إسلام ويب

شرح العبودية [6]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تعلق الصوفية بالعبودية الاضطرارية وتركوا العبادة الاختيارية الحقة لله تعالى، التي بها نجاة العبد وفوزه يوم القيامة، والصوفية دين من أديان الهند نقل إلى العالم الإسلامي عن طريق الزنادقة. وقد قسم الصوفية الناس إلى عامة وخاصة، وزعموا أنهم يدركون أشياء لا يدركها العوام، ودعوا إلى وحدة الأديان، والقول بالحلول والاتحاد، وغير ذلك من العقائد الضالة المنحرفة.

    1.   

    العبودية الاضطرارية واستواء الخلق فيها

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين, وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله, إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.

    اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً، إنك أنت العليم الحكيم.

    أيها الإخوة الكرام: في آخر درس من الدروس المتعلقة بكتاب العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعرضنا للكلام عن أقسام العبادة والعبودية، وقلنا: إن العبودية تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: العبودية الاضطرارية.

    والقسم الثاني: العبودية الاختيارية.

    وسبق أن تحدثنا عن العبودية الاضطرارية، وقلنا: إن العبودية الاضطرارية هي الذل والخضوع لله سبحانه وتعالى اضطراراً, وليس اختياراً من الإنسان, وهذه العبودية حاصلة لكل مخلوقات الله سبحانه وتعالى, فكل المخلوقات من الإنسان والجن والملائكة والأشجار والأحجار وجميع المخلوقات هي عابدة لله سبحانه وتعالى بهذا الاعتبار.

    وقلنا: إن الكفار -أيضاً- هم عابدون لله عز وجل اضطراراً, أي: خاضعون له, وذليلون له، وهم في خضوعهم وذلهم هذا ليسوا مختارين، وإنما هم مضطرون إلى ذلك.

    فالعبودية بهذا المعنى هي موافقة لربوبية الله سبحانه وتعالى, أي: أنه رب كل شيء سبحانه وتعالى, وأنه خالق كل شيء عز وجل.

    وأما العبودية الاختيارية فهي العبودية التي يفعلها الإنسان عن اختيار ولو شاء لتركها, وهذه العبودية لا تكون إلا من المكلفين الذين كلفهم الله سبحانه وتعالى بالأمر والنهي, فهؤلاء هم الذين يعبدون الله عز وجل, وهم المختارون هذه العبادة عن رضى وطواعية.

    وسبق أن قلنا: إن العبودية الاضطرارية لا تفرق بين أهل الجنة وأهل النار, وإنه لا يصير الإنسان بها مؤمناً.

    وقلنا كذلك عن هذه العبودية: إنه أقر بها المشركون وكفار قريش, فإنهم كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت.

    ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى عنهم: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106].

    فأثبت لهم إيماناً، لكن هذا الإيمان لا ينفع وحده, بل لابد من أن يضاف إلى هذا الإيمان إيمان آخر، وهو الاختيار في عبودية الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الصوفية ومنهجها في العبودية

    سبق أن قلنا: إن العبودية الاضطرارية هي التي يُتعب الصوفية أنفسهم في الوصول إليها, فهم يعتبرونها الغاية التي يصل إليها العابد, ولهذا يردد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله دائماً في كتبه في السلوك -مثل كتاب الاستقامة, ومثل كتاب التحفة العراقية- يردد ذكر هذه العبودية عنهم.

    وقد يستطرد أحياناً في بعض كتبه الأخرى فيذكر أن الصوفية يفنون أعمارهم في شهود الحقيقة الكونية.

    وهذا ما ذكره هنا, فإنه قال: وكثير ممن يتكلم في الحقيقة ويشهدها يشهد هذه الحقيقة -وهي الحقيقة الكونية- التي يشترك فيها وفي شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر والبر والفاجر, وإبليس معترف بهذه الحقيقة, وأهل النار.

    قال إبليس: رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:36] إلى آخر ما ذكره رحمه الله في هذا الموضوع.

    نشأة التصوف

    وقبل أن نتحدث عن شهود الصوفية لهذه الحقيقة لابد من أن نُعرف أولاً بالصوفية، ولا بد من أن نتحدث عن نشأة التصوف والصوفية في حياة المسلمين, ثم نذكر باختصار الكلام على أهم العقائد التي يتبناها الصوفية, ثم بعد ذلك نعلق على كلام شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الموضع عن شهود الصوفية للحقيقة الكونية, واعتبار هذه الحقيقة الكونية الأساس في العبودية.

    اختلف الباحثون في الحديث عن نشأة التصوف, وأصح الأقوال في نشأة التصوف هو أن الصوفية دين من أديان الهند نقل إلى العالم الإسلامي عن طريق الزنادقة.

    فإن الهنود الوثنيين عندهم فلسفة ورياضة يسمونها الثيوصوفية, و(الثيوصوفية) هذه معناها: عاشق الإله, أو عاشق الله.

    فالثيوصوفية مثل الفلسفة، فإن كلمة (فيلاسوف) معناها: محب الحكمة, والحكمة هي أسرار الأشياء واللطائف التي تكون في الأشياء ومكونات الأشياء.

    ومن هنا سمي الفلاسفة فلاسفة؛ لأنهم -حسب زعمهم- يسعون من أجل الوصول إلى الحكمة, فكلمة (فيلاسوف) مركبة من كلمتين (فيلا) و(سوف), فـ(فيلا) معناها الحكمة, و(سوف) معناها محب، فالمعنى والترجمة لها أنها (محب الحكمة), فهذه معنى (فيلا سوف)، وكذلك معنى (ثيو صوف), أي: عاشق الإله، فإن (صوف) بمعنى: محب أو عاشق, و(ثيو) بمعنى: الإله.

    وكانت الهنود عندهم رياضات يقومون بها، وهذه الرياضات يزعمون أنها توصلهم إلى الإشراق, وأن هذه الرياضات إذا تدربوا عليها بطرق معينة وبأساليب معينة فإنهم سيصلون إلى مراحل عالية جداً.

    من هذه المراحل المخاطبات والمكاشفات التي تحصل لهم، ومن ذلك -أيضاً- أنهم قد يظنون أنهم يتصرفون في الأشياء بناء على هذه الرياضات.

    وهذا ما ذكره أبو الريحان البيروني في كتابه (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في الذهن أو مرذولة)، وهذا الكتاب هو عبارة عن كتاب تاريخي يتكلم عن البلدان وأديان البلدان, ومؤلفه هو رجل جغرافي ورحالة كان يتنقل في البلاد, وكلما نزل في بلد من هذه البلدان يتحدث عن طبيعة هذه البلاد وعن دينها, فألف هذا الكتاب عن الهند لما رأى فيها من العجائب والغرائب، وكانت الهند من أعرق البلدان والشعوب في قضايا الفلسفة.

    والمهم أن هذا الكتاب -الذي هو تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في الذهن أو مرذولة- تحدث عن أديان الهند، وذكر أن عندهم طائفة تسمى (الثيوصوفية)، وذكر من أوصافهم أنهم يعشقون الإله, وأنهم يتصورون أنهم إذا تعلقوا بالإله فإن الإله يعطيهم من فيضه ويعطيهم من جوده ما يمكن أن يتصرفوا به في الكون من حولهم.

    وانتقلت هذه الديانة إلى العالم الإسلامي عن طريق الزنادقة كما سبق أن ذكرت, فإن الأمة المسلمة لما أظهر الله سبحانه وتعالى دينها, وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزيرة، وانطلقت الفتوحات في زمن أبي بكر الصديق وفي زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما استطاع الصحابة رضوان الله عليهم أن يكسروا شوكة أمم كثيرة، ومنهم الفرس والهنود وأمثال هؤلاء, فدخل كثير من أبناء هذه البلدان المفتوحة في دين الله سبحانه وتعالى نفاقاً, فلما دخلوا نفاقاً أرادوا أن يفسدوا هذا الدين من داخله, وذلك عن طريق إثارة بعض العقائد الباطلة وبعض المفاهيم المنحرفة, ومحاولة تغيير الدين من داخله.

    وبالفعل ظهرت كثير من البدع التي لا تمت إلى جوهر الإسلام بأي وجه من الوجوه, وسنلحظ عندما نستعرض بعض عقائد هؤلاء أنه لا يتصور أن إنساناً ينتسب إلى الإسلام ومع هذا يقول بهذه العقائد وهذه الأقوال.

    وبهذا ظهر دين الشيعة, وظهر -أيضاً- التصوف من خلال هؤلاء, وظهرت الباطنية الذين يزعمون أن مشايخهم آلهة يديرون الكون ويتصرفون فيه، كما سيأتي ذكر بعض عقائدهم وأفكارهم.

    فأدخل الزنادقة ذلك الانحراف في حياة المسلمين, فلما أدخله الزنادقة في حياة المسلمين وجدوا طائفة من المسلمين يتميزون بالزهد ويتميزون بالتقشف ويتميزون بكثرة العمل الذي يكون متعلقاً بالعبادة.

    فلما وجدوا هؤلاء -لا سيما مع كثرة الجهل- أظهروا لهم الزهد وأظهروا لهم التعبد, ثم بعد ذلك أظهروا شيئاً من عقائدهم قليلاً قليلاً حتى ظهرت هذه الطائفة التي سميت فيما بعد بالصوفية.

    ولا يعني هذا أن كل من انتسب إلى الصوفية زنديق, فكل دعوة من الدعوات وكل مذهب من المذاهب فيه مخدوعون كثر, لا يعرفون حقيقة هذا المذهب, ولا يعرفون فكرته الأساسية, وإنما ينتسبون إليه مجرد انتساب, وربما أخذوا بعض المظاهر العامة فيه وانتسبوا إليه.

    وهذا يدل على أنه ليس كل واحد من الصوفية لابد من أن يكون زنديقاً يريد هدم الإسلام من الداخل.

    لكن الذين نقلوها إلى العالم الإسلامي, والذين دبروا هذه المكيدة للمسلمين؛ لاشك في أنهم زنادقة، كما سيأتي في الكلام عن شيء من عقائدهم، هذه هي نشأة الصوفية وهذه هي بدايتهم.

    1.   

    عقائد الصوفية

    الحقيقة والشريعة

    ويمكن هنا أن نذكر شيئاً من عقائد الصوفية:

    فمن ذلك أن عندهم ما يسمى بالحقيقة والشريعة, ويقصدون بالشريعة الأحكام الفقهية العملية, وقد يسمونها في بعض الأحيان الظاهر, وأما الحقيقة فإنهم يقصدون بها الأعمال القلبية، وقد يسمونها الباطن في بعض الأحيان.

    ولم يقف التصوف عند هذا الحد, بحيث يقول أهله: إن الفقهاء يعرفون أحكام الظاهر ونحن متخصصون في أحكام الباطن. لا, وإنما أرادوا بهذا أن يقسموا الناس إلى قسمين:

    عامة وخاصة, فأما العامة فهم الذين يقرءون الأحكام الشرعية ويأخذون عموماتها, فمثلاً إذا قرءوا الصلاة ظنوا أن الصلاة هي هذه الصلاة التي تصلى في اليوم خمس مرات بالركعات المعهودة, وإذا قرءوا الحج ظنوه كذلك, وإذا سمعوا الجنة والنار ظنوهما كذلك, وإذا سمعوا بعض تفسير الآيات لم يفهموا منه إلا هذه المظاهر العامة التي يفهمها الإنسان عندما يخاطب بمثل هذا الكلام.

    وأما هم فيقولون: نحن عندنا الحقيقة, وما هي الحقيقة؟

    قالوا: الحقيقة هي شيء لا يدركه هؤلاء العوام, فهي معانٍ وأسرار لا يعرفها أي أحد، وعندما تطلع على هذه الأسرار تجد الخرافات وتجد البدع المضلة والانحرافات العجيبة.

    ولهذا يعتبرون علماء السنة المشهورين -كالأئمة الأربعة وغيرهم- علماء الشريعة, ويعتبرون أنفسهم علماء الحقيقة.

    فعلماء الشريعة مثل الإمام أحمد والإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي، وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق بن همام الصنعاني وغيرهم, فيسمون هؤلاء وأتباعهم المشتغلين بدراسة العلوم الشرعية يسمونهم أصحاب الشريعة, أو أصحاب الظاهر, أو العامة.

    ويسمون أنفسهم وهم يتصرفون تصرفات غريبة وبعيدة عن هدي الإسلام أصحاب الحقيقة, ولهذا قد يأتي أحدهم -مثل إبراهيم العريان - ويخطب أمام الناس وهو عريان ليس عليه شيء من اللباس, فإذا أنكروا عليه ضحك بعض الصوفية وقال: هؤلاء هم العامة, ويضحك على من ينكر عليه ويقول: هؤلاء أصحاب الشريعة ما تغلغلوا في التدين وعرفوه على حقيقته كما عرفه إبراهيم العريان الذي يخطب أمام الناس وهو عريان.

    ولهذا يقول الشبلي :

    إذا بارزونا بعلم الورق خرجنا إليهم بعلم الخرق

    يقول: إذا احتجوا علينا بعلم الورق الذي هو علم الكتب والدراسة وحفظ الأحاديث والمسائل كما كان السلف الصالح عليه؛ برزنا إليهم بعلم الخرق.

    فما هو علم الخرقة عندهم؟

    إن الخرقة خرافة، فهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرقة وبايعه على الطريقة التي هي طريقة الأسرار وطريقة الحقائق كما يتصورونها, وصارت الخرقة هذه رمزاً وعلامة على أن من أخذها فقد وصل إلى الحقيقة، فـعلي بن أبي طالب بايع من بعده, وكل واحد يبايع الآخر.

    فإذا جئنا إلى أهل السنة وما عندهم من العلوم وجدنا أنهم يقولون: حدثنا فلان قال: أخبرنا فلان, قال: أنبأنا فلان عن فلان عن فلان, بإسناد متصل.

    وأما هؤلاء فيقولون: نحن لنا علم آخر غير العلم الذي أنتم عليه, نحن علمنا وإسنادنا هو عن طريق الخرقة, أخذت الخرقة عن شيخي الفلاني, عن شيخه الفلاني عن شيخه الفلاني, حتى وصلت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فما هي فائدة هذه الخرقة؟

    قالوا: هذه الخرقة عبارة عن رمز, وعبارة عن طريقة إذا تعلمها الإنسان فإنه يحدث عن الله مباشرة, فيقول: أنبأني قلبي عن ربي مباشرة, ولا يحتاج إلى قوله: (أنبأنا فلان عن فلان عن فلان عن الرسول صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن رب العالمين), فأسانيدنا طويلة, أما أسانيدهم فقصيرة.

    ولهذا فإن الكشوف التي يحصلون عليها يعتقدون أنها يقينية مائة في المائة، ولا يشكون فيها, وسيأتي معنا الإشارة إلى هذا عندما نتحدث عن الأولياء عندهم بإذن الله تعالى.

    الحقيقة المحمدية

    ومن عقائد الصوفية: الحقيقة المحمدية:

    فهم يغلون في الرسول صلى الله عليه وسلم إلى درجة أنهم يوصلونه إلى ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم, إنما أنا عبد الله ورسوله, فقولوا: عبد الله ورسوله)، حيث يقولون: إن الله عز وجل ما خلق هذا الخلق إلا للرسول صلى الله عليه وسلم، وما خلق الأنبياء وما خلق الدنيا كلها إلا من أجل الرسول صلى الله عليه وسلم, فهم يعارضون قول الله عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    ولهذا يقول البوصيري :

    وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم

    يعني: لولا الرسول صلى الله عليه وسلم ما خرجت الدنيا من العدم وظهرت في الواقع في حياة الناس.

    ويزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخلوقاً قبل آدم, وأن آدم عليه السلام لما أكل من الشجرة وتاب الله عليه بقوله:

    فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37] فقالوا: هذه الكلمات هي أنه استغاث بالرسول صلى الله عليه وسلم وسأل الله عز وجل بجاهه, فقال الله عز وجل لآدم كيف عرفت محمداً صلى الله عليه وسلم؟! قال: نظرت إلى العرش فوجدته منقوشاً عليه: (أشهد أن محمداً رسول الله), فعرفت أنه عزيز عندك.

    ويقولون: إن محمداً صلى الله عليه وسلم عبارة عن نور، وإنه ليس إنساناً حقيقياً له بدن وله جسد ونحو ذلك, وإنما هو نور من الأنوار, ولهذا يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث موضوعة في هذا الأمر، منها أنه قال: (كنت نوراً وانتقلت في أصلاب الرجال نوراً حتى جئت إلى صلب عبد الله, ثم كنت بعد ذلك).

    وحدة الأديان

    العقيدة الثالثة: وحدة الأديان.

    فالصوفية من الدعاة إلى وحدة الأديان، ولا يلزم من ذكري هذه العقائد أن كل صوفي عنده هذه العقائد، لكن هذا هو منهج التصوف، ففي بعض الأحيان قد يلتزمه الناس جميعاً, وفي بعض الأحيان قد يلتزم بعض الناس بعضه ويتركون بعضه, وفي بعض الأحيان قد يلتزم بعضهم الشعار فقط, فيقول: أنا صوفي، ويمشي معهم وهو لا يعلم, فالمخدوعون كثر.

    ففي وحدة الأديان يرى أئمة الصوفية الكبار -مثل ابن عربي والحلاج وابن الفارض وغيرهم- أنه ليس هناك فرق بين الأديان, وإنما الأديان جميعاً دين واحد، وهو اعتقاد أن هذا الوجود هو الله سبحانه وتعالى.

    يقول ابن عربي :

    لقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان

    وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن

    أدين بدين الحب أنى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني

    فهو يرى أن حب الوجود جميعاً هو دينه؛ لأن الوجود جميعه هو الله عز وجل عنده، فهو يحب اليهود والنصارى والوثنيين وكل الفلسفات الموجودة المتناقضة يحبها جميعاً؛ لأن الحب هو دينه وإيمانه.

    وقد سبق أن نقلنا عن أحد السلف -وهو مكحول رحمه الله- أنه كان يقول: من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري, ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئي, ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق.

    ويقصد به هؤلاء, ولهذا سبق أن ذكرت أن التصوف عبارة عن دين من أديان الهند نقلته الزنادقة إلى حياة المسلمين, ولهذا فإن السلف كانوا يسمون هذا النوع من أصحاب العقائد زنادقة.

    ويمكن أن يراجع كتاب اسمه (التنبيه والرد) للملطي رحمه الله, فإنه ذكر عقائد الصوفية، وهو في كل عقيدة يقول: وتقول الزنادقة كذا, وتقول الزنادقة كذا, ويقصد به هؤلاء الصوفية الكبار.

    ومما يمكن في هذا أن أبا يزيد البسطامي مرَّ على مقبرة يهود فقال: معذورون، ومر على مقبرة من مقابر المسلمين فقال: مغرورون, ثم خاطب الله عز وجل فقال: ما هؤلاء حتى تعذبهم؟! حطام جرت عليهم القضايا، اعف عنهم.

    وهذه عقيدتهم التي سيأتي الإشارة إليها، وهي أنهم يرون أن العباد مجبورون على أفعالهم, فهم جبرية.

    1.   

    عقيدة الولاية عند الصوفية

    بقي أن نشير إلى عقيدة أخرى عند هؤلاء الصوفية، وهي عقيدة الولاية، والكلام على عقيدة الولاية طويل, لكن يمكن أن نلخصه في أمرين:

    الأمر الأول: الطريق إلى الولاية عند الصوفية.

    الأمر الثاني: طبقات الأولياء عندهم.

    الطريق إلى الولاية عند الصوفية

    فأما الطريق إلى الولاية فيكون عندهم عن طريق الرقص, ويسمونه السماع, وعن طريق الاسم المفرد (الله، الله، الله), وستأتي الإشارة إليه, وعن طريق الضمير: (هو، هو، هو) وهكذا, فيردد الواحد منهم ويقفز ويصيح ويبكي حتى يصل إلى درجة يسمونها الفناء, وستأتي الإشارة إلى الفناء -إن شاء الله- مفصلة.

    ويسمونها الاصطلام, ويسمونها السكر, وفي هذه الحالة يغيب هذا الإنسان عن شهود المخلوقات, فلا يشهد إلا الخالق كما يزعمون, ولهذا يقول أبو يزيد البسطامي نفسه: ما في الجبة إلا الله.

    ولهم طرق متعددة, وليس لهم طريقة واحدة يسيرون جميعاً عليها, وإنما لهم طرق متعددة يجمعها السماع والغناء والرقص والطبل والحديث عن الحب, والاستفادة من أشعار العشاق مثل مجنون ليلى قيس بن الملوح ، وعمر بن أبي ربيعة وغيرهم من الشعراء الذين يتكلمون عن محبوبهم.

    فهم يغنون ويطبلون ويصيحون ويصرخون ويرددون هذه الأشعار حتى يغيب الإنسان, فإذا غاب يغيب عن وعيه وعن عقله, فتأتيه أوهام وتأتيه مخاطبات ويسمع كلاماً وهذه مرحلة من المرض النفسي المعروف، وأظن اسمه المنخوليا أو نحو هذا, بحيث يبدأ الإنسان يهذي, ويتكلم بالخرافات ويتكلم بالأوهام.

    فهم يتصورون أن الإنسان إذا وصل إلى هذه المرحلة فأن هذه المخاطبات التي تأتيه هي عبارة عن كلام من الله, أو كلام من الرسول, أو يرى كشوفات، فقد يرى أجساماً غريبة ويرى أشخاصاً من جراء التعب والإرهاق, لاسيما أن بعضهم -مثل الحلاج - ذهب إلى الهند في الوقت الذي كان فيه الأئمة من السلف يتنقلون بين البلدان لطلب الحديث, فانتقل الحلاج إلى الهند ورأى عباد الهنود كيف يعملون, وذلك أن أحدهم يقف على رأسه الساعات الطويلة -وهو جائع- في الشمس، فتأتيه حالة الهيستيريا, ويبدأ يصرخ ويأتي بكلام لا معنى له, ويسمون ذلك حقائق لا تقبل الجدل ولا تقبل النقاش, حتى إن أبا حامد الغزالي في الإحياء يقول: إن الكشف إذا عارض نصاً في القرآن أو السنة فإنه يؤول النص الشرعي؛ لأن الكشف لا يقبل التأويل!

    وفي هذه الحالة تأتيهم الشياطين التي تأتيهم في الحقيقة.

    و أبو حامد الغزالي له كتاب اسمه (المضنون به على غير أهله), وهو دائماً يردد الكلام على الأسرار, ويقول: إن صدور الأحرار قبور الأسرار, وإنه ينبغي على الإنسان أن يحافظ على السر, ويقصد بالسر ما يصل إليه من المكاشفات, وقد يصل إلى الكفر الأكبر المخرج عن الإسلام، والعياذ بالله، فهذه هي الطريق إلى الولاية.

    وأما طبقات الأولياء فإن الأولياء عندهم ليسوا على درجة واحدة، بل أعلاهم القطب, والقطب يسمونه الغوث, والغوث هو الذي يغيث من استغاث به.

    ويسمون عمل القطب وما يقوم به: الخلافة عن الحق مطلقاً, أي: يكون خليفة عن الله عز وجل مطلقاً.

    ولهذا يقولون: لا يصل إلى الخلق شيء من الحق إلا بحكم القطب, أي: لا يصل إلى الناس شيء من الله عز وجل إلا بحكم القطب هذا.

    فهم أخذوا فلسفة يونانية عند أفلاطون ، وهي أن الإله عندما كان ولا شيء موجود من المخلوقات, كان هذا الإله كاملاً من كل وجه, فلما خلق المخلوقات خلقها وفيها السيئ وفيها الحسن وفيها الرديء وفيها القبيح, ولا يمكن للإله النظيف العظيم أن يتدنس بعلاقته بهذا الخلق تدبيراً وتوجيهاً ونحو ذلك, ولهذا صدر عن الإله ما يسمونه بالعقل الفعال، وهذا العقل الفعال هو الذي يدير شئون الكون.

    فهم جاءوا إلى فلسفة أفلاطون فوضعوا الإله في محل الإله في نظرية أفلاطون , وجاءوا بالقطب -وهو أعظم الأولياء عندهم- ووضعوه مكان العقل الفعال, وقالوا: هذا القطب هو الذي يدبر شئون الناس.

    وقالوا: إنه لا يمكن أن يكون القطب إلا واحداً، وعندهم أن القطب قسمان:

    الأول: قطب بشري, وهذا القطب إنسان يعيش حياة الناس, وقد يكون مجهولاً عند بعض الناس, ولهذا فإن بعضهم يقول: إذا دخلت الحرم أو أي مكان من الأماكن التي يكون فيها مساجد ووجدت رجلاً وسخ الثياب قذراً حالته ترثي لها أنت؛ فإنه قد يكون القطب وأنت لا تعلم.

    ولهذا توجد طائفة عند الصوفية يسمونهم (الملامية) ويقولون عنهم: إنهم يفعلون الفعل الذي يستقبحه الناس دفعاً للرياء حتى لا يكشفوا أنفسهم.

    فالواحد منهم لا يرضى أن يكشف نفسه، إذ يمكن أن يكون القطب, فما هو الحل حتى لا يكشف نفسه؟

    الحل هو أن يعمل أعمالاً يستقبحها الناس, فربما يخرج عرياناً أمام الناس, وربما يجده الناس وهو يطأ بهيمة مثلاً, وربما ينام مع الكلاب في المزابل, وهكذا، ويسمونهم الملامية؛ لأن الواحد منهم يفعل الفعل الذي يلام عليه ليدفع عن نفسه نظر الناس واهتمام الناس، فيكون مخلصاً حسب زعمه.

    بل إن بعض الصوفية -وهو أحمد الرفاعي الساحر المشهور صاحب الطائفة الرفاعية- قال له تلميذه: يا شيخ! هل أنت القطب؟ فقال: نزه شيخك عن القطبية، يعني: أنا أعلى منها.

    فالقطبية التي هي تدبير لشئون الخلق يقول عنها: نزه شيخك عنها، فهو أعلى من هذه المرتبة العالية.

    الثاني: الأوتاد, والأوتاد بعضهم يقول: إنهم أربعة, وهم يمسكون أطراف الأرض, فواحد في الشمال، وواحد في الجنوب, وواحد في الشرق, وواحد في الغرب, بحيث إنهم يكونون مثل الجبال الرواسي التي تحفظ الأرض من أن تميل أو تذهب ونحو ذلك.

    وبعضهم يقول: إن عددهم أكثر من ذلك، وإنهم يسمونهم أركان الدنيا, وهم أقل مرتبة من القطب, وإذا مات هؤلاء يأتي أقوام آخرون بدلاً عنهم.

    ومن طبقات الأولياء عندهم: الأبدال, وهؤلاء الأبدال يقولون: إنهم سبعة رجال.

    يقولون: إن الأبدال هؤلاء عبارة عن سبعة أشخاص إذا سافر أحدهم من مكان, فإنه ينتقل ولكنه في الحقيقة يبقى جسده في تلك المنطقة بروحه وبحياته، فكلما انتقل من مكان تكررت صورته وأمثلته, ولاشك في أن هذه خرافة بينة.

    وبعضهم يقول: إن عددهم أربعون.

    ومن طبقات الصوفية: النجباء.

    ومن طبقات الصوفية أيضاً: النقباء.

    قصص من خرافات الصوفية التي يسمونها كرامات الأولياء

    والكلام في هذا الموضوع يطول, فإن الحديث عن الصوفية كثير جداً، لكن يمكن لي أن أنقل بعض النصوص المأخوذة من ثلاثة كتب:

    كتاب اسمه (كرامات الأولياء) لـيوسف بن إسماعيل النبهاني ، وكتاب اسمه (طبقات الأولياء) لـعبد الوهاب الشعراني ، وكتاب آخر للشعراني نفسه يتكلم فيه أيضاً عن قواعد التصوف, وهو (الأنوار القدسية في القواعد الصوفية).

    يقول النبهاني في ترجمة أحمد بن إدريس : إن الله خصه بالمواهب المحمدية والعلوم اللدنية, والاجتماعات الصورية الكمالية بالنبي صلى الله عليه وسلم, والأخذ والتلقي منه، حتى لقنه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه أوراد الطريقة الشاذلية.

    فلكي يروجوا للطريقة الشاذلية جاءوا بكرامة لهذا الرجل.

    ويقول الشعراني : ومنهم -يعني: من الأولياء- الشيخ عبد الله أحد أصحاب سيدي عمر النبتيلي نفعنا الله ببركاته, كتب لي أنه رآني بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول للإمام علي رضي الله عنه: ألبس عبد الوهاب طاقيتي هذه وقل له: يتصرف في الكون!

    ويذكر -أيضاً- من كرامات محمد بن أبي المواهب الشاذلي أنه كان كثير الرؤيا للنبي صلى الله عليه وسلم في المنام حتى كأنه لا يفارقه, وكان يقول: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الناس يكذبوني في صحة رؤيتي لك, فقال: وعزة الله وعظمته من لم يؤمن بها أو كذبك فيها؛ لا يموت إلا يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً!

    ومنهم إبراهيم المجذوب الموجودة ترجمته في (جامع كرامات الأولياء) وفي طبقات الشعراني : كان كل قميص يلبسه فيخيطه بخرقة على رقبته ضيقة جداً حتى يختنق يحصل للناس من ذلك شدة عظيمة, وإن وسعه حصل لهم الفرج والراحة!

    يعني: إذا ضيق في اللباس على نفسه فإن الناس يعيشون في ضيق, وإذا وسع توسع الناس، فهذه كرامته.

    فانظر كيف يربطون أرزاق الناس بثياب هؤلاء ورقابهم!

    وهذا موسى بن مهيم المرديني يقول عنه النبهاني في (جامع كرامات الأولياء): وقع بماردين حريق فاحش وفشا في البلد وعظم أمره, فاستغاثوا بالشيخ موسى رحمه الله فأمرهم بإلقاء عكازه في النار فانطفأت كأن لم تكن, فقال: إن الله وعدني ألا يحترق بالنار ما مسته يدي!

    فأي إنسان يضع يده عليه فإنه يعتبر نفسه عتيقاً من النار!

    وهذا رجل منهم اسمه أبو بكر بن أبي القاسم روي عنه أنه قال: من رآني ورأيته دخل الجنة!

    حتى وإن كان يهودياً أو نصرانياً.

    وكذلك يقول أحد أئمتهم: من رآني أو رأى من رآني إلى سابع من رأى دخل الجنة.

    ومنهم رجل اسمه مدين الأشحوري جاءته امرأة فقالت له: هذه ثلاثون ديناراً وتضمن لي عند الله الجنة, فقال الشيخ رضي الله عنه مباسطاً لها: ثلاثون ديناراً قليلة. فقالت: لا أملك غيرها. فضمن لها على الله الجنة، فماتت, فبلغ ورثتها ذلك, فجاءوا يطلبون الثلاثين ديناراً, وقالوا: هذا الضمان لا يصح -ويبدو أنهم من أصحاب الشريعة- فجاءتهم في المنام وقالت لهم: اشكروا لي فضل الشيخ؛ فإني دخلت الجنة! فرجعوا إلى الشيخ.

    وهذا مذكور في طبقات الشعراني .

    ومن كرامات بعضهم التي يذكرونها: أن امرأة يقارب عمرها عشرين سنة بدمشق المحروسة أعطاها سيدي تاج الدين نصيباً صالحاً من الأسرار, ثم سكنت المرقب، وصار الفقراء يترددون إلى منزلها, فمر عليها فقيران وأقاما مدة, ووردتهما أحوال عظيمة ومكاشفات رهيبة, ثم حدث أحدهما نفسه بها؛ لما رأى من إحسانها وودها، وسألها ما يسأل النساء, فأجابته ظاهراً، واعتقد القبول باستحكام غفلته, فلما ضاجعها ليلاً وجدها خشبة يابسة, فقال لنفسه المكابرة الأمارة: الثديان ألين شيء في المرأة. فلمسهما فوجدهما كحجرين, فلمس أنفها فلم يجد أنفاً، فعند ذلك اقشعر جلده!

    فهل هذا فعل الأولياء في الخلوات!!!

    يقول: ومن كراماته ما أخبرني به بعض الثقاة من أهل طرابلس -وأظنه الحاج محمد الدبوس - قال المخبر: كان في طرابلس رجل من الشباب قليل الحياء معجباً بذكره، فكان يمازح الشيخ مزاحاً بارداً, فإذا رآه يضع ذلك الشاب يده على ذكره ويقول له: هل عندك مثل هذا؟! أي: أن الشاب يقول للشيخ: ما عندك مثل هذا، فكان الشيخ يضحك من ذلك, فلما تكرر هذا الأمر مرة بعد أخرى من ذلك الشاب لقيه مرة, فضربه الشيخ عليه بيده وقال له: اذهب. فذهب كأنه امرأة لم يتحرك له شيء!

    وهذا كله سحر.

    وهناك شيخ عندهم اسمه العمري ، من كراماته -كما يقول عنه النبهاني - ما أخبرني به إبراهيم الحاج المذكور قال: دخلت في هذا النهار إلى الحمام مع شيخنا... في كلام قبيح كثير.

    ومن كراماتهم أيضاً ما حكاه حشيش أنه مر عليه يوماً فجرى في خاطره الإنكار عليه -يعني نور الدين هذا- لعدم ستر عورته, فما تم له هذا الخاطر إلا وقد وجد نفسه بين إصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء, ويقول له: انظر إلى قلوبهم ولا تنظر إلى فروجهم!

    وغير ذلك كلام كثير موجود في كتاب طبقات الأولياء للنبهاني ، بل إن النبهاني ترجم لإمام من أئمتهم وهو رجل ساحر مشهور يسمى محمد بن علي البوني مؤلف كتاب شمس المعارف الكبرى المعروف أنه من كتب السحر, وترجم له النبهاني في كرامات الأولياء وقال: كان كثير الولاية! يقول: وكان مجاب الدعوة!

    فهذا شيء من الكلام عن الصوفية.

    وأما تعلقهم بالحقيقة الكونية فإنهم يعتبرون أن العمل الذي يقربهم إلى الله عز وجل والذي به يدخلون الجنة هو دوام التفكير في ربوبية الله وخلقه ورزقه وتدبيره.

    فهم في البداية منحرفون, وفي النهاية كذلك منحرفون، فأما في النهايات فيدل على ذلك ما ذكرناه من أخبارهم وقصصهم وعقائدهم.

    وأما في البدايات فإن هؤلاء الصوفية يشتغلون بأمر يعرفه المشركون، وهو إثبات الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم القول بأن العمل شرط كمال في الإيمان

    السؤال: يقول بعض الدعاة في تعريف الإيمان: إنه قول وعمل واعتقاد, وجعل العمل في الإيمان شرط كمال لا شرط صحة, ونسب القول بأن العمل شرط صحة إلى المعتزلة.

    الجواب: لاشك في أن هذا القول قول غير صحيح وقول غير سديد؛ فالإيمان كما هو معلوم قول وعمل, يزيد وينقص.

    ومعنى (قول) أي: قول القلب وهو تصديقه, وقول اللسان، وأما العمل فهو عمل القلب، كالخشية والخوف والإرادة والتوكل على الله عز وجل، وعمل الجوارح.

    والقول بأن العمل عموماً شرط كمال قول باطل, وقد تحدثت في دورة علمية في متن العقيدة الطحاوية عن الإيمان, وفصلت القول في مسألة العمل ومنزلته وأهميته, وذلك بسبب أن كثيراً من الناس يخلط في موضوع منزلة العمل ومكانته، ونقلت كلام السلف في هذا.

    وكثير ممن ينتسب إلى منهج أهل السنة يخلط خلطاً كبيراً, ويقول: إن العمل شرط كمال, وأكثر هؤلاء متناقضون، فبعضهم يقول: العمل شرط كمال, فإذا قلت له: هل محبة الله شرط كمال، بمعنى أنه لو تركها لا يكون كافراً؟ لم يقل بذلك؛ لأن محبة الله معروف عنها أنها من أصل الإيمان, وهكذا الخوف من الله من أصل الإيمان, وهكذا الأعمال عموماً التي هي جنس الأعمال هي من أصل الإيمان, وليس من كماله الواجب.

    كتاب المستطرف في الميزان

    السؤال: ما رأيك في كتاب المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي ؟

    الجواب: الكتاب هو كتاب أدب وسمر, وفيه كثير من الأحاديث الموضوعة والضعيفة, وفيه خلط كثير, وهو كتاب سمر وأخبار, وقد ينقل أخباراً فيها مبالغات وفيها أخطاء, فلا يعتمد عليه.

    معنى قول المترجمين في العابد (فيه تصوف)

    السؤال: عند قراءتي لبعض كتب التراجم أجد في ترجمة بعض الناس قول المؤلف في هذا الإنسان: فيه تصوف. فما هو مقصود ذلك؛ فهذا يشكل علي عند ترجمة بعض السلف؟

    الجواب: التصوف هو دين هندي نقل إلى المسلمين عن طريق الزنادقة, ولكن صار كثير ممن يتكلم في قضايا أعمال القلوب والسلوك والخوف من الله عز وجل يسمى صوفياً من باب التجوز في العبارة، فقد يطلق على بعضهم عبارة: (فيه تصوف) أي: عنده عناية واهتمام بالسلوك.

    وهذه الكلمة (فيه تصوف) ليست كلمة دقيقة؛ لاحتمال أن يكون فيه تصوف من التصوف الذي جاءت به الزنادقة, واحتمال أن يكون فيه تصوف بعض أهل البدع.

    وبعض الذين يترجمون للأعلام قد ينسبون شخصاً من أهل السنة إلى التصوف؛ لأنه عابد ومهتم بالعبادات وعنده زهد وورع وتقوى، فينسبون هكذا من باب التجوز، وإلا فإن أصل التصوف هو ما سبق أن أشرت إليه.

    ولهذا إذا تكلم بعض من يتكلم عن أعمال القلوب فإنه قد يذكر شيئاً من الكلام عن التصوف ويمدحه في بعض الأحيان, وغالباً لا يقصد التصوف الذي نقله الزنادقة الذين سبق أن نقلت شيئاً من أخبارهم.

    الغزالي وكتابه الإحياء

    السؤال: هل أبو حامد الغزالي يعتبر من أئمة الصوفية؟ وما رأيك في كتاب (إحياء علوم الدين)؟

    الجواب: أبو حامد الغزالي لاشك في أنه من أئمة الصوفية, أبو حامد الغزالي كان متقلباً، فقد مرت عليه فترة كان فيها على مذهب الباطنية, ثم ألف كتاباً فضحهم فيه, ومرت عليه فترة كان فيها على طريقة أهل الكلام.

    فله مراحل متعددة، ومن مراحله أنه اشتغل بالتصوف زمناً، وألف كتاب (معارج القدس في أحوال النفس), وله أيضاً كتب أخرى منها (إحياء علوم الدين).

    فهو على طريقة الصوفية, ولم يؤلف كتاباً ينقص كلامه السابق, وإن كان هو في نفسه قد تاب في آخر حياته, فقد ذكر عبد الغفور في كتابه (سياق تاريخ نيسابور) أن أبا حامد الغزالي توفي وصحيح البخاري على صدره, يعني: أنه رجع إلى السنة، لكنه بعد رجوعه لم يؤلف كتاباً ينكر فيه ما سبق أن ذكره في كتبه السابقة.

    وأما (إحياء علوم الدين) فهو كتاب من أجل كتب التربية, لكن فيه آفتان:

    الآفة الأولى: كثرة الأحاديث الضعيفة والموضوعة في هذا الكتاب.

    والآفة الثانية: ما خالطه من شوائب التصوف, وبعض شوائب الكلام.

    فإذا كان الإنسان بصيراً وعنده القدرة على أن ينتقي ويستفيد فهو من أفضل الكتب, وإذا كان الإنسان ليس عنده قدرة على أن يستنبط وأن يأخذ وأن يميز بين الصحيح والباطل, فإنه لا يقرأ هذا الكتاب, وإنما يقرأ مختصره، وهو (مختصر منهاج القاصدين) لـابن قدامة رحمه الله, فقد اختصر (إحياء علوم الدين) ابن الجوزي في كتاب سماه (منهاج القاصدين), ثم اختصره ابن قدامة المقدسي في كتاب (مختصر منهاج القاصدين).

    والعجيب أن هذا الكتاب مع أنه كان له دور في نهضة المسلمين في الفترة التي عاش فيها أبو حامد الغزالي إلا أنه لا يوجد فيه باب من أبواب الجهاد.

    فلا يوجد فيه باب في الكلام عن الجهاد في سبيل الله وفضل المجاهدين, وحث المسلمين على الجهاد, مع أنه ألف في فترة عصيبة كانت فيها أغلب بلاد الشام تحت وطأة الصليبيين.

    وهذا يدلك على أن الصوفية ما كانوا يشجعون الناس على الجهاد في سبيل الله, بل في بلاد الجمهوريات الإسلامية عندما دخل الشيوعيون كانوا ربما قتلوا بعض الصوفية وهو يصيح على قبر أوليائهم فيقول: يا نقشبندي! أغثني. ولو أنه أخذ سيفاً لاستطاع أن يتخلص من هؤلاء الفجرة الجبناء، لكن الدين الذي ابتدعوه والمنهج الذي اتخذوه أوصلهم إلى هذه النتيجة المأساوية.

    بيان اعتقاد أهل السنة في منزلة العمل من الإيمان

    السؤال: ما هو اعتقاد أهل السنة في الأعمال, فهل هي شرط صحة في الإيمان أو شرط كمال؟

    الجواب: العمل شرط صحة في الإيمان, فيزول الإيمان بزوال العمل, ولا إيمان لمن لا عمل له, ولا ينفع الإيمان بدون عمل, ولا يصح ولا يقبل عند الله عز وجل, ولا يقبل حتى في الدنيا، فالعمل شرط أساسي في الإيمان يزول الإيمان بزواله، وما هي الفائدة من إنسان ينتسب إلى الإسلام وهو لا يعمل شيئاً من الأعمال؟!

    وتصور هذا النموذج في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم في رجل الله صدق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه لا يعمل شيئاً، فلا يصلي، ولا يصوم, ولا يزكي، ولا يجاهد, ولا يحج, ولا يوالي المؤمنين، ولا يتبرأ من الكافرين, ولا يعمل شيئاً من الأعمال, فهل هذا النموذج ينفع في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

    إنه لا ينفع في أحكام الدنيا ولا في الأخرى, فلا داعي لأن يتعب الإنسان نفسه بأن يقرر أن العمل شرط كمال، وإن كان بعض الناس قد يقولها وهو لا يفهم معناها.

    والحق أن العمل شرط أساسي في الإيمان.

    حكم القائل بخلق القرآن

    السؤال: هل يكفر كل من قال بخلق القرآن؟

    الجواب: إذا أقيمت عليه الحجة وعرف الحق وعاند فإنه يكفر، أما إذا لم تقم عليه الحجة ولم يعرف الحق وبقيت الشبهة في ذهنه فإنه لا يكفر إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

    مدى ثبوت مناظرة الحيدة

    السؤال: هل المناظرة التي في كتاب (الحيدة) صحيحة؟

    الجواب: تكلم في إسنادها, ويبدو أن في إسنادها ضعفاً، وإن كانت مناظرة مشهورة, وفي بعض نسخها بعض الملاحظات الشرعية على بعض الفقرات.

    النبهانيان في الميزان

    السؤال: تنتشر كتيبات للنبهاني عند بعض الشباب, فما نصيحتكم؟

    الجواب: النبهاني اثنان:

    أحدهما: يوسف بن إسماعيل النبهاني، وهو القبوري القديم, وله كتاب اسمه (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق), وذاك قبوري مشرك هالك, فإنه صرح بالشرك على نيته في هذا الكتاب.

    وهناك رجل آخر يوافقه في السنة، وهو النبهاني الذي أسس حزب التحرير في الأردن، ولاشك في أن هذا أيضاً عليه ملحوظات أخرى.

    لكن هذا غير ذاك، فصاحب حزب التحرير عليه ملحوظات، فإن عنده بعض عقائد أهل الكلام, مثل عدم قبوله لخبر الآحاد, والاتجاه العقلاني عنده واضح, وكذلك مخالفته لمنهج الأنبياء في طريقة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

    الموقف من المخدوعين بالصوفية

    السؤال: ماذا تقول في الذين كانوا مخدوعين بالصوفية, أي: كانوا يعملون بأعمال الصوفية من غير علم؟

    الجواب: هؤلاء يجب عليهم أن يتعلموا, وهؤلاء هم موطن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فإننا نحن -الدعاة إلى الله عز وجل- كما أننا ندعوا أصحاب الشهوات ندعوا -أيضاً- أصحاب الشبهات.

    فالدعوة إلى الله عز وجل موجهة للفساق ولأهل البدعة, موجهة للذين كان انحرافهم عن الحق بسبب الشهوات مثل الزنا والفواحش والربا ونحو ذلك، وكذلك موجهة لأصحاب الأفكار الباطلة والعقائد الفاسدة, وما زال الإمام أحمد رحمه الله برجل من أهل الإرجاء حتى رده إلى السنة, وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي أن يدعو هؤلاء كما ينبغي أن يدعو أولئك.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315048

    عدد مرات الحفظ

    723539406