إسلام ويب

كتاب التوحيد [1]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • توحيد الإلهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة والكفر بما يعبد سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله المتضمنة لنفي عبادة غير الله وإثبات العبادة له سبحانه، وهذان الركنان (النفي والإثبات) لا يتحقق التوحيد بدونهما، وقد جاءت النصوص مبينة فضل توحيد الألوهية وأهميته، ومنزلة محققيه وفلاحهم ونجاتهم وفوزهم في الدنيا والآخرة.

    1.   

    طرق شرح كتاب التوحيد

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وارزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنك على كل شيء قدير.

    أما بعد:

    فإن الدرس الذي سنبدأ فيه -بإذن الله تعالى- هو درس في (كتاب التوحيد) للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهذا الكتاب من الكتب المتميزة في شرح قضايا توحيد الألوهية شرحاً مفصلاً ودقيقاً إلى درجة كبيرة، وهذا الكتاب يمكن أن يشرح شرحاً طويلاً، ويستغرق سنوات طويلة، ويمكن أن يختصر شرحه في أسابيع بحسب طريقة الشرح، وطريقة العرض والمناقشة.

    والطول والقصر في الدروس راجعان إلى الطريقة التي يتم بها الدرس، فيمكن أن تكون هناك طريقة متوسعة، بحيث يشرح فيها كل ما يتعلق بالآية أو الحديث أو المسائل التي ذكرها الشيخ، ويفصل في ذلك كثيراً، ويمكن أن يختصر ذلك، فيكون الشرح بطريقة التقعيد والتأسيس، ولهذا شرح الكتاب بهاتين الطريقتين: فشرحه بالطريقة الأولى الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه المشهور: (تيسير العزيز الحميد)، لكنه لم يكمل هذا الشرح، حيث قتل شهيداً -رحمه الله تعالى- على يد إبراهيم بن محمد علي باشا المتعصرن الذي جاء إلى نجد في تلك الفترة، وأتم هذا الشرح وأكمله عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه المشهور (فتح المجيد).

    وفي هذه الطريقة الأولى -طريقة التوسع والتطويل- قد تذكر مسائل كثيرة لا صلة لها في موضوع التوحيد؛ لتضمن النص القرآني أو الحديث النبوي لها، أو المسألة التي أشار إليها الشيخ.

    وهناك الشرح المختصر الذي يمكن أن يقتصر فيه على مسائل توحيد الألوهية بشكل مباشر، وبشكل منظم، وكان من أفضل هذه الشروح شرح الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتاب (القول السديد في شرح كتاب التوحيد)، وهو كتاب مشهور ومطبوع، شرح فيه كتاب التوحيد شرحاً مختصراً جداً، حيث يأتي إلى الباب ويذكر فيه الكلام الأساسي الذي من أجله عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الباب.

    والطريقة التي سنتبعها في الشرح بإذن الله تعالى هي أننا سنأخذ الأبواب الموجودة في كتاب التوحيد -وهي ستة وستون باباً- ونجعلها على شكل محاور وموضوعات أساسية، وهذه الموضوعات الأساسية يمكن تطويلها، ويمكن ضم بعضها إلى بعض، وقد جعلناها ثمانية محاور، وكل محور يوجد فيه عشرة أبواب أو أقل.

    وهذه الطريقة في الدراسة يمكن أن نسميها الطريقة الموضوعية؛ لأنه ليس الهدف من دراسة الكتاب هو الوقوف على كل لفظة وشرحها، والحديث عنها بشكل مفصل، وإنما المقصود بيان الهدف الأساسي الذي أراد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أن يوصله إلى الناس من خلال كتابه هذا الذي هو (كتاب التوحيد).

    والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم يؤلف هذا الكتاب في مجلس واحد، وإنما ألفه في فترات متعددة، حيث كان يستعرض القرآن والأحاديث النبوية، ويجمع كل ما يتعلق بتوحيد الألوهية من الآيات والأحاديث، وبعد سنوات اجتمعت لديه مجموعة كبيرة من الآيات، ومجموعة كبيرة من الأحاديث، فصنفها على شكل أبواب، مثل طريقة العلماء السابقين، كطريقة الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، فخرجت هذه الأبواب الموجودة، إلا أن كل كتاب يكون للمبوب له نظرة في تبويبه، وقد تكون هناك نظرة أخرى لغيره فيها، ولهذا اجتهدنا في هذه الطريقة التي هي محاولة تقسيم الكتاب على شكل محاور، ومناقشة هذه المحاور، ثم استعراض الكتاب، ثم استعراض هذه الأبواب، والتعليق عليها بشكل مختصر.

    1.   

    تقسيم التوحيد

    المحور الأول الذي سنبدأ به -إن شاء الله تعالى- هو توحيد الألوهية، مفهومه، وأهميته، وفضله، وحماية الرسول صلى الله عليه وسلم له، فالكلام هو فيما يتعلق بتوحيد الألوهية في ذاته من ناحية تعريف هذا التوحيد وتفسيره، ومن ناحية أهمية هذا التوحيد، ومن ناحية فضل هذا التوحيد، ومن ناحية حماية النبي صلى الله عليه وسلم له.

    وهذا المحور قد استغرق قرابة سبعة أبواب سنتحدث عنها إن شاء الله بالتفصيل، وهناك محاور تتعلق بالشرك وأنواعه سنأخذها بالتفصيل، وهناك محاور أخرى سنأخذها بشكل متتال إن شاء الله تعالى.

    إن توحيد الألوهية هو نوع من أنواع التوحيد، والتوحيد ينقسم بحسب الاعتبار الذي ينظر إليه المقسم، فإذا جاء إلى التوحيد باعتبار الموحِّد قسمه إلى قسمين: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد القصد والطلب، أو التوحيد العلمي الخبري، والتوحيد الإرادي الطلبي.

    وإذا جاء إلى التوحيد باعتبار جهة الموحد وجده ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فإذا عرفنا الجهة التي ينظر من خلالها إلى التوحيد نفهم سبب التقسيم عند أهل العلم، واختلاف التقسيم عند أهل العلم؛ إذ إننا نجد بعض العلماء يقسمه إلى ثلاثة أقسام، وبعضهم يقسمه إلى قسمين، والحقيقة هي أن التقسيم عمل فني أكثر من كونه معنوياً، حيث ينظرون إلى المعاني ثم يقسمونها، ولهذا يقسمون الواجب في أصول الفقه إلى قسمين: واجب عيني، وواجب كفائي، ثم يقسمونه إلى واجب موسع، وواجب مضيق، وهكذا في عامة العلوم الأخرى.

    ونحن سنشرح هذه الأنواع الثلاثة بناءً على التقسيم المشهور، وهو التقسيم باعتبار الموحَّد، وهو الله سبحانه وتعالى، فينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

    أما توحيد الربوبية فهو توحيد الله عز وجل وإفراده سبحانه وتعالى بالخلق والرزق والتدبير.

    وأما توحيد الألوهية فهو إفراد الله بالعبادة والتأله.

    وتوحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله عز وجل بالأسماء الحسنى والصفات العليا، التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا التقسيم لأنواع التوحيد الثلاثة مبني على الاستقراء، وذلك أن العلماء نظروا في النصوص الشرعية واستقرءوها فوجدوا أن التوحيد فيها ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة.

    توحيد الربوبية

    أما توحيد الربوبية فمثاله قول الله عز وجل: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54].

    ووجه الاستدلال بهذه الآية هو أنه قدم ما حقه التأخير لفائدة؛ إذ إن أصل الجملة في تركيبتها: (الخلق والأمر له) فقدم الجار والمجرور لفائدة بلاغية، وهي إفادة الحصر والقصر والاختصاص، وهذا هو معنى التوحيد.

    والخلق معروف، وأما الأمر فينقسم إلى قسمين: أمر كوني، وأمر شرعي.

    فأما الأمر الكوني فهو موافق لمعنى الخلق، وأما الأمر الشرعي فهو التشريع الذي هو إحلال الحلال وتحريم الحرام، وهو حق خالص لله سبحانه وتعالى.

    توحيد الألوهية

    وأما توحيد الألوهية فهو إفراد الله بالعبادة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36].

    وأخبر تعالى عن دعوة الرسل بأنه كلما جاء رسول يدعو قومه قال لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، وهذا هو معنى (لا إله إلا الله) كما سيأتي معنا مفصلاً.

    ووجه الحصر والاختصاص والقصر في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هو الجمع بين الإثبات والنفي والاستثناء، والاستثناء هنا يدل على الحصر في المستثنى، وهو الله تعالى، وهذا يدل على أن الألوهية الحقة مستثناة لما بعد أداة الاستثناء (إلا)، وهو الله سبحانه وتعالى.

    توحيد الأسماء والصفات

    أما توحيد الأسماء والصفات فقد بينه الله سبحانه وتعالى بقوله: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، وهذا أيضاً يفيد الحصر بنفس الطريقة التي أفادها الحصر في توحيد الربوبية، حيث قدم الجار والمجرور، وتقديم الجار والمجرور يراد به إفادة الحصر والاختصاص.

    ولكل واحد من الأنواع الثلاثة أمثلة كثيرة غير ما ذكرنا.

    1.   

    مفهوم توحيد الألوهية

    أما توحيد الألوهية فهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، ومعنى العبادة يبينه ابن تيمية رحمه الله في رسالته (العبودية) بقوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

    والعبادة مأخوذة من التعبد، يقال: طريق معبد: إذا ذللته الأقدام بالسير عليه، فالتعبد في اللغة مأخوذ من الذل والخضوع، وزاد الشرع فيه المحبة أيضاً، فأصبحت العبادة في الاصطلاح الشرعي يراد بها تمام الذل والخضوع مع كمال المحبة، فإذا حصل هذان فإن العمل يكون عبادة، فإذا صرفت لله عز وجل فهي توحيد، وإذا صرفت لغيره فهي شرك وتنديد.

    مفهوم توحيد الألوهية عند أهل السنة

    ومفهوم العبادة واضح عند أهل السنة، لكن هناك طوائف -مثل القبوريين- يخالفون في مفهوم العبادة، فيجعلون العبادة إفراد الله بالخلق، مع أن الألوهية مشتقة من الإله، والإله بإجماع النحاة وإجماع المفسرين معناه (المعبود)، و(إله) فعال بمعنى (مفعول)، أي: مألوه، ومعنى (مألوه) معبود بالمحبة والتوكل والرضا والخوف والإنابة والرغبة والرهبة، وما إلى ذلك من أنواع العبادات، ولهذا يقول الله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84] قال قتادة -كما روى ابن جرير الطبري -: معبود في السماء ومعبود في الأرض.

    هذا هو ما يتعلق بمفهوم توحيد الألوهية، وقد يعبر عن توحيد الألوهية بتوحيد العبادة، وهو تعبير آخر، فتوحيد الإلهية: نظر فيه إلى جانب الإله، وتوحيد العبادة ينظر فيه إلى جانب العبد، فتوحيد الألوهية يعني: توحيد التأله لله سبحانه وتعالى، وتوحيد العبادة يعني: توحيد فعل العبد -الذي هو عبادته- لله سبحانه وتعالى، وسيأتي معنا عند قراءتنا للنصوص كيف يكون الربط بين مفهوم (لا إله إلا الله) وبين النصوص التي تدل على العبادة.

    وبعض العلماء يقسم توحيد الألوهية إلى قسمين: توحيد التنسك أو النسك، وتوحيد الطاعة والتشريع، والحقيقة هي أن القسمين عبادة لله سبحانه وتعالى، فالنسك والتنسك مثل: الذبح، والخضوع، والذل، والمحبة، والخوف ونحو ذلك من أفعال العبد، فهي تنسك وهي تعبد في ذات الوقت.

    والطاعة والتشريع أيضاً من العبادة، ولهذا يقول الله عز وجل: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40] فسمى الحكم عبادة.

    و(لا إله إلا الله) هي كلمة مركبة من جملتين: الجملة الأولى: هي جملة النفي (لا إله)، والجملة الثانية: هي جملة الإثبات (إلا الله)، فأما الجملة الأولى التي هي جملة النفي (لا إله) فمعناها: لا معبود ولا مربوب ولا مشرع ولا محبوب محبة تأله بحق إلا الله سبحانه وتعالى، فيجب أن يعبد وحده دون شريك، فهي تتضمن أمرين:

    الأمر الأول: إيجابي، وهو التعبد لله عز وجل، بمعنى: صرف العبادة له، وهذا مأخوذ من الإثبات.

    والأمر الثاني: سلبي، وهو البراءة من كل معبود غير الله عز وجل، وقد يسمى الطاغوت، وقد يسمى الشرك، وقد يسمى الكفر، وقد يسمى النفاق، وكل معبود ومألوه تصرف له العبادة غير الله عز وجل يجب بغضه وكرهه والبراءة منه، كما سيأتي معنا تفصيلاً، وهذا هو مفهوم الألوهية.

    مفهوم توحيد الألوهية عند القبوريين

    أما القبوريون فإنهم يرون أن الألوهية مشتقة من الإله، و(إله) على وزن فعال بمعنى (فاعل) أي: (آله) بمعنى: خالق، فهم يفسرون توحيد الألوهية بأنه توحيد الربوبية، فيجعلون توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية بمعنى واحد لا يفرقون بينهما، ويقولون: التفريق بينهما خطأ كبير، وبناءً على هذا جعلوا الشرك منحصراً في الربوبية فقط، فمن نسب الخلق لغير الله عز وجل، أو نسب التدبير لغير الله عز وجل؛ فإنهم يعتبرونه مشركاً، أما لو صرف الخوف والمحبة وأنواع المرادات لغير الله عز وجل فإنهم لا يعتبرونه مشركاً، ومن هنا وقعت الخصومة الكبرى بين أهل السنة من جهة، وبين القبوريين من جهة أخرى، فأعمال عباد القبور عند القبور -مثل: الطواف حول القبر، والذبح لصاحب القبر، والنذر، والاستغاثة، ودعاء صاحب القبر ونحو ذلك -نرى أنها شرك أكبر؛ لأنها صرف للعبادة لغير الله عز وجل، أما هم فإنهم لا يرونها شركاً؛ لأنهم يقولون: إن هؤلاء لا ينسبون الخلق لغير الله، فقلنا لهم: وإذا كانوا لا ينسبون الخلق لغير الله فهل يعني هذا أنهم من الموحدين؟ فقالوا: نعم؛ لأن التوحيد هو إثبات أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت.

    أما نحن فنقول: التوحيد ليس هو إثبات أن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت فقط، بل هو أيضاً إفراد الله بالعبادة، ولهذا كان المشركون يعرفون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ولم ينفعهم ذلك، يقول الله سبحانه وتعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106] فأثبت لهم شيئاً من الإيمان، لكنه لا ينفعهم، قال ابن عباس في هذا الإيمان الذي لا ينفعهم: إذا سألت أحدهم: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ قال: الله، فهذا لا ينفعه؛ لأنه سبحانه قال: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106].

    ومن هنا لما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: قولوا: لا إله إلا الله، وهم يعترفون بأن الله الخالق والرازق والمحيي والمميت، فلم يقولوا ذلك موافقة له؛ لأنهم عرفوا حقيقة دين الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ [ص:5] يعني: المعبودات إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5].

    وعندما نوقشوا في كونهم يعبدون الآلهة وهي أصنام قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] فصرحوا بلفظ العبادة فقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ ، فلم ينسبوا إليهم الخلق والرزق والإحياء والإماتة كما يظن القبوريون، وإنما عبدوهم من دون الله سبحانه وتعالى.

    فحقيقة توحيد الألوهية هي صرف العبادة لله، والموحدون يتفاوتون في توحيد الألوهية، فبعضهم عنده أصل التوحيد، ولكن عنده ذنوب ومعاص تقلل من توحيده، وبعضهم توحيده تام كامل؛ لإتيانه بأصول العبادات والواجبات والمستحبات، ولهذا سيأتي معنا أن التوحيد ينقسم إلى قسمين:

    توحيد تام يكون لصاحبه الأمن والاهتداء التام، وتوحيد ناقص يكون لصاحبه أصل الأمن والاهتداء، ولكن ليس له الأمن التام، فقد يخاف، ولكن مرده إلى الأمن بإذن الله تعالى.

    1.   

    باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، وقول الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57]].

    عقد المؤلف هذا الباب ليبين أن ترك الشرك ركن أساسي في توحيد الألوهية؛ لأن الآية تخبر عن المشركين الذين يعبدون الصالحين، حيث قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يعني: يدعونهم. فالمقصود بقوله: أُوْلَئِكَ الإشارة إلى من يدعوهم المشركون، يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ يعني: من الأنبياء والصالحين المعبودين من دون الله سبحانه وتعالى.

    فترك الشرك والبراءة منه داخل في أساس الدين وفي أصل الدين، فلو أن إنساناً قال: أنا أعبد الله، لكن لا أتبرأ من الشرك، ولا أقر بأن المشرك يكون من أهل جهنم، فإنه لا يعتبر موحداً.

    ولهذا فإن الدعاوى الموجودة في هذا العصر التي يرددها بعض الناس، حيث يقولون: إن اليهود والنصارى ليسوا كفاراً، وإننا نحن وإياهم نلتقي في الملة الإبراهيمية، وإننا جميعاً من أهل الجنة، وإن الإسلام طريق إلى الله، واليهودية طريق إلى الله، والنصرانية طريق إلى الله، هذه الدعاوى كفر أكبر، وقائلها لم يحقق أصل الدين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:26-28]].

    قال المفسرون في قوله تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً قالوا: الكلمة هي (لا إله إلا الله)؛ لأن هذه الآية مطابقة لمعنى (لا إله إلا الله)، فقوله: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ يطابق (لا إله)، وقوله: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:27] يطابق: (إلا الله).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31]].

    هذه الآية أيضاً مطابقة لمعنى لا إله إلا الله، فقوله: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31] يعني: أشركوا مع الله عز وجل الأحبار -وهم علماء اليهود- والرهبان، -وهم عباد النصارى- حيث اتخذوهم أرباباً؛ لأنهم يحلون لهم الحرام فيتبعونهم، ويحرمون عليهم الحلال فيتبعونهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فتلك عبادتهم)، وهذا هو معنى قول الله عز وجل: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40].

    ولم يكتف المؤلف رحمه الله بالآية الأولى في الدلالة على مطابقة كلمة التوحيد لدعوة إبراهيم عليه السلام لأن الذي جاء في الآية الأولى آية الزخرف، -وهو قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف:26] هو صنف من أصناف العبادة، وهذا صنف آخر، وهو الحكم والتشريع.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165]].

    هذه الآية فيها بيان للمحبة ووقوع الشرك فيها، وسيعقد الشيخ لها باباً مستقلاً بإذن الله تعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل)].

    قوله: (من قال: لا إله إلا الله) هذا هو الجانب الإيجابي، وهو فعل العمل الصالح، يعني أن قول (لا إله إلا الله) والصلاة والصيام والمحبة والخوف كل ذلك ينبغي أن يُصرف لله سبحانه وتعالى، وهذا موافق لقوله: (إلا الله).

    وأما الجانب السلبي الآخر فهو قوله: (وكفر بما يعبد من دون الله)، فقد جعل الكفر بما يعبد من دون الله داخلاً في أصل الدين، حتى إنه لا يقبل إسلام الشخص إذا لم يكفر بما يعبد من دون الله؛ لأنه قال: (حرم ماله ودمه وحسابه على الله).

    فهذا الباب المقصود به بيان حقيقة توحيد الألوهية، وتفسير شهادة أن لا إله إلا الله، وأنها مركبة من ركنين أساسيين:

    الركن الأول: النفي، ومعناه: نفي الأرباب ونفي الأنداد ونفي الطواغيت ونفي الآلهة.

    الركن الثاني: إثبات العبادة لله وحده سبحانه وتعالى.

    1.   

    أهمية توحيد الألوهية

    لهذا المحور الذي سنتحدث عنه أهمية كبيرة جداً؛ لأن الإنسان إذا عرف توحيد الألوهية علم أنه هو حقيقة الإسلام، ثم إذا أراد أن يتحدث عن أهمية الإسلام فإنه يجد شيئاً كثيراً، ولكننا سنحصر أنفسنا فيما ذكره الشيخ.

    فقد ذكر الشيخ مجموعة من الأمور التي تدل على أهمية التوحيد:

    الأمر الأول: الحكمة أن من خلق الجن والإنس هي تحقيق توحيد الألوهية، فالله عز وجل ما خلق الناس في هذه الدنيا إلا ليوحدوه ويفردوه بالعبادة سبحانه وتعالى، والعبادة لا تصح إلا بهذا التوحيد، وهذا مذكور في قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    الأمر الثاني: أن توحيد الألوهية هو حقيقة دعوة الرسل، فالرسل عليهم السلام حين جاءوا لدعوة أقوامهم جاءوهم بالدعوة إلى توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الألوهية هو أصل الإسلام، فإذا آمن به الشخص؛ فلابد من أن يؤمن بتوحيد الربوبية معه، ولابد من أن يؤمن بتوحيد الأسماء والصفات معه أيضاً.

    يقول الله عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، فقوله تعالى: أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ موافق للإثبات في (إلا الله)، وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ موافق للنفي في (لا إله)، ويمكن أن نستعرض القرآن ونستخرج منه كثيراً من الأمثلة بهذه الطريقة.

    الأمر الثالث: أن توحيد الألوهية هو أول أمر أمر الله سبحانه وتعالى به، يقول الله عز وجل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، فقوله: (وقضى) معناه: أمر ووصى، فأول أمر من الأوامر الشرعية أمر الله عز وجل به هو توحيد الألوهية، وهذا يدل على أهميته وفضله.

    يقول الله عز وجل: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36] في سياق جملة من الحقوق، فجعل توحيد الإلهية أول حق من الحقوق.

    الأمر الرابع: أن الشرك هو أعظم محرم، فإذا كان التوحيد هو أعظم أمر أمر الله سبحانه وتعالى به، فالشرك الذي هو عكسه هو أعظم محرم في نفس الوقت، يقول الله عز وجل: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151]، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151] إلى قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153].

    وهذه الآيات تسمى آيات الوصايا العشر، وقد بدأها الله سبحانه وتعالى بالتحذير من الشرك الذي هو رأس المحرمات.

    الأمر الخامس: أن التوحيد حق لله سبحانه وتعالى، وهذا وارد في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما قال: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: يا معاذ ! أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)، وهذا هو توحيد الألوهية، فقوله: (أن يعبدوه) بمعنى: (إلا الله)، (ولا يشركوا به شيئاً) بمعنى: (لا إله)، فهو نفس معنى (لا إله إلا الله).

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً. قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا).

    إذاً: يمكن أن نبرز أهمية توحيد الألوهية باعتبار أنه لا يمكن أن يثبت للإنسان اسم الإسلام ووصفه وحقوق الإسلام إلا إذا جاء بتوحيد الألوهية، وأما إذا لم يأت بتوحيد الألوهية فإنه لا يثبت له شيء من أوصاف الإسلام؛ لما جاء في الحديث: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله) يعني أن من لم يحقق ذلك فدمه حلال وماله حلال؛ لأنه ليس من المسلمين، وهذا يدل على أهمية توحيد الألوهية.

    1.   

    فضل توحيد الألوهية

    قسم الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الحديث عن فضل توحيد الإلهية إلى قسمين:

    الأول: الحديث عن فضله بشكل عام، فقد بوب له باباً وقال: [باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب].

    الثاني: فضل من حققه، يعني: من جاء بحقيقته، وبوب له باباً خاصاً سماه (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب).

    إذاً: فباب فضل التوحيد، وباب من حقق التوحيد يجتمعان في نقطة واحدة، وهي فضل التوحيد عموماً، فالأول: فضل عام، والثاني: فضل خاص لفئة معينة، وهي التي جاءت بتحقيق التوحيد.

    حصول الأمن والاهتداء

    أما فضل التوحيد فقد جاء فيه بأنواع من الفضل يمكن أن نلخصها في الأمور الآتية:

    الأمر الأول: أن التوحيد سبب في الأمن والاهتداء، وهذا الفضل أخذناه من آية الأنعام التي ذكرها، وهي قول الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، فقوله: الَّذِينَ آمَنُوا يعني: وحدوا، والتوحيد والإيمان بمعنى واحد، وَلَمْ يَلْبِسُوا يعني: لم يخلطوا، إِيمَانَهُمْ يعني: توحيدهم، بِظُلْمٍ يعني: بشرك.

    وعرفنا أن الظلم هنا المقصود به الشرك بما ثبت في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه لما نزلت هذه الآية قال الصحابة رضوان الله عليهم: (أينا لم يظلم نفسه يا رسول الله؟ قال: ليس الظلم الذي تظنون، ألم تقرءوا قول العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]).

    إذاً: فترك الشرك والإتيان بالتوحيد سبب في الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة.

    والأمن والاهتداء ينقسم كل منهما إلى تام وناقص كما ينقسم التوحيد، فالأمن التام يكون لصاحب التوحيد التام، والأمن الناقص يكون لصاحب التوحيد الناقص، والأمن التام هو ألا يدخل صاحبه النار أبداً، ولا يمسه شيء من النار، ومعنى الأمن الناقص أنه قد يعذب في النار ويحصل له الخوف، لكنه لا يخلد فيها، ولهذا قد يعبر بعض العلماء -مثل ابن تيمية رحمه الله- في كلامه عن هذه الآية بالأمن المطلق ومطلق الأمن، والأمن المطلق هو الأمن التام، والاهتداء المطلق هو الاهتداء التام، ومطلق الأمن ومطلق الاهتداء يراد به أصل الأمن وأصل الاهتداء، فقد يخالط الأمن خوف كما يخالط التوحيد شيء من الذنوب والمعاصي، لكن أصل الأمن والاهتداء موجود.

    الصيرورة إلى الجنة

    الأمر الثاني: أن التوحيد أن الموحد مصيره إلى الجنة ولو حصل له شيء من العذاب، وهذه قاعدة من قواعد أهل السنة، وهي أن الموحد الذي مات على التوحيد فلم يقع في شيء من الكفر لابد من أن يكون من أهل الجنة عند الله سبحانه وتعالى، ولو حصل له شيء من العذاب أو مسه شيء من العذاب؛ لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) يعني: ولو كان عنده شيء من العمل المحرم أو شيء من العمل الناقص، فإن الله عز وجل سيدخله الجنة، ونهايته إلى الجنة.

    وتوحيد الإلهية الكائن في هذا الحديث مذكور في بدايته في قوله: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله).

    أن التوحيد لا يعدله شيء

    الأمر الثالث: أن التوحيد لا يعدله شيء؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال موسى: يا رب! علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله، قال: يا رب! كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، و(لا إله إلا الله) في كفة، مالت بهن (لا إله إلا الله)) رواه ابن حبان والحاكم وصححه، وهذا الحديث فيه ضعف؛ لأن في إسناده دراجاً أبا السمح ، وهو ضعيف، ولكن له شاهد في مسند الإمام أحمد في قصة لنوح عليه السلام مشابهة لهذه الرواية، فتكون شاهداً له لهذا الحديث، ويرتقي إلى درجة الحسن، فهو من المحتج به.

    تكفير الذنوب ومحوها

    الأمر الرابع: أن التوحيد يكفر الذنوب ويمحوها، وذَكَر له شاهداً عند الترمذي من حديث أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) يعني: لو أتيتني بما يقارب الأرض خطايا ثم جئتني بعيداً عن الشرك؛ فإن هذه الذنوب تغفر بفضل توحيد الألوهية؛ لمكانته وأهميته.

    وتوحيد الألوهية له فضائل أخرى كثيرة تتعلق بالنفس، وتتعلق بالمجتمع، وتتعلق بالحياة كلها، ولكن الشيخ لم يزد على هذه الفضائل التي أشار إليها، ولو رجعت إلى (القول السديد) لوجدت مجموعة أخرى من الفضائل التي أشار إليها المؤلف بشكل مختصر.

    فضل من حقق التوحيد

    النوع الثاني من أنواع الفضائل التي أشار إليها هو فضل من حقق التوحيد، وأن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، ومعنى (حقق التوحيد): خلصه وصفاه من الشرك والبدع والمعاصي؛ إذ الشرك والبدع والمعاصي تنقص وتضعف التوحيد، فمن صفّى توحيده من الشرك الأكبر والأصغر، والبدع القولية والعملية، والمكفرة وغير المكفرة، والكبائر والصغائر من المعاصي؛ فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب.

    ثم ذكر دليلاً على ذلك، وهو خبر إبراهيم عليه السلام، يقول الله عز وجل: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ [النحل:120-121].

    فهذه مجموعة من الأعمال قام بها إبراهيم، منها: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120] يعني: إماماً، والإمام لا يكون إماماً إلا إذا حقق تمام الصبر وتمام اليقين؛ لأن الله عز وجل يقول: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24].

    ومنها: أنه حنيف، والحنيف هو المنحرف عن الشرك.

    ومنها: أنه لم يك من المشركين، وهذه كلها تدل على تمام التوحيد عنده.

    ومنها: أنه كان قانتاً لله، والقنوت هو دوام الطاعة والاستمرار عليها.

    ومنها: قوله تعالى: شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ [النحل:121] فهذه خمسة أعمال قام بها إبراهيم، فكانت النتيجة خمس فضائل:

    الأولى: أنه اجتباه، أي: اصطفاه.

    الثانية: قوله تعالى: وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل:121].

    الثالثة: قوله تعالى: وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً [النحل:122]، والمقصود بالحسنة التي آتاه الله عز وجل إياها في الدنيا: الذكر الحسن.

    الرابعة: قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [النحل:122] يعني: من أهل الجنة.

    الخامسة: قوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [النحل:123] يعني أنه متبوع لتمام إمامته.

    وأما الآية الثانية التي جاء بها في المحققين للتوحيد فهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [المؤمنون:59] وهذه الآية قبلها وبعدها آيات في هذا الموضوع، وهي قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:57-61].

    فهذه هي أعلى درجات توحيد الألوهية.

    ثم ساق حديثاً طويلاً في قصة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وأن السبب في تفضيلهم ودخولهم الجنة بغير حساب ولا عذاب هو تمام التوحيد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر أوصافهم قال: (هم الذين لا يسترقون) يعني: لا يطلبون الرقية، والرقية سيأتي الحديث عنها إن شاء الله، (ولا يكتوون، ولا يتطيرون) يعني: لا يتشاءمون بالطيور أو غيرها، (وعلى ربهم يتوكلون)، وهذا يدل على أنهم من أهل التوحيد التام الكامل ولهذا كانوا من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.

    1.   

    حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد

    إن النبي صلى الله عليه وسلم لتعظيمه لتوحيد الألوهية، ولمكانة توحيد الألوهية -إذ هو أساس الدين وأصله- فقد حمى ما حوله، ولهذا حذر من أفعال قد توقع فيما ينقض أو يُنقص كمال توحيد الألوهية، وحذر من أقوال قد توقع أيضاً فيما ينقض التوحيد، ولهذا بوب الشيخ في حماية المصطفى لجناب التوحيد بابين:

    الباب الأول: في بداية الكتاب، وهو الباب الكائن برقم (21).

    والباب الثاني: في آخر الكتاب، وهو الباب الكائن برقم (65).

    وبعض الناس قد يقول لماذا بوب الشيخ بابين؟ ألا يكفي باب واحد؟

    والجواب هو أن الباب الأول في حماية المصطفى لجناب التوحيد من الأعمال التي قد تخدش فيه.

    والباب الثاني في الأقوال، وهناك فرق بين الأعمال والأقوال.

    فأما الباب الأول فهو (باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، وهذا الباب أيضاً يدخل في أهمية التوحيد ومكانته ومنزلته، ولذا نلحظ أن هذه المجموعة من الأبواب متفرقة في أماكن متعددة، ومع ذلك يصلح أن ينظمها سلك واحد، وهو مفهوم توحيد الألوهية وما يتعلق به من الفضائل والحماية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، وقول الله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]].

    هذه الآية تدل على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، فقوله تعالى: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ) يعني: يصعب عليه (مَا عَنِتُّمْ) أي: مشاقتكم وعنتكم، فـ(ما) هنا مصدرية، فتكون هي والفعل الذي بعدها مؤولان بالمصدر، بمعنى: عزيز عليه عنتكم. والعنت: هو المشقة، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ .

    فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على الناس في أمورهم المعيشية؛ فإن حرصه عليهم في تاج الإسلام -وهو التوحيد- أشد وأعظم، وستأتي نماذج من ذلك.

    قال المؤلف رحمه الله: [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات.

    وعن علي بن الحسين : (أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثك حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال: لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي؛ فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم) رواه في المختارة].

    هذا الحديث يدل على حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، حيث يقول عليه الصلاة والسلام: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً).

    وهذا القول يحتمل معنيين:

    الأول: لا تدفنوا الموتى فيها.

    والمعنى الثاني: لا تجعلوها مثل المقبرة التي لا يصلى فيها، وكلا المعنيين يدلان على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تطهير جناب التوحيد من أي خدش فيه، فأما على المعنى الأول -وهو: النهي عن دفن الموتى في البيوت- فإن دفن الموتى في البيوت نوع من أنواع الغلو، وهو يفضي إلى التعظيم، ولهذا نلحظ في تاريخ المسلمين أن أكثر من أن يصنع هذا هم السلاطين والوجهاء، وأصحاب الأماكن العالية، فقد يبني أحدهم قصراً ويجعله مقبرة لنفسه، وهذا يضفي شيئاً من التعظيم على القبر الذي يدفن فيه.

    وقد يقول قائل: لماذا دفن النبي صلى الله عليه وسلم في بيته مع أنه نهى عن ذلك؟!

    فنقول: هذا من خصائصه، والدليل على كونه من خصائصه هو حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما اختلفوا في مكان دفنه، فأخبرهم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من نبي يقبض إلا يدفن حيث قبض) يعني: يكون محل دفنه هو المكان الذي يقبض فيه ويموت فيه.

    وقوله: (ولا تجعلوا قبري عيداً) العيد: هو الشيء المعتاد، فهو يتضمن معنى التكرار والإعادة، ولهذا سمي بذلك عيد الأضحى وعيد الفطر لأنهما يعودان كل سنة.

    فقوله: (لا تجعلوا قبري عيداً) أي: لا تجعلوا زيارة قبري مثل العيد تعاودونه في كل سنة، أو في كل شهر، أو في كل فرض، أو في كل يوم، أو نحو ذلك، فمن اتخذ زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم عيداً منتظماً؛ فإنه يدخل في عموم نهيه، وهذا نص صريح على بدعة الزيارة الرجبية التي اعتادها كثير من الناس، والزيارة الرجبية هي أنهم يزورون قبر النبي صلى الله عليه وسلم في كل رجب، فهذه بدعة؛ لأنهم جعلوا زيارته في رجب عيداً يعتادونه، وهي بدعة ومنكر.

    وهناك كثير من الناس يعترض علينا عندما نذكر أنواعاً من الزيارات البدعية أو التصرفات البدعية في التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم بأننا لا نحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا باطل وفاسد، فإن أهل التوحيد هم من أشد الناس محبة وتعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا ينقادون للنبي صلى الله عليه وسلم في كل أمر من الأمور، وهم في كل تصرف من التصرفات هم أتباع لسنته، وهذا من تعظيمه وإجلاله وإعطائه مكانته الصحيحة.

    فقوله: (ولا تجعلوا قبري عيداً) لإفضاء ذلك إلى الغلو، والغلو يفضي إلى الشرك.

    وقوله: (وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) يدل على سبب النهي عن اتخاذ القبر عيداً؛ إذ لو كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام لا تتحقق إلا بالوقوف عند القبر لكان ذلك مدعاة إلى اتخاذه عيداً، فبين أن الصلاة عليه تبلغه من الإنسان في أي مكان كان من الأرض.

    وإذا كان هذا النهي في الزيارة فكيف بالموبقات التي يعملها كثير من الناس عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟! فمنهم من يأتي ويقف عند القبر ويرفع يديه ويبكي ويستغيث ويستجير ويطلب المغفرة ونحو ذلك، وهذه الأفعال من الموبقات العظيمة والكفر الأكبر الذي ينقض أصول الدين وأصول الإسلام.

    فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن اتخاذ قبره عيداً -وهو أن يأتي الإنسان لزيارة القبر ثم يعاوده مرة أخرى ثم يعاوده مرة أخرى- فكيف باتخاذ القبر قبلة؟! إذ إن بعض الناس يأتي فيذهب ليجعل القبلة خلف ظهره ويصلي إلى جهة القبر -والعياذ بالله- إلا أنه يجد من ينهاه، وهذا من نقص توحيد الألوهية.

    وانظر إلى علي بن الحسين رضي الله عنهما الذي يغلو فيه الشيعة القبوريون كيف صنع مع هذا الرجل الذي كان يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها ويدعو الله عز وجل، حيث نهاه.

    فإذا كان قد نهاه في مثل هذه الحالة فكيف بالذين يأتون ويطلبون المدد ويستغيثون ويبكون، ويلجئون إلى أصحاب القبور، والعياذ بالله؟!

    الباب الثاني الذي يتعلق بحماية النبي صلى الله عليه وسلم لتوحيد الألوهية هو باب ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، وسده طرق الشرك الأخرى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده طرق الشرك.

    عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: (انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله تبارك وتعالى، قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولاً، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان) رواه أبو داود بسند جيد.

    وعن أنس (أن ناساً قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: يا أيها الناس! قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل) رواه النسائي بسند جيد].

    هذا فيما يتعلق بحماية توحيد الألوهية، وسد الطرق والأقوال التي قد تكون سبباً في الخدش في التوحيد.

    ففي الحديث الأول قالوا له: (أنت سيدنا)، وقالوا له: (أفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً)، وهذه أقوال صحيحة، ليس فيها خطأ في المعنى، ولا تجاوز في العبارة، ولهذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا بقولكم) يعني: قولوا بقولكم هذا، ولكن نهاهم عن الوقوع في الزلل فقال: (ولا يستجرينكم الشيطان) فالنبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على حمى التوحيد، ولهذا حذر أصحابه من استعمال بعض العبارات التي هي في ذاتها صحيحة، إلا أنه قد يأتي أشخاص فيفهمونها على غير وجهها، أو يبالغون ويزيدون فيها، وربما سكت عنهم فجاءوا بعبارة أخرى غير مشروعة، فحذرهم عليه الصلاة والسلام.

    ولا شك في أنه سيدنا ويصح للإنسان أن يقول: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر).

    ولهذا لما أراد أن ينهاهم قال: (إنما السيد الله) يعني: صاحب السيادة المطلقة هو الله سبحانه وتعالى، وهم لم يجعلوه صاحب سيادة مطلقة، وإنما أضافوه إلى أنفسهم فقالوا: (سيدنا)، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصاً غاية الحرص على حمى التوحيد، وهذا باب كبير من أبواب أصول الدين، وهو سد الذرائع، سواءٌ في مسائل الاعتقاد، أو في مسائل الفقه، فسد الطرق المفضية والموصلة إلى المحرم أصل من أصول الدين، فكل طريق يوصل إلى محرم يجب أن يسد وأن يمنع.

    وبعض العصرانيين اليوم يقولون: لماذا تمنعون الناس من كثير من الأمور المباحة في ذاتها، فإذا قلنا لهم: هذا سد للذريعة، قالوا: ليس هناك شيء اسمه سد الذريعة، ليس هناك إلا محرم وجائز، فما دام أنه جائز فاتركوا الناس، وهذا لاشك في أنه فهم فاسد، فإن أشياء كثيرة مباحة، إلا أنها إذا كانت مفضية إلى محرم تكون ممنوعة.

    ومثال ذلك مسألة قيادة المرأة للسيارة، يقول بعض هؤلاء: لو جلست المرأة مكان السائق الرجل وأمسكت بـ(الدركسون) بتلك الطريقة وساقت فهل عليها إثم عند الله؟! وهل يعاقبها الله عز وجل لأنها أمسكت بـ(الدركسون) وساقت السيارة؟!

    فقلنا: لا، فهذا ليس فيه إثم.

    فقالوا: إذاً لماذا لا تتركون النساء يسقن السيارات؟!

    فقلنا: هناك فرق بين أن تجلس وتسوق السيارة في مكان ليس فيه أحد، وبين أن تفتح لهن الباب وتجعله قراراً عاماً بحيث تقود النساء السيارات في كل مكان؛ فهذا يترتب عليه مفاسد عظيمة جداً.

    فقالوا: إما أن تقولوا: هو حلال وإما أن تقولوا: هو حرام، فقلنا: الجلوس نفسه حلال، فقالوا: إذاً، قيادة المرأة للسيارة حلال. فقلنا: إذا لم يكن هناك أحد فقيادتها حلال، لكن أن يكون قراراً عاماً، بحيث تقود المرأة السيارة في الشوارع العامة وفي كل مكان، يقتضي أن تكشف وجهها، ويقتضي أن تتبرج، وهي وسيلة يريدون أن يصلوا من خلالها إلى الفساد الذي يوجد في المجتمعات الأخرى من تبرج النساء، فسد الذرائع قاعدة عظيمة من القواعد الشرعية، حتى لو كان بعض الناس يتفيهق ويتذاكى باستخدام أساليب من هذا النوع، فينبغي أن يكون عندنا من الوعي والمعرفة في الأحكام ما يجعلنا نرد على مثل هؤلاء.

    والكلمات الأخرى -وهي: يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا- ليس فيها شيء في ذاتها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لحرصه على حماية التوحيد نهاهم عن استهواء الشيطان لهم، فقال: (ولا يستهوينكم الشيطان) يعني: لا يجعلكم تهوونه وتطيعونه.

    1.   

    طرق دراسة التوحيد والإيمان

    إن طريقة دراسة العلماء لتوحيد الألوهية هي مثل طريقة دراسة كتاب الإيمان، وذلك أنهم يدرسون الإيمان والتوحيد بطريقتين:

    الطريقة الأولى: طريقة التأصيل أو التصحيح.

    الطريقة الثانية: طريقة التعميق.

    ومعنى طريقة التصحيح: أن يصحح مفهوم التوحيد، ويصحح ما حوله من المفاهيم؛ حتى لا يقع فيها غبش ولا يقع فيها إشكال، ويحفظ للأمة دينها إلى قيام الساعة، فيعرف الإنسان ما هو توحيد مما هو شرك، ويميز الإنسان الإيمان عن الكفر، فهذه الطريقة تسمى طريقة التصحيح، وذلك لأن المفاهيم الشرعية -كالإيمان، وتوحيد الألوهية وغيرهما- دخل فيها غبش كثير بسبب الفرق الضالة، فاحتاج أهل السنة إلى أن يصححوا المفاهيم الشرعية للرد على الفرق الضالة، ولبيان المعتقد الصحيح من واقع الكتاب والسنة.

    وهذه الطريقة الأولى هي الطريقة التي نسير عليها في شرحنا هنا.

    وأما طريقة التعميق فهي: تربية القلب والتطبيق الفعلي لتوحيد الألوهية والإيمان، وذلك التطبيق منازل عظيمة، ولذلك ألف ابن القيم رحمه الله (مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين) يعني: في منازل العبودية، ومنازل العبودية هي نفسها منازل توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية هو نفسه توحيد العبودية، فأدخل فيها التوكل على الله، والمحبة، والرجاء، والصدق مع الله، والإخلاص، والتوكل والإنابة ونحو ذلك من المنازل العظيمة من منازل الإيمان التي تشرح الصدر وتنير العقل، وتنير للإنسان طريقه، وتجعله في أعلى درجات الإيمان.

    وهذه الطريقة الثانية هي التي تربى عليها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهور الفرق الضالة التي غيرت المفاهيم الشرعية، مثل: مفهوم توحيد الألوهية، أو مفهوم توحيد الأسماء والصفات، أو مفهوم الإيمان، فالصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا يدرسون الإيمان بأنه قول وعمل يزيد وينقص، وغير ذلك من التعريفات التي نقرؤها في متون العقيدة، وإنما كانوا يطبقون ذلك عملياً في حياتهم.

    ودليل ذلك أن لقيط بن صبرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يضحك من قنوط عباده وقرب غِيَرِهِ) فلم يكتف لقيط بن صبرة إثبات صفة الضحك فقط، بل قال: (يا رسول الله! أو يضحك الرب؟! قال: نعم. قال: لن نعدم من رب يضحك خيراً) يعني أن الرب الذي يضحك لن نعدم منه الخير، فاستفاد منه عبادة قلبية، وهي الرجاء، والرجاء سيدفعه إلى المحبة، وهكذا منازل الإيمان يقرب بعضها من بعض.

    فانظر كيف استفاد من توحيد الأسماء والصفات في رفعة الإيمان القلبي، ولهذا كان لابد من التنبه لهذه القضية، وبيان أن الدراسة تكون بطريقتين: طريقة التصحيح، وطريقة التعميق، ونحن بحاجة إلى دراسة التوحيد والإيمان بهاتين الطريقتين، ولا يصح الاكتفاء بواحدة دون الأخرى.

    1.   

    الدعوة إلى توحيد الألوهية

    إن الدعوة إلى توحيد الألوهية هي حقيقة دعوة الرسل، فالرسل جميعاً يدعون إلى توحيد الألوهية، يقول الله عز وجل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

    فعبادة الله واجتناب الطاغوت هما مفهوم (لا إله إلا الله)، وهو توحيد الألوهية، وهذا يدل على أن التوحيد هو أول أمر يجب أن يبدأ به الإنسان في الدعوة إلى الله عز وجل، وينبغي على الداعي إلى الله عز وجل أن تكون العقيدة هي محور دعوته، وأن يربط كل قضايا دعوته بالعقيدة؛ لأن العقيدة هي أساس الدين، ولهذا لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، وفي بعض الألفاظ: (إلى أن يوحدوا الله).

    وهذا يدل على أن أول واجب يجب على الناس هو توحيد الله، وأول ما يجب أن ندعو إليه هو العقيدة والتوحيد.

    وبهذا يتضح لنا فساد كثير من المناهج الضالة، ومن ذلك فساد حوار الأديان أو حوار الحضارات، وحوار الحضارات هو نفسه حوار الأديان؛ إلا أن كلمة (الأديان) حينما كانت حساسة جاء وابدلا عنها بكلمة الحضارات، والحضارات المقصود بها الطريقة التي تكون متبعة في الغالب لدين من الأديان؛ إذ الأديان ليست طريقة واحدة، وإنما هي طرق متعددة.

    فمن الناس من يدعو إلى توحيد الأديان، فلا ينكر بعضهم على بعض، ولا يكفر بعضهم بعضاً، وهذه الدعوة بهذا المفهوم هي شرك وكفر؛ لأن ترك تكفير أهل الكتاب من الكفر، هذا النوع الأول.

    ومن الناس من يدعو إلى حوار الأديان، كما يحصل لكثير من الدعاة إلى الله عز وجل، فيقولون: نحن ندعو إلى حوار الأديان، ويقولون: نحن نكفرهم، وإنما نسكت عن القضايا الخلافية، ونبحث في القضايا المشتركة فيما بيننا.

    ومن القضايا المشتركة -مثلاً-: القضاء على الفقر والمخدرات، والتعاون على رفع الظلم عن المظلومين وعن الشعوب المضطهدة، وهكذا.

    وأما القضايا التي يكون فيها خلاف بيننا وبين اليهود أو بيننا وبين النصارى فهذه لا نثيرها؛ لأنا إذا أثرناها سيصبح هناك خلاف.

    فما هو حكم هذا النوع من أنواع الحوار؟

    نقول: هذا بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء من قبله كان بينهم وبين أقوامهم حوار، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إلى قومه ويحاورهم، فكيف كان حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه ومع أهل الأديان، وحوار الأنبياء السابقين مع أهل الأديان؟

    لقد كان عن طريق دعوتهم إلى التوحيد، فقد كان الرسل يأتون إلى أقوامهم ويقولون لهم: ما أنتم عليه شرك أكبر، والواجب هو أن تسلموا لهذا الدين. ثم يقومون بإثبات هذا الدين بالأدلة التفصيلية وإبطال دينهم بالأدلة التفصيلية.

    أما حوار الأديان الموجود الآن فهو بدعة؛ لأنه يجتمع فيه مجموعة من القساوسة ومجموعة من المسلمين في مكان واحد، ولا يقول المسلمون للقساوسة أسلموا، ولا يقولون لهم: هذا الدين خير لكم، ونحن نثبت لكم بالبراهين والأدلة أن الإسلام دين صحيح وأن دين النصرانية فاسد، بل يتواصون بترك ذلك، ويقولون: لا نريد أن نثير الخلاف فيما بيننا، فأنتم لكم خصائص دينكم، ونحن لنا خصائص ديننا، وأنتم ترون ديننا باطلاً، ونحن نرى دينكم باطلاً، ولكننا لا نريد النقاش في هذا الموضوع؛ لأن هذا الموضوع يفرق بيننا، ونحن لا نريد أن نتفرق، بل نريد أن نجتمع، فيتناقشون في دفع الفقر، فيقولون: هناك بلاد فقيرة، فلنتعاون على أن ندفع الفقر الموجود فيها، أو يقولون: هناك شعوب مضطهدة نريد أن ندافع عنها.

    والمسلمون الذين يشاركون في حوار الأديان عندما يدخلون فيها يكون هدفهم هو تحريك النصارى لإنكار عمل اليهود في فلسطين، ومع هذا ما استطاعوا أن يصنعوا شيئاً، وربما أنكرت مجموعة منهم، ومجموعة لم تنكر.

    ومن أهداف أولئك المحاورين من المسلمين ما يعبرون عنه بقولهم: إننا نعيش في مرحلة استضعاف، وما دام أننا نعيش في مرحلة استضعاف فمن الخطأ الكبير أن يكون بيننا وبين الحضارات الأخرى -مثل: الحضارة الغربية- صدام، فهذا لا يمكن؛ لأننا لا نستطيع الصدام. ولهذا فإن الذين يدعون إلى حوار الحضارات يجرون في ركب الحضارة القوية ويتابعونها، ويقولون: نحن لا نريد الصراع بين الحضارات. مع أن الحقيقة هي أن الصراع مستمر بين الحق والباطل، سواءٌ أكان هذا الحق ديناً أم حضارة وسواء أكان الباطل ديناً أم حضارة، فلابد من الصراع.

    والواجب هو الالتزام بالحق والدفاع عنه، ودعوة الناس إليه، بأن نقول لهم: ندعوكم إلى هذا الدين بالبراهين ولترك ما أنتم عليه من الدين؛ لأن فيه فساداً.

    وبهذه الطريقة نستطيع أن ندخل معهم في الدعوة، أما أن نسكت عن القضايا الخلافية فلا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء إلى كفار قريش لم يسكت عن القضايا الخلافية، مثل عبادة الأصنام، ومثل عدم تصديق النبوة الجديدة، ولم يقل: علينا أن نجتمع ليصير بيننا وبينكم حوار في قضية رفع الظلم المنتشر في الجزيرة العربية، وقد كان في الجزيرة العربية سلب ونهب وقتل وتشريد وإيذاء، وكان فيها عادات قبيحة جداً، مثل نكاح الرجل زوجة أبيه إذا مات، ونحو ذلك من التصرفات الشنيعة، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وإنما بدأ معهم من الجذر والبداية، وقال لهم: اتركوا الدين الذي أنتم عليه؛ لأنه دين باطل. وهذا هو الأمر الذي ينبغي أن يبدأ به، وهذا هو المنهج المشروع في هذه القضية، وهذا هو ما يتعلق بهذا الباب، باب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فلابد من أن تكون الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، وأن تكون بقية الأمور تابعة لهذه القضية.

    1.   

    الأسئلة

    الجمع بين كون مآل مرتكب الكبيرة إلى الجنة وما جاء من النصوص في خلوده في النار

    السؤال: ذكرتم أن صاحب التوحيد مصيره إلى الجنة، فما قولكم في قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها...

    الجواب: هناك قاعدة من القواعد في الاستدلال، وهي أن أي مسألة من المسائل لابد من جمع الأدلة فيها، فقول الله عز وجل: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93] هو في مسألة قتل المسلم لأخيه المسلم، لكن هناك آيات أخرى اعتبرت القاتل مسلماً، منها قوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ [البقرة:178] فوصفه بالأخوة في الدين، ولو كان كافراً مخلداً في النار لما كان أخاً في الدين.

    ثم إن من الأحكام المجمع عليها في مسألة القتل أن ولي الدم يجوز أن يعفو عن القاتل، ولو كان كافراً خالداً في النار لما جاز العفو عنه، ولقتل بسبب الردة والكفر لو كان القتل في ذاته كفراً، وكذلك في سورة الحجرات يقول الله عز وجل: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات:9] فوصفهما بالإيمان مع وجود الاقتتال بينهما، فكل هذا يدل على أن القتل ليس كفراً مخرجاً من الملة، بل هو من الذنوب والمعاصي.

    وأما قوله تعالى: خَالِدًا فِيهَا [النساء:93] فإن الخلود نوعان:

    الأول: خلود أبدي، وهذا لا يكون إلا للكافر الذي ليس بمسلم.

    الثاني: طول المكث، ولهذا عندما يسمون شخصاً باسم خالد هل يقصدون أنه خالد فعلاً لا يموت؟! لا، فهم يعرفون أنه سيموت، ولكن يتمنون له طول الحياة، ولهذا سموه بهذا الاسم، وهذا أمر سائغ في لغة العرب ولا إشكال فيه، وهكذا يفهم حديث: (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها).

    الرد على المستدل بثبوت الإسلام للناطق بكلمة التوحيد على الإصرار على المعاصي

    السؤال: يستدل بعض الناس بحديث: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله) على إصرارهم على فعل المعاصي، فكيف نرد على ذلك؟

    الجواب: ليس في الحديث أي دليل يدل على الإصرار على المعاصي؛ لأنه قال: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله) يريد الكفر بالشرك، أما الذنوب والمعاصي فقد وردت نصوص كثيرة تدل على أن الإنسان إذا فعلها ولم يتب فإنه تحت مشيئة الله عز وجل، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.

    وجه دفن أبي بكر وعمر في بيت عائشة مع النهي عن جعل البيوت قبوراً

    السؤال: كيف دفن أبو بكر وعمر في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو من خصائصه؟

    الجواب: الخصيصة التي للنبي صلى الله عليه وسلم هي كونه دفن في بيته، فبعد أن دفن في بيته خرجت عائشة رضي الله عنها من هذا البيت، فأصبح مكاناً غير مسكون، فلم يعد بيتاً، فدفن فيه أبو بكر وعمر باعتبار أنهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولمكانتهما منه، ولفظ حديث النهي: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)، وحجرة عائشة رضي الله عنها بعد أن دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم لم تعد بيتاً لـعائشة ، ولا بيتاً -أيضاً- لـأبي بكر ، ولا بيتاً لـعمر ، فلا يشملها النهي.

    نظرة في كتاب (القول المفيد على كتاب التوحيد)

    السؤال: ما رأيكم في كتاب (القول المفيد على كتاب التوحيد)؟

    الجواب: هو كتاب جيد، ولكنه شرح كتاب التوحيد بالطريقة الأولى، وهي طريقة التفصيل والتطويل.

    الفرق بين الأمن المطلق ومطلق الأمن

    السؤال: ما الفرق بين الأمن المطلق، ومطلق الأمن؟

    الجواب: الأمن المطلق هو الأمن التام، ومطلق الأمن هو أصل الأمن، كما تقول: مطلق العموم والعموم المطلق، والعموم المطلق هو العموم التام، ومطلق العموم هو أصل العموم، وهكذا في غير هذا المثال.

    حكم تبليغ السلام للرسول

    السؤال: نسمع بعض الناس يقول لغيره: إذا ذهبت إلى المدينة فبلغ سلامي للرسول صلى الله عليه وسلم، فما حكم ذلك؟

    الجواب: هذا جاهل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الإنسان إذا سلم عليه في أي مكان فإن سلامه يبلغه حيث كان.

    حكم الوقوف عند قبر القريب للدعاء له

    السؤال: عند زيارتي للقبور لإحياء السنة هل يجوز لي أن أقف بجوار قبر والدي لأدعو له؟

    الجواب: نعم يجوز أن تقف بجواره وأن تدعو له.

    حكم تارك الصلاة والصيام مع نطقه بالشهادتين ودعواه الإسلام

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: (لا إله إلا الله) ولكنه لا يصلي ولا يصوم، ويقول: إنه مسلم؟

    الجواب: لا يكفي قول (لا إله إلا الله) بدون الالتزام بشروطها ومقتضياتها، فلا إله إلا الله لها شروط ومقتضيات من حققها كان موحداً، ومن لم يحققها فإنه لا يكون موحداً، منها أنه يشترط في (لا إله إلا الله) أن يقولها صاحبها وهو مخلص يبتغي بذلك وجه الله، وأن يكفر بالطاغوت، وأن يقولها عن يقين، وأن يلتزم بها، ولهذا جاء في قصة اليهوديين اللذين أتيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالا: (نشهد أنك رسول الله فقال: ما يمنعكما أن تتبعاني؟ فقالا: تقتلنا يهود)، فتركا الالتزام بها، ولم يكن قولهما: (نشهد أنك رسول الله) مفيداً لهما بأي حال من الأحوال؛ لأنه لابد من الالتزام والانقياد لكلمة التوحيد، ولهذا فإن هرقل عظيم الروم عندما جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم عرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (والله لو خلصت إليه لغسلت عن قدميه وشربت ماءهما) وكان يعرف أنه رسول الله، ولهذا جمع أساقفته في (دسكرة) واحدة وخرج عليهم من شرفة، ونصحهم بأن يلتزموا بالإسلام، ولكنهم اتجهوا إلى الأبواب فوجدوها مغلقة، فقال: ردوهم علي، ثم قال: إنما كنت أختبر التزامكم بدينكم.

    أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015342210

    عدد مرات الحفظ

    723629062