكسير النبي عليه الصلاة والسلام الأوثان كما ثبت حينما دخل إلى مكة فإنه كسر الأوثان, وكذلك إبراهيم: فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [الأنبياء:58], يقولون في التغيير باليد: إنه يقطع دابر الشر؛ لأن به ينعدم هذا المنكر ويزول, وبناءً على ذلك فالأساس والقاعدة التي هي الأصل في التغيير, أنه متى ما أمكن للإنسان أن يغيره بيده فليغير بيده, هذا الأساس والقاعدة, ولذلك قال علي رضي الله عنه لـأبي الهياج : (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة إلا طمستها, ولا تمثالاً إلا كسرته, ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) هذا من التغيير باليد؛ لأنه إذا استشرفت القبور عُظِّمت, فكانت ذريعة إلى الشرك والعبادة, فالمقصود أن التغيير باليد سنة وهدي, وهو أول المراتب، وقد وقع من النبي صلى الله عليه وسلم, كما في حديث القرام؛ والقرام ستارة كانت على سهوة حجرة عائشة رضي الله عنها -كما في صحيح مسلم - فرأى عليه التصاوير فأخذه بيده عليه الصلاة والسلام ونزعه وهتكه. فهذا يدل على التغيير باليد.

    وهناك أمور ينبغي التنبيه لها: قد يكون الإنسان وهو في مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عنده ضوابط معينة لتغيير المنكر, فمثلاً: لو كان هناك توجيه بأن لا تكسر هذا المنكر الآن من أجل أمور، مثلاً: لإقامة دلائل يحتاج إليها, فلو فرضنا أن الإنسان بمجرد أن جاء وكسر المنكر, كيف ندين صاحب هذا المنكر ما دام المنكر أزيل؟ إذاً تكون مهمتي أنا كوني أحفظ هذا المنكر لكي يصل إلى الجهة المختصة يعتبر من إنكار المنكر؛ لأنه وسيلة إلى إزالته وإلى تكسيره؛ لأن البعض يقول: كيف أكون آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر وأنا لم أكسِّر، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (فليغيره بيده

    نقول: إن الوسيلة إلى التغيير تغيير, كونك تحفظ هذا المنكر لكي يكون حجة ودليلاً في بعض الأحيان، مثلاً: لو فوجئنا بمكان لصنع الخمر -لا قدر الله والعياذ بالله- فيكون إنكار هذا المنكر أن أكسره وأن أزيله بالكلية، وهذا لا شك فيه, لكن -مثلاً- لو أردنا أن نعرف مَنْ أصحاب الجريمة الذين قاموا بهذا العمل؟ من الذين يتعاونون مع هذا الشخص؟ من الذي يأخذ منه ويعطيه؟ قد تكون -مثلاً- بيئات أخرى تتعامل مع هذا المصنع للترويج، فعندما نتريث قبل أن نكسر, هذا من مصلحة الأمر بالمعروف, وهذا من تغيير المنكر, فالوسائل آخذة حكم مقاصدها كما يقول العلماء, فليست القضية لتغيير المنكر أن يكون الإنسان مباشراً ما دام أن هناك تنظيماً يقصد من ورائه الوصول إلى معالجة المنكرات بأفضل الأساليب.

    أيضاً هناك نقطة: قد يكون من المصلحة أن لا نغير الآن باليد، قد يكون هناك أمور وظروف وملابسات معينة يكون التوجيه للإنسان فيها أن يقتصر فقط على مراقبة هذا المنكر, فقد يقول الإنسان: كيف أراقب المنكر وأراه أمامي وبعيني ولا أفعل ولا أقدم؟ فنقول: قد تكون هناك مصالح، بمعنى أنه قد تقع مفسدة أعظم لو أنه أزيل هذا المنكر باليد.

    ولذلك أنا أقول: لا بدَّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حسن الظن، ولا يمكن أن يتم بين الإخوة والأحبة والمشايخ وطلاب العلم ذلك إلا بالتعاون وبحسن الظن, مثلاً: إذا جاءني توجيه من فوق بأن أتريث في هذا الأمر فلا داعي لسوء الظن: هذا تقصير .. هذا تساهل, لا, قد قال عليه الصلاة والسلام: (فليغيره بيده) لكن نحن نظن ونحسن الظن بمن يأمرنا بهذا الشيء -إن شاء الله- أنه يريد التغيير, لكن كيف؟ ما هو الأفضل؟ ما هي الطريقة؟ هذا أمر بينه وبين الله عز وجل، ولذلك من أمثلة هذه: لو أن عندنا أفراداً وعندنا -مثلاً- من فوق الأفراد ومن له التوجيه الأعلى, فلو أنك أتيت في حي فيه منكر، قد ترى بعض الناس يتعاون معك في القضاء على هذا المنكر من عامة الناس, ترى إنساناً -مثلاً والعياذ بالله- قد فتح بيته للحرام منزلاً أو دعارة -والعياذ بالله-, فشره متعدي، فإذا جئت لإنسان متعاونٍ متحمسٍ ويريد الخير -ولا شك أن هذا الحماس وراءه خير, وهذا أمر نحب أن ننبه عليه- فينبغي أن نحسن الظن به لكن نوجهه, فهذا الفرد حينما تأتي وتقول له: يا أخي انتظر, ولا تعجل؛ لأنك أنت تريد أن تصل إلى ما وراء هذا المنكر، من الذي يأتي به؟ قد يأتيك مباشرة ويقول لك: قال صلى الله عليه وسلم: (من رأى من منكم منكراً فليغيره بيده) .. الآن تدخل .. هذا تقاعس .. هذا تأخير .. لماذا؟ لأنه لا يعلم ولا يعرف ما هي المصلحة، ما هي الأهداف التي تنظر إليها أنت, كما أن هذا يقع منك كفرد؛ فإنه يقع مع عامة الناس وتقول له: يا أخي تغيير المنكر يحتاج إلى بصيرة وإلى تجربة؛ لأنك أنت مرت عليك أمور دعتك إلى هذه الحكمة وهذا التروي, وكذلك من هو فوقك إذا كان أكثر تجربة وأكثر بصيرة, فالأصل أن الإنسان يحسن الظن, ولا يعجل, وقد تكون هناك ظروف تحكم عليك بأنه ليس من المصلحة تغيير هذا المنكر مثلاً بالكلية, فهذا أمر مهم جداً, في قوله: (فليغيره بيده).

    الإنكار باللسان

    ثم يقول عليه الصلاة والسلام: (فإن لم يستطع فبلسانه) ويقول بعض العلماء: التغيير باللسان مقدم على التغيير باليد ولهم عليه دليل صحيح، وهو حديث عائشة رضي الله عنها, وحاصل هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم من غزوة تبوك -على قولٍ عند بعض أهل الحديث- قدم عليها فوجد القرام هذا وفيه صورة فقال لها أولاً: (أميطي عنا قرامك هذا) هذا أول ما قال لها، فكأن عائشة -كما يختار جمع من العلماء- نسيت أن تزيله, فدخل عليه الصلاة والسلام فإذا بالقرام في وجهه فأمسك القرام وهتكه. يقول العلماء: أول ما يبتدئ الإنسان بالتوجيه؛ لأن كون الشخص بنفسه يزيل المنكر هذا نوع من الإيمان والتسليم, ولذلك يتربى الناس على التسليم, بمعنى: أن كونه بنفسه يأخذ الشيء ويكسره، كما أنه هو الذي أوجده هو الذي يكسره، هذا من أرفع الدرجات، ولذلك يقول العلماء: من أهم ما يكون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إقناع الناس، بأن هذا منكر فيجتنبوه وهذا معروف فيفعلوه ويأتوه.

    ولذلك الحرص على إقناع الشخص بكونه منكراً أولى, وقد فعل الصحابة ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو طلحة لـأنس : انظر، فخرج فنظر فإذا بمناد النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس! إن الله حرم الخمر. فأمره أن يريقها فجرت بها سكك المدينة . من الذي أراق الخمر؟ الناس لما اقتنعوا، (لما نزل قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91] قال عمر : انتهينا.. انتهينا..).

    ثم يقول العلماء: انظر إلى أسلوب القرآن! ما قال الله: انتهوا، بل قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91] وهذا كما يقول المفسرون: من أرفع أساليب الإقناع؛ لأن الشخص تقول له: ليتك تفعل كذا, أو هل تفعل كذا, فتحدث عنده شوقاً للامتثال, فلما نزلت هذه الآية بمجرد الانتهاء كما في صحيح مسلم صاح عمر : (انتهينا.. انتهينا..) أي: ما لنا بعد أمرك ونهيك سبحانك وتعالى, وانتهينا أي: كففنا عن هذا الأمر.

    (فليغيره بلسانه) كيف تغير بلسانك؟ الشخص الذي أمامك يتعاطى المنكر وفيه جانبان: جانب داخلي الذي هو الباطن, وجانب ظاهري, الجانب الداخلي قناعته بالمنكر, والجانب الظاهري وجود المنكر, ويتعامل مع هذا المنكر, فأعظم ما يكون من التغيير أن تصل إلى سويداء قلبه, فتجتث من قلبه الشر، (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب), فتحرص على أن تجعل في قلبه قناعةً كاملةً بحرمة هذا الشيء, وتعتمد على أساليب من أهمها أسلوبان: أسلوب الترغيب، وأسلوب التنفير, وكلاهما أسلوب القرآن.

    ولذلك تجد الله عز وجل في كتابه ينهى عن الحرام ثم يذكر عواقبه الوخيمة في الآخرة من عذاب جهنم وسخطه وغضبه -نسأل الله السلامة والعافية-, هذا أسلوب الترهيب, وكذلك استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم, ولهم عذاب أليم، قال أبو ذر : من هم يا رسول الله خابوا وخسروا ...), فالمقصود أن تستخدمه فتأتي -مثلاً- أمام صاحب المنكر وتتلو عليه آية من كتاب الله, وحديثاً من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم للتوجيه، فتأتي بالتوجيه بالأسلوب المؤثر المقنع؛ لأن الناس يختلفون, يقول العلماء: هناك آيات للترغيب وهناك آيات للترهيب, فإذا كان الذي أمامك من النوعية التي لا ينفع فيها الترغيب؛ لأن فيها قسوة وفيها نوعاً من الكبرياء بالباطل، تقرعه بآيات الزجر وآيات التخويف؛ لأنك إذا جئته بآيات الترغيب كان ضعفاً, ولذلك ينبغي أن تظهر عزة الدين وترفع من المعروف الذي تأمر به وتحقر من المنكر الذي تنهى عنه, فتذكره بقوارع التنزيل, وتذكره بالجنة والنار, وتقول له: يا أخي خف الله عز وجل .. أمامك قبر .. أمامك حساب .. أمامك صراط .. أمامك جنة ونار، وتذكر له من الكلام الذي يدل على الترهيب، فلما تأتي هذه الكلمات المضيئة من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم تصادف قلباً فارغاً وإن كان فيه الشر, لكن الله سبحانه وتعالى يقول: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ [الأنبياء:18], فتبدأ بالتقريع، فمثل هؤلاء النوعية التي تتعاطى المنكر بنوع من الكبرياء والعزة يصلح لها أسلوب التوبيخ والتقريع، ويكون الكسر للمنكر في عينه وفي وجهه أبلغ في إهانته وزجره, وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذلك حينما حصلت قضية عمرو بن أمية الضمري فذهب إلى بني النضير؛ وكانوا يهوداً بـالمدينة ، وبينه وبينهم عهد, فجاء يريد أن يأخذ منهم المعونة على الدية, فجاءهم عليه الصلاة والسلام وهم أهل مكر وأهل كيد، فقالوا له: انتظر تحت الحائط حتى نعطيك الدية, وأرسلوا سفيهاً من سفهائهم لكي يرمي عليه حجراً فيقتله صلوات الله وسلامه عليه, فلما جلس جاء جبريل بالوحي وأخبره بما يكيدونه به، فانطلق عليه الصلاة والسلام إلى المدينة ومعه أصحابه لا يدرون ما الخبر, ثم أرسل إليهم: أن اخرجوا من دياركم, قالوا: نخرج, فكتب عبد الله بن أبي بن سلول قائلاً لهم: لا تخرجوا أنا أنصركم .. على عادته من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال لهم: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ [الحشر:11] خدعةً, فبقوا, فلما بقوا آذن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فخرج إليهم بالقوة فحاصرهم خمسة عشر يوماً من ربيع الأول -صلوات الله وسلامه عليه- فلما حاصرهم قالوا: نخرج, قال: أما الآن فلا. انظروا كيف عزة الإسلام! جاءهم أولاً فقال لهم: اخرجوا, ثم قال بعد أن رفضوا: أما الآن فلا, الآن أنتم تحت قهرنا وقوتنا ولا تخرجون إلا وأنتم صاغرون, فأذلهم عليه الصلاة والسلام وكانت ما أفاء الله على رسوله وكانت نعمة من الله عز وجل على نبيه حتى خير أن يضع أمواله وغنائمه حيث شاء, فكانت كسراً لشوكة الأعداء بقوة.

    كذلك أهل الباطل والغيظ، لما تأتيه باللين في مقام لا يصح فيه اللين، فإنه ليس من الحكمة في شيء قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [النحل:125] فالحكمة: هي وضع الشيء في موضعه, فتبدأ بتغييره باللسان بأسلوب التقريع والتوبيخ إذا كان الذي أمامك عنده أنفة وله سوابق وجرائم وهو إنسان مستفحل في الشر, فهذا يقرع ويوبخ ويؤنب، ويبين له عاقبته وما ينتظره من العاقبة الوخيمة في الآخرة.

    أما لو كان إنساناً لا سابقة له, إنسان خُدع وغُرر به وما إن دخلت عليه حتى أصابته الذلة, وترى من دلائل الحال والقرائن أنه نادم وأنه متأثر فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) قال العلماء: ذوي الهيئات هم الذين لم تعرف لهم سوابق, يكون من أسرة طيبة وبيت طيب ولكن قرناء السوء زجوا به إلى هذه العاقبة الوخيمة, فلتقف على مثل هذا وتقول له: يا فلان أين أبوك؟ أنت ابن من؟ حتى لو كانت الذكرى بالأمور الدنيوية فتذكره ببيته وبشرفه, تقول: ماذا جنيت؟ وتجعله يؤنب نفسه, هذا من التغيير باللسان.

    فالتركيز على قضية الترغيب والترهيب لاجتثاث الشر من القلوب؛ لأنه ليس من تغيير المنكر أن نأتي ونكسر المنكر، والرجل مقتنع قناعة كاملة بأن هذا معروف؛ لأنك إذا كسرته اليوم سيعيده في الغد، وإذا كان لا يفعله في الظاهر فسيفعله في الباطن, وإذا كان يتقيك في العلانية فإنه لا يتقيك في السر, ولكن إذا اجتثثت الشر من قلبه وذكرته بالتغيير باللسان وأصبح عنده القناعة، فإنه يغير ظاهراً وباطناً، وسراً وعلانية كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    فمن أكمل التغيير باللسان, استخدام أسلوب الترغيب والترهيب, وينبغي على من يستخدم هذا الأسلوب أن يراعي الحال ومناسبة الحال, فمن صلح فيه الترغيب لا يعطى أسلوب الترهيب؛ لأن الذي تجد عنده انكساراً هو شخص رأيته وقع في جريمته ثم وجدت عنده الانكسار الكامل, فلو جئت تزيد عليه بالآيات ربما يصل به الخوف إلى درجة اليأس من رحمة الله, وهذا أمر مهم جداً.

    ولذلك تجد بعض العصاة والمذنبين -وهذا يمر علينا من فتاوى الناس وأسئلتهم- يشعرك أنه لا رحمة تنتظره عند الله جل جلاله -نسأل الله السلامة والعافية- وهذا لأنه أوغل في جانب الخوف, ولذلك يقول العلماء: في عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا بد من الخوف والرجاء, فلا يغلب جانب الخوف ولا يغلب جانب الرجاء, لأنهما جناحان, جناحا السلامة كما يقول بعض الأئمة، وينبه عليه الإمام ابن القيم رحمه الله في كتبه, وهذا صريح الكتاب كما قال: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [السجدة:16] أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9], لا نستطيع أن نأتي بالتخويف فقط، ولا نأتي أيضاً بسعة رحمة الله، ونلين مع الناس حتى تذهب هيبة الإسلام والعمل والمحتسب, لا بد من الوسطية, فإن كان المقام يقتضي الترغيب رغبنا, وإن كان المقام يقتضي الترهيب رهبنا.

    درجة بين الإنكار بالقلب والإنكار باللسان

    قال العلماء: يدخل في التغيير بالظاهر أحياناً أن تغير منكراً ولا تتكلم, وهي الدرجة التي بين القلب وبين اللسان, مثلاً: تغير الوجه، والعبوس في وجه المبتدع, والعبوس في وجه الضال, فشخص تراه صاحب بدعة نصحته وذكرته لكنه أبداً ما استجاب ولا تستطيع أن تغير بدعته باليد؛ لأنها بدعة عقدية, ماذا تفعل؟ تعبس في وجهه؛ لأن هذا العبوس قربة إلى الله عز وجل وطاعة؛ لأنه غيظ لله, ولذلك جعل الله إغاظة العاصي قربة إليه سبحانه وتعالى, وكان عليه الصلاة والسلام لا يغضب لنفسه إنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله عز وجل, تقول عائشة رضي الله عنها: (فكان لا يسب ولا يصخب وإنما يُعرف في وجهه).

    وهذا من أفضل ما يكون عليه الإنسان الداعية الموفق، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر, وهذه ميزة الأخلاق الحميدة, فإنك تكون مع الناس بأسلوب يدل على كمال الإسلام وأخلاقه الجميلة، لكن بمجرد أن تعبس أو يتغير وجهك كل الناس يسألون: ما الذي غير فلاناً؟ لأنهم اعتادوا منك الأخلاق الطيبة والأخلاق الحميدة.

    فإذاً هذا نوع من التغيير وهو التغيير بالصفات والملامح بالعبوس والإعراض والصد.

    وذات مرة دخل يحيى بن معين ومن معه على الإمام أحمد رحمة الله عليه، وكانوا قد أجابوا في فتنة القرآن بالتورية، فلما دخل على الإمام أحمد أعرض عنه الإمام, فصار يحيى يقول: حديث عمار .. حديث عمار .. والإمام أحمد يعرض ولا يجيبه ولا يتكلم معه, حتى قام يحيى ، ومراد يحيى : أن عماراً أكره على الكفر، فقال الكفر وعذره الله عز وجل إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ [النحل:106] لكنَّ الإمام أحمد رحمة الله عليه وهو إمام أهل السنة في زمانه لم يرض بهذا فلما خرج ابن معين وقف على الباب وأنصت ليسمع ماذا يقول الإمام أحمد ، فسمع الإمام أحمد يقول: يقولون حديث عمار، إنما عمار مُسَّ بعذاب وهؤلاء لم يمسوا بعذاب. أي: لم يراه مكرهاً إلا بعد الأذية ويحيى لم يؤذ, فقال: كيف تجيب قبل أن تؤذى؟ فقال يحيى : ما تحت أديم السماء أفقه منه. أي: من الإمام أحمد رحمة الله عليه, فالشاهد: الإعراض، ولذلك أمر الله بالإعراض عن الجاهلين, والإعراض من إنكار المنكر؛ لأنه احتقار وازدراء.

    الإنكار بالقلب

    النقطة الأخيرة التي هي التغيير بالقلب, فالقلب هو آخر المراحل, فالإنسان إذا أعيته الحيلة أن ينكر بيده أو ينكر بلسانه، فإنه لا يجوز له أن يتخلى عن الإنكار في القلب, فإن الحب في الله والبغض في الله, من أوثق عرى الإيمان فتحب في الله ولو كان أبعد الناس منك نسباً، تحبه لأنك تراه على طاعة الله والاستقامة, وتبغض في الله ولو كان أقرب الناس منك، فما نفع ابن نوح بنوته لنوح عليه الصلاة والسلام, ولا نفع زوجته كونها زوجة له، ولذلك تبرأ إبراهيم من أبيه وقومه لما أشركوا بالله عز وجل, ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم في هذه القاعدة من حديث أنس في الصحيحين : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب الرجل لا يحبه إلا في الله ...) فهذه قاعدة الولاء والبراء, بمجرد أن تعلم أن إنسان يتعاطى المنكر تبغض فعله, أما هو فهو مسلم وأخوك في الإسلام, ولا تيئس ولا تقصر في دعوته وهدايته وإرشاده, وتبذل كل ما تستطيع لكن كما قيل لـأبي ذر : [أتبغضه؟ قال: لا. إنما أبغض عمله] يعني فعله هو الذي يبغضه.

    ولذلك ربما ترى إنساناً يشرب الخمر -والعياذ بالله- أو يزني ولكن فيه خير, ابتلاه الله سبحانه وتعالى بهذا الابتلاء فلم يخرج من دائرة الإسلام, يشهد بذلك ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما جلد شارب الخمر سبه الصحابة وعابوه, فقال صلى الله عليه وسلم: مه -كلمة زجر وتوبيخ- لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم إنه يحب الله ورسوله), وفي هذا يقول العلماء: فيه دليل على تعظيم أعمال القلوب, فإن ظاهره فيه إساءة, لكن لما انعقد باطنه على حب الله ورسوله عظَّم الله هذا منه, ولذلك الرجل الذي قتل مائة نفس آخرها عابد -نسأل الله السلامة والعافية- ملوثة يده بسفك الدماء البريئة, حتى إذا كان في آخر عمره خرج بنصيحة العالم الذي قال له: ما يمنعك من التوبة هو إن قريتك قرية سوء, وقرية بني فلان بها قوم صالحون فارتحل إلى تلك القرية, فخرج في آخر عمره، لكن خرج بقلب تائب إلى الله جل جلاله, فحضره الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب, ملائكة العذاب تقول: قتل مائة نفس آخرها عابد, وملائكة الرحمة تقول: إنه تاب إلى الله, يقول بعض العلماء: فعظمت عند الله نيته الصالحة؛ لأنه تاب وأناب وأقبل على الله سبحانه وتعالى, حتى الخطوات التي خطاها قربه الله بها إلى رحمته, ما وُجد قريباً إلى قرية الصالحين إلا قدر شبر, وفي رواية: فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي, وإلى هذه أن تقاربي. معناه: أنه كان قريباً إلى قرية الشر, فانظروا إلى رحمة الله بعباده، وقد قال تعالى: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53] وهذا خطاب للعصاة والمذنبين الذين أسرفوا على أنفسهم.

    فالمهمة والهدف أن نأخذ بالقلوب إلى الله جل جلاله.

    والوصية الأخيرة التي أختم بها هذه الكلمة: أن نعمة من الله سبحانه وتعالى يتذكرها الإنسان إذا حجز عبد عن النار بسببه, تصور لو أن الله قيضك لإنسان في غيه وفجوره وانتزعته هذا الفجور إلى رحمة الله سبحانه وتعالى.

    التنبيه على نقاط مهمة مثل: جذب الناس إلى حلق العلماء, فلا نقتصر على الأداء العملي, لا بد من التوجيه, قد ترى أمامك إنساناً عاصياً فتدله على حلقة عالم, تدله على من يعينه على تجديد التوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى, فلا نقتصر على الإجراء الشكلي, بل ينبغي أن يكون عندنا توجيه, ويكون عندنا إرشاد، ودعوة إلى الخير ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

    نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين, غير ضالين ولا مضلين, وأن يجعلنا ممن وفق للقول السديد والعمل الصالح الرشيد, إنه ولي ذلك وهو على كل شيء شهيد, وأسأل الله العظيم أن يجزي المشايخ ويجزيكم كل خير على ما تكبدتم من مشقة الحضور.

    وختاماً أسأل الله أن يجعل ما قلناه وعملناه خالصاً لوجهه الكريم ليس فيه لأحد سواه حظ ولا نصيب, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية تحصيل الإخلاص

    السؤال: فضيلة الشيخ! تكلمت عن الإخلاص فكيف نحصله؟

    الجواب: الإخلاص لله عز وجل نور يقذفه الله في القلوب, ومن أعظم الأسباب التي تعين على الإخلاص أن تكثر من دعاء الله عز وجل أن يجعل أقوالك وأعمالك خالصة لوجهه الكريم, فإننا لا نستطيع بحولنا وقوتنا أن نكون مخلصين، ولكن التوفيق من الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ [هود:88].

    فإذا افتقرت إلى الله أغناك, وإذا علم الله أنك تحب الإخلاص وفقك إليه ويسره لك، ولذلك أكثر من دعاء الله: اللهم إني أسألك الإخلاص في القول والعمل, اللهم اجعل عملي خالصا لوجهك, دائماً تكثر منها, إذا خرجت من بيتك في الصباح تكثر من هذا الدعاء, إذا كنت في السجود بين الآذان والإقامة التي ثبتت بها الأحاديث الصحيحة، تدعو الله أن يجعل قلبك مخلصاً لوجهه الكريم, وتعتذر إلى الله من كل رياء ومن كل شرك في عملك وقولك حتى ينفحك الله برحمته وييسر لك هذا الأمر العظيم.

    الأمر الثاني مما يعين على الإخلاص: كثرة قراءة القرآن مع التدبر والتأمل إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] فالإخلاص من عمل القلوب, ويحتاج الإنسان إلى هاد يهديه وهو القرآن, فإنه قل أن تجد إنساناً يكثر من تلاوة القرآن إلا عمر الله قلبه بالإخلاص؛ لأن القرآن فيه الوعد والوعيد والبشارة والنذارة والتخويف والتهديد فيكسر القلوب لله جل جلاله, والقرآن يخرجك من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة, وينزعك من مراقبة العباد إلى مراقبة رب العباد سبحانه لا إله إلا هو, ولذلك إذا أردت الإخلاص أكثر من تلاوة القرآن.

    ثالثاً: زيارة المقابر، فتجعل لك ولو في الأسبوع مرة واحدة تزور فيها المقابر، وتنظر إليها حتى تحتقر هذه الدنيا التي أنت فيها، فتصبح أعمالك وأقوالك لهذا الذي أنت مقبل عليه, وتذكر دائماً أنك في مثل هذه اللحظة ستمر عليك وأنت رهين الأحداث والبلاء, لا مال ولا بنون, لا يكون للإنسان إلا ما عمل وأراد به وجه الله جل جلاله.

    فلذلك من الأمور التي تعين على الإخلاص كثرة ذكر الآخرة، إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ [ص:46] كأن سائلاً سأل: ما هي؟ فقال: ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46] هذه من خاصة ما يصطفي الله عز وجل, فإذا ملأ الله قلبك بذكر الآخرة أخلصت لله سبحانه وتعالى.

    ولذلك لا تجد إنساناً قلبه مليءٌ بالدنيا ويخلص أبداً, القلب وعاء إما دنيا وإما آخرة, فمن الأسباب التي تعين على الإخلاص كثرة ذكر الآخرة.

    ومن الأمور التي تعين على الإخلاص: قراءة سير العلماء، فعندك كتب مثل: سير أعلام النبلاء , وكتاب البداية والنهاية لـابن كثير , وغيرها من الكتب، فقراءة التاريخ, وقراءة سير السلف الصالح ؛ لأنها تحيي في النفوس الهمة العالية للخير, ثم تضعك أمام قدوة، ولذلك قال الله عز وجل: وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] فقصص الصالحين تثبت الفؤاد, وتثبت القلوب.

    فمن الأمور التي تعين على الإخلاص قراءة سير العلماء، قال الإمام أبو حنيفة : سير العلماء أحب إلينا من كثير من مسائل الفقه. هذه من الأمور التي تعين على الإخلاص, فيحرص الإنسان دائماً على قراءة هذه السير.

    النقطة الأخيرة: استشعار عاقبة الإخلاص، تصور لو أنك واقف بين يدي الله جل جلاله, وعرض على الله جميع ما قلت وما عملت, فقال الله لك سؤالاً واحداً: هل أردت بهذا وجهي أو غيري؟ فهو أمر عظيم, والله يا إخوان إنه أمر عظيم، كان بعض السلف إذا قيل له: حدثنا، يقول: حتى تأتينا النية, لا يستطيع أن يحدث حتى يستشعر أنه يتحدث لله سبحانه وتعالى, فلذلك يقول سفيان الثوري إمام العلم والعمل في زمانه: ما وجدت أشد عليّ من نيتي إنها تتقلب عليّ, أي: ما قابلت شيئاً أعظم ولا أشد من قلبي. إنها تتقلب علي, أي: تارة أصرفها للآخرة فتنقلب إلى الدنيا وإلى الناس, حتى لو غيرتَ المنكر يأتيك يقول: ما شاء الله سار الناس يذكرونك, وأنت كذا، وهذا شيء طيب، وتسمع الذكر في المجالس ابتلاءً, وتمحيصاً, وقد تجد الرجل يخلص ويخلص إلى آخر لحظة فيأتيه شخص ويقول: ما شاء الله فعل الله بك كذا, وصنع الله بك كذا, فيعجب فيهلك, قال مطرف رحمه الله : [لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إليَّ من أبيت قائماً وأصبح معجباً].

    فلذلك ينبغي للإنسان أن يخاف, وإياك وفتنة المدح والثناء, خاصة الذي يمدحك في وجهك، فاتق الأمور التي تحول بينك وبين الإخلاص، والله تعالى أعلم.

    حكم انتظار الشكر والثناء على العمل من البشر

    السؤال: هل تذمر الرجل من تجاهل أعماله، وعدم الشكر على أعماله, وظهور ذلك في نفسه رغبة للشكر, هل يطفئ من إخلاصه وينقصه؟

    الجواب: إذا كنت تعمل لله فانتظر شكر الله جل جلاله, فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30] فشهد الله من فوق سبع سماوات أن من عمل له عملاً صالحاً، أنه لا يضيع أجر من أحسن عملاً, فتحرص -بارك الله فيك- على أن لا تنتظر إلا ثناء الله, ولا تنتظر إلا مدح الله عز وجل, فإذا فعلت ذلك فإن الله سيجمع لك مدح الدنيا والآخرة, وفي الحديث -وقد حسنه بعض العلماء- يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إن للعبد صيتين -أي: سمعتين- صيتاً في السماء وصيتاً في الأرض, فإذا عظم صيته في السماء وضع له في الأرض) وتجد العلماء لهم في الأرض محبة وذكر, حتى إن كثيراً من العوام يسمع بالشيخ فلان فيحبه ولو لم يره, قد يكون يحبه ولو لم يسمع منه كلمة, ولكن مما سمع من أقواله وأفعاله, لماذا؟ لأن الله وضع له صيتاً في السماء ثم وضع له في الأرض.

    فأنت إذا عملت ابتلاك الله, ومن ابتلاءات الله أنه قد ينسي من فوقك أن يشكرك, قد يكون الله يحبك؛ لأنه لو شكرك فتنت, فأصبحت تعمل للشكر, فقد يريد الله أن يصطفي قلبك له جل جلاله, فلا يجعل أحداً يحمدك ولا أحداً يشكرك, فتصبح واضعاً بصرك في الأرض مطأطأ الرأس كأنك مغمور لا أحد يشعر بك, والخفي له مكانة عند الله سبحانه وتعالى, هذا العبد الخفي: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه إن كان في الساقة ففي الساقة …) إن قالوا له: تقدم، تقدم, قالوا: تأخر، تأخر, المهم أن يعمل في طاعة الله عز وجل.

    الأمر الثاني: إحسان الظن, فهو من الأمور المهمة سواء في أمور الدين أو الدنيا، إذا أحببت أن يتسع العيش, وكانوا يقولون: من سعادة الإنسان -دائماً- أنه إذا وجد شيئاً يعتبر خطأ ممن هو فوقه أو من هو مثله أو ممن هو دونه, التمس له مخرجاً, سبحان الله! إذا حصل شيء كأن لم تشكر فقلت: إنهم نسوني, أو مشغولون, لو كنت مكانهم لشغلت, ثم هذا واجب عليّ فلا أنتظر فيه شكراً, لما تلتمس له مخرجاً يتسع قلبك, لكن بمجرد أن يضيق الإنسان، هؤلاء ما يشكرون, ويبدأ يتذمر فيدخل الشيطان عليه فيقول له: أنت لا أحد يشكر عملك, إذاً لا تعمل، ويبدأ -والعياذ بالله- تنحل عقد الخير منه عقدة عقدة, وتنحل عزيمته على الخير عقدة عقدة؛ لأنه يعمل للناس لا لرب الناس -نسأل الله السلامة والعافية- فهذا من أعظم الابتلاء.

    فانتظر شكر الله واحمد لله جل جلاله أن صرف عنك فتنة المدح خاصة في أمور الدين, الإنسان يحرص على أن ينتظر ثناء الله سبحانه وتعالى لا ثناء أحد سواه, فأنعم بها، فهذه نعمة من الله سبحانه وتعالى, ولله حِكَم, بعض العلماء قد يعيش في زمانه لا يحمده أحد, شيخ الإسلام ابن تيمية -لو تقرأ سيرته- كان أعداءه وخصومه من كل حدب وصوب، ولما توفي وضع الله له القبول من الذكر والتعظيم, حتى إذا قيل: شيخ الإسلام؛ ما يُنصرف إلا إليه, هذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى, قد يعلم الله أنه لو وضع لك الشهرة أمام الناس تفتن, سبحانه! ما أحلمه! وألطفه! وارحمه بعباده.

    نسأل الله العظيم أن يجعل قلوبنا له, وأن يجعل شكرنا منه سبحانه وتعالى، والله تعالى أعلم.

    حِكَمُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومصالحه

    السؤال: فضيلة الشيخ! يصاب المسلم بشعور الإحباط عندما يرى كثيراً من المحرمات والكبائر, وكذلك يجد من يورد عليه بعض أحاديث الفتن ويقول: هذا زمان الفتن، فيكون في عمله ضعف ويقل عمله, فما هو توجيهكم؟

    الجواب: أما بالنسبة لكثرة المنكرات أو وجودها فهذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ [الفرقان:20].

    ثم إن وجود المنكر فيه حِكَم لله سبحانه وتعالى:

    أولاً: استدراج لأهل الفساد؛ لأنه يستدرج، والله سبحانه كيده متين: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183].

    ولذلك يستدرج الله العبد من حيث لا يحتسب, حتى إنك ربما تمر على صاحب المنكر وهو يفعل المنكر بكل طمأنينة وارتياح فاعلم أنه مستدرج, إذا رأيت صاحب المنكر أنه بلغ به أن يظهر منكره وهو مرتاح مطمئن النفس لا يحس بشيء، فاعلم أن هذا من الاستدراج لله جل وعلا وكيده به؛ لأنه لو خاف لقل المنكر, لكن يتركه الله سبحانه وتعالى ويعطيه القوة ويعطيه الجلد.

    الأمر الثاني: أن ظهور المنكر يكون بحكمة لله سبحانه وتعالى بسبب انطفاء الإيمان من القلوب، وقد ذكر بعض العلماء عن رجل أنه كان يسفك الدماء -والعياذ بالله- وكان معه رجل يعرفه في الخير, وكان الرجل مستقيماً في أول أمره -نسأل الله أن يثبتنا وإياكم على طاعته، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا- وفجأة -والعياذ بالله- أصابه فساد فانتهك في الخمور حتى أصبح -والعياذ بالله- مصراً على البغي والفجور, الشاهد: قال العالم للرجل: أرأيت حينما قتلت أول مرة؟ قال: نعم, قال: ماذا أصابك؟ قال: أصابني خوف, قال: وفي الثانية؟ قال: لم أبالِ, وفي الثانية والثالثة لم يبال كذلك، هذا أمر عجيب! يقول بعض العلماء: لأنه لما نزع الإيمان من قلبه -نسأل الله السلامة والعافية- أحس بالضيق؛ لأنه كان في سعة فانتقل إلى الضيق, فالمرة الأولى كُبت عدو الله بسبب خروجه -نسأل الله السلامة والعافية- من كمال الإيمان (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ورد في الحديث: (أن الإيمان يخرج منه حتى يصير كالظلة ثم يرجع إليه ناقصاً على قدر ما انتهك من حدود الله) فالشاهد: أن كثرة المنكر استدراج من الله سبحانه وتعالى لأهل الشر.

    ثالثاً: قوة لأهل الخير, لأن هذا الأمر مسلَّم, حتى الحكماء يقولون: قوة الخير بوجود ما يضاده. ولذلك انظر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم كان بـمكة فجعل الله في وجهه المشركين, وانتقل إلى المدينة فوجد الأنصار والرجال والعدد والعدة وكل شيء يحتاجه بين يديه, بين أمة تفديه بأرواحها, الأنصار كانوا يحبونه وكانوا لا يرضون بأن يمس بأذى صلوات الله وسلامه عليه, ومع ذلك سلط الله عليه اليهود والمنافقين أن يكونوا بجواره, فجمع الله له الكفر بين طائفتين: طائفة تظهر وطائفة تسر, حتى نعلم شعائر الإسلام، نعلم كيف نعامل, يعني: على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من عجائب ما مر -وهذا في الصحيحين - أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم على مجلس من مجالس الأنصار فاختصموا فيه حتى هموا أن يضربوا بعض والرسول صلى الله عليه وسلم بينهم, فهذه فتنة بحضور النبي صلى الله عليه وسلم, وتقع الفتنة ابتلاء من الله واستدراجاً.

    قضية الإفك عرض النبي صلى الله عليه وسلم, خاض فيها من خاض, وهذا يدل على أن الشر وجد ابتلاءً، حتى يظهر إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين, وتنكشف حقائق الناس, ولذلك لا بد من وجود هذا الابتلاء وكثرة المنكرات.

    الأمر الرابع: فيه خير لأهل الخير، فافرض أنك خرجت من بيتك فرأيت منكراً ماذا سيكون في قلبك إذا كان هناك إيمان؟ ستتألم ويتمعر وجهك وتقول: حسبنا الله ونعم الوكيل, هذا الغيظ الذي في قلبك قربة إلى الله سبحانه وتعالى, وعمل صالح، وشهادة منك أنك غير راضٍ على هذا.

    وقد يكون وجود المنكر أيضاً ينبه, فالآن لما ترى المنكر تخاف على نفسك وتخاف على أهلك وولدك.

    وآخر ما أختم به مثالاً من الأمثلة: لو أن الناس في سفينة, والسفينة هادئة دون أمواج وهي على البحر دون أن تجد أي شيء يعكر صفاها, هل يشعرون بمقدار النعمة التي هم فيها؟ قد يغفلون, لكن حينما يمرون بهذا الوضع فيرون أمام أعينهم سفينة تغرق وأناساً تتلاطم بهم الأمواج ماذا سيفعلون؟ سيحمدون نعمة الله على ما هم فيه.

    فلذلك كثرة الفتن لا تدعو الإنسان لأن يتقاعس أو يضعف أو يجبن, لا.

    والذي يهمنا -أيها الإخوة- أن نبلغ رسالة الله, وأن نؤدي أمانة الله، وهذه الأيام وإن عظمت فتنها لكن الأجر فيها عظيم, ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (للعامل فيهن مثل أجر سبعين, قالوا: يا رسول الله! منا أو منهم؟ قال: بل منكم، إنكم تجدون على الحق أعواناً وهم لا يجدون على الحق أعواناً) يقول العلماء: مثل أجر سبعين من الصحابة قالوا: نعم, توضيح ذلك قالوا: في أيام الصحابة لو جئت تنكر منكراً كل الناس معك, وكل الناس تقول: أنت على حق, وهذا منكر وجزاك الله خيراً، ويقفون معه ويشدون من أزره, لكن الآن إذا جاء إنسان ينكر منكراً قالت له الزوجة: لا تنكر, ما نحتاج إلى مشاكل, وقال له الأولاد: لا تنكر, وقال له الأخ: لماذا أنت تؤذي الآخرين؟ مالك ومال الناس؟! ثم جاءه المجتمع: ما هذا؟! يا فلان لماذا تؤذي الناس؟ لماذا تضيق على الناس؟ إذا تكلمت الزوجة وضيقت عليك فلك أجر, إذا تكلم الابن وضيق عليك فلك أجر، والمجتمع كذلك, فتأخذ الأجر من هنا ومن هنا حتى تبلغ أجر السبعين, وهذا يدل على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الزمان, خاصة إذا كان الإنسان جمع بين العلم والعمل والدعوة الصادقة الخالصة لوجه الله الكريم. نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل. والله تعالى أعلم.

    كيفية النصيحة التي تبرأ بها الذمة

    السؤال: فضيلة الشيخ! لي جيران لا يؤدون الصلاة في جماعة فهل تبرأ الذمة بإرسال شريط أو فتوى أو كتاب للجيران, أو لا بد من المناصحة؟

    الجواب: لا بد من المناصحة, لا بد أن تنصحهم وتشعرهم أنك غير راضٍ عما هم عليه، تأتيهم وتزورهم, أو تدعوهم إليك ليزوروك وتجلس معهم, وتقول لهم: أنتم جيران وحقكم كبير عليّ, ومن حقكم عليَّ وحقي عليكم: أن نتناصح، وأن يذكر بعضنا بعضاً، فالصلاة مع الجماعة واجبة قال صلى الله عليه وسلم للأعمى: (أتسمع النداء؟ قال: نعم, قال: أجب فإني لا أجد لك رخصة .), وهو أعمى وتكون الظلمة والمطر. ومن حديث ابن عباس : (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر), فهذا أمر عظيم جداً فيبين لهم وينصحوا ويذكروا, فإذا أقمت الحجة عليهم فقد برئت ذمتك، والله تعالى أعلم.

    كيفية التعامل مع المنكرات المنتشرة

    السؤال: فضيلة الشيخ! هناك منكراتٌ تفشت وعمت مثل: حلق اللحى، وإسبال الثياب، وشرب الدخان، فكيف يكون الإنكار في مثل هذه الحالات؟

    الجواب: تنكر بقدر ما تستطيع, مثلاً: لو رأيت إنساناً يحلق لحيته، وجئته بأسلوب مؤثر وقلت له: يا أخي! النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإعفاء اللحية وإحفاء الشارب، وذكرته وبينت له هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا أجر وقربة, كذلك أيضاً إذا كان إعراضك عنه يؤثر فيه؛ لأن الأمر بالشيء أمر بلازمه, فتنكر عليه على قدر ما تحمله من طاعة الله.

    يا إخواني! من أهم الأمور التي ينبغي للإنسان أن يجعلها نصب عينيه أن يعامل الله سبحانه وتعالى, ربما يجلس إنسان أمامك يشرب الدخان -أكرمكم الله- في وجهك، تصوروا! أولاً: لم يستح منك, ولم يهابك, ولم يجاملك, ماذا بقي له؟ ماذا تنتظر؟ هو على شره، وقد أظهر الشر في وجهك ولم يبال ولم يستح ولم يقدر, فأنت أقم عليه حجة الله، لا نقول: تضربه, أو تؤذيه, بل أقم حجة الله عليه وقل له: يا أخي! اتق الله أولاً في نفسك هذه التي تعذبها, وثانياً: اتق الله في مالك الذي يسألك الله عز وجل عنه, يا أخي! تذكر لو أنك الآن في قبرك هل ترضى أنك تشرب هذا البلاء؟

    نقطة ثانية: بدل أن تأتيه مباشرة بالتخويف ممكن أن تقول له: أسأل الله العظيم أن يعافيك من هذا البلاء, لما تبدأ بالمودة وتقول له: أسأل الله أن يعافيك من هذا البلاء يحس أنك تراه كالغريق، يقول لك: آمين، وربما لا يجيبك, فتقول له: يا أخي! خفف من هذا البلاء بدل من أن تشرب عشرة اشرب خمسة, وأعطه الحل، ولذلك يقول العلماء: لا تبين المنكر دون وضع حل له, ولذلك قال موسى لقومه: يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة:54] فهذا تبيين المنكر, فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة:54] ما اقتصر على تبيين المنكر؛ لأنك إذا بينت له المنكر ولم تبين له الحل يقف حائراً, ولذلك ينبغي أن تبين له الحل وتقول له: يا أخي! خفف, يا أخي! ارفق بنفسك, لا تعذب نفسك، هذا أمر مهم جداً, هذا بالنسبة لمن يتعاطى المنكر خاصة في وجهك فتصدع بالحق وتبين له وتعذر إلى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، فإذا لم تعذر إلى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة فإنه سوف يتعلق بك يقول: يا رب سل هذا رآني على المنكر ولم ينصحني, فالإنسان قدر ما يستطيع يبلغ رسالة الله بالأسلوب الطيب والتوجيه السديد, لعل الله عز وجل أن يعظم له الأجر بذلك، والله تعالى أعلم.

    ضرورة مراعاة المصلحة في الإنكار

    السؤال: يقول كثير من الناس: إن التغيير باليد مقتصر على رجال الهيئة ، فهل يكفي هذا إذا وجدت منكراً أن أتصل بـالهيئة وتبرأ ذمتي بذلك؟

    الجواب: لا شك أنه إذا كانت الهيئة تقوم بمهمتها -وهذا هو الظن بها- أن تتعاون معها، خاصة وأنك إذا غيرت بيدك, قد يحصل أمور لا يحمد عقباها, افرض لو غيرت بيدك وجاء الرجل وجعلك معتدياً عليه واستعدى عليك, فحينئذٍ يكون هناك جهاز مختص بتغيير المنكر فإذا أمكنك أن تتصل به وأن تنسق معه فهذا أمر مطلوب, فيحاول الإنسان بقدر الاستطاعة حتى لا يؤذى أهل الحق, ولا يتسلط أهل الباطل عليهم, فلذلك يتصل الإنسان بالهيئة لتغييره, لكن لو كان الأمر ممكناً للإنسان في حدوده أن ينكره ويغيره بيده وبلسانه مباشرة فليفعل, لكن في الأمور التي تترتب عليها مفاسد أو تكون منها أضرار أو تفتح لأهل الشر سبيلهم، فإنه ينبغي أن يتقيها, يعني: قدر المستطاع، ويدل على هذا قوله تعالى: قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طـه:94] انظر هارون أمام عجل يعبد من دون الله, لكنه انتظر مجيء موسى الذي قال: وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً [طه:97] وأخذ بالقوة حتى أخذ هارون ينكر عليه هذا, قالوا: إنه إذا تيسر الإنكار باليد بوجود من يقوم به، فالإنسان يتعاون مع الهيئة ويتصل بهم، وقد تكون هناك مصالح في هذا الأمر, لكن نترك الأمر بالمعروف نهائياً بناءً على وجود هيئة الأمر بالمعروف فلا, إنما يقوم الإنسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقدر استطاعته, فإذا أمنت المفاسد وتحققت المصالح فثم شرع الله, تبدأ وتنكر وتبين بغض النظر عما سيكون من العواقب الحميدة أو الوخيمة، وأما إذا تيسر وجود من يقوم بهذا الأمر فإن الإنسان يحرص على إقامته, والله تعالى أعلم.

    أسأل الله العظيم أن يجزيكم كل خير, وأن يجمعنا في دار كرامته إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016650278

    عدد مرات الحفظ

    723836136