إسلام ويب

رسالة العبودية [9]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أمر الله عباده المؤمنين بحبه، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، وحسن التوكل عليه، إلى غير ذلك من الأعمال القلبية، ونهاهم عن الأخذ ببعضها وترك البعض الآخر، كما أنه حثهم على عمل الخير بشرط أن يكون خالصاً لوجهه، ونابعاً من هدي نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما لم يكن كذلك فهو مردود غير مقبول، فبهذا الأمر والنهي أخذ أقوام فأفلحوا، وتركه أقوام فخابوا وخسروا، وعمل ببعضه أقوام فضلوا وأضلوا.

    1.   

    شروط المحبة الصادقة لله تعالى

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، إنك أنت العليم الحكيم.

    أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فاتباع هذه الشريعة، والقيام بالجهاد بها من أعظم الفروق بين أهل محبة الله وأوليائه الذين يحبهم ويحبونه، وبين من يدعي محبة الله ناظراً إلى عموم ربوبيته، أو متبعاً لبعض البدع المخالفة لشريعته، فإن دعوى هذه المحبة لله من جنس دعوى اليهود والنصارى المحبة لله تعالى، بل قد تكون دعوى هؤلاء شراً من دعوى اليهود والنصارى؛ لما فيه من النفاق الذي هم به في الدرك الأسفل من النار، كما قد تكون دعوى اليهود والنصارى شراً من دعواهم إذا لم يصلوا إلى مثل كفرهم].

    لأن اليهود والنصارى قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه مع أنهم في الحقيقة لم يمتثلوا هذه المحبة وينقادوا للمحبوب قولاً وعملاً، وكذلك الذين ادعوا أنهم يحبون الله عز وجل وهم يبتدعون البدع المضلة، والتي يتصورون أنها تقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، فهؤلاء بهم شبه من اليهود في دعواهم أنهم أحباب الله عز وجل، مع أنهم في الحقيقة هم من غضب الله عز وجل عليهم، ولعنهم، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر الله سبحانه وتعالى.

    فدعوى المحبة مجرد ادعاء لا يكفي، بل لا بد أن يكون معه اتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وانقياد في القول والعمل لما أمر به المحبوب فعلاً، ولما نهى عنه المحبوب تركاً، أما من تنكب الصراط، وأصبح يأتي ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه، ويترك ما أمر الله سبحانه وتعالى به، فدعواه المحبة دعوى زائفة لا حقيقة لها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي التوراة والإنجيل من الترغيب من ذكر محبة الله ما هم متفقون عليه، حتى إن ذلك عندهم أعظم وصايا الناموس، ففي الإنجيل أعظم وصايا المسيح: أن تحب الله بكل قلبك، وعقلك، ونفسك، والنصارى يدعون قيامهم بهذه المحبة، وأن ما هم فيه من الزهد والعبادة هو من ذلك، وهم براء من محبة الله إذا لم يتبعوا ما أحبه، بل اتبعوا ما أسخط الله، وكرهوا رضوانه، فأحبط أعمالهم، والله يبغض الكافرين ويمقتهم ويلعنهم، وهو سبحانه يحب من يحبه، لا يمكن أن يكون العبد محباً لله والله تعالى غير محب له، بل بقدر محبة العبد لربه يكون حب الله له، وإن كان جزاء الله لعبده أعظم، كما في الحديث الصحيح القدسي عن الله تعالى أنه قال: (من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هروله)].

    ليس المقصود بالمحبة هنا المحبة القلبية العاطفية المجردة، وإن كانت محبة الله عز وجل محبة قلبية عاطفية مقصودة في محبة الله سبحانه وتعالى، يعني: أن يكون قلبه مشتاقاًً إلى الله عز وجل، ويتمنى لقاءه، ويفرح بذكره، كل ذلك مطلوب شرعاً، لكن لا بد أن ينضاف إليه اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد يكون العبد أحياناً محباً محبة قلبية مجردة، لكنه في سلوكه وعمله بعيد عن المواصفات الحقيقة للمحب من حيث اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا ابتلى الله سبحانه وتعالى الذي يدعون محبته باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال الله عز وجل: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].

    1.   

    إثبات صفة المحبة لله تعالى

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أخبر الله سبحانه أنه يحب المتقين المحسنين والصابرين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، بل هو يحب من فعل ما أمر به من واجب ومستحب كما في الحديث الصحيح: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) الحديث].

    يعني: الله عز وجل يُحَب ويُحِب، فيحبه العبد، وهو يحب عباده الصالحين، والمتطهرين، والمجاهدين، وهكذا من الأوصاف التي أخبر الله عز وجل بمحبته لأهلها، فهو سبحانه وتعالى يتصف بصفة المحبة، فهو يحِب، كما أنه يحَب، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة؛ وذلك لكماله في صفاته العظيمة والجليلة؛ ولكمال إنعامه على العبد. والذين أنكروا المحبة من الفرق الضالة أنكروها من الطرفين، فقالوا: الله عز وجل لا يُحِب ولا يُحَب، وإنما المحبة هي إرادة الثواب فقط؛ لأنه لا تتعلق به المحبة؛ ولهذا سماهم السلف غلاظ الأكباد؛ لأنهم لا يحبون الله عز وجل.

    وحتى الصوفية الذين يزعمون محبة الله عز وجل يفسرون المحبة بتفسير آلي وجبري وهو: موافقة قدر الله سبحانه وتعالى حتى ولو كان القدر سيئاً، فإن الله عز وجل قدر مقادير كثيرة في الكون، منها مقادير حسنة بالنسبة للإنسان، مثل الإيمان، والعمل الصالح، وراحة الإنسان وطمأنينته، ومنها مقادير سيئة بالنسبة للإنسان؛ لأن الله عز وجل لا ينسب إليه فعل الشر، لكن الأمر بالنسبة للعبد يكون سيئاً.

    وهذه المقادير يجب أن يدفعها العبد عن نفسه، فيدفع الحر بالتبرد، ويدفع البرد بأن يتدفأ، ويدفع الجوع بالأكل، ويدفع العدو بالمقاومة والجهاد، ويدفع المعصية بالطاعة، ويدفع وسوسة الشيطان بالاستعاذة، ويدفع الكسل بالجد والنشاط، وهكذا كل أمر من الأمور المذمومة التي قدر الله عز وجل وجودها في الكون ابتلاءً منه سبحانه وتعالى لعبده، يجب أن يدفعها بالأمور الممدوحة.

    فالله عز وجل كتب الكفر وجعله مقدراً في الحياة، لكن أمر العبد بأن يبتعد عن الكفر، وأن يتقي الله سبحانه وتعالى، وأن يكون مخلص التوحيد له سبحانه وتعالى.

    1.   

    مفهوم العبودية الصحيح

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكثير من المخطئين الذين اتبعوا أشياخاً في الزهد والعبادة، وقعوا في بعض ما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته، وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك، ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به إلى ربهم بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه، والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها، ولو صدق لم يكن قائلها معصوماً، فيجعلون متبوعيهم وشيوخهم شارعين لهم ديناً، كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم ديناً، ثم إنهم ينتقصون العبودية، ويدعون أن الخاصة يتعدونها، كما يدعي النصارى في المسيح والقساوسة، ويثبتون لخاصتهم من المشاركة في الله من جنس ما تثبته النصارى في المسيح وأمه، إلى أنواع أخرى يطول شرحها في هذا الموضع. وإنما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا، وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، فالدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله وهو المشروع، فكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله، وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله، بل لا يكون لله إلا ما جمع الوصفين: أن يكون لله، وأن يكون موافقاً لمحبة الله ورسوله، وهو الواجب والمستحب].

    كلام الشيخ السابق يدل على أهمية العبودية، وأن العبودية لها مفهوم شامل يشمل الحياة بأكملها، وهذا المفهوم هو الذي جهله كثير من أبناء المسلمين في هذه الأيام، فهم يظنون أن التعبد لله عز وجل هو الإتيان بالشعائر التعبدية فقط، بينما الحقيقة أن التعبد لله عز وجل هو الخضوع لأمر الله في كل الحياة، كما قال الله عز وجل: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163]. فهذا المفهوم يعتبر مفهوماً مركزياً ومهماً خصوصاً في هذا الوقت، وفي الواقع المعاصر الذي نعيشه اليوم، فإن جهل كثير من الناس بمفهوم العبودية الشامل لله سبحانه وتعالى جعلهم يبتدعون ويسنون أنظمة للحياة ليس فيها أي شيء يتعلق بقضايا الإسلام أو التعبد لله عز وجل، ونحن في كل يوم نقرأ في الصحافة المحلية والعالمية، ونسمع من الأخبار كلاماً مخالفاً كل المخالفة لهذا المفهوم العظيم للعبودية، وهو شمولية العبودية لله عز وجل، وأن يكون الإنسان عبداً لله عز وجل في كل مكان.

    ولقد كنت أقرأ تصريحاً لوزير تعليم عربي يقول: نحن لسنا ملزمين ببناء التعليم على أساس الإسلام، هكذا يصرح بهذا اللفظ وبدون أي مزايدة عليه في كلامه، يقول: نحن لسنا ملزمين بأن نبني نظم التعليم أو قضايا التعليم والتربية على أسس الإسلام، فمثل هذا يفهم الإسلام فهماً خاطئاً، إذ يفهم أن الإسلام هو مجرد شعائر تعبدية يؤديها الإنسان فقط، وأنه إذا انتهت هذه الشعائر التعبدية انتهى الإسلام بها، وأما بقية الحياة فإنها تبنى بطرق أخرى مختلفة، ولهذا أيضاً فإنهم في كل باب من الأبواب يجتهدون في أن يبنوا هذه الأشياء على غير أصول الإسلام.

    فإذا جاءوا مثلاً إلى باب السياحة قالوا: لسنا ملزمين بأن نبني السياحة على الإسلام، فكل ما يجمع الناس، ويستخرج أموالهم من جيوبهم حتى تدخل في صندوق السياحة فإنه مباح عندهم حتى لو اضطروا لفتح مسارح، ومراقص، ودور للخمر، ومحلات للبغاء، وغير ذلك من الأمور التي اتفقت الشرائع جميعاً على تحريمها ونبذها وخطورتها على الإنسان.

    وبهذا ندرك الخطورة الكبيرة لانتقاص العبودية، فهذا الكتاب قد يقرأه شخص فيظن أنه كتاب عادي، بينما هو كتاب لو صيغ بألفاظ عصرية لوجدت أنه يرد على كل ما هو موجود اليوم في بلاد المسلمين من مظاهر مخالفة للأصول العقدية ومنها العبودية.

    ولهذا فإننا عندما نقرأ العلم وندرسه لا بد أن نربط ما ندرسه بواقعنا المعاصر، وأن يكون ربطنا ربطاً صحيحاً، ومبنياً على قاعدة علمية صحيحة، وبمنهجية صحيحة بعيدة عن الغلو والتعسف، وبعيدة عن الإرجاء والتساهل.

    وبالنسبة لما ذكره الشيخ من أن كل عمل أريد به غير الله عز وجل، أو كان على غير شريعة النبي صلى الله عليه وسلم فليس من الدين، وليس من العبادة، فهذا الأصل دائماً يكرره، وهو أصل شريف عظيم، يجب على طالب العلم أن يحفظه، بل إنه يجب على العامة جميعاً أن يدركوه، وأن يعرفوا أبعاده، وهو كثيراً ما يكرره الواعظون، والمصلحون، والخطباء، وهو أن العبادة لا تكون صحيحة إلا بشرطين:

    الشرط الأول: الإخلاص، إخلاص النية لله عز وجل، فأي عمل من الأعمال لا يكون خالصاً لوجه الله لا يكون مقبولاً، نسأل الله عز وجل أن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه.

    والشرط الثاني: أن يكون هذا العمل على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فأي عمل من الأعمال لا يكون على سنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يكون مقبولاً، والأصل الأول تدل عليه عشرات الآيات والأحاديث، والأصل الثاني كذلك تدل عليه عشرات الآيات والأحاديث؛ ولهذا سيبدأ في الاستدلال على هذه المسألة.

    1.   

    شروط قبول العمل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110] ].

    قوله تعالى: عَمَلًا صَالِحًا [الكهف:110]، هو شرط المتابعة؛ لأن العمل لا يكون صالحاً إلا إذا كان على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالبدعة ليست صالحة، بل هي عمل فاسد، وقوله: وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، يدل على الإخلاص.

    قال: [فلا بد من العمل الصالح وهو الواجب والمستحب، ولا بد أن يكون خالصا لوجه الله تعالى كما قال تعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:112] ].

    قوله تعالى: أَسْلَمَ وَجْهَهُ [البقرة:112]، يدل على الإخلاص، والإخلاص: هو إسلام الوجه، وإسلام الوجه يعني: الاستسلام لله والانقياد له.

    وقوله: وَهُوَ مُحْسِنٌ [البقرة:112]، الإحسان مثل قوله: صالحاً في الآية الأخرى، فلا يكون الإنسان محسناً في عمل من الأعمال إلا إذا جاء على طريقة من شرع هذا العمل، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)].

    هذا يدل على أهمية لزوم المتابعة.

    قال: [وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)].

    هذا الحديث يعتبر أصلاً في باب النية، والنية نوعان: نية ينوي صاحب النية بها العمل لله عز وجل، وهذا هو المتعلق بكلامنا هنا.

    ونية تميز العبادات بعضها عن بعض، أو تميز العبادات عن العادات.

    قال: [وهذا الأصل هو أصل الدين، وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين].

    هو أصل الدين؛ لأن الإخلاص مأخوذ من شهادة أن لا إله إلا الله، والمتابعة مأخوذة من شهادة أن محمداً رسول الله.

    قال: [وبه أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وإليه دعا الرسول، وعليه جاهد، وبه أمر، وفيه رغب، وهو قطب الدين الذي تدور عليه رحاه.

    والشرك غالب على النفوس وهو كما جاء في الحديث: (وهو في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل)].

    قضايا الشرك حساسة وخطيرة، ولهذا فإن الإنسان قد يكون مسلماً في الظاهر، لكنه غير مسلم عند الله عز وجل، ومن هنا تكون الخطورة، وقد يكون مسلماً، لكن لوجود بعض الشركيات عنده ينقص عنه إسلامه كثيراً، ولعل من العجب أن بعض كتّاب الصحافة ممن أغراه الحقد على أهل الإيمان ينتقد وجود جهود دعوية في بلاد المسلمين ويقول: هل نحن في بلاد هندوس حتى نحتاج إلى دعوة إسلامية في بلاد المسلمين؟ أم هل نحن يهود أو نصارى؟ وكأن الدعوة لا توجه إلا للهندوس واليهود والنصارى، مع أن الدعوة توجه لكل أحد، حتى للصالح التقي؛ وذلك لإصلاح نفسه وإتمامها.

    1.   

    وجوب الحذر من الشهوة الخفية التي تقدح في العبودية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي حديث آخر قال أبو بكر : يا رسول الله! كيف ننجو منه وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر : (ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم).

    وكان عمر يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.

    وكثيراً ما يخالط النفوس الجاهلة من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق محبتها لله، وعبوديتها له، وإخلاص دينها له، كما قال شداد بن أوس : يا بقايا العرب! إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء، والشهوة الخفية.

    وقيل لـأبي داود السجستاني : وما الشهوة الخفية؟ قال: حب الرئاسة.

    وعن كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)، قال الترمذي : حديث حسن صحيح.

    فبين صلى الله عليه وسلم أن الحرص على المال والشرف في إفساد الدين لا ينقص عن إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم، فإن الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص، وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبودية الله ومحبته له لم يكن شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدم عليه، وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص لله السوء والفحشاء، كما قال تعالى: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24].

    فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه عن عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه عن محبة غيره، إذ ليس عند القلب السليم أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له، وإخلاص الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيباً إلى الله، خائفاً منه، راغباً راهباً كما قال تعالى: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق:33]، إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه، أو حصول مرهوبه، فلا يكون عبد الله ومحبه إلا بين خوف ورجاء].

    يعني: لا يكون العابد لله عز وجل، والمحب له إلا بين الخوف والرجاء؛ ولهذا قال بعض السلف: الخوف والرجاء كالجناحين للطائر، ويقول مكحول فيما رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح قال: من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف والرجاء والمحبة فهو المسلم السني.

    1.   

    وجوب إخلاص العبودية لله تعالى

    قال: [كما قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57].

    وإذا كان العبد مخلصاً لله اجتباه ربه، فأحيا قلبه واجتذبه إليه، فينصرف عنه ما يضاد ذلك من السوء والفحشاء، ويخاف من حصول ضد ذلك، بخلاف القلب الذي لم يخلص لله فإن فيه طلباً وإرادةً وحباً مطلقاً، فيهوى كل ما يسنح له، ويتشبث بما يهواه كالغصن الرطيب أي نسيم مر بعطفه أماله، فتارة تجتذبه الصور المحرمة، وغير المحرمة، فيبقى أسيراً عبداً لمن لو اتخذه هو عبداً له لكان ذلك عيباً ونقصاً وذماً.

    وتارة يجتذبه الشرف والرئاسة، فترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ويستعبده من يثني عليه ولو بالباطل، ويعادي من يذمه ولو بالحق.

    وتارة يستعبده الدرهم والدينار، وأمثال ذلك من الأمور التي تستعبد القلوب، والقلوب تهواها، فيتخذ إلهه هواه، ويتبع هواه بغير هدى من الله.

    ومن لم يكن محباً مخلصاً لله، عبداً له، فقد صار قلبه معبداً لربه وحده لا شريك له، بحيث يكون هو أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلاً خاضعاً، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وكان من الغاوين إخوان الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لم يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه].

    بل إن شيخ الإسلام في هذا الكتاب أو في غيره قرر أنه حتى الحاكم الذي يكون له جنود، ويكون له أتباع يطيعونه، إلا أنه محتاج إليهم، مفتقر إليهم، بسبب أن انتظام ملكه وسطوته لا تتم إلا بهم، ولهذا فهو محتاج إليهم، مفتقر إليهم، كما أنهم محتاجون إليه، مفتقرون إليه؛ ولهذا يجب على العبد دائماً أن تكون حاجته عند الله، وطلبه من الله، وتعلقه بالله، لا يدعو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا من الله، ولا يحب إلا الله، ولا يتعلق قلبه إلا بالله، فإن العباد لا يملكون شيئاً، والذي يملك في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى.

    ورزق العبد في كل باب من الأبواب المتكفل بها هو الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا ينبغي على العبد دائماً أن يبتعد عن الحرص فيما في أيدي الناس، وأن يكون قلبه معلقاً بالله سبحانه وتعالى؛ ولهذا جاء في بعض كلام بعض الحكماء أنه قال: أذل الحرص أعناق الرجال يعني: قد يوجد بعض الرجال الأعزاء الذين لا ينتبهون لهذه القضية، يذلهم الحرص، فتجد أنه لحرصه على الدنيا يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولحرصه على الدنيا يترك الطاعة، ولحرصه على الدنيا يترك كل ما فيه خير في صلاح دينه ودنياه، مع أنه في الحقيقة لا يملك دنيا هذا الإنسان إلا الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من طلب رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، ومن طلب رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس).

    ولهذا لو تأملنا في واقع الحياة فسنجد أن الناس لا يحبون الذي يحتاج إليهم ويتعلق بهم، حتى ولو داهنهم، لكن المستغني عنهم تجد أن تعظيم الناس للزاهد فيما في أيديهم، والمستغني عنهم أكبر وأعظم.

    وقد أشار شيخ الإسلام رحمه الله في المجلد الأول في الفتاوى إلى حكمه لطيفة يقول: (احتج إلى من شئت تكن أسيره، واترك من شئت تكن نظيره، وأعط من شئت تكن أميره)، فأنت إذا احتجت إلى أي أحد من المخلوقين تكون أسيراً له، لكن يجب على الإنسان أن يعلق حاجته بالله سبحانه وتعالى، وأن يجتهد في التعامل مع الخلق بالأسلوب الحسن، ويقدم طاعة الله عز وجل على كل شيء.

    الإخلاص في العبادة طريق الحنفاء أتباع الأنبياء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالقلب إن لم يكن حنيفاًً مقبلاً على الله معرضاً عما سواه كان مشركاً: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم:30-32].

    وقد جعل الله سبحانه إبراهيم وآل إبراهيم أئمة لهؤلاء الحنفاء المخلصين، أهل محبة الله وعبادته، وإخلاص الدين له، كما جعل فرعون وآل فرعون أئمة للمشركين، المتبعين أهواءهم.

    قال تعالى في إبراهيم: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [الأنبياء:72-73].

    وقال في فرعون وقومه: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص:41-42]، ولهذا يصير أتباع فرعون أولاً إلى أن لا يميزون بين ما يحبه الله ويرضاه، وبين ما قدره وقضاه، بل ينظرون إلى المشيئة المطلقة الشاملة، ثم في آخر الأمر لا يميزون بين الخالق والمخلوق، بل يجعلون وجود هذا وجود هذا].

    الله عز وجل له إرادتان: الإرادة الأولى: هي الإرادة الشرعية، والإرادة الثانية: هي الإرادة القدرية، فالإرادة الشرعية: هو ما أمر الله عز وجل به، والإرادة القدرية: هو ما خلقه الله سبحانه وتعالى، فالإرادة الشرعية كلها محبوبة لله عز وجل، يدخل فيها الإسلام، والإيمان، والعمل الصالح بكل أنواعه وألوانه، وأما الإرادة الكونية فليست كلها مما يحبه الله، فما خلقه الله عز وجل ليس نوعاً واحداً، بل منه ما يحبه الله مثل: الصالحين، والمساجد، والأعمال الصالحة.. ونحو ذلك، فهذا مما يحبه الله سبحانه وتعالى، ومنها ما لا يحبه الله مثل: إبليس، والكفار، والأعمال السيئة، والقتل، والظلم، والبغي، والعدوان على الخلق، إلى غير ذلك من الأمور التي يبغضها الله عز وجل مع أنه خلقها في الدنيا، فإن كل شيء في هذه الدنيا عائد إلى الله سبحانه وتعالى من حيث الخلق، فالله خالق كل شيء سبحانه وتعالى، وإنما خلق الله عز وجل هذه الأمور المكروهة والسيئة؛ للابتلاء، فهذه هي الحكمة.

    فكثير من الناس لا يفرقون بين ما شرعه الله عز وجل من الطاعة، وما يحبه سبحانه وتعالى، وما أمر به، وبين ما خلقه سبحانه وتعالى من الأمور المكروهة بالنسبة لهم، فيجعلون هذا مثل هذا، ويخلطون بينها، فتجد أن بعضهم يعتذر عن كثير من الأمور المحرمة التي يمارسها بكون الله عز وجل خلقها وأنها مقتضى إرادته، وهذا هو معنى قول الشيخ: ولهذا يصير أتباع فرعون، يعني: هؤلاء الضالين الجبرية، سواء جبرية الصوفية، أو جبرية الجهمية، قال: ولهذا يصير أتباع فرعون أولاً إلى أن لا يميزون بينما يحبه الله ويرضاه، فلا يميزون بين الصلاة وبين الزنا، مع أن الصلاة أمر الله بها، والزنا حرمه الله سبحانه وتعالى، فلا يميزون بينما يحبه الله ويرضاه وبينما قدره وقضاه، فهم يقولون: إن كل ما قدره الله وقضاه من الأمور الكونية محبوبة لله ولا بد، وهذا فهم فاسد وباطل، وهذا هو الذي حصل عند جبرية الصوفية والجهمية، ولهذا توصلوا في نهاية الأمر إلى أن لا حلال ولا حرام، بل الكل حلال، بل توصلوا في نهاية الأمر كما حصل عند أصحاب وحدة الوجود إلى أن الكون كله وحده واحدة وهو ذات الخالق سبحانه وتعالى، فالكون خالق ومخلوق، وليس هناك تمييز وفارق بين المخلوق والخالق، وهذا لا شك أنه ظلم وعدوان، وكفر مبين، ومخالف لكل شرائع الأنبياء والمرسلين.

    الفرق بين أتباع الأنبياء وأتباع فرعون في نظرتهم للعبودية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول محققوهم: الشريعة فيها طاعة ومعصية، والحقيقة فيها معصية بلا طاعة، والتحقيق ليس فيه طاعة ولا معصية].

    يعني: هؤلاء يقسمون الناس إلى قسمين: أهل الشريعة، وأهل الحقيقة، فيقولون: أهل الشريعة هم هؤلاء الذين يشهدون الصلاة جماعة، ويقومون بأعمال الإسلام، يعني: الذين انضبطوا في حدود الشريعة.

    وأما أهل الحقيقة: فهم الذين ليس في قاموسهم شيء عن الطاعة والمعصية، بل الكل هو مراد لله سبحانه وتعالى، والكل محبوب له سبحانه وتعالى.

    قال: [وهذا التحقيق هو مذهب فرعون وقومه الذين أنكروا الخالق، وأنكروا تكليمه لعبده موسى، وما أرسله به من الأمر والنهي].

    ولهذا ادعى فرعون الإلوهية والربوبية فقال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]؛ لأنه مخلوق، فمعنى كلام هؤلاء الظلمة: أن فرعون كان محقاً فيما قاله، ولا شك أن هذا من الكفر المبين.

    قال: [وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء من الأنبياء والمؤمنين بهم، فهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية، وأن العبد كلما ازداد تحقيقاً لهذا الفرق ازدادت محبته لله، وعبوديته له،وطاعته له، وإعراضه عن عبادة غيره، ومحبة غيره، وطاعة غيره، وهؤلاء المشركون الضالون يسوون بين الله وبين خلقه، والخليل يقول: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:75-77]، ويتمسكون بالمتشابه من كلام المشايخ كما فعلت النصارى].

    يعني: قد يأخذون بعض كلام الزهاد، وبعض كلام من يسمونهم بالعارفين، ويستخرجون منه أموراً تخالف كلام المرسلين، بل تخالف فطر الناس أجمعين؛ ولهذا فعلوا كما فعلت النصارى عندما استخرجوا من كلام الحواريين ما يظنون أنه يدعم مذهبهم في أن الأب والابن وروح القدس إله واحد وهو مذهب التثليث، فلا شك أن هؤلاء خطيرون، ولهذا فهم من الزنادقة، وليس كل الصوفية يقولون ذلك، بل يوجد من الصوفية من يكون عنده بدع ومعاص لا تصل إلى هذه الدرجة، ويوجد منهم من يكون عنده شيء من الشرك الأصغر، ويوجد منهم من يكون عنده من الشرك الأكبر مع إقراره بالنبوة وبالإلهية لله عز وجل في الجملة، ويوجد منهم من هو أشد من ذلك، وأما أعلاهم في الزندقة فهم هؤلاء، وهم أتباع الحلول والاتحاد، وأصحاب وحدة الوجود.

    1.   

    الأسئلة

    معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)

    السؤال: يقول بعض الناس: إن الشريعة يكون تطبيقها في العبادة، أما أمور الدنيا فهي متروكة للناس، ويستدلون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم

    الجواب: هذا لم يفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، فقوله: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) يعني: الأمور الاعتيادية، سواء في الزراعة، أو في الصناعة، أو في تركيب الأمور الاجتماعية، ولهذا لم ينكر أحد من المسلمين المباني الجديدة، ولم ينكر أحد من المسلمين استخدام الصناعات الحديثة، والمركوبات من السيارات والطيارات، أو الأدوات الجديدة في القتال مثلاً.

    وإنما يجب على المسلم أن يستفيد من كل ما هو جديد، ومفيد للأمة الإسلامية، بل هو من عمارة الأرض، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، يعني: أن الإنسان في زراعته وصناعته وأموره الشخصية هو أعلم بها، وليس المقصود به أنكم تبنون حياتكم بأكملها على غير الدين، وتحصرون الدين في أعمال صغيرة.

    فالشريعة جاءت بتنظيم حياة الإنسان في كل مجال، فجاءت بتنظيم حياة الإنسان في مجال الأسرة، كالطلاق والنكاح، والإرث، وجاءت بتنظيم حياة الإنسان في المال، فهناك بيوع مباحة، وبيوع محرمة، وجاءت أيضاً في تنظيم شئون الإنسان فيما يتعلق بالخصومات، والمضاربات، والمقاتلة، والاختلاف في العقار، والاختلاف في الحقوق المالية وغير ذلك، فالشريعة جاءت بما يصلح الإنسان في هذا المجال، وهناك فيما يتعلق بدنيا الناس مقاصد عامة للشريعة جاءت بضبطها، مثل حفظ المال، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ الدين.

    ولهذا فإن أي شيء جديد يأتينا يجب أن نزنه بميزان الشرع، فالفكرة العلمانية التي نتكلم عليها وننتقدها ليست هي في قبول الأمور الدنيوية التي تكون عند الأمم الأخرى مثل: الأسلحة، أو المركوبات، أو غير ذلك من المصنوعات، فهذه لا يخالف فيها أحد من المسلمين، فضلاً عن علمائهم، لكن العلمانيون لا يريدون هذا، بل يريدون أن يحصروا الإسلام كله في شرائع تعبديه، وأما بقية الحياة فيريدون أن يخترعوا لها قانوناً مدنياً عقلياً.

    فمجال الخصومات مثلاً يريدون أن يشرعوا له ضوابط من تلقاء أنفسهم مع أن دين الله عز وجل وضح الأحكام المتعلقة بخصومات الناس، وهكذا الديات، وهكذا كل شئون الحياة الأخرى، ولهذا فالقضاة اليوم يحكمون بشريعة الله عز وجل في شئون الناس فيما يتعلق بالعقار مثلاً واختلاف الناس فيه، أو المديونيات، أو ما يتعلق بالأموال في البيع والشراء ونحو ذلك، والعلاقة مع الأمم الأخرى والتي تسمى اليوم: العلاقات الدولية.

    ولهذا قسم الإسلام الأمم الأخرى إلى أقسام: أمة محاربة، وأمة بيننا وبينها عهد، وأهل الذمة: وهم الذين يدخلون على الذين يكونون في بلاد المسلمين من الكفار من أهل البلاد الأصلية، فكل هؤلاء لهم أحكام.

    أما العلمانيون فإنهم يقولون: يجب أن نجعل الشريعة في مجال الشعائر التعبدية فقط، ونأخذ على فكرهم مثالاً: فالمرأة اليوم تركيز العلمانيون عليها تركيز كبير جداً، فالعلمانيون يقولون: لماذا تمنعون المرأة من المشاركة في أي عمل من الأعمال الفنية؟ فلماذا تمنعون المرأة من الرقص؟ ولماذا تمنعون المرأة من التبرج والسفور؟ ولماذا تمنعون المرأة من حريتها فيما يتعلق بالتصرف بجسدها كما تشاء؟ فيمكن أن تبيع عرضها بمبلغ مالي، ويصيحون: أعطوا النساء حقوقهن، والعلمانيون يختلفون من بلد إلى بلد، فبعض البلاد لا يستطيعون أن يصرحوا بهذا الكلام، وهكذا حال المنافقين، إذ المنافقون لا يستطيعون أن يصرحوا بكل ما يعتقدونه في وقت واحد، لكن هذا مقتضى دعواهم، وهذا معنى دعواهم، ولهذا ليس الخلاف بيننا وبين هؤلاء في مسألة هل نأخذ من الكفار أسلحة أم لا؟ أو هل نستفيد من الكفار في بعض القضايا الطبية أم لا؟ بل نحن نتفق بأننا نستفيد من كل صاحب صنعة في الدنيا، يهودياً كان أو نصرانياً؛ لأن هذه الأمور ليس فيها أي مشكلة وضرر على ديننا، وهذه هي حياة المسلمين منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا.

    فلا مانع من ابتعاث أي شخص إلى هناك للتعلم، أو يستفيد من أي شخص، بل أهم شيء هو ألا يكون ابتعاثه سبباً في رجوعه إلى بلاد المسلمين ليطالب بتطبيق النموذج الغربي في بلاد المسلمين.

    وهذا مثال آخر: النظام الاقتصادي، فالآن النظم الاقتصادية المشهورة في العالم تنقسم إلى نظامين مشهورين: النظام الأول: نظام الرأسمالي، والنظام الثاني: النظام الاشتراكي.

    أما النظام الرأسمالي، فيعتمد على ما يسمونه باقتصاد السوق، واقتصاد السوق هو تعبير عن النظام الرأسمالي، ومعنى اقتصاد السوق: أن ترفع الدولة يدها عن الأسواق، فتترك الناس يبيعون ويشترون كما يشتهون دون أي تدخل أو تنظيم لهذه الأسواق، فهذا هو مختصر الرأسمالية؛ ولهذا ألف بعض فلاسفتهم الكبار كتباً في استحسان الربا، مع أن الربا محرم حتى عند النصارى، والسبب في ذلك هو أنه يرى أن من حق المستثمر الذي عنده مال ألا يدفع قرضاً إلا بمقابل عليه، وأنه يحق له الاحتكار، ويحق أن تتعاون مجموعة من الشركات لإسقاط شركة أخرى، فيصورون الناس على أنهم في حلبة صراع، وأن البقاء للأصلح والذي هو الأقوى، ولهذا ففلسفة القوة عندهم حتى في النظم الاقتصادية هي الأساس، فهذا هو النظام الرأسمالي وهو النظام الذي تتبناه أمريكا اليوم، وتريد أن تطبقه على العالم بأكمله من خلال ما يسمى بالعولمة، وتريد أن تفرضه على كل البلاد.

    النموذج الثاني: وهو النظام الاشتراكي، والنظام الاشتراكي عكس النظام الرأسمالي تماماً، وهو ينص على أن الدولة تمسك جميع وسائل الإنتاج في البلد، ولا تعطي للناس ملكية، فالدولة هي التي تصرف على الناس، وبهذا التنظير وجد مجموعة من الفاسدين الذين سيطروا على هذه الدول، أصبحوا يسرقون هذه الأموال باسم مصلحة الشعب، وباسم مصلحة الأمة أما نظام الإسلام فليس هذا النظام ولا ذاك، مع أن الذي يدعون إلى تطبيق النموذج الرأسمالي اليوم في الصحافة دائماً يتكلمون ويقولون: لماذا نخاف من العولمة؟ ويقولون: لماذا دائماً نردد الخصوصية؟ وأي خصوصية لنا؟ بل نحن مثل شعوب الأرض الأخرى، يعني: يريدونا أن نسلم أنفسنا أسرى للأمريكيين ليتصرفوا فينا كما يشاءون، فهذا هو النموذج العلماني الموجود الآن، ومع الأسف أن له صوتاً، وله كتابة في الصحافة، وله أثراً، ولهذا فإن القناة الجديدة والتي تسمى الحرة ما جاء بها إلا أمريكا، والهدف منها هو دعم هذا الاتجاه وتسويقه في العالم الإسلامي بحيث يقتنع به الناس، ولن يحصل لهم مرادهم بإذن الله تعالى.

    فالشاهد في هذا الكلام هو أن الإسلام جاء بنظام متميز في الاقتصاد، فهو لا يتدخل في ملكيات الناس الخاصة ويظلمهم، وإنما أباح لهم البيع والشراء، لكن نهاهم عن نماذج من البيع فيها خطورة على الناس، ونهاهم عن الربا، ونهاهم عن الاحتكار، وأرشد إلى أنه يجب على الدولة أن تتدخل لرد الظالم عن ظلمه، ويكون هذا بحكم شرعي من أهل العلم لا باجتهاد حاكم لهواه أو شهوته، ولهذا تلاحظ أن هذا الدين جاء برحمة الناس، ورحمة الفقراء، ورحمة المظلومين، وأيضاً رحمة لكاسبين المال، فهو لا يظلمهم، ولا يمنعهم من الكسب، قال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32]، فليس يحرم على الإنسان أن يكسب، بل له أن يكسب ما يشاء، لكن بشرط أن يكون كسبه بطريقة شرعية صحيحة مباحة.

    مجمل مسائل كتاب العبودية

    السؤال: هل ضم شيخ الإسلام في كتابه العبودية جميع أنواع العبادات؟

    الجواب: الشيخ في هذا الكتاب يتكلم عن العبادة من حيث مفهومها، فإن كل عبادة من العبادات مثل: الخوف، والرجاء، والإنابة، والمحبة، والتوكل ونحو ذلك، كل عبادة من هذه العبادات، لها فروعها، وأقسامها، وصورها، وأنواعها، وتعلقها بجوارح الإنسان، فليس المقصود هو استعراض أنواع العبادات في هذا الكتاب، وإنما المقصود: معرفة حقيقة العبادة بشكل عام.

    كيفية التعامل مع الكفار في محيط العمل

    السؤال: أعمل في شركة، ومدير الشركة كافر أمريكي، وأنا أقابله كل يوم، فيقوم بتحيتي ومصافحتي، فماذا يجب علي نحوه؟ وكيف أتعامل معه؟

    الجواب: تعامل معه بالأسلوب الطيب والحسن، وبالأخلاق الحسنة، وادعه إلى الإسلام، وهذا لا يعني أنك لا تبغضه فيما عنده من الكفر، فإن هذا الشخص معاد لله سبحانه وتعالى، فليس هناك تلازم بين التعامل بحسن الخلق، وبين المحبة القلبية، فأنت يمكن أن تتعامل مع هذا الشخص بأدب، وبحسن خلق، وإذا قابلك وابتسم في وجهك فابتسم في وجهه ابتغاء دعوته إلى الله سبحانه وتعالى، وأن تتعامل معه تعاملاً طيباً لطيفاً؛ لإعطاء قدوة حسنة ونموذج حسن عن أهل الإسلام.

    لكن في نفس الوقت هذا الشخص الذي حاد الله عز وجل، ولم يؤمن بنوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يؤمن بهذا الدين الذي يقول الله عز وجل فيه: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85]، هذا الشخص لا شك أنك تبغضه؛ لهذا العمل الذي عنده، وهذا يمكن أن يحصل في وقت واحد، بل أحياناً يمكن أن يوجد في الشخص الواحد بغض من جهة، ومحبة من جهة، فالمسلم الفاسق مثلاً، كمن يرتكب المعاصي، أو يشرب خمر، أو يزني، تبغض هذه الأعمال عنده، وتبغضه لأجلها، لكن البغض هنا ليس بغضاً كلياً، وإنما هو بغض جزي، وأنت تحب هذا الشخص من جهة أخرى، وهو أنه مسلم، فبقاء أصل الإسلام فيه يجعلك تحبه، وهكذا الحال فيما يتعلق بمثل هذه الأحوال.

    وهناك مسألة مهمة جداً وهي مسألة الدماء المعصومة، فنحن تكلمنا عن مسألة المحبة، والتعامل الحسن، وأن التعامل الحسن لا يلزم منه المحبة، فإن الله عز وجل يقول: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15]، فالمصاحبة بالمعروف تقتضي الرفق واللين، لكن لا يلزم من هذا المحبة القلبية، والركون إلى الكافرين، إذ المذموم شرعاً هو المحبة القلبية، والركون إلى الكافرين.

    فيجب على المسلم أن يكون دائماً في تعامله مع الخلق عموماً طيب الأخلاق، حسن الخلق، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم طعاناً، ولا لعاناً، ولا فاحشاً بذيئاً، حتى ولو كان مع الكفار، ولهذا حتى الكفار في المعركة لو أسرنا أحداً منهم فإنا نتعامل معه بآداب عالية جداً، ومع ذلك هو عدونا، لكن لا يعني وجود العداوة البذاءة في الخلق أبداً، فالمسلم من أفضل الناس خلقاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً، ويكفي الشخص أن يقرأ قصة أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد كان ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان حبيبه قبل أن تأتيه الدعوة، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان أول من كفر به، وكذبه، وكان شاعراً، وكان أبو سفيان بن الحارث -وهو أبي سفيان صخر بن حارث - يذمه في الشعر ويثلبه، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة لفتح مكة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل سبعة أو ستة، حتى ولو تعلقوا بأستار الكعبة، منهم ابن الزبعري وابن خطل ومنهم جاريتين كانتا تغنيان في ذم النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو سفيان ولقي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخل مكة، مع أن دمه قد أهدره النبي صلى الله عليه وسلم؛ لسبه وذمه وشتمه، فلما التقى به وجه لوجه، اعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسيء النبي صلى الله عليه وسلم إليه بأكثر من الإعراض عنه، حيث أشاح بوجه عنه، مع أنه ذمه، وسبه، وكفر به، وطعنه في دينه، وطعنه في نبوته، ولهذا فإن وجود الكفر لا يقتضي سوء الخلق، إذ بعض الناس يفهم ما جاء في الشروط العمرية ومنها: ردوهم إلى أضيق الطريق فهماً خاطئاً؛ لأن هذه هي شروط لـعمر بن الخطاب عملها على أهل الذمة، يعني: ليست لكل الكفار، وأهل الذمة: هم المواطنون في بلاد المسلمين، كوجود: نصارى أو يهود في بلادنا مثلاً، فهؤلاء يسمون أهل ذمة، وأهل الذمة هؤلاء يجب على الدولة أن تحميهم من القتل، وتحميهم من الأذى بكل أنواعه، وإذا كان بعضهم فقيراً فتعينه بشرط أن يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، والجزية هذه إذا كان أحدهم فقيراً قد تخفف عليه، إذ هي بحسب الحال، فمثل هؤلاء ذكر عمر لهم شروطاً معينة؛ حتى يشعرهم عمر بأن ضريبة الكفر هي الذلة؛ وأيضاً تطبيقاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه)، فكان منها ردهم إلى أضيق الطريق، لكن هذا لا يعني أنه مع كل كافر.

    فينبغي إدراك مسألة مهمة جداً وهي أن الكافر ليس حلال الدم دائماً؛ لأن الكفار أنواع، وليس حلال الدم منهم إلا الكافر الحربي المقاتل.

    فنحن نعيش في هذا الوقت أزمة وعي وفهم بين طائفتين من الناس، طائفة تقول: يجب قتال الكفار، والتعامل معهم بأقوى أسلوب، وتعمم هذا على كل الكفار، حتى غير المقاتلين، وحتى الأشخاص الذي لم يظهروا العداوة للإسلام والمسلمين.

    وطائفة أخرى عكسهم تماماً تقول: يجب التعامل بالحسنى حتى مع دول الكفر، مثل أمريكا التي ما تركت بقعه من بقاع الأرض إلا طاردت فيها الإسلام وأهل الإسلام، ولهذا فهناك فرق بين الأفراد والهيئات، وهناك فرق بين فرد كافر، وبين حكومة لها جيش، ولها منظمة، وعندها مراكز أبحاث، وتوظف كل هذه الإمكانيات والميزانيات والمليارات الضخمة لمحاربة الإسلام، فالفرد هذا لا يعامل مثل معاملة المؤسسة هذه، وهناك فرق بين فرد أمريكي مثلاً لكنه مشغول في المعامل، ولا نقد الإسلام المسلمين، ولا ذمهم، ولا عاندهم، ولا قاتلهم، بل هو مشغول في المعامل، وعنده بحث علمي معين، أو مشغول بشهواته وملذاته، فمثل هذا فرق بينه وبين مفكر يكتب المؤلفات، ويكتب التقارير لحكومته، ويطعن فيها في الإسلام والمسلمين، ويطالب التضييق عليهم، وإيذاءهم، وقتلهم، ومطاردتهم في كل مكان، ولهذا فنحن أمة عادلة لا نتعامل مع هذا مثل تعاملنا مع ذاك، ولا نسوي بين هذا وبين ذاك، وهذا أمر موجود حتى عند أهل السنة قديماً، إذ تراهم يفرقون بين الداعي لبدعته، وغير الداعي لها، يعني: قد يكون إنسان مبتدع، لكنه لغوي مثلاً، فهو يكتب في كتب اللغة، ويحقق في المفردات اللغوية، وليس له أي ارتباط ببدعته، ولم يؤلف كتاباً في هذه البدعة، مع أنه قد يتبنى هذه البدعة عقيدة في نفسه، وبين شخص آخر يؤلف الكتب، ويؤسس المدارس، ويجمع الناس، ويضايق أهل السنة، فرق بين الأول وبين الثاني، وهكذا الحال فيما يتعلق بالكفر، فهناك فرق بين قسيس يدير مؤسسة كبيرة، وينشر القساوسة في الأرض؛ للدعوة إلى الدين الباطل، ويسب النبي صلى الله عليه وسلم، وبين إنسان عادي جاء لمجرد عمل يؤديه وينتهي.

    إذاً: ينبغي إدراك هذه الحقائق الشرعية، وإدراكها إدراكاً جيد، والمشكلة التي نعيشها الآن هي ردود الأفعال، إذ يأتيك أشخاص يطالبون بقتل الكفار في كل مكان، حتى لو لم يؤذوا أحداً، وهذا غير صحيح، حتى ولو كان معاهداً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)، وذلك لأن المعاهد معصوم الدم فلا يجوز قتله، وإذا كان ذمياً فإنه معصوم الدم أيضاً فلا يجوز قتله، والمسلم لا يغدر، ولا يخون، ولا يخفر الذمة، وأشخاص آخرين عكس هؤلاء، إذ يريدون من المسلمين أن يمكنوا الأمريكان من رقابهم، فكل خطة أمريكية ينبطحون لها، ويطالبون بتعميمها، كتغيير المناهج، وإفساد المرأة، ويساعدون فيه، ويريدون نشره، وإذا أتت أي خطة من الخطط الأمريكية التي يريدون تطبيقها في البلاد الإسلامية أتوا بحجة أن المسلم يجب عليه أن يكون عادلاً، ومنصفاً، ومتسامحاً، ونحو ذلك من العبارات التي يستخدمونها، فهؤلاء هم القسم الثاني، وهم حزب أمريكا في البلاد الإسلامية، وهؤلاء أخطر ما يكون على المسلمين، فهم الطابور الخامس بالمصطلح العصري وهم بالاسم الشرعي أهل النفاق والمنافقون والعياذ بالله.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015646493

    عدد مرات الحفظ

    723705934