إسلام ويب

كتاب التوحيد [7]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أول شرك وقع في حياة البشرية كان بسبب الغلو في الصالحين وتعظيم آثارهم، والعكوف على قبورهم، ومن هنا بدأ شرك القبوريين حتى أصبح من أبرز أنواع الشرك في حياة الناس، وحقيقته هو عبادة أصحاب القبور من دون الله تعالى، وللقبوريين شبهات يتعلقون بها ويسوغون بها شركهم وباطلهم، وقد أجاب عنها علماء أهل السنة والجماعة بما يشفي العليل ويروي الغليل، ومن أبرزهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه كشف الشبهات.

    1.   

    القبوريون وشبهاتهم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد:

    فهذا هو الدرس السابع، وهو في شبهات القبوريين، والقبوريون: هم الذين يعبدون القبور، ويعكفون عندها، ويعظمونها، ويغلون فيها.

    وقد بدأت القبورية في تاريخ الإنسانية منذ بداية الشرك، بل إن أول شرك وقع في حياة الإنسانية كان بسبب الغلو في الصالحين، وتعظيم آثارهم، والعكوف على قبورهم.

    وهكذا استمر الشرك في الإنسانية، وفي التاريخ البشري، وكان أبرز نوع من أنواع الشرك في حياة الناس هو التعبد لأصحاب القبور.

    والشبهات التي عند أصحاب القبور التي يسوغون بها الشرك كثيرة جداً، بل إنه عند التفصيل وعند تكثير الأنواع يمكن أن تصل إلى ثلاثمائة شبهة تقريباً، وهذه الشبه جمع أهمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب (كشف الشبهات)، فقد جمع قرابة عشر شبهات، وهي من أهم الشبهات التي يتذرع بها أصحاب القبور فيما يقومون به من شرك مناقض لتوحيد الألوهية.

    وسبق أن بينا أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وأن بعثة الرسل كانت من أجل تقرير هذا النوع من أنواع التوحيد، ولهذا كان أهل الشرك في زمن الأنبياء يعرفون أن الله هو الخالق، الرزاق، المحيي، المميت، المدبر، الذي بيده مقاليد كل شيء، وأنه لا خالق إلا هو، ولا رازق إلا هو سبحانه وتعالى.

    كانوا يعرفون ذلك معرفة تفصيلة، ولكن وقع الشرك عندهم في توحيد الألوهية في عبادة غير الله سبحانه وتعالى، يقول الله سبحانه وتعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [يونس:31]، وهناك مجموعة كبيرة من الآيات تدل على هذا المعنى.

    فإذا عرف الإنسان حقيقة شرك المشركين، وعرف أنهم كانوا يقرون لله سبحانه وتعالى بتوحيد الربوبية، ويعتقدون أن الله هو الخالق، الرزاق، المحيي، المميت وحده، وعرف أن هذا التوحيد لم ينفعهم عند الله سبحانه وتعالى مع أنه نوع من أنواع التوحيد، إذا عرف ذلك عرف التوحيد المطلوب في النجاة عند الله سبحانه وتعالى، وهو توحيد الألوهية.

    فمن جاء إلى الله عز وجل وهو مقر بتوحيد الربوبية وغير مقر بتوحيد الألوهية فلا يقبل الله عز وجل منه هذا النوع من التوحيد، يقول الله سبحانه وتعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106].

    فأثبت لهم نوعاً من أنواع الإيمان، لكن هذا النوع من أنواع الإيمان ما كان لينفعهم؛ لأنهم كانوا يشركون مع الله سبحانه وتعالى في الألوهية، ولهذا استحل النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم وأموالهم، وفارقهم، وفاصلهم، وقاتلهم، وميز بين أتباع دينه وأتباع دينهم، وحصلت بينه وبين قومه معارك كبيرة ومشهورة، وولاء لأصحابه، وعداء للمشركين.

    كل هذا يدل على أن الإيمان بتوحيد الربوبية وحده غير كاف، وأنه لا بد للإنسان -ليكون موحداً عند الله عز وجل- من أن يؤمن بتوحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.

    وينبغي أن يعلم الإنسان أن أهل الشرك ما زالوا إلى اليوم، وأنه لم ينقطع الشرك في حياة هذه الأمة، وسيأتي معنا باب عن هذا الأمر بالتفصيل، فالشرك ما زال واقعاً في هذه الأمة، ولا يمكن أن تطبق هذه الأمة بأكملها على عبادة غير الله سبحانه وتعالى وتقع كلها في الشرك.

    وسنبدأ في بداية الأمر بالباب الثاني والعشرين، وهو الباب الذي يتعلق بكون بعض هذه الأمة يعبد الأصنام ويعبد الأوثان، وهذا يدل على أن الشرك سيبقى في حياة الأمة، ويحتاج منا إلى أن نتعلم العقيدة الصحيحة، ونتعلم كيفية مواجهة هؤلاء المشركين.

    1.   

    وقوع الشرك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم

    قال المؤلف رحمه الله: [باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان.

    وقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء:51]، وقوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60]، وقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21].

    وعن أبي سعيد رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟! قال: فمن؟!)، أخرجاه].

    الآيات الثلاث الأولى في هذا الباب تتعلق بالأمم الأخرى، فقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ [النساء:51] يعني: اليهود والنصارى، يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء:51] الجبت: هو السحر، والطاغوت: هو الشرك عموماً، وفسره جابر بأن كهاناً في أحياء من العرب كانوا يتكهنون للناس ويخبرونهم بالمغيبات، فهذه الآية هي في شرك المشركين السابقين، ولا علاقة لها بهذه الأمة بشكل مباشر.

    والآية الثانية هي قول الله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60]، والطاغوت: هو الشرك، وهذه الآية أيضاً في اليهود.

    والآية الثالثة قوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا [الكهف:21]، وهذا كان في زمن أصحاب الكهف.

    فالآيات الثلاثة كلها في الأمم السابقة، ولكن علاقتها بموضوع كون بعض هذه الأمة يعبد الأصنام هي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر خبراً عن أمر سيقع في هذه الأمة، وهو مشابهة جزء من هذه الأمة لليهود والنصارى والمشركين، فقال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).

    فإذا كان المشركون السابقون قد وقعوا في الشرك فإنه سيقع في هذه الأمة أيضاً بمقتضى خبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أن من هذه الأمة من شابه الأمم السابقة في كثير من الأمور، سواء المتعلقة بالعقائد أو السلوك، فكذلك في هذه الأمة من سيقع في عبادة الأوثان كما وقع فيها بعض الأمم السابقة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولـمسلم عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها -أو قال: من بين أقطارها- حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً)، ورواه البرقاني في صحيحه وزاد: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى)].

    الشاهد من هذا الحديث هو في الزيادة التي رواها البرقاني في صحيحه وهي جزء من حديث ثوبان الطويل، وموطن الشاهد فيه هو قوله: (ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين)، وهذا تصريح بوقوع الشرك في هذه الأمة، (وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان)، وهذا أيضاً واضح، (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي)، يعني من يدعي النبوة، والعدد في قوله: [ثلاثون] ليس مقصوداً، أو يحمل على أنه أقل نوع كما ذكر ذلك بعض الشراح.

    قال: (وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) ثم قال: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق)، إلى آخره.

    والداعي لعقد هذا الباب هو أن الشيخ وجد من القبوريين من يزعم أن الشرك لا يمكن أن يقع في هذه الأمة، وعندما أظهر الشيخ الدعوة إلى توحيد الألوهية ونبذ الشرك في الألوهية انتقده البعض من هؤلاء وقالوا: إن الشرك لا يمكن أن يعود مرة أخرى في المسلمين، واستدلوا على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم)، وفهموه على أنه لا يمكن أن يعود الشرك مرة أخرى في حياة الناس، وهذا خطأ، فإن المقصود بالحديث هو أن الشيطان لما رأى الفتوحات الإسلامية، ورأى ظهور الدين وانتشاره في الأرض يئس أن يعبده المصلون، فكونه ييأس لا يعني أنه لن يعود؛ لأن الشيطان لا يعلم الغيب، فهذا إخبار عن حالة نفسية الشيطان عندما رأى الفتوحات، ورأى ظهور الدين، فأصابه إحباط ويأس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن هل يعني هذا أنه إذا أصابه اليأس والإحباط كان توقعه وفكره صحيحاً؟!

    والجواب: لا.

    فهذا الحديث يدل على ظهور الدين، ولكن لا يدل على امتناع عودة الشرك في حياة بعض الأمة مرة أخرى، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا يثبت ذلك ويوضحه، فالقول بأنه لا يمكن عودة بعض هذه الأمة إلى الشرك قول مخالف لهذه النصوص الظاهرة والواضحة.

    وبناء على هذا نقول: كما أنه لا يمكن أن تعود هذه الأمة إلى الشرك المحض التام بحيث لا يوجد في الأرض من يقوم لله عز وجل بالإسلام والدين الصحيح الحق؛ لحديث الطائفة، فكذلك يمكن أن يعود الشرك في حياة بعض المسلمين، فيعبدون الأوثان والأصنام مرة أخرى، وهذا يقتضي منا أن ندعوا إلى الله عز وجل، وأن نصلح بقدر ما نستطيع، وألا يأخذنا العجب بمعرفتنا ودراستنا للتوحيد إلى ألا يظن أنه لا يمكن أن يعود الشرك مرة أخرى، فهذا غير صحيح، بل يمكن أن يعود الشرك مرة ثانية في حياة بعض المسلمين.

    1.   

    الرد على شبهات القبوريين

    ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كشف الشبهات عشر شبهات ثم رد عليها.

    وفي بداية الكتاب قدم الشيخ بمقدمة عن حقيقة التوحيد، وعن حقيقة الشرك الذي وقع فيه المشركون، وعن طريق المعرفة الصحيحة لتوحيد المرسلين، وتحدث عن أعداء التوحيد، وأن الله سبحانه وتعال قدر لهذه الأمة أن يوجد لها أعداء: للأنبياء الذين بعثوا فيهم، ولأتباع الأنبياء أيضاً، يقول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام:112].

    فهؤلاء الأعداء عندهم علم وفهم وحجج وكتب، ولديهم قدرات وإمكانات، فيأتون بالشبه إلى الناس، ويلبسون عليهم، كما قال الله عز وجل: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:83]، وهذا يدل على أن عندهم شيئاً من العلم أثبته الله لهم ففرحوا به، فهم أهل فصاحة، وأهل حجاج، وأهل علم، وهذا يقتضي من الموحد أن يتعلم التوحيد على صورته الصحيحة وبشكله الصحيح، ثم يعرف شبهات هؤلاء فيفندها ويرد عليها.

    ثم بين رحمه الله تعالى أن الرد على شبهات هؤلاء يكون بطريقتين: الطريقة الأولى: طريقة مجملة أو جواب مجمل، والطريقة الثانية: طريقة مفصلة، أو جواب مفصل.

    الرد المجمل على شبهات القبوريين

    فأما الطريقة المجملة فإنها تصلح في كل شبهة من الشبهات، وهي: تطبيق قول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7].

    فإذا وجدت أمراً مشكلاً فعليك أن ترده إلى الأمر المحكم، والمحكم هو الواضح البين الجلي، وأما المتشابه فهو الغامض والخفي.

    فإذا جاءك أحد القبوريين وأراد أن يستدل على جواز عبادة الأولياء، فبدأ يعظم لك الأولياء ويقول: إن الله عز وجل يقول: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، ويقول في الحديث القدسي: (من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، وبدأ يذكر لك فضل الولاية ومنزلتها ومكانتها يريد أن ينتقل من ذلك إلى جواز عبادته، وأنت لا تستطيع أن تجيب عليه جواباً تفصيلياً؛ فإنك تقول له بالجواب المجمل: إن الله عز وجل أخبرنا في الكتاب، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في السنة أنه يجب أن نعبد الله عز وجل وحده، وعندي على هذا مئات الأدلة التي تدل على أنه يجب أن أعبد الله عز وجل وحده، وإن هذا الكلام الذي تقوله عن الأولياء والأنبياء لا أكذبه، ولكن كونك تستدل به على جواز العبادة استدلال فاسد؛ لأنه يناقض مئات الآيات التي هي عندي محكمة واضحة، وهذا مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله. فهذا جواب مجمل عن كل الشبهات الخاصة بتوحيد الألوهية.

    وهكذا الشبهات التي تتعلق بالأسماء والصفات، وهكذا الشبهات التي تتعلق بالإيمان، فإنك تذكر الشيء المحكم البين الواضح وتقول: هذا أمر بين ومحكم وواضح لا أحيد عنه شيئاً؛ لأن أصحاب الشبهات يأتون إلى بعض النصوص من القرآن، أو السنة، أو أعمال بعض الصالحين التي يكون فيها إشكال أو غموض، أو يكون لها تفسير آخر غير التفسير الذي يعرفه الإنسان، فيشغبون بذلك على العامة ويضللونهم.

    فلو قال لك قائل: إن هناك نبياً من الأنبياء شك في قدرة الله وهو يونس، وذلك عندما قال الله عز وجل: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء:87]، وكيف يظن نبي من الأنبياء أن الله لن يقدر عليه، ولن يستطيع أن يعاقبه؟ فهو بهذا الأمر يتلاعب بك ويحاول إيهامك، مع أن المراد بقوله: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [الأنبياء:87]، يعني: نضيق عليه، وليس معنى (نقدر عليه) هنا من القدرة، وإنما المقصود به: نضيق عليه، فهي كقوله تعالى: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق:7]، يعني: من ضيق عليه رزقه.

    وهكذا يأتون إلى نماذج من هذه الآيات أو الأحاديث ثم يستدلون بها في غير موطنها وموضعها فيشككون الناس، فعلى الإنسان أن يكون عنده أدلة محكمات بينات واضحات يرجع إليها دائماً، وهذا هو المقصود بالجواب المجمل الذي ذكره الشيخ.

    الرد على شبهة جاه الصالحين عند الله تعالى

    أما الجواب المفصل فإنه بحسب تفصيل الشبهات، والشبهة الأولى التي ذكرها تتعلق بمفهوم التوحيد، وهي أنهم يقولون: نحن على التوحيد، ولا نرضى بالشرك، ونحن نؤمن بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، ولكن هؤلاء الصالحين لهم جاه عند الله عز وجل، ونحن نريد أن نصل إلى الله عن طريقهم.

    والخلل في هذه الشبهة هو في فهم التوحيد، فهؤلاء الأشخاص لم يفهموا التوحيد؛ إذ ظنوا أنه يكفي الإنسان أن يؤمن بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، فإذا آمن بذلك حصل له حقيقة التوحيد، وانتفى عنه الشرك، وتصبح بقية أعماله صحيحة.

    فنقول لهم: لقد فهمتم خطأ، فهذا جزء من التوحيد لا يكفي في الإيمان، فقد كان المشركون على ما أنتم عليه، إذ كانوا يقولون بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، وعندنا آيات كثيرة تدل على ذلك، منها قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، وكانوا لا يريدون من أصنامهم إلا أن تقربهم إلى الله زلفى، أي: قربة، كما قال الله عز وجل: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، وعليه فإنكم وقعتم في نفس الشرك الذي وقع فيه الكفار السابقون.

    فهذه الشبهة عندهم الجواب عنها هو أن نردهم إلى أصل محكم عندنا، وهو أن أهل الشرك كانوا يوحدون الله بتوحيد الربوبية، فما نفعهم ذلك؛ لأن توحيد الربوبية -مع أنه جزء من التوحيد- لا يكفي وحده، بل لا بد من أن يضاف إلى ذلك إفراد الله بالعبادة، فإذا لم يضف إلى ذلك فإن الإنسان يبقى على الشرك إذا أشرك.

    الرد على شبهة التفريق بين عبادة الأصنام وعبادة الصالحين

    الشبهة الثانية: تتعلق بالمقارنة بين معبود المشركين ومعبود القبوريين، حيث يقول هؤلاء القبوريون: كيف تقرنون بيننا وبين المشركين الأولين، مع أن المشركين الأولين كانوا يعبدون الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام، وكيف تجعلون الصالحين والأنبياء كالأصنام؟! فالأصنام -ولو قال المشركون: إنها تقربهم إلى الله زلفى- لا تقرب إلى الله في الحقيقة، وأما الأنبياء فيختلفون عن الأصنام، فإنهم سيقربوننا حقيقة؛ لأن لهم جاهاً حقيقياً عند الله سبحانه وتعالى!

    والإشكال في هذه الشبهة هو أنهم ظنوا أن المشكلة التي وقع فيها المشركون الأوائل هي في كونهم اتخذوا آلهة من الأصنام الصماء التي لا تضر ولا تنفع، أما هؤلاء اتخذوا آلهة من الأنبياء والصالحين الذين لهم مكانة.

    والرد عليهم يكون من وجهين:

    الوجه الأول: أن نقول: إن حقيقة الشرك واحدة، سواء صرفت لصنم ووثن أصم، أو صرفت لنبي له جاه ومكانة، فعبادة غير الله واحدة.

    الوجه الثاني: أن نقول: إن الله عز وجل بين في القرآن أن من المشركين من كان يعبد الأنبياء، ومنهم من كان يعبد الصالحين، ومنهم من كان يعبد الملائكة، يقول الله سبحانه وتعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57]، فهذه الآية نزلت في قوم كانوا يعبدون قوماً من الجن، وكان هؤلاء الجنيون المعبودون يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى، أي: كانوا من الصالحين وكان أولئك يعبدونهم.

    فهؤلاء عبدوا جناً صالحين، ومع ذلك اعتبرهم الله عز وجل من المشركين، فالتفريق بين الأصنام والأنبياء والصالحين ليس له مسوغ، يقول الله عز وجل: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [المائدة:75-76]، فهذه طائفة -وهم النصارى- يعبدون المسيح من دون الله، والمسيح نبي من الأنبياء، ومع ذلك لم يعذرهم الله عز وجل بكونه نبياً، فالله عز وجل ما كفر المشركين لعبادتهم الأصنام لأنها حجارة صماء، بل لأن الذي يعبد نبياً أو ولياً أو صالحاً لا يكون معذوراً، فالعبادة في حقيقتها واحدة، سواء صرفت هنا أو هنا.

    ويقول الله عز وجل عمن يعبد الملائكة: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ:40-41]، وهكذا.

    فهذه الآيات تدل على أنه ليس هناك فرق بين من يعبد الأصنام وبين من يعبد الأولياء والصالحين، كما أنها تدل على أن هناك طائفة كبيرة من المشركين كانوا يعبدون الأنبياء، والأولياء، والملائكة، والجن، والصالحين، ومع ذلك اعتبرهم الله عز وجل كفاراً.

    الرد على شبهة إشراك المشركين الأولين في توحيد الربوبية

    الشبهة الثالثة: تتعلق بمسألة حقيقة شرك المشركين، فنحن قد ذكرنا أن حقيقة شرك المشركين كانت في توحيد الألوهية، وكان المشركون يقرون بتوحيد الربوبية كما سبق أن بينا، ويدل على ذلك أدلة كثيرة جداً، فهذه الشبهة الثالثة هي أنهم يناقشون في ذلك ويقولون: المشركون الأولون كانوا يشركون في الربوبية، ولهذا اعتبرهم الله عز وجل من المشركين؛ لأنهم قدحوا في توحيد الربوبية.

    والرد عليهم أولاً بأن نستدل بالآيات الواردة في إثبات أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وقد سبقت.

    ثانياً: نستدل عليهم ببيان غرض المشركين من عبادتهم لهذه الأصنام، يقول الله عز وجل عنهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، ويقول سبحانه وتعالى: وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18].

    إذاً: كانوا يعرفون أن الله هو الخالق، الرازق، وكانوا يتخذون هذه الآلهة لتشفع لهم عند الله.

    ثالثاً: أن الذي يتتبع واقع المشركين في أشعارهم، وأخبارهم، وأحوالهم، يعلم أنهم كانوا يعرفون الله؛ لأنهم كانوا يعظمون البيت، وكانوا يطوفون به عرايا، والسبب في طوافهم عرايا هو أنهم كانوا لا يريدون أن يطوفوا بالبيت بثياب أخذوها من الحرام تعظيماً لله، وكانوا يعرفون الأشهر الحرم ويحرمونها، وكانوا يسقون الحجاج، وكان الحجاج من كل الجزيرة العربية يأتون ويطوفون بالبيت، ويسعون، ويذهبون إلى منى، وإلى مزدلفة، ثم تذهب عامة العرب إلى عرفات، ويبقى القرشيون في مزدلفة ويقولون: نحن الحمس لا نخرج من الحرم تعظيماً له، ثم يعودون مرة أخرى، وكان الرجل إذا وجد غريماً له قتل أباه أو أخاه في الحرم لا يقتله أبداً تعظيماً للحرم.

    ولهذا لما ذهب عبد المطلب إلى أبرهة قال له: كيف تسألني عن أبل وأنا جئت لأهدم كعبتكم؟ فقال: أنا رب أبلي وللبيت رب يحميه. فكل هذا يدل على أنهم كانوا يعرفون الرب، ويعرفون الله، ويعرفون أنه هو المتفرد بالخلق، والرزق، والتدبير، لكن جعلوا هذه الأصنام وسائط بينهم وبين الله.

    فالذي يريد أن ينكر حقيقة شرك المشركين عليه أولاً أن ينكر الآيات الدالة على ذلك، وينكر الآيات التي تدل على طبيعة شركهم وأنها في الشفاعة، وينكر حقائق التاريخ.

    ومن أعجب ما وقفت عليه لهؤلاء القبوريين في رد الآيات الواردة الصريحة في أن المشركين كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق ما قاله محمد علوي المالكي في كتاب (مفاهيم يجب أن تصحح) لما جاء إلى قول الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، قال: (هذا قاله المشركون وهم كذبة) أي أن المشركين قالوا هذا الكلام وهم كاذبون في قولهم.

    فنقول له: كيف عرفت أنهم كانوا كاذبين؟ فإن قال: لأنهم مشركون، فيكون شركهم معارضاً للتوحيد، وحقيقة التوحيد هي توحيد الربوبية، فكيف يعترفون بأن الله هو الخالق، الرازق؟! فلا بد من أن يكونوا كذبة.

    إن قال ذلك قلنا له: فلماذا لم يكذبهم الله في الآيات؟! وكيف يسكت الله عن ذلك؟ ثم إن هناك آيات أخرى كثيرة تدل على ذلك، ثم إن الواقع التاريخي يدل على ذلك، لكن الإنسان إذا كان في قلبه مرض، وكان يريد أن يصل بشبهته إلى شهوته فسيكون من هذا النوع، والعياذ بالله.

    وعلى هذا عامة الصوفية المتأخرين من القبوريين وإن لم يكن كل الصوفية، ففي الصوفية من لم يصل إلى هذه الدرجة.

    الرد على شبهة حصر العبادة في التقرب إلى من يعتقد فيه الخلق والرزق

    الشبهة الرابعة: تتعلق بمفهوم العبادة، فيقول القبوري: إن الشرك هو عبادة غير الله، وأنا لا أعبد هذه القبور ولا أعبد هذه الأضرحة، فنقول له: أنت تأتي فتذبح عندها، فيقول: هذا ليس عبادة، فنقول: أنت تأتي فتضع النذور عندها، فيقول: هذا ليس عبادة، فنقول: أنت تسجد لها، فيعيد ويقول: هذه كلها ليست عبادة، فنقول له: فما هو تعريف العبادة عندكم؟ فيقول: العبادة عندنا: هي أن تقدم الأعمال التعبدية لمن تعتقده خالقاً رازقاً أي: يربط الأفعال بالربوبية، وعليه لا يقع الشرك إلا في الربوبية فقط، أما في الألوهية فلا يمكن أن يقع الشرك استقلالاً، بل لا بد من أن يربطه بالشرك في الربوبية؛ لأن التوحيد عندهم هو توحيد الربوبية فقط، وأما الألوهية فليست داخلة في التوحيد، وإنما هي من الكمالات ومن الأمور المستحبات، وليست داخلة في أصل الدين.

    والرد عليهم في هذه الشبهة يكون بأمور:

    أولاً: نبين لهم مفهوم العبادة الشرعي، ونبين لهم مفهوم العبادة في اللغة، وأن العبادة في اللغة لم تستخدم في الأفعال التي تقدم لمن يعتقد فيه الرزق، والخلق، والرزق، والتدبير، والربوبية، وإنما التعبد في اللغة هو التذلل، والخضوع، فهي مأخوذة من قولنا: طريق معبد: إذا ذللته الأقدام بكثرة المسير عليه.

    وهكذا في عامة لغة العرب، فليس فيها التعريف الذي جاءوا به.

    ثم إذا جئنا إلى الشرع سنجد أن الله عز وجل وصف المشركين بأنهم يعبدون غير الله مع أنهم يقرون بأن الله هو الخالق، الرازق وحده، ولا يصرفون لآلهتهم الربوبية، ولهذا فهم يعترفون حقيقة بأنهم لا يضرون ولا ينفعون، ولكن يريدون منهم الشفاعة، والوساطة عند الله سبحانه وتعالى.

    ونقول لهم: إن الله عز وجل يقول: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، فهل الصلاة إذا صليت لله عبادة؟ فسيضطر إلى أن يقول: نعم، فنقول: هل الذبح لله يوم عيد النحر عبادة؟ فسيقول: نعم هو عبادة، فنقول: إذا صرفتها لله اعتبرتها عبادة، وإذا صرفتها لغير الله لا تعتبرها عبادة! من أين لك هذا التفريق؟! فهذا التفريق ليس له مسوغ وليس عليه دليل، وإنما هو تحكم وهوى.

    والرد الآخر: بيان حقيقة عبادة المشركين، وأنهم وقعوا في شرك الدعاء والذبح وطلب الشفاعة من دون الله عز وجل كما سبق بيانه.

    الرد على شبهة إثبات الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم لطلبها منه في الدنيا

    الشبهة الخامسة: شبهة طلب الشفاعة، فإنهم يقولون للموحد: هل تنكر شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فيقول لهم الموحد: لا، فيقولون له: إذاً: نحن نطلب الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يملك الشفاعة.

    والرد عليهم أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك الشفاعة الآن ولا يملكها في القبر، وإنما يملكها يوم القيامة بعد أن يسجد بين يدي الله عز وجل ويدعو بما ييسره الله عز وجل له، ثم يقول الله له: (ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع)، أما قبل ذلك فإنه لا يملكها.

    فإذا قال لنا: ما هو الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك لا يملكها؟ نقول: الله عز وجل يقول: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44]، فالله عز وجل يحصر الشفاعة له، فهو مالك الشفاعة لا يعطيها إلا يوم القيامة في وقت محدد، وبناء على هذا فالذي يطلبها منه في الدنيا فإنه يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم مالا يملك، وكذلك الذي يطلبها من المقبور يطلبها ممن لا يملك هذه الشفاعة.

    ولهذا لم يطلب أحد من الصحابة رضوان الله عليهم الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وهو حي، وإنما كانوا يطلبون منه أن يدعو الله لهم، أما الشفاعة فإنها تكون يوم القيامة. الرد الثاني: أن يوم القيامة لا يشفع فيه الرسول فقط، بل الملائكة يشفعون، والشهداء يشفعون، والصالحون يشفعون، والعلماء يشفعون، فلماذا لا تطلبون هذه الشفاعة منهم الآن أيضاً؟! فإن قالوا: نعم نطلبها منهم الآن، نقول: وقعتم في الشرك الذي وقع فيه المشركون، كما قال الله عز وجل: هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]، وحينئذ يلزمكم أن تعبدوا وأن تطلبوا الشفاعة من هؤلاء جميعاً، وهم لا يقولون بذلك، وإن قالوا: إنا لا نطلب من هؤلاء الأولياء من الصالحين والشهداء والملائكة الشفاعة الآن؛ لأنهم لا يملكونها الآن، فإننا نقول: وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لا يملكها الآن، وإنما يملكها يوم القيامة، والدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره لا يملك الشفاعة الآن هو أن الله عز وجل بين أن الشفاعة عنده لا تنفذ ولا تنفع إلا بإذنه، فإذا كان الإنسان يطلبها من النبي صلى الله عليه وسلم الآن وتحصل له فما هي فائدة ربطها بالإذن؟! فهذا يدل على أن الشفاعة لا تملك الآن.

    الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في قصة الحشر والبعث يوم القيامة إذا اجتمعوا بين يدي الله عز وجل قوله: (أنا أول شافع وأول مشفع)، والأولية هنا في قوله: (أنا أول شافع)، تدل على أنه لو كان هناك أحد يشفع الآن في زمن البرزخ أو في زمن الحياة لما كان هو الأول، فقوله: (أنا أول شافع) يدل على أن الشفاعة لا تكون إلا يوم القيامة بعد إذن الله سبحانه وتعالى ورضاه عن المشفوع.

    وهذا يدل على أن عقيدتهم في الشفاعة عقيدة فاسدة وباطلة، ونحن لا ننكر الشفاعة المثبتة التي أثبتها الله عز وجل وأثبتها الرسول صلى الله عليه وسلم بشروطها الشرعية يوم القيامة بعد إذن الله ورضاه عن المشفوع، وأما طلبها الآن فلا شك في أنه شرك؛ لأنه طلب من المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى.

    الرد على شبهة حصر الشرك في صرف العبادة لمن تُعتقد ربوبيته

    الشبهة السادسة: خلل في مفهوم الشرك، كما أن عند القبوريين خلل في مفهوم التوحيد، حيث اعتبروا التوحيد هو توحيد الربوبية فقط، وأن التوحيد الذي يكون الإنسان به موحداً هو أن يعتقد أن الله هو الخالق، الرزاق، المحيي، المميت وحده، ولو أنه عبد غير الله في الأعمال بدون ربط ذلك بالخلق والإيجاد، فلا يعتبرونه مشركاً.

    وكذلك حصل الانحراف عندهم في موضوع الشرك، فجاءوا إلى مفهوم الشرك وقالوا: الشرك هو أن يصرف شيئاً من الأفعال والأعمال التعبدية لمن يعتقد فيه الربوبية، أما من لم يعتقد فيه الربوبية فليس صرف العبادة له بالشرك، ولهذا قالوا: نحن لسنا من المشركين ولو صلينا لأهل القبور، وسجدنا لهم، أو ذبحنا لهم، أو طلبنا الشفاعة منهم؛ لأننا نعتقد أنهم لا يملكون الخلق والرزق والتدبير، لأن الذي يملك ذلك هو الله، ونحن نقول لهم: إن اعتقاد امتلاك الخلق، والرزق، والتدبير شرك في الربوبية، وهو نوع من أنواع الشرك.

    ومن أنواع الشرك أيضاً أن يصرف الإنسان نوعاً من أنواع العبادة لغير الله، كأن يطوف بقبر، أو يذبح لغير الله، أو يستغيث بغير الله، ولو كان لا يعتقد أنه هو الخالق والرازق؛ لأن المشركين كانوا لا يعتقدون أن الخالق والرازق هي تلك الأصنام، بل يعتقدون أن الخالق والرازق هو الله عز وجل، ومع ذلك بين الله سبحانه وتعالى أنهم وقعوا في الشرك عندما صرفوا لها شيئاً من أنواع التعبدات بالجوارح أو بالقلوب أو بالألسنة.

    فعندما يقولون: نحن لسنا مشركين، نسألهم فنقول: ما هو الشرك؟ فإذا قالوا: الشرك عبادة الأصنام، نقول لهم: وما معنى عبادة الأصنام؟ وإذا قالوا: إن الشرك هو التعبد لغير الله، أو عبادة غير الله، نقول: وما معنى عبادة غير الله؟ فمثل هذه المصطلحات لا بد من تحريرها؛ لأن الخلاف بيننا وبينهم هو في مفاهيم هذه المعاني الشرعية، فهم يخالفوننا في مفهوم التوحيد، ويخالفوننا في مفهوم الإيمان، ويخالفوننا في مفهوم الشرك، ويخالفوننا في مفهوم الكفر، ويخالفوننا في مفهوم العبادة.

    فلا بد من أن نعرف ماذا يعنون بهذه المصطلحات إذا قالوها؛ لأنهم قد يقولونها وفي أذهانهم مساحة معينة لها، ولها عندنا مساحة أخرى، فلا بد من الاستفصال، وهذه المسألة تسمى مسألة المصطلحات، وهي مسألة حساسة جداً، فلا بد من معرفة مراد المتكلم بهذا المصطلح، ففي اللغة العصرية الجديدة يقولون: لا بد من أن يكون عند الدعاة انفتاح فكري، فلا بد من أن نقول: ما معنى الانفتاح؟ بدلاً من أن نقول: عندنا انفتاح فكري، ونحن لا نعرف يعنون بهذا الانفتاح، فقد يقصدون بقولهم: ليس عندكم انفتاح معنى أنكم أناس منغلقون على الشريعة التي عندكم، وليس عندكم استعداد لأن تقتنعوا بالنظريات الغربية في الحياة الموجودة الآن، سواء في مجال العلوم الإنسانية مثلاً، أو الفلسفية، أو السياسة، أو في أي باب من الأبواب.

    ومعنى هذا أن هؤلاء الذين يريدون الانفتاح يريدون أن نترك ديننا، وأن ننفتح على الغرب ونأخذ ما عندهم من العقائد الفاسدة باسم التنوير والتطوير، وحينئذ نكون منفتحين.

    فنقول: هذا انفتاح لا نريده؛ لأنه انفتاح فاسد، وهو انفتاح يقتضي التخلي عن أحكام الشريعة، فإن ظننتم أن الشريعة نفسها لا تحث الإنسان على العلم والنظر والتفكير فهذا ظن فاسد، وظن سوء في الشريعة.

    والشاهد هو أن المصطلحات لا بد من تحريرها وتحديدها عند المناقشة.

    الرد على شبهة تكفير المشركين بغير عبادة الأصنام

    الشبهة السابعة: هي أنهم قالوا: إن سبب تكفير الله عز وجل للمشركين الأوائل ليس هو مجرد أنهم كانوا يعبدون غير الله كعبادة الأصنام، وإنما كانوا يكفرون بالقرآن، وبنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالإسلام، فكيف تشبهوننا بهؤلاء المشركين؟! فهؤلاء المشركين يكفرون بالقرآن ونحن نؤمن به! وهؤلاء المشركون يكفرون بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نؤمن بها! وهؤلاء المشركون يكفرون بالإسلام ونحن نؤمن به! فكيف تشبهوننا بهؤلاء؟

    فنقول لهم في الرد والجواب: إن الإنسان لو كان مؤمناً بكل أحكام الدين ثم أنكر الصلاة فقط فهل يكون كافراً أم لا؟ والجواب: أنه يكون كافراً بإجماع العلماء.

    ولو كان مقراً بكل شيء وأنكر الزكاة فهل يكون كافراً أم لا؟ ولهذا قاتل الصحابة الذين أنكروا الزكاة وسموهم مرتدين، ولو أن إنساناً أقر بكل شيء في أحكام الدين إلا أنه أنكر الحكم بما أنزل الله، وقال: لا نحكم بما أنزل الله فهل يكون كافراً؟ والجواب: يكون كافراً.

    إذاً: لا بد من أن يعلم الإنسان أن كونه مقر بالقرآن، وبنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالإسلام، مع إنكاره لشيء واحد لا يعني أنه يكون غير كافر، فإذا أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة -ولو كان أمراً واحداً- فإنه يكفر، حتى ولو كان يقول: لا إله إلا الله، ويصلي، ويصوم، ويزكي، أو كان يعمل أي عمل من الأعمال الصالحة، ما دام أنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة ليس فيه خلاف ولا إشكال.

    وأنتم -أيها القبوريون- أنكرتم عبادة الله عز وجل، وصرفتم العبادة لغير الله، فلو أقررتم بنبوة الرسول، وأقررتم بالقرآن، وأقررتم بكل أحكام الإسلام، ثم صرفتم العبادة لغير الله عز وجل، فهذا وحده كاف في أن يكفركم وأن يخرجكم من الدين.

    ولهذا فإن كثيراً من الناس يشغب على أهل السنة ويقول: هؤلاء تكفيريون، وهؤلاء يشتغلون بالتكفير، ونحن نقول: إن أي دين ليس فيه تكفير فإنه ليس بدين، إذ لا بد من أن يكون له حياض، وإلا فلو أن إنساناً جاءنا وأنكر نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وكفرناه، فقال: لا تكونوا تكفيريين، فتركنا تكفيره، ثم جاء واحد آخر وأنكر القرآن فما كفرناه، ثم جاء آخر وأنكر وجود الله فما كفرناه، ثم جاء آخر وسب الله فما كفرناه، فإنه بهذه الطريقة لا يكون لنا دين أصلاً.

    فنحن نكفر هؤلاء الذين أنكروا معلوماً من الدين بالضرورة وليقل الناس ما شاءوا، فلا يهمنا ذلك، بل ما يهمنا هو أننا منضبطون بالنصوص الشرعية، وأننا لا نكفر إلا من كفره الله، فلا نكفر اعتباطاً، وإنما نكفر من كفره الله سبحانه وتعالى، وكفره الرسول صلى الله عليه وسلم بالأدلة الواضحة البينة المقنعة التي ليس فيها إشكال ولا جدال.

    والشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذه الشبهة أطال الكلام في ذكر الأمثلة التي يكفر الإنسان بسببها، فذكر مثال الصلاة والحج والصيام وغير ذلك من الأحكام وأطال في ذلك وذكر أمثلة متعددة.

    الرد على شبهة عصمة الدم والمال بنطق كلمة التوحيد

    الشبهة الثامنة: هي شبهة المرجئة المشهورة، وهي أن من قال: لا إله إلا الله فإنه يعصم دمه وماله ولا يقتل ولا يكفر، واستدلوا على ذلك بحديث إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد عندما قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، والحديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأسامة : (أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟!)، وذلك أن أسامة بن زيد تصارع مع رجل من المشركين في إحدى السرايا، فهرب المشرك من أسامة فطلبه أسامة ، فلما علاه بالسيف قال: (لا إله إلا الله) فقتله، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال: (أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!) فقال: يا رسول الله! إنما قالها تعوذاً، يعني: قالها خوفاً من السيف، فقال: (أشققت عن قلبه؟).

    ونحن نعامل الناس بالظاهر، فمن قال: لا إله إلا الله، فإنا نكف عنه القتل ثم نطالبه بالعمل، فإذا عمل بأحكام الإسلام صار من المسلمين، لكن لو قال: (لا إله إلا الله) ثم اشتغل بالكفر كأن -سجد لغير الله، أو مزق المصحف، أو نقض لا إله إلا الله بأي ناقض من النواقض- فإنه يكفر، فقول (لا إله إلا الله) يكفي في مسألة عصمة دم ونفس من قالها ابتداء، ثم ينظر في حاله، فإن أسلم واستمر على الإسلام وحسن إسلامه فهذا هو المسلم، وأما إذا لم يستمر على إسلامه، وارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام فإننا نستتيبه؛ فإن تاب وإلا قتل وهو غير مسلم.

    فهذه شبهة ليست في مكانها، ولهذا أجمع الفقهاء على أنه الفقهاء لو أن إنساناً قال: (لا إله إلا الله) وجحد الصلاة فإنه يكفر، أو قال: (لا إله إلا الله) وجحد الصيام فإنه يكفر، ولو قال: (لا إله إلا الله) وجحد العبادة يكفر، ولو قال: لا إله إلا الله وجحد أي أمر من الأمور الشرعية فإنه يكفر بإجماع الفقهاء، ويقتل مرتداً، ولهذا فإن الفقهاء عندهم باب من أبواب الجنايات يسمى (باب حكم المرتد)، ويقولون فيه: إن الذي يرتد عن الدين يقتل ردة.

    الرد على شبهة استغاثة الناس بالأنبياء يوم القيامة لفصل القضاء

    الشبهة التاسعة: استدلوا بأن الناس -كما في حديث الشفاعة الطويل- يأتون يوم القيامة ويستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وجاءت لفظة (يستغيثون) في صحيحي البخاري ومسلم ، فقالوا: إذا كان الناس يستغيثون يوم القيامة بآدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وهم أنبياء، فلماذا تكفروننا إذا استغثنا بهم الآن؟

    والجواب على هذا هو التفريق بين أنواع الاستغاثة، فالاستغاثة تنقسم إلى قسمين: استغاثة فيما يقدر عليه المخلوق، وهذا مباح ولا شيء فيه، واستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى.

    فالاستغاثة التي يستغيث بها الناس يوم القيامة معناها أنهم جاءوا إلى الأنبياء وطلبوا منهم أن يدعوا الله عز وجل ويطلبوا منه سبحانه وتعالى أن يخفف عنهم ما هم فيه.

    فهذا من النوع المباح في الاستغاثة، وهو كما تستغيث بصديق لك ليعطيك مالاً، أو ليعطيك كتاباً وهو قادر عليه، فهذا لا شيء فيه، ويصبح معنى الاستغاثة حينئذ: طلب الغوث، وهو النجدة، ولهذا يقول الله عز وجل: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص:15].

    يعني: طلب منه الغوث فيما يقدر عليه، وهو أن يمنعه من هذا الفرعوني الذي يريد أن يؤذيه.

    الرد على شبهة عرض جبريل إغاثته على الخليل حين ألقي في النار

    الشبهة العاشرة: هي قصة إبراهيم عندما ألقي في النار، ففيها أنه لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم عليه السلام: أما إليك فلا، فقالوا: لو كانت الاستغاثة شركاً لما عرضها عليه جبريل.

    والجواب على هذا سهل جداً، وهو أن هذا الخبر ليس صحيحاً، ولم يرد بإسناد صحيح ولا ضعيف، فالخبر لا أصل له كما يعبر المحدثون، وهو مثل حديث (تعلموا السحر ولا تعملوا به) فهذا حديث لو بحثت عنه فلن تجد له أصلاً في الكتب التي خصصها العلماء للأحاديث الموضوعة.

    والأمر الثاني: أنه لو تنزلنا وقلنا: إن هذا الحديث صحيح فإننا نقول: إن جبريل عرض له ما يستطيع عليه، وهو أن يأخذه من الهوى وهو قادر على ذلك، ولكن لا نحتاج إلى هذا التنزل؛ لأن هذا الخبر مكذوب ولا يصح، فلا يكون مقبولاً.

    هذه هي الشبهات التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في هذا الكتاب الصغير المليء بالعلم والفائدة، وهو (كشف الشبهات).

    ونكون بهذا قد انتهينا من موضوع شبهات القبوريين، وهي أكثر من هذا، ولكن اقتصرنا على هذا الكتاب لأننا لا نريد الإطالة.

    1.   

    الشفاعة وأقسامها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الشفاعة:

    وقول الله تعالى: وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [الأنعام:51]، وقوله: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44]، وقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]، وقوله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [سبأ:22].

    وقال أبو العباس : نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك، أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، وقال له أبو هريرة : من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه).

    فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود.

    فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه].

    هذا النص مأخوذ من (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)، وبهذا يتبين من خلال النصوص الواردة في الشفاعة أنها تنقسم إلى قسمين: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة.

    فأما الشفاعة المنفية: فهي الشفاعة التي ادعاها المشركون، وأما الشفاعة المثبتة: فهي الشفاعة الثابتة في القرآن والسنة بشروطها، وهي: الإذن، والرضا عن المشفوع بأن يكون من أهل التوحيد، ويكون ذلك يوم القيامة.

    1.   

    التوسل وأقسامه

    التوسل معناه: الدعاء والطلب بوسيلة.

    والتوسل ينقسم إلى قسمين: توسل مشروع، وتوسل ممنوع.

    التوسل المشروع

    فأما التوسل المشروع: فهو التوسل -أولاً- بأسماء الله وصفاته، وثانياً بالإيمان والعمل الصالح، وثالثاً: بدعاء أحد الصالحين.

    فهذه ثلاثة أنواع من أنواع التوسل المشروع، أما التوسل إلى لله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى، فيقول الله عز وجل فيه: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، فقوله: فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] يعني: اطلبوه بها، وبواسطتها وبوسيلتها، كأن تقول: اللهم إنك أنت الرحمن الرحيم الواحد الأحد الفرد الصمد، فاغفر ذنبي، وهكذا.

    النوع الثاني: هو التوسل إلى لله عز وجل بالأعمال الصالحة، ومثاله قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، فدعا كل واحد منهم الله عز وجل بصالح عمله.

    النوع الثالث: هو التوسل إلى الله عز وجل بدعاء الرجل الصالح، وهذا وارد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويطلبون منه أن يدعو لهم، كما في قصة حديث الأعمى على القول بأنه صحيح، فالأعمى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن يدعو الله له، فلما دعا الله عز وجل سأل الله عز وجل بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (اللهم شفعه في وشفعني فيه) فهذه هي أنواع التوسل المشروع.

    التوسل الممنوع

    أما التوسل الممنوع فينقسم إلى قسمين: توسل بدعي، وتوسل شركي.

    أما التوسل البدعي: فهو التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأي وسيلة من الوسائل غير الثلاث السابقة، مثل التوسل إلى الله عز وجل بجاه فلان من الصالحين، أو بمنزلة فلان من الصالحين.

    فهذه بدعة؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم الإذن فيها، والعبادات مبنية على التوقيف، ولا يصح للإنسان أن يشرع في دين الله عز وجل ما ليس منه، فلا يصح للإنسان أن يدعو الله عز وجل بجاه فلان من الصالحين أو بمنزلته، ثم إن جاه فلان ومنزلته ليس له أي ارتباط عملي وسببي من الناحية الشرعية ولا من الناحية الطبيعية، فليس هناك أي ارتباط.

    وهناك نوع من أنواع التوسل فيه خلاف بين العلماء، وهو التوسل إلى الله عز وجل بذات النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يجوز للإنسان أن يتوسل إلى الله عز وجل بذات النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: اللهم إني أسألك بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو: أسألك بجاه محمد صلى الله عليه وسلم؟!

    فهذه الصيغة موطن خلاف بين العلماء، والصواب أنها لا تجوز؛ لعدم ورود الدليل الواضح الذي يدل على جوازها.

    وغاية ما عند الذين أجازوا هذه الصيغة هو التعلق بحديث الأعمى، وحديث الأعمى فيه إشكالان:

    الإشكال الأول: أن الحديث لم يثبت عند كثير من العلماء.

    الثاني: أن الحديث فيه غموض وفيه مواطن مشكلة.

    ولهذا لا يصح الاستدلال بالحديث الذي فيه غموض ومواطن مشكلة في قضية عقدية كهذه، ولكن هل نتهم من يجوز الدعاء بجاه النبي صلى الله عليه وسلم بالبدعة؟ والجواب: لا نتهمه بالبدعة.

    فإن قيل: فما هو الفرق بين التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم -بمعنى: دعاء الله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم- وبين دعائه بجاه أي شخص آخر؟ قلنا: هناك فرق: فجاه غيره لم يرد فيه أثر ولا حديث، فهو بدعة.

    وأما جاه النبي صلى الله عليه وسلم فورد فيه حديث مشكل، فإذا اجتهد أحد العلماء وأجاز ذلك -لا سيما أنه ورد عن بعض الصحابة أنه كان يجيز ذلك- فيكون هذا من الاجتهاد الذي يعذر فيه صاحبه، لا نبدعه ولا نعصمه في نفس الوقت، وإنما نقول: الصواب هو ترك هذا لضعف حديث الأعمى، ولغموض الاستدلال به.

    ثانياً: التوسل الشركي، وهذا -في الحقيقة- ليس توسلاً، وإنما أدخلناه في التوسل لأن القبوريين يسمونه توسلاً، والتوسل الشركي هو دعاء غير الله عز وجل والاستغاثة بغيره، كدعاء الأولياء والأنبياء.

    فنحن نقول: أولاً إن تسميتكم إياه توسلاً خطأ.

    الأمر الثاني: إنكم لو سميتموه توسلاً فإنا سندخله في التوسل الشركي، فكونكم سميتموه توسلاً لا يعني أنه سيكون من نوع التوسل المشروع، أو أنه داخل في حديث الأعمى؛ لأن حديث الأعمى الدعاء فيه واضح لله، ففيه (اللهم إني أسألك)، وليس فيه (يا محمد! أدخلني الجنة وأخرجني من النار).

    والاستغاثة بغير الله أمرها محكم، فهي من الشرك بغير خلاف بين العلماء المعتبرين، وأما القبوريون فلا يعتبر بهم في هذا الصدد، وخطأناهم في اعتبارهم الاستغاثة بغير الله توسلاً لأن التوسل معناه: الطلب بوسيلة، والاستغاثة معناها: الطلب مباشرة.

    فالتوسل هو: طلب الله بوسيلة، والاستغاثة ليس فيها طلب لله أصلاً، وإنما الطلب فيها لغير الله، فلا تصح تسميتها توسلاً.

    ولهذا ناقش هذه القضية كثيراً ابن تيمية رحمه الله في الرد على البكري في كتاب (الاستغاثة والرد على البكري )، وفي كتاب (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)، وفي: (الجواب الباهر)، وناقشه -أيضاً- أئمة الدعوة في كثير من كتبهم، وبينوا الخلط الوارد عند القبوريين في هذه المسألة، وأن الصحيح هو أن نقول: إن التوسل أصبح مصطلحاً مجملاً قد يريد به أشخاص معاني هي في الحقيقة ليست توسلاً، ولكنهم يسمونها توسلاً، فلا بد من التفصيل فيها.

    فنقول: إن أردت بالتوسل دعاء غير الله فهذا ليس توسلاً، وهو شرك، وإن أردت بالتوسل دعاء الله بوسيلة فبحسب نوع الوسيلة، فإن كانت بالثلاث السابقة فهذا مشروع، وإن كانت بجاه النبي صلى الله عليه وسلم فهذا فيه خلاف، والصواب عدم جوازه، وإن كانت بجاه غير النبي صلى الله عليه وسلم فهذا بدعة، وهو ليس من السنة في شيء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب قول الله تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف:180]:

    ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف:180]، قال: يشركون. وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز. وعن الأعمش : يدخلون فيها ما ليس منها].

    سبق أن تحدثنا عن الشطر المتعلق بإنكار الأسماء والصفات في موضع سابق، وأما ما يتعلق بالتوسل فهو واضح في الآية: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، وهذا نوع من أنواع التوسل المشروع كما سبق بيانه.

    1.   

    الأسئلة

    خرافة سماع صوت امرأة عن طريق التلفون تعذب بسبب تركها للصلاة

    السؤال: انتشرت شائعة بين الناس أن هناك رقماً يتصل به فيُسمع صوت امرأة تعذب بسبب تركها للصلاة، وقد سجل حارس ثلاجة هذا، فما رأيكم في هذا؟

    الجواب: هذه خرافة من الخرافات، ولو كانت موجودة فلا يصح أن تنتشر بين الناس، وانتشار الخرافة بين الناس صار بشكل عجيب، ومثل هذا الرقم يجب أن يوقف من شركة الاتصالات.

    وهناك خرافة ثانية انتشرت أيام تدمير برجي التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر، حيث يقولون: إن هذا التدمير وارد في القرآن، واستدلوا بأرقام الآية، وهي: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ [التوبة:109].

    فأخذوا كلمة (انهار) وقالوا: هذه الكلمة في هذه الآية هي في الجزء الحادي عشر، ورقم السورة تسعة، وسبتمبر هو الشهر التاسع، إذاً: هي المقصودة.

    وهذا عبث في تفسير كلام الله عز وجل، وهو أمر خطير على عقيدة الإنسان، وبعضهم قد يصنع ذلك بحسن نية، لكنه جاهل، والواجب أن مثل هؤلاء الجهال لا يتكلمون، ولو أن كل جاهل سكت أو سأل من هو أعلم منه لما حصل في الناس مشاكل.

    كيفية التوسل بدعاء الصالحين

    السؤال: نريد مثالاً واحداً على كيفية التوسل بدعاء الصالحين؟

    الجواب: مثال ذلك أن تأتي إلى أحد الصالحين ليدعو لك، وبعد أن يدعو لك تدعوا الله عز وجل وتقول: اللهم إني أسألك بدعاء الرجل الصالح الذي دعاك أن تقبل هذا الدعاء ولكن بعد أن يدعو لك ذلك الرجل الصالح.

    الحكم على حديث: (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي)

    السؤال: ما رأيكم فيمن استدل بحديث: (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم

    الجواب: هذا الحديث غير صحيح.

    بيان معنى الوسيلة

    السؤال: ما معنى قوله: (اللهم آت محمداً الوسيلة)؟

    الجواب: الوسيلة: هي منزلة عند الله عز وجل لا تكون إلا لعبد واحد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرجوها.

    توجيه معنى استسقاء عمر بالعباس

    السؤال: ما قولكم في حديث عمر أنه استسقى بـالعباس رضي الله عنه؟

    الجواب: المراد باستسقائه طلب منه الدعاء، إذ جاء إلى العباس وقال: ادع الله عز وجل أن يسقينا، فرفع العباس يديه ودعا الله عز وجل، ودعا الناس بدعائه، فسقاهم الله عز وجل، وهذا نوع من أنواع التوسل المشروع، وهو التوسل بدعاء الصالحين، ولم يدعوا الله بجاه النبي صلى الله عليه وسلم مع أنهم كانوا في المدينة، وجاه النبي صلى الله عليه وسلم له منزلة، مما يدل على أن تركهم كان مقصوداً.

    أسس دعوة أصحاب الشبهات من أهل البدع

    السؤال: كيف ندعو الشيعة إلى الله عز وجل، خاصة الزيدية، حيث يكثرون في الحرم؟

    الجواب: دعوة أصحاب الشبهات تحتاج إلى تأهيل علمي قبل أن تدعوهم، وبحيث تكون لديك القدرات العلمية في معرفة العقيدة الصحيحة والرد على الفرق، فتستطيع أن ترد عليهم، ويكون عندك منطق وحجة وقدرة على الحجاج والمناقشة.

    أما أن تتعرض لأهل البدع وأهل الضلالة المنحرفين وليس عندك علم فقد تقع في الغواية والعياذ بالله، والإنسان لا يجعل دينه عرضة للخصومات كما قال عمر بن عبد العزيز .

    الرد على الاستدلال بحياة الرسول في قبره على الاستشفاع به

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره فلذلك نحن نتقرب إلى الله ونتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ليشفع لنا، وكيف ترد عليه؟

    الجواب: نقول: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم حياً في قبره فإنه ليس هناك ارتباط سببي بيننا وبينه، سواء من الجهة الشرعية أو من الجهة الطبيعية.

    ولهذا فالقبر كان موجوداً عند الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يثبت أن أحداً من الصحابة كان يأتي إليه ويطلب منه الوسيلة أو يطلب منه الدعاء كما كانوا يأتونه في حياته ويطلبون منه الدعاء، وبناء على هذا يعرف أن هذا الكلام ساقط ولا يصح الاعتماد عليه.

    حكم الحكم بغير ما أنزل الله

    السؤال: هل نكفر من يحكم بغير ما أنزل الله، أم نقول: هي كفر دون كفر؟

    الجواب: الحكم بغير ما أنزل الله أنواع وليس نوعاً واحداً، وكل نوع له حكمه الشرعي، فالذي ينكر الحكم بما أنزل الله كافر، والذي يستحل الحكم بغير ما أنزل الله كافر، والذي يعرض عن الحكم بما أنزل الله إعراضاً تاماً ويستبدله بشريعة يضعها من عنده ويشرع للناس كافر.

    أما الحاكم القاضي الذي يقر بأحكام الله سبحانه وتعالى، ولكن يحكم في المسألة والمسألتين لهوى وشهوة في نفسه فإنه لا يكون كافراً؛ لأنه معترف بأن أصل الحلال والحرام من عند الله عز وجل، ولم ينقض هذا الاعتراف بفعله، وفعله من جنس الذنوب والمعاصي.

    ما يجزئ المرء في دينه

    السؤال: ما حكم من يصلي ويصوم ويزكي ويتصدق ولا يعرف منهج التوحيد، مثل كبير السن؟

    الجواب: لا يشترط أن يقرأ كتاب التوحيد، بل يكفي أن يعرف أن الله عز وجل واحد، وأن العبادة يجب أن تصرف لله سبحانه وتعالى، ولا يجوز أن تصرف لغيره سبحانه وتعالى، ولا يشرط أن يكون كاتباً ولا دارساً ليكون موحداً.

    حكم تكفير المسلم

    السؤال: إذا قال شخص لآخر: (يا كافر) فهل معناه الكفر المخرج من الملة؟

    الجواب: الواجب هو الابتعاد عن التكفير بغير علم، فلا يجوز للإنسان أن يتهم أخاه بالكفر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما)، يعني: إما أن تقع عليه فعلاً إذا كان كافراً، وإما أن ترجع وتقع عليك إذا لم يكن كافراً.

    حكم السفر إلى دول الكفر لطلب العلم

    السؤال: ما حكم السفر إلى دول الكفر لطلب العلم؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل، والأصل هو جواز الذهاب إلى بلاد الكفر للتعلم لحاجة، وأما لغير حاجة فالأصل عدم الجواز.

    حكم سؤال الله شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: لو دعا رجل وقال: اللهم شفع في نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، أو قال: اللهم ارزقني شفاعة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فما حكم دعائه؟

    الجواب: هذا جائز؛ لأن هذا دعاء لله، وهذا لم يطلب الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما طلبها من الله المالك لها.

    حكم قتل الكافر وأخذ أمواله

    السؤال: هل يجوز اغتيال الكافر وأخذ أمواله؟

    الجواب: الكافر ليس نوعاً واحداً، بل الكفار أنواع، فهناك كافر محارب، وهذا يجوز قتله وأخذ ماله، ويكون ماله غنيمة، وهناك كافر بيننا وبينه عهد وميثاق؛ فهذا لا يجوز أن نقاتله إلا إذا نبذنا إليه عهده، أي: أخبرناه أنه لا عهد بيننا وبينه، وهناك نوع آخر من أنواع الكفار، وهم الرسل الذين يأتونا من الكفار برسالة معينة في قضية معينة، وهؤلاء لا يجوز قتلهم.

    وهناك الكافر المستأمن، وهو كمن يأتي ليعمل في شركة من الشركات وبينه وبين الحكومة عقد وله أمان، فهذا لا يجوز قتله.

    ونحن أمة الإسلام لا نغدر ولا نخون، والقتل في حد ذاته ليس هدفاً مقصوداً، وإنما المقصود هو كسر شوكة الكفر والكافرين، ولهذا ينبغي التنبه لهذه المسألة، فالكفار ليسوا صنفاً واحداً، فنحن عندما نتحدث عن الكفار وأنه يجوز قتلهم وأخذ أموالهم، وأنهم أعداء لله ولرسوله فهذا صحيح في الجملة، لكن عند التفصيل العملي نقول: الكافر إذا كان مستأمناً لا يجوز قتله؛ لأن هذا خيانة وغدر، فإذا كان بينك وبينه عهد فلا بد من أن تنبذ إليه وتخبره بأنه ما عاد بيني وبينك عهد، ثم تقاتله، أما إذا كان كافراً حربياً في أرض المعركة فإنه يجوز قتله، ولا إشكال في ذلك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042579859

    عدد مرات الحفظ

    731526080