إسلام ويب

شرح الفتوى الحموية [7]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صفة العلو لله تعالى ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع السلف الصالح، وقد حكى شيخ الإسلام ابن تيمية أن علو الله عز وجل ثابت في القرآن بألف دليل، فمن أنكر صفة العلو لله سبحانه وتعالى فهو على ضلال مبين وخطر عظيم.

    1.   

    صفة علو الله سبحانه وتعالى

    موضوع علو الله سبحانه وتعالى موضوع مهم، دلت عليه مئات النصوص من القرآن والسنة، وأجمع عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم، ودل عليه العقل الصحيح، والفطرة المستقيمة.

    ولم يكن هذا الموضوع محل جدل ونقاش في القرون المفضلة الأولى، وموضوع مثل موضوع العلو يستغرب الإنسان أن يكون مجالاً للجدل والنقاش، فهو واضح وضوحاً كبيراً؛ ولهذا حكى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن بعض علماء الشافعية أنه قال: إن علو الله عز وجل ثابت في القرآن بألف دليل، وقال بعضهم: إنه ثابت بثلاثمائة دليل، فهو واضح وضوحاً كبيراً، لكن الجهمية التي ابتليت بها الأمة انحرفوا في مجالات متعددة في العقيدة، فانحرفوا في الإيمان، وانحرفوا في القدر، وانحرفوا في نفي صفات الله سبحانه وتعالى، ونفوا علو الله عز وجل على خلقه، فرد عليهم أئمة السنة رضوان الله عليهم جميعاً.

    ذكر بعض المؤلفات لأهل السنة والجماعة في الرد على نفاة علو الله على خلقه

    وقد أفرد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لهذا الموضوع مجلداً كاملاً من درء تعارض العقل والنقل، وهو المجلد السادس وجزء من المجلد السابع، وقد استعرض شبهات أكبر عالم من علماء الجهمية الأشاعرة المتأخرين، وهو الفخر الرازي في كتابيه: الأربعين في أصول الدين، وأساس التقديس، ورد عليها رداً مفصلاً ومبيناً.

    وممن ألف في موضوع العلو الإمام الذهبي رحمه الله، المؤرخ المشهور، ألف كتاباً سماه: العلو للعلي الغفار، واختصره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في كتاب سماه: مختصر العلو للعلي الغفار، ومختصر الشيخ الألباني شرطه فيه أنه لا يثبت إلا ما ثبت إسناده عنده، وأما ما ضعف إسناده ولم يصح فإنه حذفه جميعاً، سواء ما يتعلق بالأحاديث أو الآثار الواردة عن الصحابة أو التابعين أو من جاء بعدهم.

    وممن ألف في العلو الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله، صاحب كتاب المغني، له كتاب سماه: إثبات علو الله على خلقه.

    وأيضاً كتبت رسائل لبعض المعاصرين، منها رسالة علو الله على خلقه في مجلد للدكتور موسى الدويش ، وأيضاً رسالة أسامة القصاص بعنوان علو الله على خلقه، في جزءين، وقد توفي أسامة القصاص بسبب هذا الكتاب، حيث قتلته الطائفة الحبشية الموجودة في لبنان بسبب إثباته لعلو الله عز وجل، وهم من الجهمية الذين ينفون علو الله عز وجل على خلقه.

    ومن أفضل الكتب في هذا الموضوع كتاب: اجتماع الجيوش الإسلامية في غزو المعطلة والجهمية، للإمام ابن القيم رحمه الله، فهذا الكتاب مفرد في إثبات علو الله عز وجل على خلقه، وقد طبع قديماً وطبع محققاً في السنوات الأخيرة.

    وكتاب ابن القيم رحمه الله له مقدمة طويلة في موضوع النعمة، ثم بعد ذلك بدأ في موضوع إثبات العلو، ونقل الآيات الواردة، والأحاديث وأقوال الصحابة الواردة في ذلك، وأقوال الأئمة الأربعة، وأتباع الأئمة الأربعة.

    فمن المالكية نقل مجموعة من النصوص عن عبد الوهاب المالكي وعن ابن الباقلاني الأشعري المشهور، ونقل أيضاً عن ابن أبي زيد القيرواني صاحب كتاب الرسالة، وهو الذي يلقب بالإمام مالك الصغير .

    ونقل كذلك عن أئمة الشافعية، نقل عن الشافعي رحمه الله، ونقل عن أبي نصر الكرجي ، ونقل عن جماعة، وكذلك الحال في الأحناف، نقل عن أبي حنيفة وعن أبي يوسف وعن غيرهم، وكذلك الحال في الحنابلة، ونقل أقوال الشعراء في إثبات العلو، ونقل أيضاً أقوال الفقهاء، وهكذا نقل أقوالاً كثيرة وحشد نصوصاً كبيرة جداً في إثبات علو الله سبحانه وتعالى على خلقه.

    وكما قلت: إن أول من أثار نفي العلو هو الجعد بن درهم ، وأخذها عنه الجهم بن صفوان ، ثم لم يحصل أن حصل نفي العلو إلا عند المتأخرين، فمتقدمو الأشاعرة والكلابية كانوا يثبتون علو الله عز وجل على خلقه كما تدل النصوص، منهم: أبو الحسن الأشعري والباقلاني ، وابن مجاهد تلميذ أبي الحسن الأشعري ، وغيرهم، ثم حصل النفي عند المتأخرين الذين قلدوا الجهمية الأولى.

    1.   

    النصوص الدالة على إثبات علو الله على خلقه

    الأدلة من الكتاب الحكيم

    والنصوص الواردة في إثبات علو الله عز وجل على خلقه كثيرة جداً، حتى إن الإمام ابن القيم رحمه الله صنفها على أنواع، فذكر أكثر من عشرين أو ثلاثين نوعاً، كل نوع من هذه الأنواع يشتمل على مجموعة من الأدلة من القرآن.

    وهناك بعض الصفات الثابتة لله عز وجل تدل على صفة العلو، مثل إثبات صفة الاستواء لله عز وجل، فإنها تدل على صفة العلو، والآيات الواردة فيها تدل على صفة العلو، وكذلك الأحاديث الواردة في صفة النزول تدل على إثبات صفة العلو لله سبحانه وتعالى.

    وسننقل بعض هذه الأدلة ونبين وجه الاستدلال منها، من خلال ما ذكره ابن تيمية رحمه الله، فهو يقول: مثل قوله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، ووجه الدلالة في قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ ، فإنه يدل على أنه عال، والكلم الطيب يصعد إليه، وقوله: يَرْفَعُهُ أيضاً يدل على إثبات العلو، والصعود والارتفاع لا يكون إلا من أسفل إلى أعلى.

    وقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:55].

    وقوله تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا [الملك:16-17].

    ووجه الدلالة في قوله: (من في السماء) في كلا الآيتين، و(في) هنا ليست للظرفية، وإنما المراد بها على، فيكون معنى الآية: أأمنتم من على السماء، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض، ونظير هذا قول الله عز وجل: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، فليس المقصود لأصلبنكم داخل النخلة، وإنما المقصود: عليها.

    وقوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158] والرفع من الأسفل إلى الأعلى وقوله: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج:4]، والعروج: هو الصعود من الأسفل إلى الأعلى.

    وقوله: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة:5]، فقوله: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ يعني: من على السماء إلى الأرض، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ يعني: يعود إليه صاعداً.

    وقوله: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:50]، وهذا تصريح بالفوقية.

    وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، وكما سبق أن الأدلة الواردة في إثبات استواء الله عز وجل على عرشه هي كلها أدلة على علو الله على خلقه، فإن العرش فوق السماوات، والله سبحانه وتعالى فوق العرش، وليس فوقه شيء سبحانه وتعالى.

    وقد جاء ذلك في ستة مواضع كما هو معلوم، وكما سيأتي معنا إن شاء الله في الكلام على موضوع الاستواء مفصلة.

    وقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، ووجه الدلالة مثل وجه الدلالة الأولى، ونحن نستطيع أن نأخذ العلو من قوله: (على)، فإن قوله: عَلَى الْعَرْشِ ، والعرش فوق العالم، فهو سبحانه وتعالى فوق جميع المخلوقات.

    ويقول الله عز وجل: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر:36-37].

    هذه الآيات وردت في قصة موسى عليه السلام، وأن فرعون يقول متهكماً ومستهزئاً: يَا هَامَانُ وهو وزيره، ابْنِ لِي صَرْحًا، والصرح يبنى من الأسفل إلى الأعلى، لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ [غافر:36-37]، إذاً: هو يريد من هامان أن يبني له صرحاً من الأرض إلى السماء؛ لأن فرعون يعتقد أن الله عز وجل في السماء.

    وهذا يدل على الفطرة الموجودة عند الإنسان، فـفرعون مع كونه كافراً ملحداً منكراً لوجود الله عز وجل، مع هذا نطق بهذه العبارة، ومع أن سياقها هو في سياق الاستهزاء؛ إلا أنها تضمنت إثبات صفة العلو لله سبحانه وتعالى، فلا شك أن من كان فرعون أعلم بالله منه فهو أضل من حمار أهله.

    والدلالة في الآية من وجوه:

    أولاً: اعترافه أن الإله لا بد أن يكون في السماء؛ لأن من الطبيعي أن يكون الإله في السماء، وهذا يتضمن بطلان دعواه للألوهية؛ لأنه في الأرض وليس في السماء.

    الأمر الثاني: أنه صريح في أن موسى عليه السلام دعاه إلى عبادة الإله الذي في السماء؛ ولهذا قال: ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [غافر:36-37]، فإله موسى في السماء، فهو لم يطلب أي جهة من الجهات الأخرى، وإنما طلب البناء إلى السماء ليطلع إلى إله موسى، وهذا صريح وواضح.

    ويقول الله عز وجل: تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]، ويقول: مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ [الأنعام:114]، وكل الآيات الواردة في أن القرآن منزل تدل على علو الله عز وجل؛ لأن النزول من الأعلى إلى الأسفل كما هو معلوم.

    إذاً: كثير من الآيات تدل على أن الله عز وجل في السماء، وقد ذكر شيخ الإسلام كما قلت عن بعض الشافعية أنهم يقولون: إن الآيات التي تدل على علو الله تبلغ ألف آية، ولا شك أن هذا مقدار كبير يدل على وضوح هذه العقيدة في القرآن الكريم.

    دلالة حديث المعراج على العلو

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى].

    وصدق، فهي كثيرة جداً في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فأنت لو أخذت تستقرئ صحيح البخاري تريد أن تتلمس الأحاديث التي يفهم منها علو الله عز وجل تجدها كثيرة جداً، في أبواب متعددة، حتى في موضوعات العتاق والطلاق والنكاح وغير ذلك.

    ثم مثَّل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى للأحاديث التي تدل على ذلك بقصة معراج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه، والمعراج لم يأت في القرآن، فالوارد في القرآن هو الإسراء، قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1]، وأما المعراج فهو وارد في السنة، لكن تواترت الأحاديث في معراج النبي صلى الله عليه وسلم في الجملة، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به إلى السماء، ولكن وردت أحاديث فيها أمور مفصلة، وأحاديث فيها أمور مجملة، ووردت بعض الزيادات في أحاديث لم ترد في أحاديث أخرى، فهذه الزيادات ليست متواترة، لكن المتواتر هو قصة المعراج، وهذا يسمى التواتر المعنوي، فإن التواتر -كما هو معلوم- نقل جمع عن جمع يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى أمر محسوس.

    فالتواتر يقسمه العلماء إلى قسمين:

    تواتر نصي أو لفظي مثل حديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).

    وهناك تواتر معنوي، وهذا هو الأكثر في السنة، مثل أحاديث المسح على الخفين، ومثل أحاديث المعراج وغيرها، فإنها تواترت تواتراً معنوياً.

    وقصة المعراج تدل على علو الله عز وجل، فإنه عرج به من السماء إلى الأرض، وسمع كلام الله عز وجل في السماء.

    صعود الملائكة إلى السماء دليل على العلو

    ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، وهذا كثير في الأحاديث، منها ما ذكره المحقق في الحاشية، وما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكة سيارة، يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم، حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، فيسألهم الله...)، يعني: بعد عروجهم.

    وهذا واضح في أن الله عز وجل على السماء، وقول الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، وهذا حديث صحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج إليه الذين كانوا فيهم فيسألهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فقالوا: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)، وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم .

    حديث الخوارج وحديث الرقية يدلان على العلو

    وفي الصحيح في حديث الخوارج: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً)، وهذا الحديث رواه البخاري ورواه مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو حديث صريح بأن الله عز وجل في السماء, ومقصوده بأمين من في السماء أنه أمين على الوحي، وهو كلام الله عز وجل الذي يأتي من عنده من السماء.

    وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع)، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا اشتكى أحد منكم، أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء، وذكره)، هذا الحديث رواه أبو داود ، واختلف العلماء في صحته وضعفه، وقد حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والصحيح أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده زياد بن محمد المصري ، قال عنه أبو حاتم : منكر الحديث، وقال ابن حبان وابن عدي والذهبي وغيرهم: إنه انفرد بهذا الحديث، وبناءً على هذا يكون هذا الحديث ضعيفاً، وإن كان هذا الحديث ضعيفاً فقد دل على علو الله عز وجل ما هو أوضح منه من النصوص الثابتة في صحيح البخاري ومسلم وفي القرآن الكريم.

    حديث الأوعال يدل على العلو

    وقوله في حديث الأوعال: (والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه) رواه أبو داود .

    يقول ابن تيمية رحمه الله معلقاً على هذا الحديث: [وهذا الحديث مع أنه قد رواه أهل السنن كـأبي داود وابن ماجة والترمذي وغيرهم، فهو مروي من طريقين مشهورين، والقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر، وقد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتاب التوحيد الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم].

    حديث الأوعال حديث مشهور، اختلف أهل العلم قديماً وحديثاً في صحته، ونقله المحقق هنا، وهو من رواية العباس بن عبد المطلب ، قال: (كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرت سحابة، فنظر إليها فقال: ما تسمون هذه؟ قالوا: السحاب، قال: والمزن؟ قالوا: والمزن، قال: والعنان؟ قالوا: والعنان، قال: هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري، قال: إن بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها ثلاثة، حتى عد سبع سموات، ثم فوق السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك).

    هذا الحديث حديث مشهور، وقد نقل المحقق من خرجه من أهل العلم، وبين أن مدار إسناده على الوليد بن أبي ثور ، وقد اختلف العلماء في توثيقه، وكذلك الانقطاع الحاصل بين عبد الله بن عميرة والأحنف بن قيس ، ويبدو لي والله تعالى أعلم أن هذا الحديث لا يصح من حيث السند، وإن كان ابن خزيمة رحمه الله لا يورد في كتابه التوحيد حديثاً ويسكت عليه إلا لأنه حديث صحيح، وذلك أن ابن خزيمة رحمه الله كما أنه اشترط الصحة في كتابه الصحيح المشهور الذي طبع جزء منه اشترط الصحة أيضاً في كتابه التوحيد، وأكثر الناس لا يعرفون عنوان هذا الكتاب إلا كتاب التوحيد، مع أن تكملة العنوان يدل فيه على اشتراط الصحة فيما ينقله من الآثار والأخبار، لا سيما ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقول ابن تيمية رحمه الله الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل، هو جزء من عنوان الكتاب.

    لكن يبدو لي والله تعالى أعلم أن هذا الحديث ضعيف وغير صحيح من جهة إسناده ومن جهة متنه، أما من جهة إسناده فكما سبق أن مداره على الوليد بن أبي ثور ، وأكثر أهل العلم على تضعيفه.

    وأما من جهة متنه فهو مخالفته للأحاديث الصحيحة في موضعين:

    أما الموضع الأول: فهو في بعد المسافة بين السماء والأرض، فإنه ذكر هنا أنها واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، وورد في الأحاديث الصحيحة أن المسافة بين الأرض والسماء الدنيا خمسمائة سنة.

    والموضع الثاني: هو في قوله: (ثم فوق ذلك ثمانية أوعال)، والصحيح: أن حملة العرش قبل يوم القيامة أربعة، ويوم القيامة ثمانية، كما قال الله عز وجل: وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17]، فهذه الآية تدل على أن حملة العرش يوم القيامة ثمانية، وهذا صريح في ذلك، وأما في الدنيا فقد وردت أحاديث صحاح، صححها الشيخ الألباني وغيره في مختصر العلو وغيره، أن عدد حملة العرش أربعة وليسوا ثمانية.

    دلالة حديث الجارية على العلو لله سبحانه والرد على من أنكره

    والحقيقة أن صفة العلو لا تفتقر إلى هذين الحديثين، وهناك أحاديث كثيرة تدل على ذلك، منها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، عن معاوية السلمي رضي الله عنه، عندما ضرب جاريته فصكها بسبب أنه جاء فوجد الذئب قد أخذ واحدة من الشياه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم نادماً على فعله، وفيه: (فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).

    وهذا حديث صحيح ذكره الذهبي هنا، وهو في كتاب مختصر العلو للعلي الغفار بتحقيق الشيخ الألباني ، والأصل قد طبع، لكن المختصر اشترط فيه الشيخ رحمه الله أنه لا يورد فيه إلا ما صح إسناده عنده، وهذه الطبعة فيها رداءة لكن يمكن الاستفادة منها.

    فأول حديث نقله من أحاديث العلو هو هذا الحديث، حديث معاوية بن الحكم السلمي ، قال: (كانت لي غنم بين أحد والجوانية، وهي موضع قرب المدينة فيها جارية لي -وفي بعض الألفاظ: سوداء كما رواه الدارمي في الرد على المريسي بسند صحيح- فأطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم، فأسفت، -يعني: غضبت- فصككتها -يعني: ضربتها ضرباً شديداً- فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فعظم ذلك علي، فقلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال: ادعها، فدعوتها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة).

    هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ، وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم، يمرونه كما جاء، ولا يتعرضون له بتأويل ولا تحريف.

    وهذا الحديث فيه عدة فوائد:

    الفائدة الأولى: جواز السؤال عن الله عز وجل بأين، فإذا قال الإنسان: أين الله؟ فإنه يجاب: في السماء.

    الثانية: جواز أن يقول المسئول: إنه في السماء، يعني: على السماء، وهذا فيه إثبات صفة العلو لله تعالى.

    والحديث إسناده ثابت وقوي؛ ولهذا يعتبر هذا الحديث حجة على المبتدعة، لكن أهل البدع اتخذوا في رد هذا الحديث وسيلتين:

    الوسيلة الأولى: الإقرار بصحته وتأويل معناه.

    والوسيلة الثانية: محاولة القدح في صحته.

    أما الوسيلة الأولى: فقال بعض أهل البدع: إن هذا الحديث ليس صريحاً في إثبات العلو؛ لأن قول الجارية: (في السماء)، المقصود أن الجارية عظمت الله عز وجل، وأنها أرادت أن تبين للنبي صلى الله عليه وسلم أن منزلة الله عندها عظيمة، فقالت: (في السماء)، مثلما تقول لشخص: كيف فلان؟ فيقول لك: في السماء، يعني: وارتفعت مكانته. ولا شك أن هذا تأويل فاسد لا حاجة إليه، وتكلف وتعسف ظاهر، لا يدل عليه دليل من نص الحديث.

    وذكر أن أحد أهل البدع ناقش بعض أهل السنة في حديث النزول، فأقر بصحة حديث النزول، ثم أوله بأنه نزول أمره، فقال له هذا الرجل الذي من أهل السنة: ينزل أمره؟ قال: نعم، قال: من أين ينزل؟ قال: من العلو، قال: إذاً: أنت تثبت أن الله في العلو، يعني: ألزمه بإثبات العلو بعد أن أول النص؛ لأنه قال: ينزل أمره، يعني: دع عنك مناقشة هذا المبتدع في إثبات صفة النزول، فإثبات صفة النزول مرحلة ثانية، لكن نقول له: ما دام أنك أولت الحديث بأنه ينزل أمره، فهذا دليل على أنك معترف بأنه في السماء، وأن أمره ينزل من السماء إلى الأرض؛ لأنه إذا كان ينزل أمره وهو ليس في السماء فما فائدة: (ينزل) فستقول: جاء أمره، سواء من هنا أو من هنا أو من أسفل أو من فوق، لكن قولك: (ينزل)، دليل على أنك اعترفت بالعلو.

    ثم نأتي بعد ذلك نناقشه في مسألة تأويله للنزول وإبطال قوله، هذا العمل الأول الذي يقوم به أهل البدع.

    والأمر الثاني: من تأويلاتهم أنهم قالوا: إن هذا السؤال: أين الله؟ وقول الجارية: في السماء، المقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم سألها كيف تتوجهين في دعائك، فأخبرته أن قبلة الدعاء السماء، كما أن قبلة المصلي الكعبة، وليس هناك ما يثبت أنه في السماء، وكما قلت: وهذا تأويل أيضاً متكلف وظاهر.

    نقد الكوثري حديث الجارية والرد عليه

    وأما نقد هذا الحديث من حيث الإسناد، فقد نقد الشيخ الألباني كلاماً للكوثري يريد أن يبطل هذا الإسناد.

    يقول الكوثري في تعليقه على الأسماء والصفات للبيهقي بعد أن صححه البيهقي وقال: وهذا صحيح قد أخرجه مسلم ، فقال الكوثري في الحاشية: انفرد عطاء بن يسار برواية حديث القوم -يعني: حديث أهل السنة- عن معاوية بن الحكم ، وقد وقع في لفظ له كما في كتاب العلو للذهبي ما يدل على أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع الجارية لم يكن إلا بالإشارة، وورد في بعض ألفاظ هذا الحديث أن هذه الجارية أعجمية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم معها بالإشارة، (فسألها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، وسألها: من أنا؟ فأشارت إليه ثم أشارت إلى السماء)، يعني: أنت رسول الله.

    يقول: وسبك الراوي ما فهم من الإشارة في لفظ اختاره، فلفظ عطاء الذي يدل على قولنا هو: حدثني صاحب الجارية نفسه الحديث، وفيه: (فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها مستفهماً: من في السماء؟ قالت: الله، قال: فمن أنا؟ فقالت: رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مسلمة)، وهذا من الدليل على أن (أين الله) لم يكن لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد فعلت رواية (في) بالمعنى في الحديث ما تراه من الاضطراب.

    وهذا قول فاسد باطل؛ لأن الرواية التي وردت بأن الجارية كانت أعجمية هي رواية ضعيفة رواها الإمام أحمد في المسند، والبيهقي في السنن، وفي إسنادها عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي ، وهذا الرجل اختلط في آخره، ويقول أحد العلماء وهو ابن نمير : كان ثقة واختلط بآخره، سمع منه ابن مهدي ويزيد بن هارون أحاديث مختلطة، وهذا الحديث من رواية يزيد بن عمرو عنه، فهذا يدل على أن هذه الرواية ضعيفة، وليست صحيحة، ثم عامة الروايات وردت بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء).

    ثم لو تنزلنا مع الكوثري هذا، وقلنا: إن رواية الإشارة صحيحة، فهذا نص في أن الله عز وجل في السماء، فإنه باعتراف الكوثري بعد هذا التعنت وهذا التأول نقول: ماذا قال لها رسول الله بالإشارة؟ فسيقول: أشار هكذا، يعني: (أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك)، وكونه أقرها على ذلك دليل على أنه في العلو، ثم إن الحديث الوارد في صحيح مسلم في حديث جابر في الحج أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال لهم: (هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم فاشهد)، يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها عليهم، وهذا أيضاً دليل أن الله سبحانه وتعالى في السماء، وأن تأويلات الكوثري وغيره تأويلات فاسدة لا مكان لها.

    قال المؤلف رحمه الله: [وقوله في الحديث الصحيح: (إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي)].

    الشاهد من هذا الحديث هو قوله: (موضوع عنده فوق العرش)، فالله عز وجل فوق العرش كما هو معلوم، وهو صريح في إثبات العلو، وهذا الحديث رواه مسلم .

    قال المؤلف رحمه الله: [وقوله في حديث قبض الروح: (حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله)].

    وهذا الحديث رواه ابن ماجة وأحمد وابن خزيمة في التوحيد، وإسناده صحيح.

    يقول شيخ الإسلام تعليقاً على هذا الحديث: [إسناده على شرط الصحيحين].

    1.   

    الأدلة على صفة العلو من الشعر

    قال المؤلف رحمه الله: [وقول عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، الذي أنشده النبي صلى الله عليه وسلم وأقره عليه:

    شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا

    وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا].

    وهذا الحديث مختلف في صحته، فبعض أهل العلم يرى أنه ضعيف، وأن إسناده لا يثبت، وصححه ابن عبد البر رحمه الله، فإنه قال: رويناه من وجوه صحاح.

    وهذا ورد في قصة عبد الله بن رواحة عندما خرج من عند جارية له، فشكت زوجته فيه أنه كان عندها، فقالت: اقرأ القرآن، قال لها هذا الشعر، فقالت: صدقت الله وكذبت بصري.

    وعلى كل حال يمكن أن مسألة الصفة تثبت بغير هذا الحديث كما سبق.

    قال المؤلف رحمه الله: [وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي مات في الجاهلية، الذي أنشد للنبي صلى الله عليه وسلم هو وغيره من شعره فاستحسنه، وقال: (آمن شعره وكفر قلبه)، يقول:

    مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا

    بالبنا الأعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا

    شرجعاً ما يناله بصر العين يرى دونه الملائك صورا].

    وهذا الحديث حديث صحيح عندما قال: (آمن شعره وكفر قلبه)، وهي منسوبة له، نقلها ابن عساكر في تاريخ دمشق وغيره.

    إذاً: هذه العقيدة، عقيدة ثابتة، لا شك فيها بوجه من الوجوه، وكل من اعتقد خلافها فعقيدته باطلة فاسدة، مخالفة للسنة.

    1.   

    الأسئلة

    ممن تأثر بأهل الكلام ابن الجوزي

    السؤال: ما رأيكم في كتاب ذم الكلام لـابن الجوزي ، وهل تطرق لأهل الكلام؟

    الجواب: ليس هناك كتاب لـابن الجوزي في ذم الكلام، وإنما الكتاب في ذم الهوى، وابن الجوزي ممن تأثر بعلم الكلام، وله كتاب دفع شبه التشبيه، وهو متأثر فيه بأهل الكلام.

    أهل الكلام في العصر الحاضر

    السؤال: هل يوجد أحد من أهل الكلام في العصر الحاضر؟

    الجواب: نعم، ما زالت كتبهم موجودة، تدرس وتدرس، وتلخص وتحقق، وما زال كثير من الأطروحات الجامعية، مثل الماجستير والدكتوراه في كثير من أنحاء العالم الإسلامي على هذا المنهج وعلى هذه العقيدة، وهناك مفكرون مشاهير، منهم الدكتور علي سام النشار ، ألف كتاباً كبيراً من ثلاث مجلدات تقريباً سماه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، وهو من كبار المدافعين عن علم الكلام والذابين عنه.

    والحقيقة أن هذه الفرق المعتزلة والأشاعرة والماتريدية فرق موجودة ولها واقع معاصر في مجال التعليم، فكثير من الكليات التي تدرس أصول الدين والعقائد في العالم الإسلامي تدرس عقائد هذه الفرق، وكذلك كثير من مناهج التعليم في الثانويات يدرسون هذه المناهج، هذا في مجال التعليم.

    وفي مجال التأليف فإن الكتب التي في علم الكلام كثيرة جداً لمن أراد أن يراجع، مثلاً كتاب النشار الذي سبق ذكره، وكتابات الدكتور عرفان عبد الحميد ، وكتابات عمار الطالبي ، وكتابات محمد أبي ريان وغيرهم، هؤلاء كلهم يدافعون عن علم الكلام ويمجدونه، ومنهم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ، له كتاب اسمه العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر، كتاب طبع في عام ألف وأربعمائة وعشرة تقريباً، وهذا الكتاب يدافع فيه عن علم الكلام، ووضع مقدمة طويلة في مدح علم الكلام والثناء عليه، وممن يدافع عن علم الكلام الدكتور: حسن الشافعي ، وهو مدير الجامعة الإسلامية في إسلام أباد، له كتاب اسمه الآمدي وآراؤه الكلامية، وحقق بعض كتب أهل الكلام.

    الشيخ علي الطنطاوي ليس من أهل الكلام

    السؤال: هل الشيخ علي الطنطاوي من أهل الكلام علماً بأنه أثنى على ابن أبي دؤاد المعتزلي في كتابه رجال من التاريخ؟

    الجواب: أهل الكلام أناس متخصصون فيه، الشيخ علي الطنطاوي رجل أديب وكاتب وبحاثة، وهو ليس من أهل الكلام، لكنه قد يقع في أخطاء وزلات، ومنها مدحه لـابن أبي دؤاد المعتزلي في هذا الكتاب، لكنه بالجملة ليس من أهل الكلام فيما أظن، وهو في الحقيقة أكثر كتاباته في الأدب وليست في العقائد، ولا أعرف للشيخ علي الطنطاوي كتاباً مستقلاً في مجال العقائد.

    رجوع أبي حنيفة رحمه الله عن القول بالإرجاء

    السؤال: على ماذا يحمل ذم كثير من السلف لـأبي حنيفة ، ومن قال عنه: مبتدع؟

    الجواب: أكثر الكلام الذي حصل حول الإمام أبي حنيفة في كتب السلف هو بسبب الإرجاء، وهو المسمى بإرجاء الفقهاء، ويقال: إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله رجع عن هذا الإرجاء، نقل ذلك ابن عبد البر في قصة يفهم منها أنه رجع عن الإرجاء في مناظرة له مع بعض أهل السنة، وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول بخلق القرآن، لكن يقول تلميذه أبو يوسف : ناظرته ستة أشهر، فاتفقنا على أن من قال القرآن مخلوق فقد كفر، ذكر ذلك الذهبي في العلو للعلي الغفار، وصححه الشيخ الألباني في المختصر.

    كتاب بداية المجتهد لابن رشد مفيد ونافع

    السؤال: ما رأيك في مؤلفات ابن رشد الأندلسي مثل كتاب بداية المجتهد؟

    الجواب: الكتب التي كتبها ابن رشد الأندلسي في العقائد كتبها على منهج الفلاسفة، لكن كتابه بداية المجتهد كتاب فقهي مفيد ونافع.

    كتاب إحياء علوم الدين منهج تربوي يدرسه الطالب المتمكن

    السؤال: ما رأيك في كتاب إحياء علوم الدين؟ وتهذيب إحياء علوم الدين لـأحمد صالح الشامي ؟

    الجواب: كتاب إحياء علوم الدين كتاب كبير، فيه فوائد كثيرة من الجوانب التربوية، يمكن للإنسان أن يستفيد منه في هذا الباب، ولكن عليه مجموعة من الملاحظات، منها:

    أن الأحاديث التي في كتاب إحياء علوم الدين كثير منها واهية وموضوعة وضعيفة.

    والملاحظة الثانية: هو أنه ناقش كثيراً من القضايا بمنهج الصوفية، مثل الكلام على الخلوات ونحو ذلك، والكلام على الكشف وما يتعلق به، كل ذلك على مذهب الصوفية، فينبغي الحذر منه.

    أيضاً من الملاحظات على كتاب إحياء علوم الدين: أن هذا الكتاب ألف في فترة عصيبة من تاريخ المسلمين، وهي فترة استيلاء الصليبيين على المسجد الأقصى، ومع هذا لا يوجد في الكتاب شيء عن الجهاد في سبيل الله، مع أن قضية الجهاد في سبيل الله كانت من أولى المسائل التي ينبغي أن يبحثها وأن يلهب حماس المسلمين لها، وأن يذكرهم بفضل الجهاد، وأن يشجعهم عليه، وأنه من أفضل العبادات، لكن لأنه ينتهج منهج الصوفية فإنه لم يذكر شيئاً عن الجهاد في سبيل الله.

    فالنصيحة للإخوة هو أن الإنسان إذا كان متمكناً في العلم الشرعي يمكن له أن يستفيد من هذا الكتاب مع معرفته لهذه الملاحظات، لكن إذا كان مبتدئاً في طلب العلم أو ليس متمكناً، ولا يستطيع أن يميز الصحيح من غير الصحيح فلا ينبغي له أن يشتغل بهذه الكتب التي فيها ملاحظات، وقد اختصر هذا الكتاب جمال الدين القاسمي في كتاب سماه: موعظة المؤمنين في تهذيب إحياء علوم الدين، وكذلك منهاج القاصدين لـابن الجوزي مختصر إحياء علوم الدين، واختصره ابن قدامة المقدسي في كتاب سماه مختصر إحياء علوم الدين، فيمكن الرجوع لهذه المختصرات، فهي أنفع.

    كيفية معرفة أن المؤلف من أهل الكلام

    السؤال: كيف نعرف عند قراءة كتاب ما أن صاحب هذا الكتاب من أهل الكلام؟

    الجواب: يعرف من تصريح صاحبه بالعنوان مثل: المواقف في علم الكلام، أو من مدحه لعلم الكلام في المقدمة، أو في بعض الكتاب، أو من المسائل العقدية التي يبحثها، فهناك مسائل عقدية معينة يبحثونها، فيمكن للإنسان أن يعرف، فإذا بحث مثلاً وقال: هذا النص يؤول، ونفى صفة العلو والاستواء وغيرها عن الله عز وجل، فهذا يعرف منه أن الكتاب من كتب الأشاعرة، وأنه على طريقة علماء الكلام منهم.

    علم الكلام ليس هو علم أصول الدين

    السؤال: ما علاقة علم الكلام بأصول الفقه، وهل علم الكلام هو نفسه علم أصول الدين؟

    الجواب: أولاً: علم الكلام ليس هو علم أصول الدين؛ لأن كلمة (علم أصول الدين)، كلمة مدح، وقد تجد بعض المتكلمين يسمي علم الكلام بعلم التوحيد، أو علم أصول الدين أو علم العقيدة، يمدحون بها مذهبهم، لكن الحقيقة أن علم الكلام ليس هو علم أصول الدين؛ لأن علم أصول الدين مأخوذ من الكتاب والسنة، وبينه وبين علم الكلام فوارق كبيرة جداً.

    أما من ناحية العلاقة بين علم الكلام وعلم أصول الفقه، فإن أول من أدخل علم الكلام في أصول الفقه هو أبو حامد الغزالي ، عندما ألف كتابه المستصفى، وبعض المعتزلة كـأبي الحسين البصري وغيره.

    ثم تتابع أهل الكلام فألفوا في أصول الفقه، وجعلوا من مصادر علم أصول الفقه علم الكلام، وبحثوا كثيراً من المسائل الكلامية في ظل أصول الفقه، والحقيقة أنهم أضروا بعلم أصول الفقه عندما بحثوا مسائله، وأدخلوا معها علم الكلام؛ لأنهم يبحثون في مسائل التحسين والتقبيح العقليين مثلاً، ويبحثون في مسائل الأمر مثلاً، هل هو باللفظ بحيث يكون له صيغ، أو بالمعنى فلا يكون له صيغ، ونحو هذا، وكل هذا من المسائل التي لا يستفيد منها طالب الفقه، بحيث إنه يؤهله للاجتهاد والاستنباط، فهي مسائل جدلية؛ ولهذا يختمون كثيراً من المسائل بقولهم: والخلاف في هذه المسألة لفظي، مثل الخلاف بين المندوب والمستحب.

    إذاً: ينبغي أن تدرس الكتب في أصول الفقه التي لم تشتغل بعلم الكلام، والسبب في هذا أن الكتب التي جعلت علم الكلام مصدراً من مصادرها عليها ثلاث ملاحظات:

    الملاحظة الأولى: تضمنها لكثير من العقائد الباطلة والمخالفة للسنة؛ ولهذا تجد بعض الذين يشتغلون في أصول الفقه قد يناقش مسألة أصولية، فيقع في خطأ عقدي وهو لا يشعر؛ لأن اعتماده على الكتب التي بحثت أصول الفقه بمنهج أهل الكلام.

    الملاحظة الثانية: الاشتغال بالتجرد النظري عن التطبيق العملي على المسائل الفقهية.

    والثالثة وهي نتيجة للثانية: قلة الأمثلة في مجال الفروع الفقهية، فتجد أكثرها مسائل نظرية، ليست لها أمثلة فقهية، فينبغي الرجوع إلى الكتب التي عنيت بالأمثلة الفقهية، مثل كتاب قواطع الأدلة لـأبي المظفر السمعاني ، وهو كتاب كبير، ومثل مقدمة الشيخ الشنقيطي التي شرح بها روضة الناظر، فهي مليئة بالأمثلة، ومثل شرح الورقات للأستاذ عبد الله الفوزان ، وهو كتاب منظم يستفيد منه طالب العلم.

    الفرق بين من ينكر الصفة ومن يؤول الصفة

    السؤال: هل يكفر من أنكر علو الله مع وضوح الأدلة على ذلك، وإذا كان لا يكفر فهل يعذر بتأويله؟

    الجواب: أما من أنكر علو الله عز وجل فلا شك أنه كافر، لوضوح الأدلة فيه، لكن من أول العلو بمعنى آخر يخالف معناه الحقيقي، مثل تأويل متأخري الأشاعرة، فهذا قد يقال: إنه لا يكفر لوجود شبهة عنده.

    وهناك فرق بين من ينكر صفة العلو إنكاراً تاماً، وبين من يؤول الصفة، وهكذا في سائر الصفات، فهناك فرق بين من ينكر الصفة ومن يؤول الصفة، فمن يؤولها عنده إنكار ضمني، لكنه لا ينكر الصفة من حيث الأساس.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017259211

    عدد مرات الحفظ

    724014159