إسلام ويب

رسالة العبودية [7]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • محبة الله تعالى نوع من أنواع العبودية لله تعالى، والذين آمنوا أشد الناس حباً لله تعالى، ولابد لهذه المحبة من طريق صحيح يوصل إلى الغاية والهدف، وهو اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، ومحبة ما سوى الله محبة فاسدة، وكلما ازداد العبد حباً لما سوى الله ازداد له عبودية وذلاً، وكلما ازداد حباً لله تعالى ازداد حرية وشرفاً.

    1.   

    محبة الله عز وجل وعبادته

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    تحدثنا في الدرس الماضي عن محبة غير الله سبحانه وتعالى، وأنها نوع من العبودية، وقد تكون هذه العبودية عبودية تامة، وقد تكون عبودية جزئية، ويختلف الحكم بناءً على نوعية هذه العبودية.

    وتحدثنا عن محبة غير الله عز وجل، وقلنا: إن منها: محبة المال والشرف، ومحبة الصور وعشقها، ونحو ذلك.

    واليوم نكمل بإذن الله تعالى بقية ما يتعلق بهذه المسائل ضمن هذا الكتاب العظيم الذي هو العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    قال المصنف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته (العبودية):

    [ومن المعلوم أن المؤمن أشد حباً لله، كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165]].

    معنى هذه الآية هو: أن الذين آمنوا أشد حباً لله من المشركين الذين اتخذوا مع الله عز وجل أنداداً يحبونهم كحب الله.

    وقيل: المراد هو أن (الذين آمنوا أشد حباً لله) من محبة هؤلاء لأندادهم.

    وعلى كلا التقديرين؛ فإن المقصود: هو إثبات شدة المحبة لله عز وجل عند المؤمنين، وأنهم أشد حباً لله عز وجل من هؤلاء المشركين، سواء لله عز وجل أو لمعبوداتهم.

    ضلال من سلك في محبة الله طريقاً لا يحصل بها المطلوب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نعم! قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقاً لا يحصل بها المطلوب، فمثل هذا الطريق لا تحمد إذا كانت المحبة صالحة محمودة].

    المقصود بهذا: أن المحبة قد تكون محبة صحيحة مثل: محبة الله عز وجل، أو محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن المحب قد يسلك طريقاً ليست صحيحة ولا توصل إلى الغاية المطلوبة، فلا بد إذاً من صحة الوسيلة والغاية، وصحة الوسيلة: هي الطريق الذي يوصل إلى المحبوب، وصحة الغاية التي هي: المحبوب ذاته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكيف إذا كانت المحبة فاسدة، والطريق غير موصل؟ ].

    يعني: كيف إذا كانت المحبة فاسدة مثل محبة غير الله عز وجل، والطريق غير موصل إلى هذه المحبة؟ فإنه يكون حينئذٍ فساداً في الوسيلة، وفساداً في الغاية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما يفعله المتهورون في طلب المال والرئاسة والصور في حب أمور توجب لهم ضرراً، ولا تحصل لهم مطلوباً، وإنما المقصود الطرق التي يسلكها العقل لحصول مطلوبه.

    وإذا تبين هذا فكلما ازداد القلب حباً لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حباً وحرية عما سواه].

    المفهوم الشرعي للحرية: هو التحرر من العبودية للبشر أو للمخلوقات عموماً أياً كانت، فليست الحرية أن يفعل الإنسان ما يشاء، فإنه إذا فعل ما يشاء يكون عبداً لهواه وللشيطان، لكن الصحيح: أن يكون عبداً لله سبحانه وتعالى، فإنه كلما ازدادت محبته لله ازداد عبودية لله، وفي ذات الوقت ازدادت حريته من العبودية للمخلوقين.

    افتقار القلب إلى الله تعالى وحاجته إلى عبادته وحبه والإنابة إليه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة، وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلة الفاعلية].

    إذاً: القلب محتاج إلى الله عز وجل مفتقر إليه، وافتقار القلب إلى الله عز وجل يكون من جهتين:

    الجهة الأولى: جهة تحقيق العبودية، وهي: أن يكون القلب عابداً وخاضعاً ومحباً لله سبحانه وتعالى، وهذه هي الغاية.

    والجهة الثانية: من جهة الاستعانة والتوكل والاعتماد والاعتضاد، وهذه هي العلة الفاعلة، وهي: الوسيلة.

    وتلاحظون أن الله عز وجل قرن في القرآن الكريم كثيراً بين العبادة والتوكل، وبين العبادة والاستعانة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123]، والمقصود من الاقتران بين العبادة والاستعانة هو: أن يكون القلب متعلقاً بالله عز وجل من جهة الغاية ومن جهة الوسيلة الموصلة إليه.

    فمن جهة الغاية: أن يكون الله غايته، فلا يريد إلا الله، ولا يحب إلا الله، ولا يعظم إلا الله سبحانه وتعالى، ومن جهة الوسيلة: فلا يستعين إلا بالله، ولا يتوكل ولا يعتمد ولا يرجو من المخلوقين شيئاً، وإنما يرجو ذلك من الله، فحينئذٍ يكون قد حقق العبادة من جهتين: من جهة الغاية، ومن جهة الوسيلة الموصلة إليه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ، ولا يسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة].

    هذا الكلام يعتبر قاعدة، وهو أن القلب لا يرتاح ولا يصلح ولا ينجو ولا يشعر بالطمأنينة إلا باعتماده على الله، فهذه القاعدة اكتشفها شيخ الإسلام ابن تيمية من جهتين:

    من جهة دلالة الشرع عليها، ومن جهة الفطرة التي هي الطبيعة الإنسانية، فمن الجهتين استطاع شيخ الإسلام أن يصل إلى هذه القاعدة، وهذه القاعدة مقررة عند أهل العلم سابقاً.

    وهناك فصل في كتاب ابن القيم : (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان) وهو كتاب مطبوع في مجلدين، ففي المجلد الأول: فصل في أن القلب لا راحة له ولا طمأنينة له ولا سكون ولا لذة إلا بمعرفة معبوده ومألوهه وهو الله سبحانه وتعالى، وقد حشد فيه كثيراً من الأدلة على هذه القاعدة، فمن الأدلة الشرعية على هذه القاعدة قول الله عز وجل: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، ومنها أيضاً ما يمكن استخراجه من قول الله عز وجل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124]، فإنه إذا كان الإعراض فيه المعيشة الضنك، فإن الإقبال فيه المعيشة الطيبة.

    ولهذا يقول الله عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97]، والمقصود بالحياة الطيبة أي: في الدنيا، وهذا غير الآخرة.

    فهذه الدلائل الشرعية تدل على أن القلب لا سعادة له ولا طمأنينة له إلا بمحبة الله عز وجل والعبودية له، ومما يدل على ذلك: الفطرة، وهذا أمر معروف في طبيعة الإنسان، فإن الواقع يشهد بأنه لا راحة للنفس ولا طمأنينة لها إلا بالله عز وجل، فإذا فقد الإنسان العبودية لله والمحبة لله عز وجل فإنه يدخله الهم والشقاء والتعاسة والانحراف عن منهج الله عز وجل بقدر بعده.

    شقاء الإنسان وانحرافه بسبب بعده وتركه لمحبة الله وعبادته

    ولهذا فإن العاصي يدخله من الشقاء أقل مما يدخل للكافر، والكافر الذي يؤمن بوجود الله ويؤمن بالأنبياء ويعظمهم لكنه مشرك في عبادة الله عز وجل يكون شقاءه أقل من الملحد، وهكذا كلما ازداد الإنسان إيغالاً في البعد عن الله كلما ازداد شقاءً وشذوذاً وانحرافاً.

    ولهذا فالعالم الغربي اليوم لوحة واضحة لهذه القضية، والإنسان الذي يتأمل في حياة الغربيين اليوم يستطيع أن يستنتج منها هذه المعاني العظيمة، فقد وصلوا إلى مرحلة من الشذوذ والانحراف والبعد عن الله عز وجل وخلو القلب من التدين لله سبحانه وتعالى، وما ظهر في نظرياتهم الفكرية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وما ظهر في سلوكهم العملي.

    وقد سمعت أن رجلاً يحاكم في ألمانيا بتهمة أكل لحوم البشر، وأن هذا الرجل كتب في الإنترنت: أي شخص عنده استعداد أن يؤكل فليراسلني، وبعد أسابيع اتصل به شخص وقال: أنا عندي استعداد لأن أؤكل، يعني: يكون طعاماً يؤكل، والاثنان كانا شاذين، فجاء إليه واقتاده إلى منزله، وارتبط هذا الشذوذ بالشذوذ الجنسي والعياذ بالله، فقام الآكل بقطع ذكر المأكول وشوهه ثم قتله وسجل هذا في الفيديو لمدة ساعة، ووزع لحمه على مجموعة أكياس ووضعها في الثلاجة، وفي كل فترة يأكل جزءاً منها، فأعجبه هذا الأمر فوضع أيضاً إعلاناً آخر في الإنترنت في خمسة مواقع أو ستة مواقع وجاءه خمسة أشخاص.

    فهذه القصة غريبة حتى على المجتمع الغربي، وتدل على أن الإنسان كلما ازداد بعداً عن الله عز وجل ازداد شذوذاً.

    ولهذا فإن عبادة الشيطان التي ظهرت أول ما ظهرت عند الغربيين ثم انتقلت مع الأسف إلى بلاد المسلمين، وأصبح بعض أبناء المسلمين الذين درسوا شيئاً من القرآن يعبدون الشيطان، ويتعبدون بطريقة مخزية وغريبة وشاذة فيشربون دماء الكلاب، ويؤدون طقوساً روحانية كما يسمونها، ويفعلون الفواحش بطرق شاذة ومنحرفة، والشاهد: أنه كلما ابتعد الإنسان عن الله عز وجل كلما ضل وانحرف وشعر بالشقاء والتعاسة.

    إذاً: هذه القاعدة تثبتها الدلائل الشرعية ودلائل الطبيعة الإنسانية، والشواهد الموجودة في الواقع.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له، فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك السرور والسكون إلا بالله، فهو دائماً مفتقر إلى حقيقة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، فإنه لو أعين على حصول كل ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده، ولم يحصل له عبادة الله فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب، ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله؛ بحيث يكون هو غاية مراده، ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول].

    أقسام المحبة

    المحبة تنقسم عند العلماء إلى قسمين: محبة التأله، وقد سبق أن أشرنا إليها، والمحبة الطبيعية، فمحبة التأله هي المحبة التي أشار إليها ابن تيمية وسماها: المحبة بالقصد الأول، وتسمى: محبة التأله، وهي تعلق القلب وإنابته ورجوعه وشغفه والتفكير الدائم فيه، فهذه لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى، وهي محبة السر والمحبة الخاصة.

    وهناك محبة طبيعية موجودة في طبيعة الإنسان، وهذه المحبة لا يلام عليها الإنسان، فهو يحب أباه وأمه وزوجته وأولاده، ويحب المال والنساء، ويحب الجمال، ويحب أموراً كثيرة جداً، فهذه المحبوبات الطبيعية لا تثريب على الإنسان فيها، بشرط أن تكون مرتبطة بمحبة الله عز وجل، فإذا عصى أحد هذه المحبوبات الطبيعية فإنه لا يحبه ولا يقدمه على محبة الله عز وجل، كما أن هنالك من المحبوبات ما يمكن أن تكتسب بطريقة شرعية، فهي محبة لله، وبطريقة غير شرعية مثل: المال، فلا يكتسب منه إلا ما كان بالطريقة الشرعية، وهكذا الحال في النساء والجاه والرئاسة والجمال ونحو ذلك.

    وكل هذه الأشياء يجب أن تكون مرتبطة بمحبة الله عز وجل، وهو الحب الأساسي في الإنسان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل ما سواه إنما يحبه لأجله، لا يحب شيئاً لذاته إلا الله، فمتى لم يحصل له هذا، لم يكن قد حقق حقيقة: (لا إله إلا الله)، ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة لله، وكان فيه من نقص التوحيد والإيمان، بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك.

    ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكن مستعيناً بالله متوكلاً عليه مفتقراً إليه في حصوله لم يحصل له، فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

    فالعبد مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود، ومن حيث هو المسئول المستعان به المتوكل عليه، فهو إلهه الذي لا إله له غيره، وهو ربه لا رب له سواه، ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين].

    افتقار العبد عند أهل السنة وعند المتكلمين

    هناك مسألة دقيقة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله في بعض كتبه وهي: الفرق في افتقار العبد بين عقيدة أهل السنة والجماعة وعقيدة أهل لكلام.

    فعقيدة أهل السنة والجماعة في افتقار العبد، خلاصتها: أن العبد مفتقر إلى الله عز وجل افتقاراً ذاتياً من حيث أن الله عز وجل هو محبوبه بالقصد الأول، ومن حيث أنه لا رغبة ولا إنابة ولا خوف إلا من الله سبحانه وتعالى، وأن هذه المحبة موجودة في طبيعة الإنسان، وأنها موجودة في أساسه.

    فالافتقار عند أهل السنة يسمى: الافتقار الذاتي، أي: أن العبد مفتقر من حيث ذاته إلى الله سبحانه وتعالى من جهة وجوده، ومن جهة حاجته إليه في العبودية والاستعانة.

    وأما أهل الكلام فعندهم: أن الإنسان أو المخلوقات عموماً -ويسمونها: الحوادث- مفتقرة إلى الخالق والمبدع الأول، وأن هذا الافتقار ناشئ عن الحدوث، أي: ناشئ عن حدوثه وكونه محدثاً، وليس بمحدِث.

    والحقيقة: أن هذه المسألة مسألة فرعية من قضية جوهرية وأساسية عند علماء الكلام، وهي أنهم يرون أن وجود المخلوقات أساسها الحدوث، وأن علامات الحدوث كثيرة مثل: الحركة بعد السكون، ومثل: وجود تلبس الأعراض كالألوان والطعوم والروائح وغيرها، فيقولون: إن هذه الأشياء تدل على الحدوث، والحدوث افتقار، ولا يمكن أن يكون في المحدث شيء من هذه الأوصاف، فيرتبون على هذه القضية نفي صفات الله سبحانه وتعالى وأفعاله، وأن الله عز وجل لا يمكن أن يفعل فعلاً؛ لأنه يستلزم منه أن تكون الحوادث قد حلت بذاته تعالى، وحينئذٍ يدل هذا على تشابه بينه وبين المحدثات والمخلوقات، وهذا لا شك أنه مذهب فاسد ومنحرف؛ لأن صفات الله عز وجل ثابتة في القرآن والسنة، منسوبة إلى الله سبحانه وتعالى، وفهم معانيها يعتمد على لغة العرب، ولا يصح أن تشبه وتماثل صفات الله عز وجل بصفات خلقه، وما يقولونه من القواعد الكلامية المخالفة للسنة، مثل قاعدة: حلول الحوادث بذات الله عز وجل، فهي قاعدة عقلية مخالفة للنصوص، وفيها كثير من الخروق العقلية، وقد تحدث عنها شيخ الإسلام رحمه الله كثيراً في (درء التعارض)، وفي (بيان تلبيس الجهمية)، فأحببت أن أشير إلى هذه المسألة عند هذا الكلام؛ لأنه أحياناً في كتبه عندما يتحدث عن الافتقار يشير إلى الافتقار الذاتي الموجود عند أهل السنة، وافتقار الحدوث الذي يشير إليه أهل الكلام وما يرتبون عليه من العقائد المنحرفة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمتى كان يحب غير الله لذاته، أو يلتفت إلى غير الله أنه يعينه كان عبداً لما أحبه، وعبداً لما رجاه، بحسب حبه له، ورجائه إياه، وإذا لم يحب أحداً لذاته إلا الله، وكلما أحب سواه فإنما أحبه له، ولم يرج قط شيئاً إلا الله، وإذا فعل ما فعل من الأسباب، أو حصل ما حصل منها، كان مشاهداً أن الله هو الذي خلقها].

    قوله: مُشاهِداً، مأخوذة من الشهود، والشهود معناه: الحضور، يقال: فلان شاهد، يعني: حاضر، وعكسه الغياب، ومنه الغيب والشهادة، والأمور المشاهدة، أي: الموجودة، وهذا ما عبر عنها شيخ الإسلام ، وقد يعبر عنها كثيراً ابن القيم رحمه الله في (مدارج السالكين) أو في (طريق الهجرتين)، ويتحدث عن شهود العبد لفعله، ومعناه: أن العبد منتبه لفعله، فإذا كان العبد منتبهاً لفعله حصل عنده نوع امتنان بهذا العمل، وهذا لا شك أنه نقص في عبودية الإنسان.

    فكلمة (الشهود) معناها: الحضور، وشهود القلب معناه: حضور القلب، وشهود العمل معناه: حضور العمل في عقل وقلب العابد.

    وقوله: كان مشاهداً أي: منتبهاً ومقراً ومعترفاً أن الله هو الذي خلقها وقدرها وسخرها، وهذه القضية حاضرة في ذهنه كحضور الشاهد.

    فعل الأسباب وتعلقه بحب الله وعبادته لأنه خالقها ومسخرها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا فعل ما فعل من الأسباب، أو حصل ما حصل منها، كان مشاهداً أن الله هو الذي خلقها وقدرها وسخرها له، وأن كل من في السماوات والأرض فالله ربه ومليكه وخالقه ومسخره وهو مفتقر إليه، كان قد حصل من تمام عبوديته لله بحسب ما قسم له من ذلك].

    الله عز وجل خلق الإنسان وخلق أسباب هذا الكون، وقد تحدثت عن قضية الأسباب في دروس سابقة، فـالأسباب مخلوقة لله، وليست مؤثرة بذاتها، والله عز وجل خلق فيها عنصر التأثير، والارتباط بين السبب والمسبب ارتباط حقيقي وصحيح، لكنه لا ينفذ إلا بإرادة الله سبحانه وتعالى؛ لأنها مخلوقة له، وعندما يفعل الإنسان السبب، ويعتمد بقلبه على هذا السبب تنقص عبوديته وتضعف، لكن إذا فعل السبب وهو مشاهد بقلبه أن الله خالقه، وأن الله عز وجل هو الذي وراءه، وأنه لا يتم هذا السبب إلا بإرادة الله عز وجل، فإنه حينئذٍ يحصل في قلبه من العبودية بقدر هذه المشاهدة، وبقدر اعتماده على الله سبحانه وتعالى.

    والعمل الصالح كما تعلمون سبب لدخول الجنة، لكن أحياناً قد لا يتحقق لوجود موانع تمنعه، كذلك الأدوية الموجودة الآن في الكون هي أسباب، وكذلك أي أمر من الأمور التي يحصلها الإنسان، فالنار سبب للتدفئة ولطهي اللحم والطعام، فهذه الأسباب لا يمكن أن تحصل بذاتها، وإنما لا بد من إرادة الله عز وجل التي وراءها، فإذا حصل أن العبد شاهد هذه القضية وتعلق قلبه بالله عز وجل وأنه لا يفعل السبب وهو معتمد عليه فإنه يحصل في قلبه من العبودية والإيمان بقدر هذا الشهود وهذا الحضور.

    وإذ مرض الإنسان، وذهب إلى الطبيب، كانت حالته النفسية ضعيفة إلى درجة أنه يتعلق بالطبيب، فلو كان عنده من الإيمان والعبودية والتوكل على الله عز وجل ما اعتمد إلا على الله سبحانه، وهكذا الاعتماد على القوة، كأن تكون لديه قوة أياً كانت هذه القوة، سواء كانت قوة ذاتية أو قوة مادية معينة، فإذا اعتمد على القوة خانته في أي لحظة من هذه اللحظات، واقرءوا التاريخ فإن فيه العجائب في هذه الباب، ولعل من أبرزهم: فرعون الذي قال لقومه -عندما انتقد موسى، وأراد أن يبرر لقومه أن كلام موسى غير صحيح- استدل بقوته فقال: وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51]، وقال: .. أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52]، والمهين: هو الإنسان المحتقر المزدرى، أو الذي يكون من قبيلة مضطهدة، وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52]؛ لأن موسى كانت فيه لثغة ولم يكن يفصح، فتغطرس فرعون وتكبر فأذله الله سبحانه وتعالى، وحطم ملكه على يد هذه الأمة الضعيفة بني إسرائيل، وعندما دخلوا في البحر دخل وراءهم فأغرقه الله سبحانه وتعالى، وبقي جسده آية بعد ذلك.

    إذاً: الاعتماد لا يكون إلا على الله سبحانه وتعالى حتى في الأسباب الحقيقية، وهذا نوع من أنواع العبودية يجب التنبه له.

    أكمل الخلق وأفضلهم وأقربهم إلى الله هم أتمهم عبودية لله واستسلاماً له

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والناس في هذا على درجات متفاوتة لا يحصي طرقها إلا الله؛ فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم: أتمهم عبودية لله من هذا الوجه.

    وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو: أن يستسلم العبد لله لا لغيره، فالمستسلم له ولغيره مشرك، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر].

    هذه القضية مهمة جداً، لكن كثيراً من الناس لا ينتبه لها، فإن حقيقة الإسلام هي: الاستسلام لله، ومعنى الاستسلام لله: الخضوع والتسليم لله عز وجل، فخبر الله يكون الإسلام به تصديقه، وأمر الله يكون الإسلام به الرضا به وتطبيقه، ونهي الله يكون الإسلام به القبول له، والانقياد له بالكف عن العمل.

    فإذا وجد معترض على خبر الله، أو على أمره، أو نهيه، فهو زنديق كافر غير مسلم؛ لأن الاعتراض على الله عز وجل أو على شريعته، أو على خبره يعتبر من فعل الشيطان، عندما أمره الله سبحانه وتعالى بالسجود لآدم فاعترض، ورفض أن يسجد وقال: خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]، فأمره الله عز وجل بالخروج منها، وبين أنه كافر، وأن من أطاعه فهو مثله.

    وهناك فرق بين الاعتراض وعدم الفعل، يعني: الواجب تجاه أمر الله عز وجل شيئان: الشيء الأول: الرضا به وقبوله، واحترامه وتصديقه، والانقياد له.

    فأما الرضا به وقبوله، فهو داخل في أصل الدين، فمن اعترض على أمر الله ورفضه وأباه، وهو يعرف أنه أمر الله عز وجل فهذا لا شك في كونه كافراً خارجاً عن دائرة الإسلام.

    والشيء الثاني: هو الفعل، فإنه لا يكفر الإنسان به إلا إذا كان هذا الفعل مكفراً.

    فأوامر الله عز وجل كثيرة، منها: أمر بالصلاة، وأمر بطاعة الوالدين، وأمر بصلاة الجماعة وأمر بالزكاة، وأمر بصلة الأرحام، والواجب تجاه هذه الأوامر هو:

    أولاً: الرضا بها من الله عز وجل، وقبولها، والاستسلام لها، لأنها حقيقة من الله.

    الأمر الثاني: هو فعلها.

    أما الأول فهو من أصل الدين، فمن لم يرضَ بها كمثل من لم يرض بالصلاة فهذا كافر غير مسلم.

    ومن أقر بأن الله أمر ببر الوالدين، لكنه عملياً عاق لوالديه ولا يبرهما، فهو فاسق ليس بكافر، ويكون قد ارتكب كبيرة من الكبائر، لكن إذا لم يرضَ به واعترض على أمر الله بطاعة الوالدين، وقال: إنهما مثل أي شخص آخر، وما استفاده منهما فليس بالضرورة طاعتهما، فهذا الاعتراض يعتبر كفراً يخرج عن دائرة الإسلام والعياذ بالله.

    فينبغي إدراك هذه القضية؛ لأن كثيراً من الناس اليوم يعترض على أحكام الله في باب الولاء والبراء، ومن يعترض على أحكام الله عز وجل في تكفير اليهود والنصارى، ومن يعترض على أحكام الله عز وجل في الرجم، وفي جلد الزاني غير المحصن، وفي إقامة حد الردة، ويقولون: هذه الصور بشعة، ويعترضون على تشريع تعدد الزوجات، ويقولون: هذا ظلم للمرأة، ويعترضون على حجاب المرأة، ويقولون: هذا اعتداء على حريتها الشخصية، فكل هذا الكلام يعتبر ردة مخرجة عن دائرة الإسلام.

    وهناك فرق بين من يقول هذا الكلام فيكون مرتداً، وبين من يعترف بالحكم الشرعي ويقر به، لكنه لا ينفذه، فإذا كان لم يؤد الصلاة فتركها، فلا شك أنه كفر بنص النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، ومن لم ينفذ بر الوالدين يكون عاصياً، وهكذا يختلف الحال من عمل إلى عمل آخر.

    منافاة الكبر لحقيقة العبودية لله تعالى

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الجنة لا يدخلها من في قلبه مثقال ذرة من كبر)، كما أن النار لا يخلد فيها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فجعل الكبر مقابلاً للإيمان، فإن الكبر ينافي حقيقة العبودية، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول الله: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحداً منهما عذبته)، فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة؛ ولهذا جعلها بمنزلة الرداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار].

    من تكبر عذبه الله عز وجل بالذل في الدنيا وفي الآخرة، وكم من الطواغيت والجبابرة الذي تكبروا وطغوا وبغوا أذلهم الله عز وجل في الدنيا، وعذبهم في الآخرة كما جاء في بعض الأحاديث أنهم يكونون مثل الذر يطأهم الناس، وفي هذا عبرة وعظة عجيبة جداً، ولهذا فـالمعتمد بن عباد عندما سجن -بعد أن كان حاكماً- ورأى بناته في الأسر، تأثر تأثراً كبيراً جداً، وأنشد قصيدة مشهورة تعبر عن هذا الحال الذي هو فيه.

    فالحقيقة أن كل من تكبر وطغى وبغى عذبه الله عز وجل في الدنيا أو في الآخرة.

    قاعدة: كل من استكبر عن عبادة الله فلابد أن يعبد غيره ويذل له

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا كان شعار الصلوات والأذان والأعياد هو التكبير، وكان مستحباً في الأمكنة العالية كالصفا والمروة، وإذا علا الإنسان شرفاً أو ركب دابة ونحو ذلك، وبه يطفأ الحريق وإن عظم، وعند الأذان يهرب الشيطان، قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، وكل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له].

    هذه قاعدة مهمة جداً، وتشبه القاعدة التي سبق أن أشرنا إليها، والدلائل الشرعية والطبيعية الإنسانية تشهد بها، وهي: كل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له، فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة، فهذه قاعدة من أهم القواعد في هذا الباب، فالإنسان لابد أن يكون عابداً، ولا تتخيل أبداً وجود إنسان خال من العبودية، ولهذا فالغربيون الذين جاءوا بدعوى الحرية والعتق من الأديان هم في الحقيقة هربوا من أديان معروفة وعبدوا الشيطان، وعبدوا النفس الأمارة بالسوء فلا يمكن للإنسان إلا أن يكون عابداً.

    والسبب في هذا، والمستند الحقيقي لهذا هو ما أشار إليه الشيخ عندما قال: فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة، فإن أفعال الإنسان التي تحصل لابد فيها من وجود إرادة قلبية، ومن وجود قدرة تنقل هذه الإرادة إلى العمل.

    فالإرادة القلبية الموجودة في نفس الإنسان تقتضي وجود مراد، ولا يمكن أن تكون إرادة بدون متعلق يريده الإنسان، فإن كان متعلقه الله عز وجل كانت هذه العبودية لله عز وجل، وإن كانت غير الله فإنه يكون عابداً لهذا الغير.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل من استكبر عن عبادة الله فلا بد أن يعبد غيره ويذل له، فإن الإنسان حساس ويتحرك بالإرادة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أصدق الأسماء حارث وهمام)، فالحارث: الكاسب الفاعل، والهمام: فعال من الهم، والهم أول الإرادة، فالإنسان له إرادة دائماً، وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه، فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبداً ذليلاً لذلك المراد المحبوب: إما المال وإما الجاه وإما الصور، وإما ما يتخذه إلهاً من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والأوثان وقبور الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أرباباً، وغير ذلك مما عبد من دون الله.

    وإذا كان عبداً لغير الله يكون مشركاً، وكل مستكبر فهو مشرك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكباراً عن عبادة الله وكان مشركاً، قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [غافر:23-24] إلى قوله: وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [غافر:27] إلى قوله: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر:35].

    وقال تعالى: وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ [العنكبوت:39]، وقال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ [القصص:4]، إلى قوله: فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل:14]، ومثل هذا في القرآن كثير.

    وقد وصف فرعون بالشرك في قوله: وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف:127]، بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكباراً عن عبادة الله كان أعظم إشراكاً بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقراً وحاجةً إلى مراده المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركاً بما استعبده من ذلك.

    ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي إلا من والاه الله، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا لله، ولا يبغض شيئاً إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، فكلما قوي إخلاص حبه ودينه لله كملت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات، وبكمال عبوديته لله تكمل براءته من الكبر والشرك.

    والشرك غالب على النصارى، والكبر غالب على اليهود، قال الله تعالى في النصارى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31]].

    أساس شرك اليهود والنصارى الكبر والجهل

    أساس شرك النصارى: هو الضلال والجهل، فإن الجهل بالأحكام الشرعية يوصل إلى الضلال، ولهذا وصفهم الله عز وجل بأنهم من الضالين، وأصل شرك اليهود: الكبر والإعراض عن علم، فإعراض اليهود وترك التزامهم بدينهم سببه الكبر عن الخضوع للدين، ولهذا يقول الله عز وجل: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6-7]، وهذا الصراط يتصف بصفتين: اجتماع العلم والعمل، أو اجتماع العلم والإخلاص لله عز وجل ثم قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، و(المغضوب عليهم): هم اليهود، وذلك أنهم انحرفوا عن الصراط المستقيم، بسبب إعراضهم عن الإخلاص لله مع وجود العلم لديهم.

    (ولا الضالين): وهم النصارى، الذين انحرفوا عن الصراط المستقيم بسبب الجهل، ففيهم حب للتعبد، وفيهم إرادة له لكنها ليست مبنية على علم، وإنما مبنية على جهل، ولهذا قال بعض السلف: من انحرف من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من عبادنا ففيه شبه من النصارى.

    ولهذا فكثيراً ما يقارن شيخ الإسلام رحمه الله بين ضلال الصوفية وضلال المتكلمين، فإن ضلال الصوفية سببه: إرادة التعبد، لكن على جهل، فضلوا وانحرفوا ففيهم شبه من هذه الزاوية بالنصارى، والمتكلمون كانوا أهل علم وجدل ومناقشة، فأصبح انحرافهم مثل انحراف اليهود الذين انحرفوا عن علم وكبر، بسبب الكبر الموجود في نفوسهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال في اليهود: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة:87]، وقال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [الأعراف:146].

    ولما كان الكبر مستلزماً للشرك، والشرك ضد الإسلام وهو الذنب الذي لا يغفره الله، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48] وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116]، كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام، فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، قال نوح: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:72]، وقال تعالى في حق إبراهيم وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:130-132]، وقال يوسف عليه السلام: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101]، وقال موسى عليه السلام: يَا قَوُم إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا [يونس:84-85]، وقال تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا [المائدة:44]، وقال عن بلقيس : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:44]، وقال: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [المائدة:111]، وقال: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19]، وقال: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85]، وقال تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران:83].

    فذكر إسلام الكائنات طوعاً وكرهاً؛ لأن المخلوقات جميعها متعبدة له التعبد التام، سواء أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون له مدبرون، فهم مسلمون له طوعاً وكرهاً، ليس لأحد من المخلوقات خروج عما شاءه وقدره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو رب العالمين ومليكهم يصرفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم، وكل ما سواه فهو مربوب مصنوع مفطور، فقير محتاج معبد مقهور، وهو سبحانه الواحد القهار، الخالق البارئ المصور.

    وهو وإن كان قد خلق ما خلقه بأسباب، فهو خالق السبب والمقدر له، والسبب مفتقر إليه كافتقار المسبب، وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل خير ولا دفع ضرر، بل كل ما هو سبب فهو محتاج إلى سبب آخر يعاونه، وإلى ما يدفع عنه الصَّد الذي يعارضه ويمانعه.

    وهو سبحانه وحده الغني عن كل ما سواه، ليس له شريك يعاونه، ولا ضد يناوئه ويعارضه، قال تعالى: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر:38].

    عبودية الله تنجي من آفة الكبر والجهل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه...إلخ] فيه: تقرير لحقيقة أن عبودية الله سبحانه وتعالى، والتعلق به ينجي من آفتين:

    الآفة الأولى: هي آفة اليهود وهي الكبر.

    والآفة الثانية: هي آفة النصارى وهي الشرك، وقد تحدث كثيراً عن الكبر ثم عن الشرك الذي هو عبادة غير الله سبحانه وتعالى، والافتقار إلى غير الله سبحانه وتعالى.

    والمخلوقات جميعاً عابدة لله عز وجل باعتبار أنها خاضعة له سبحانه وتعالى، بل إن لـشيخ الإسلام رحمه الله رسالة في مسألة (عبودية الكائنات) يقرر فيها أن هذه العبودية هي عبودية إرادية، أي: عبودية متعلقة بالإرادة، وله تحقيق طويل في هذا الموضوع، ثم تحدث عن الشرك وأنه أظلم الظلم.. الخ.

    الخلة وحقيقة العبودية

    قال رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17]، وقال تعالى عن الخليل: يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:78-82].

    وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ؟

    وإبراهيم الخليل إمام الحنفاء المخلصين، حيث بعث وقد طبق الأرض دين المشركين، قال الله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة:124]، فبين أن عهده بالإمامة لا يتناول الظالم، فلم يأمر الله سبحانه أن يكون الظالم إماماً، وأعظم الظلم الشرك، وقال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]، والأمة: هو معلم الخير الذي يؤتم به، كما أن القدوة الذي يقتدى به.

    والله تعالى جعل في ذريته النبوة والكتاب، وإنما بعث الأنبياء بعده بملته، قال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:123]، وقال تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:68]، وقال تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:67]، وقال تعالى: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة:135] قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:136].

    وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن إبراهيم خير البرية)، فهو أفضل الأنبياء بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو خليل الله تعالى.

    وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً)، وقال: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله -يعنى: نفسه-)، وقال: (لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر)، وقال: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)، وكل هذا في الصحيح، وفيه: أنه قال ذلك قبل موته بأيام، وذلك من تمام رسالته؛ فإن في ذلك تحقيق تمام مخالته لله تعالى التي أصلها محبة الله تعالى للعبد، ومحبة العبد لله، خلافاً للجهمية].

    أقسام محبة الله عز وجل

    محبة الله عز وجل تنقسم إلى قسمين:

    محبة الله عز وجل التي هي صفة من صفاته، وهذه ثابتة لله سبحانه وتعالى، ولا ينكرها إلا أهل التعطيل الذين يرون أن صفات الأفعال ليست ثابتة لله سبحانه وتعالى، وهؤلاء هم غلاظ الأكباد -والعياذ بالله- الذين لا يحبون ولا ينسبون المحبة لله تعالى.

    إذاً: محبة الله عز وجل تكون على نوعين: محبة الله التي هي صفة من صفاته، ومحبة العبد لله، فالله عز وجل يُحِب ويُحَب، يعني: تنسب له المحبة على وجهين: على أنها فعل منه، وعلى أنها فعل نحوه، وهذه يثبتها أهل السنة والجماعة، فيرون أن الله عز وجل يحب بعض مخلوقاته، لما فيها من الخصائص الكريمة والأمور الفاضلة، مثل محبته للأنبياء والصالحين والعمل الصالح، ومحبته للصابرين ومحبته للمتطهرين.. ونحو ذلك، وأيضاً يحب، فتتعلق محبة القلب به سبحانه وتعالى، من جهة أن العبد يعظمه سبحانه وتعالى، ويتعلق قلبه به لكمال صفاته ولكمال إنعامه، يعني: لكمال صفاته سبحانه وتعالى فهو كامل كمالاً مطلقاً، ولكمال إنعامه على العبيد، وهذه القضية يتحدث عنها ابن القيم كثيراً في (الفوائد) وفي غيرها، وأن استحقاق الله عز وجل للعبودية ولمحبة العبد له هو لكمال ذاته ولكمال إنعامه، يعني: لكمال ذاته وصفاته، ولكمال إنعامه أيضاً.

    أما الجهمية فيقولون: إن الله عز وجل لا يحب، وينفون هذه الصفة عن الله عز وجل، كما أنهم ينفون أيضاً أن يحب ويقولون: إن المحبة لا تتعلق به، وأن العلاقة بين الخالق والمخلوق هي مثل علاقة المعاوضة بين بائع ومشتر مثلاً أو مثل أي علاقة من علاقات العوض -يعني: التغاير- ولا شك أن هذا انحراف عظيم عن سنة المرسلين.

    حقيقة الرافضة وبيان إشراكهم بعبادة علي وغيره من البشر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي ذلك تحقيق توحيد الله، وألا يعبدوا إلا إياه، ورد على أشباه المشركين.

    وفيه رد على الرافضة الذين يبخسون الصديق رضي الله عنه حقه، وهم أعظم المنتسبين إلى القبلة إشراكاً بعبادة علي وغيره من البشر ].

    الرافضة الذين يسمون الآن (الشيعة) أو (الإثنا عشرية) هؤلاء من أكفر الطوائف المنتسبة إلى ملة الإسلام، فعقائدهم مناقضة لعقائد المسلمين.

    ومناقضة عقائد الرافضة لعقائد المسلمين واضحة في التعبد لغير الله عز وجل، ولهذا أشار ابن تيمية رحمه الله كثيراً في بعض كتبه، أن الذين نشروا الشرك وعبادة غير الله عز وجل هم من هذه الأمة، ومن المنتسبين إليها، كالصوفية والرافضة، فهم يعتقدون العتبات المقدسة، ويأتون إلى هذه العتبات المقدسة ويحجون إليها ويطوفون بها ويذبحون عندها ويستغيثون بغير الله، وينذرون لغير الله سبحانه وتعالى، ويقررون ذلك في كتبهم، حتى إن أحد مؤلفيهم كتب كتاباً وسماه: (حج المشاهد) ولهذا يذكر المجلسي في (بحار الأنوار) وهو كتاب من كتب المتأخرين، لكنه جمع كتب المتقدمين جميعاً ورتبها وهو كتاب كبير يزيد على مائة مجلد، وأفرد جزءاً كاملاً يتعلق بالمزارات، فيه من ألوان الشرك ما لا يخطر لك على بال، ولهذا في أيام الاحتفالات التي يقيمونها في حسينياتهم يقومون بدعوة غير الله عز وجل ويستغيثون بـعلي بن أبي طالب ويعطونه جميع صفات الله سبحانه وتعالى، بل إنهم يقررون في مصنفاتهم أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الكون أسنده إلى الأئمة ليقوموا بتدبيره، ولا شك أن هذا من أعظم الشرك في الربوبية.

    ولهذا فيعتبر الرافضة من أهل الشرك والعياذ بالله، ولا يعني هذا أن كل من انتسب إليهم مشرك، فهناك فرق عند الحديث عن الفرق وعن المذاهب، ولابد أن نفرق بين حقيقة المذهب ودين المذهب، والأشخاص المنتسبين إليه، وليس كل أحد انتسب إلى مذهب من المذاهب يعتقد كل ما في هذا المذهب، وأحياناً قد لا يعلم.

    لكن أساس المذهب وعلماءه والقائمين عليه والحوزات العلمية ومن يكون متديناً منهم، فإن هؤلاء لا شك أنهم يؤمنون بهذه العقائد الضالة، والمشكلة الكبيرة التي حصلت عند الروافض في العصر الحديث: هي أن مصنفاتهم التي كانت قديماً موطن سرية وكان لا يتداولها إلا مجموعة من العلماء فيهم أصبحت متوفرة في كل مكان بسبب الطباعة، وبسبب الاتصالات الموجودة.

    وأعظم كتاب منذ عشرة قرون ألف في الرد على الرافضة هو: (منهاج السنة النبوية) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومع هذا فإنه لم يرجع إلى كتاب الكافي للكليني ، مع أن كتاب الكافي للكليني قبل شيخ الإسلام تقريباً بثلاثة قرون أو أربعة قرون، وهذا يدل على أن هذا الكتاب كان مستوراً، وأنه لم يظهر إلا في زمن الدولة الصفوية عندما بدأت المطابع، وانتشرت عقائدهم.

    فالآن أصبحت عقيدة الرافضة ظاهرة متداولة، ولا يمكن أن يجعلوها سراً، فهي عقيدة مكشوفة وواضحة، وهذا الأمر الأول الذي جعل القضية خطيرة في العصر الحديث.

    القضية الثانية: هو أن منهج الرافضة العقدي الخطير الذي فيه شركيات حوله شيوخ الرافضة إلى مذهب شعبي، فيجتمع في الحسينيات عشرات بل آلاف، ويستمعون إلى القصائد والأدعية التي يقوم بها بعض الأشخاص، ويرددون بعض الكلمات التي تحصل فيها ما يسمى (باللطميات) عندهم، وهي من الشرك الواضح، ولا يمكن لأي شخص أن يحملها إلا على الشرك، فعندما يمدحون علياً بن أبي طالب بأنه يعلم عدد الذرات، وأنه سبب الفضل على عدد من الأنبياء، وأنه.. وأنه، فهذا من أوضح الشرك، ولهذا فإن هؤلاء الذين يعرفون هذا الشرك لا يعذرون أبداً من إنكاره.

    ومن أوضح الأشياء عند الرافضة: سب الصحابة، فهم يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان ، ويكفرون سائر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقبح الله هذا المنهج وهذا الدين الذي يكفرون به خلاصة أتباع نبيه.

    والنصارى على شركهم وضلالهم وانحرافهم لم يوجد أحد منهم يكفر الحواريين أبداً، وهؤلاء يكفرون خلص الصحابة رضوان الله عليهم، والنصوص الثابتة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تفضيل أبي بكر وعمر بلغت مبلغ التواتر، ومع هذا يكفرون أبا بكر وعمر .

    وأنتم سمعتم خبر الرجل الخبيث الذي في الكويت، الذي سجل على شريط تكفيره أبا بكر وعمر ، وسبه لهما، وطعنه فيهما طعناً قبيحاً، ولا شك أن هؤلاء -كما قال عنهم بعض السلف- ونقلها ابن تيمية في بداية (منهاج السنة) فقال: ما رأيت أحمق من الخشبية! لو كانوا من البهائم لكانوا حميراً، ولو كانوا من الطيور لكانوا رخماً.

    أي: أنهم أسوأ الأنواع، فأسوأ البهائم الحمير، والخنازير ما كانت موجودة عند العرب، وهي الآن من أسوأ البهائم، والطيور أسوؤها الرخم عند العرب قديماً.

    فالشاهد: أن هؤلاء الرافضة من أشر الطوائف والعياذ بالله، ومن أشر فتنتهم هو تكفيرهم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وذمهم وسبهم لهم -قبحهم الله-.

    نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لكل خير.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الإقرار بالقوانين الوضعية

    السؤال: هل الإقرار بالقوانين الوضعية واتخاذها منهجاً وشرعاً مع الإقرار بشرع الله سبحانه وتعالى من القلب ولكن لم يتخذ ذلك فعلاً، هل يعد ذلك كفراً مخرجاً عن الملة، أم هو فسوق؟

    الجواب: حقيقة القوانين الوضعية أنها قواعد عامة تطبق، والأصل في تطبيقها على كل الناس، وهذه القواعد العامة تعتبر تشريعات، والتشريع حق لله عز وجل لا يجوز للإنسان أن يدعيه لنفسه، ولا أن يعارض الله عز وجل فيه، فمن شرع شريعة غير شريعة الله مناقضة لها، فهذا لا شك أنه كفر مخرج عن دائرة الإسلام.

    والحقيقة: أن الجدل القائم حول مسألة الاستحلال أو عدم الاستحلال ليست واردة في القوانين الوضعية، فصيغ القوانين الوضعية استحلال صريح، وفيها: يجوز أن يعمل كذا وكذا، ولا يجوز أن يعمل كذا وكذا، فهي صريحة في الاستحلال، والأساس العلمي والعقدي في هذا الباب: هو أن القضايا التي توصف بأنها من الشرك الأكبر، والأدلة الشرعية تدل على أنها من الشرك الأكبر لا يصح أن يقال فيها: بأنه لابد أن يستحل؛ لأن الاستحلال شرط في المعاصي، والأصل فيها أنها لا تكفر، والمقصود بالذنوب والمعاصي: ما كان غير الشرك، مثل: الزنا، وشرب الخمر، والربا، واللواط، وعقوق الوالدين، وترك صلة الأرحام، فهذه المعاصي غير مكفرة إلا إذا استحلها، أي: اعتقد أنها حلال، فإذا اعتقد أنها حلال فهذا معارض ومكذب لشريعة الله عز وجل، فيكون الأمر باتفاق الأئمة، أما الأعمال الشركية التي تخرج من الملة فلا يصح أن يقال: إنه يشترط لها الاستحلال.

    فلا يصح مثلاً أن يقال في عابد الصنم: لابد أن يستحل حتى يكفر، وعبادة الصنم في حد ذاتها شرك مخرج من الملة، وهكذا القول في مسألة الاستغاثة بغير الله، والذبح لغير الله، والتعبد لغير الله عز وجل، وكل هذه لا يشترط فيها الاستحلال.

    لكن هناك مشكلة تقع عند بعض طلاب العلم في مسألة الاستحلال، وأحياناً تكون متعلقة بالمعين، وأحياناً تكون مجردة عن المعين، وإذا بحثناها باعتبارها قضية عقدية مجردة عن المعينين نقول: الأعمال التي توصف بأنها شرك أكبر لا يشترط فيها الاستحلال، لكن إذا ربطت القضية بالمعينين فلا نقول: إنه يشترط فيها الاستحلال، فالمعين إذا تلبس بعمل كفري فإنه لا يكفر حتى توجد عنده الشروط، وتنتفي عنه الموانع.

    فمسائل التكفير مسائل دقيقة، ومسائل تحتاج إلى علم، ولا يصح للإنسان أن يتساهل فيها، وأن يكفر، وأن يجتهد في هذه المسائل، وكثير من الناس مع الأسف ليس من أهل العلم، وليس مشتغلاً به، ومع هذا يشتغل بتكفير الناس بألفاظ مجملة، وبطرق غريبة، إلى درجة أنهم وصلوا إلى تكفير أهل العلم وأهل الفضل من المسلمين، ولا شك أن هذا خطير جداً: فإن الإنسان إذا قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما -والعياذ بالله- فإنها إن لم تقع عليه رجعت على القائل، ثم إن الله عز وجل لم يطالبنا بالحكم على الناس وعلى الدول، هل هي كافرة أو ليست بكافرة؟ ولسنا مطالبين بالحكم على الكفار، هل هم كفار أو ليسوا بكفار؟ ولسنا مطالبين بالحكم على الأشخاص، هل هم كفار أو ليسوا بكفار؟

    وتتبع الناس بالتكفير ليس من منهج الصحابة رضوان الله عليهم ولا غيرهم، لكن هناك قواعد تضبط هذه المسائل، والمفترض أن يكون طالب العلم بعيداً عن الكلام فيما يتعلق بالمعينين؛ لأن قضايا المعينين حساسة، ويجب علينا أن نحافظ على قواعد أهل العلم في باب التكفير؛ لأن هذه القواعد ليست خاصة بجيلنا، بل هي قواعد عامة تشمل الجيل الذي قبلنا والذي قبله، وتشمل الجيل الذي نحن فيه، وتشمل الأجيال القادمة، لكن المعينين يموتون ويذهبون والدول تسقط وتأتي دول أخرى بدلها، والتصرفات تتغير والناس تتبدل آرائهم وأفكارهم، فلا نعلق قضايا الدين بالمعينين.

    وعلى كل حال: فجملة هذه القضية أن الإنسان لا يجوز له أن يتكلم في هذه المسائل إلا بعلم وعدل، ولا يصح له أن يتكلم بالجهل.

    وهناك صور وألوان من التصرفات الموجودة الآن في واقعنا مع الأسف، فيها كثير من الغلو والإجحاف على الناس، فبعض الشباب مع الأسف يواجهون رجال الأمن بالقتال، ولا يخافون الله عز وجل في أنهم يواجهون مسلمين، فهذا لا شك فيه أنه من الغلو والإسراف، ولا يمكن لمسلم يخاف الله سبحانه وتعالى أن يستحل دم مسلم آخر ويقتله حتى لو كانت عنده شبهة، ولهذا فالإنسان يكون في مثل هذه الفتن -كما قال أهل العلم- خير ابني آدم، عندما قال أحدهما للآخر: لَأَقْتُلَنَّكَ [المائدة:27]، فقال له الآخر: لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ [المائدة:28]، فقتل المؤمن متعمداً عذابه عظيم جداً: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93] فالأمر ليس هيناً، بل يعتبر من كبائر الذنوب، فعندما تجد إنساناً ملتزماً ببعض الواجبات الشرعية وبالسنن، لكنه مفرط في باب عظيم وهو باب قتال المسلمين، فلا شك أن هذا في خطر، وأنه من علامة الخذلان والعياذ بالله، فيجب على الإنسان أن يخاف من الله سبحانه وتعالى، وأن يبتعد عن مثل هذه التصرفات.

    ومع الأسف فإن كثيراً من الشباب يتخذ منتديات الإنترنت مصدراً من مصادر التلقي، فإذا حصلت حادثة في العالم اتجه إلى المنتديات وأخذ الذي يعجبه، وهذا خطأ، فمنتديات الإنترنت ليست مصدراً من مصادر التلقي، فإنه يكتب فيها العاقل والمجنون والضال والمنحرف، ويكتب فيها كل طوائف الناس، وربما بأسماء مستعارة، وبعضهم يتعمد التضليل، ويهدف إليه، ولهذا لا يصح أخذ العقيدة من مثل هذه المنتديات، ويكفي علامة لما فيها من الخطأ والزلل أنهم ينسبون إلى كثير من أهل العلم والفضل كلاماً باطلاً، سواء كان تكفيراً، أو إرجاءً، أو ضلالاً، أو تساهلاً، بل تعدى إلى درجة أنهم اتهموا أهل العلم بالعمالة والمصانعة ونحو ذلك، فكل هذا مما يدلك على أنها خليط.

    وهناك من يكتب في الإنترنت: أنه يجب أن نصوم يوماً؛ لأنه بقي علينا من رمضان ما صمناه، سبحان الله! وكأنه لا يوجد علماء في البلد يفتون، فما عاد يوجد إلا الإنترنت هذا! وبعضها فيها غرابة وشذوذ وانحراف أو تسمى بأسماء الكفار وغير ذلك، فهذا ليس مصدراً، فصيام رمضان يكون ثلاثين يوماً وهو إتمام الشهر، أو تسعة وعشرين يوماً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الشهر هكذا وهكذا.. يعد تسعة وعشرين أو ثلاثين)، وخرجنا من رمضان برؤيا، فقد أثبتها مجلس القضاء الأعلى بشهود، فماذا يحتاج الإنسان بعد ذلك؟ فينبغي للإنسان ألا يجعل قلبه محطاً للشبهات، وإذا رأيت الإنسان يطعن في أهل العلم ويتكلم فيهم، وشغله الشاغل هو تكفير الناس فاعلم أنه على غير هدى، ويجب على طالب العلم أن يكون متزناً في تصرفاته وآرائه وأفكاره، حتى يكون الكلام الذي يتكلم به صحيحاً ومقبولاً.

    ومن أبرز صفات طالب العلم التي ينبغي أن تكون فيه: التوازن، فالتوازن صفة أساسية ينبغي أن تكون في طالب العلم، وتجد بعض الأخيار الطيبين مندفعاً متحمساً لأي أمر من الأمور التي هي ربما تكون من الأعمال المستحبة، لكنه مفرط في كثير من الأعمال الواجبة، فتجده عاقاً لوالديه مثلاً، أو يتساهل في أموال الناس، فيستدين من الناس ولا يسدد ديونهم، أو أنه غير عفيف اللسان، وبكل بساطة يتهم شخصاً بأي تهمة من التهم، أو أن عنده مشكلة أخلاقية في تعامله مع أصدقائه وزملائه ومع إخوانه، وهذا يدل على نقص عند هذا الشخص يجب أن يعيد ترتيب نفسه بشكل صحيح، وأن يتمثل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] ومعنى السلم هنا: الإسلام، وادخلوا فيه كافة، أي: ادخلوا في شرائعه جميعاً، ولا يأتي الإنسان جانباً منها ويضخمه ويهمل جوانب أخرى، بل يدخل في دين الله عز وجل كاملاً، ويجتهد في الإتيان بالواجبات الشرعية وترك المحظورات، ويجتهد في أن يكون مشاركاً في شعب الإيمان المستحبة قدر ما يستطيع.

    والحقيقة: أن مظاهر الغلو وسلوكيات الغلو الموجودة اليوم تدل على أهمية أن يجتهد الإنسان في ترتيبه لنفسه ولعلمه ولفكره ولأخلاقه ولآدابه بالمنهج الشرعي الصحيح، وأن يحدد مصدر التلقي بالنسبة لديه.

    ومصدر التلقي لا يخرج عن حالتين: إما دليل شرعي واضح عندك وتكون من أهل العلم والنظر، وإما أن تستفتي أهل العلم الموثوق بهم، أما أن يكون مصدر الإنسان إذاعة من الإذاعات أو قناة من القنوات أو حركة من الحركات فهذا غير صحيح أبداً، ولا يصح للإنسان أن يكون هذا مصدره، لأن فيها أشخاصاً ليسوا معروفين بالعلم ولا بالفقه في الدين، وأصبحنا نسمع لكلٍ توجيه، فيجب أن يكون الإنسان عارفاً مصدر تلقيه من أهل العلم المعتبرين الذين يتكلمون بأسمائهم الصريحة، أما مجاهيل الإنترنت وما يدور فيها، فلا يصح أبداً أن يتأثر الإنسان به.

    حكم من استهزأ بالدين

    السؤال: هنالك بعض الصحفيين أو المثقفين الذين تكلموا بكلام خطير على أساس الدين، فما حكم ذلك؟!

    الجواب: لا شك أن الكلام المناقض لأساس الدين كفر مخرج عن دائرة الإسلام، فمن استهزأ بالله، أو بالملائكة أو بالأنبياء، أو قال: الله والشيطان وجهان لعملة واحدة! أو قال أشياء من هذا القبيل، فهذا كفر مخرج عن دائرة الإسلام بدون أي شك؛ لأن اليهود والنصارى ربما يستحيون من أن يقولوا مثل هذا الكلام.

    وأما اعتذار الآخرين بأن مثل هذا الكلام يقال في رواية، أو على شخص وهمي موجود في الخيال، فهذا ينقضه أن أصحاب هذه الروايات يصرحون بأنهم هم الذين يتبنون مثل هذه العقائد.

    ومع الأسف فإن في البلاد الإسلامية اليوم الكثير من الأشخاص الذين يتبنون المناهج الغربية، فقد وجد ماركسيون يتبعون ماركس ، وعلمانيون اتخذوا العلمانية منهجاً، ويرون ضرورة الفصل بين الدين والحياة، ويوجد أيضاً أشخاص حداثيون يتكلمون في الأدب، ويوجد الأشخاص الذين يعتبرون الإبداع هو الهجوم على المقدسات، ولا تكون مبدعاً إلا إذا أتيت بالغرائب، وبالهجوم على المقدسات وعلى الله، فمثلاً: الرجل الذي قال: كان الله رماداً.. وهكذا، ثم إذا أحد ناقشه وقال: كيف تقول: كان الله رماداً؟!! هذا كفر، قال: يا أخي! أنت تفهم خطأ، أنا ما أقصد بـ(الله) الذات الإلهية، أنا أقصد بكلمة (الله) رمزاً للطهر والعفاف والصلاح.

    فهل الله رماد؟ وهل الصلاح أصبح رماداً غير موجود؟ وهذا أشبه ما يكون بالتأويلات الباطنية، فهم يفسرون قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67]، فقالوا: المقصود بالبقرة: عائشة ، فهذا أمر من الله عز وجل أن يذبحوا عائشة رضي الله عنها، لكن هذا أمر لم ينفذ، فهؤلاء لا شك أنهم كفار، وهذا العذر ليس عذراً مقنعاً؛ لأنه لو جاء أحد وسبه مباشرة، فقال: يا أخي! لماذا تسبني؟ قال: أنا لا أسبك، أنا أسب الرمز الذي هو اسمك، فهذا لا يقبل أصلاً وعقلاً، وإلا لو كان هذا الكلام مقبولاً، فكل الخطابات تصبح رمزية العبودية، ومعناها: الحرية، وأي إنسان يستطيع التعامل بالأسلوب فهذا ليس له قواعد، وليس له شيء منضبط، فهؤلاء هم الزنادقة.

    والزنادقة قديماً كانت تعرف زندقتهم من خلال الكلام الذي يتكلمون به، والواجب هو جهاد هؤلاء، بالرد عليهم ومناصحتهم وشكواهم إلا ولاة الأمر، والاتصال بالمحاكم، والواجب تجاه الذي يعترض على قاعدة من قواعد الدين وهي الولاء والبراء: أن ننصحه ونذكره بالله، أو أن نتصل بأهل العلم، ونرفع عليه قضية إلى المحكمة، ونطالب بتطبيق الحد الشرعي عليه، أو أن يتوب عن هذا الكلام الذي تكلم به، بشرط: أن يكون الكلام واضحاً وصريحاً في الموضوع.

    ويجب علينا أن نتصل أو نكتب إلى ولاة الأمر، للأخذ على يد هذا السفيه، فهذا هو التعامل الصحيح مع مثل هذه الحالات، والله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [التحريم:9]، وجهاد الكفار يكون بقتالهم في معارك مفتوحة معهم، ويكون في قدرة المسلمين أن يقاتلوا الكفار.

    والحالة الثانية: جهاد المنافقين بالدعوة وبالإصلاح، وبكشف أباطيلهم وعقائدهم الضالة، وبالاحتساب عليهم عند ولاة الأمر وشكواهم في ذلك، هذا هو الصحيح في التعامل مع هذه القضية، وما يدور الآن في الإنترنت من كثرة الاغتيالات أو غيرها، فهذه كلها أفكار غلو مخالفة للمنهج الصحيح في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه بهذه الطريقة سيضيع الحق مع الباطل، وبهذه الطريقة يكون هناك افتئات على القضايا العامة، والسياسات العامة التي تكون من سلطات ولي الأمر مما لا يصح للإنسان أن يقوم بها بنفسه، فلو أن إنساناً رأى زانياً فقام بجلده، فهذا غير صحيح، ولو رأى سارقاً فقطع يده، أو مرتداً فقتله، فهذه كلها يسميها العلماء في كتب الفقه (الافتئات على ولي الأمر) أي: دخول الأفراد العاديين في مسئوليات تتعلق بهيئات موجهة من ولاة الأمر في هذا الموضوع، وكأنه نصب نفسه قاضياً ثم منفذاً، ولو كانت القضية بهذا الأسلوب لما كان هناك قضاء جهة تنفيذ، ولاختلط الحابل بالنابل، فأي شخص يتهم شخصاً ثم يقوم بتنفيذ الحكم عليه باجتهاده فقد ضيع الحقوق بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب، بل إن العلماء يقولون: لو أن شخصاً قتل أخاك فقتلته، فإن القاضي يحكم في هذه المسألة بألا تقتل، باعتبار أنك أخذت بدم أخيك، لكن يصح لولي الأمر أن يعاقبك بهذه المسألة باعتبار أنك افتأت على ولي الأمر وأقمت الحد عليه دون إذن منه، وهذا الذي يسمونه الآن في الاصطلاح بـ(الحق العام)، فيقسمون الحقوق إلى قسمين: حق عام، وحق خاص، والحق الخاص: هو المتعلق بك، والحق العام: يكون المسئول عليه الدولة وولاة الأمر، فلا يصح للإنسان أن يقوم بتقمص شخصية قاضٍ فيحكم، أو بتقمص شخصية ولي الأمر فيأمر وينهي في هذا الباب ويقوم بتنفيذ الحدود؛ لما يترتب على هذا من الفتنة الكبيرة والخطيرة، ولما يترتب عليه من دخول أصحاب الأغراض الخاصة، فيأتي لص من اللصوص ويقتل شخصاً، ويقول: هذا سب الله قدامي فأقمت عليه الحد، فهذا غير صحيح وغير منطقي أبداً.

    نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وصل الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017292873

    عدد مرات الحفظ

    724033014