إسلام ويب

رسالة العبودية [4]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أصل كل بدعة وضلالة تقديم القياس أو العقل على النص المنزل من عند الله عز وجل، ولهذا خرجت الصوفية وغيرهم من الفرق الضالة عن الصواب، وضلوا وأضلوا غيرهم بقولهم: إن مرحلة اليقين هي: شهود الحقيقة الكونية، فأسقطوا عن أنفسهم التكاليف، مع أنه معلوم أن الأنبياء وهم خير الخلق لم تسقط عنهم التكاليف، وسبب اعتقاد الصوفية الفاسد هو تقديم الضلالات على الكتاب والسنة.

    1.   

    أصل ضلال غلاة الصوفية الذين يشهدون الحقيقة الكونية دون الشرعية ويعطلون الأوامر والنواهي

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين..

    أما بعد:

    فقد انتهينا في الدرس الماضي من الكلام حول الذين يشهدون الحقيقة الكونية من أهل التصوف، وبيّنا ما في عقائدهم من الضلال والانحراف، واليوم نكمل إن شاء الله بقية هذا الموضوع بإذن الله تعالى.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأصل ضلال من ضل إنما هو بتقديم قياسه على النص المنزل من عند الله، وتقديم اتباع الهوى على اتباع أمر الله؛ فإن الذوق والوجد، ونحو ذلك هو بحسب ما يحبه العبد، فكل محب له ذوق ووجد بحسب محبته].

    كل الضلالات والبدع والانحرافات أساسها: تقديم أصل من أصول الضلال على اتباع الكتاب والسنة، وأساس الحق: هو اتباع الكتاب والسنة، فأهل الكلام ضلوا عندما قدّموا العقل على النصوص الشرعية، والصوفية ضلوا عندما قدّموا الذوق والوجد والكشف على النصوص الشرعية.

    و الشيعة ضلوا عندما قدموا الإمام وقول الإمام على النصوص الشرعية، والمتعصبون من أهل المذاهب الذين يتبعون كلام الأئمة، حتى ولو خالفوا النصوص ضلوا أيضاً بسبب تقديمهم لقول الإمام على الكتاب والسنة، والهداية إنما تكون باتباع الكتاب والسنة، واتباع النص الشرعي من كلام الله سبحانه وتعالى، أو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، والآيات والأحاديث الواردة في باب طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    واتباع ما جاء في القرآن واتباع ما جاء في كلام النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، حتى إن بعض أهل العلم أوصلها إلى التسعين آية في هذا الباب.

    تقديمهم للذوق والوجد على النص الشرعي

    قال رحمه الله: [فأهل الإيمان لهم من الذوق والوجد مثل ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الصحيح: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً).

    وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فكل بحسبه..]

    مُراد الشيخ هنا: هو أن الصوفية قدموا أذواقهم على النص الشرعي، والحقيقة أن الذوق هو بحسبه؛ فأهل الإيمان من أهل العقيدة الصحيحة لهم ذوق خاص، لكن هذا الذوق يكون باتباع الكتاب والسنة، وفي الحديث: (من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان) فله طعم وله حلاوة وله ذوق خاص، لكن هذا الذوق الوارد في الأحاديث الصحيحة ذوق في اتباع الكتاب والسنة.

    وأما أهل البدع فلكل مبتدع ذوقه الخاص، فإذا كانت هذه الأذواق توضع كعقبات دون اتباع الكتاب والسنة فهذا هو الضلال المبين.

    قال: [قيل لـسفيان بن عيينة : ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟ فقال: أنسيت قوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [البقرة:93] أو نحو هذا من الكلام.

    فعباد الأصنام يحبون آلهتهم كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165] وقال: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [القصص:50] وقال: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم:23] ولهذا يميل هؤلاء إلى سماع الشعر والأصوات التي تهيج المحبة المطلقة التي لا تختص بأهل الإيمان، بل يشترك فيها محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب المردان ومحب النسوان؛ وهؤلاء الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة].

    يعني: الصوفية من الأمور التي ينمي الذوق عندهم: هو سماعهم للأناشيد والغناء، وتلذذهم بالأصوات الحسنة، وتعلقهم بهذا الأمر، مع أن هذا الأمر ليس من الأمور التي يبنى عليها مدح أو ذم، فجمال الصوت أو جمال الصورة ونحوها من الأمور الدنيوية لا يترتب عليها مدح في ذاتها، وإنما يكون المدح باتباع الكتاب والسنة.

    ولهذا أشغلهم السماع، والتعبد بسماع الأصوات والتعلق بها عن سماع كتاب الله عز وجل وقراءته وتدبره فضلاً عن حفظ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والتفقه فيها.

    وهناك كتاب لـابن القيم رحمه الله كبير، اسمه السماع تحدث فيه عن هذه البدعة التي جاء بها الصوفية وهي: تلذذهم وتعلقهم بسماع الأصوات والطرب، والتعلق بالأغاني والأناشيد، وقد يستخدمون فيها الطبل، وقد يستخدمون فيها المزامير، وقد يكون الشخص المغني أو الشخص الذي يقوم بهذا الإنشاد فاسقاً، إلا أنهم يفضلونه ويعظمونه ويرون أنه مقدم عندهم.

    إذاً: هؤلاء ابتعدوا كثيراً عن الكتاب والسنة، سواءً في الوسيلة أو في الغاية أو في الذوق الناتج عن هذه الأعمال التي يقومون بها، فعباداتهم ليست كعبادات المسلمين المعروفة من الصلاة والصيام والتعلق بما عند الله عز وجل، والتوكل على الله ومحبته، وإنما هي أصوات وطرب وغناء ورقص يتعبدون لله عز وجل بها، وهذا ابتداع ولا شك؛ ولهذا أوصلهم إلى هذه العقائد المضلة.

    والغناء له جانبان:

    * جانب يقوم به أهل الفسق، وهذا الجانب الذي يقوم به أهل الفسق هو الغناء المعروف الذي يتحدث عن غزل النسوان والتعلق بهن... ونحو ذلك، ويستخدمون فيه المعازف وآلات الطرب.

    * وهناك نوع آخر من الغناء يقوم به الصوفية يتعبدون لله به، يجتمعون فيما يسمى بالحضرة، يرقصون ويطبلون ويغنون، وقد يصبح عند بعضهم شطح، فيتكلم بكلام لا يعقله، وقد يكون هذا الكلام فيه ردة وكفر، والعياذ بالله يتعبدون لله بهذه الطريقة، ويتركون العبادات الشرعية من الصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن وحفظ الحديث ودراسة العلم ونحو ذلك من الأعمال الفاضلة والطيبة.

    قال: [فالمخالف لما بعث الله به رسوله من عبادته وحده، وطاعته وطاعة رسوله! لا يكون متبعاً لدين شرعه الله أبداً، كما قال تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية:18-19] بل يكون متبعاً لهواه بغير هدى من الله، قال تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]].

    يشتغلون بالبدع ويخترعون عبادات، ويتصورون أن هذه العبادات تقربهم إلى الله عز وجل، وهي تبعدهم عن الله؛ لأن الله عز وجل لا يقبل من العبادات إلا ما شرعه، وإلا ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: [وهم في ذلك تارة يكونون على بدعة يسمونها: حقيقة! يقدمونها على ما شرعه الله، وتارة يحتجون بالقدر الكوني على شريعة الله، كما أخبر الله عن المشركين كما تقدم].

    إذاً: هم يعطلون الشريعة لا يعملون بها أحياناً بسبب مخالفتها لما يسمونه حقيقة، وبسبب الذوق الذي توصلوا إليه، وأحياناً يعطلونها بأنهم يرون أن قدر الله عز وجل مانع منها؛ فهؤلاء والعياذ بالله حرموا أنفسهم من هذا الروح وهذا النور الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على رسله.

    1.   

    مرتبة التاركين لما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة كالتوكل ونحوه

    قال رحمه الله تعالى: [ومن هؤلاء طائفة أعلاهم عندهم قدراً وهم مستمسكون بما اختاروا بهواهم من الدين في أداء الفرائض المشهورة واجتناب المحرمات المشهورة، لكن يضلون بترك ما أمروا به من الأسباب التي هي عبادة، ظانين أن العارف إذا شهد القدر أعرض عن ذلك، مثل من يجعل التوكل منهم أو الدعاء، ونحو ذلك من مقامات العامة دون الخاصة، بناء على أن من شهد القدر علم أن ما قًدر سيكون، فلا حاجة إلى ذلك، وهذا ضلال مبين وغلط عظيم، فإن الله قدر الأشياء بأسبابها، كما قدر السعادة والشقاوة بأسبابهما، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلق للنار أهلاً، خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم، وبعمل أهل النار يعملون)، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بأن الله كتب المقادير فقالوا: يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: (لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة، فسييّسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيييّر لعمل أهل الشقاوة).

    فما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة، والتوكل مقرون بالعبادة، كما في قوله تعالى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123] وفي قوله: قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:30] وقول شعيب عليه السلام: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]].

    هذه الطائفة مختلفة عن الطائفة السابقة؛ فالطائفة السابقة لا تعمل شيئاً من الواجبات ولا تترك شيئاً من المحرمات، وإنما هم يسيرون حسب أهوائهم ويعتقدون أن هذا الهوى الذي يسيرون عليه، هو ما أراده الله عز وجل لهم، وهو ما أوجبه عليهم وهو مقتضى القدر الكوني، وهؤلاء جبرية كما سبق أن أشرنا إليه.

    لكن هذه الطائفة مختلفة، هذه الطائفة مسلمة تأتي بالأمر وتترك النهي، يعني: تأتي بالفرائض وتترك المحرمات، لكن المشكلة التي وقعت عندهم وقعت في الأسباب، فهم يعتقدون أن التوكل على الله عز وجل يقتضي ترك الأسباب وأنك إذا كنت متوكلاً على الله عز وجل، فإنك تترك هذه الأسباب، ولا تقوم بها؛ ولا شك أن هذا قول باطل، فهم متناقضون في هذا.

    فالأسباب نوعان:

    أسباب طبيعية، وأسباب شرعية.

    فالأسباب الشرعية هي: الإتيان بالواجبات وترك المحرمات، فالإتيان بالواجبات وترك المحرمات من أسباب السعادة في الدنيا والفلاح ودخول الجنة في الآخرة، وهي سبب للبعد عن النار.

    وهؤلاء جاءوا بالأسباب الشرعية، لكنهم يتركون الأسباب الطبيعية؛ ظناً منهم أن هذا هو التوكل على الله عز وجل، ولا شك أن هذا باطل، وأن هذا خطر كبير؛ فالتوكل لا يعارض العمل، ولهذا فإن الأحاديث التي استدل بها الشيخ يلاحظ أن الصحابة قالوا: أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فقال: (اعملوا، فكل ميسر لما خلق له) فالعمل لا يتعارض مع القدر المكتوب؛ فالقدر المكتوب غيب لا يعلمه إلا الله عز وجل، والمطالب به الإنسان في الدنيا هو العمل، فالله عز وجل أمره ليعمل ونهاه ليعمل، وفق ما أراد الله عز وجل من ترك المحرمات، فترك المحرم عمل كما أن فعل الواجب عمل.

    ولهذا ربط الله عز وجل بين التوكل الذي هو: التفويض، وبين العبادة التي هي: العمل فقال: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123] وهذا فيه إشارة عظيمة إلى أن التوكل الذي يفهمه هؤلاء ليس هو التوكل الشرعي.

    فالتوكل الشرعي يقتضي التفويض لله عز وجل مع العمل؛ ولهذا قال: فاعبده ولو كان التوكل يقتضي ترك العمل لما اقترنت العبادة بالتوكل، ولكان التوكل معنى سلبياً يدل على ترك جميع الأسباب الطبيعية، والأسباب الشرعية.

    ولا شك أن الأسباب مخلوقة لله عز وجل، وأنها لا تمضي ولا تتحقق في الواقع، إلا بعد مشيئة الله عز وجل وإرادته، فالسبب ليس خالقاً، وإنما هو وسيلة خلق الله عز وجل المخلوقات وتدبيرها، خلق الله عز وجل الزرع بالمطر، وجعل السكين سبباً في القتل، وجعل الماء سبباً في الري، وجعل الأكل سبباً في دفع الجوع، وجعل العمل الصالح سبباً في دخول الجنة، وجعل ترك المحرمات سبباً في البعد عن النار، وجعل فعل المحرمات سبباً في دخول النار، فهذه أسباب طبيعية وشرعية خلقها الله عز وجل في الكون، والواجب هو أن يأتمر الإنسان بأمر الله عز وجل فيها، فيبتعد عما نهاه عنها، ويفعل ما أمره بها، وإذا كانت هناك أسباب طبيعية، يدفع هذه الأسباب التي قد تضره بالأسباب الأخرى التي تنفعه، وقد سبق أن ذكرنا القاعدة النفيسة التي ذكرها الشيخ عبد القادر الجيلاني عندما قال: نحن ندفع قدر الله بقدر الله، وهذه من أعظم القواعد الشرعية في هذا الباب.

    1.   

    مرتبة التاركين للمستحبات دون الواجبات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنهم طائفة قد تترك المستحبات من الأعمال دون الواجبات، فتنقص بقدر ذلك].

    وهذه الطائفة الرابعة أحياناً قد تترك المستحبات من الأعمال، ظناً أن هذا من التوكل، لكن الواجبات تقوم بفعلها، فهذا نقص وفهم فاسد للتوكل ونقص في التعبد لله عز وجل.

    1.   

    مرتبة المنشغلين عن العبادة بخوارق العادات

    قال: [ومنهم طائفة يغترون بما يحصل لهم من خرق عادة مثل مكاشفة، أو استجابة دعوة مخالفة للعادة العامة، فيشتغل أحدهم بهذه الأمور عما أمر به من العبادة والشكر، ونحو ذلك؛ فهذه الأمور ونحوها كثيراً ما تعرض لأهل السلوك والتوجه، وإنما ينجو العبد منها بملازمة أمر الله الذي بعث به رسوله في كل وقت.

    كما قال الزهري : كان من مضى من سلفنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة.

    وذلك أن السنة كما قال مالك رحمه الله: مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق].

    هذه الطائفة مختلفة عن الطوائف السابقة، وهذه الطوائف الخمس تشترك في مقسم واحد وهو شهود الحقيقة الكونية، أحياناً يكون شهودهم للحقيقة الكونية يدفعه لترك العمل كله، أحياناً بترك جزء من العمل، وأحياناً يدفعه إلى فهم القدر بوجه غير صحيح، وأحياناً يدفعه لترك المستحبات كما في الطائفة الرابعة، وأحياناً شهود الحقيقة الكونية مع التعلق بشيء من الكرامات، كخرق عادة أو مكاشفة سواءً علمية أو عملية، يدفعه ذلك للانشغال بها عن العبادة الحقيقية؛ فأحياناً الإنسان قد يوفقه الله عز وجل فيحصل له شيء من الكرامات، فبدلاً من أن يحمد الله عز وجل، وأن يشكر الله عز وجل وأن يزيد في العمل الصالح، يشتغل بها ويتعلق قلبه بها، ويفكر فيها في كل وقت، ويجعلها ديدناً له بشكل مستمر، فيترتب على هذا عند هذا الشخص أنه يهمل في الشكر والعبادة، وهذه إحدى مداخل إبليس، ولهذا ذكر ابن الجوزي رحمه الله في (تلبيس إبليس) نماذج كثيرة من تلبيس الشيطان في كل أبواب الخير؛ فهناك تلبيس للشيطان في العلم، وهناك تلبيس للشيطان في العمل، وهناك تلبيس للشيطان في القراءة، وهناك تلبيس للشيطان في الدعوة، وهناك تلبيس للشيطان في كل باب من الأبواب، يأتي الشيطان ليضله في أصل الدين، فإذا لم يستطع أن يضله في باب من الأبواب الواجبة، فإذا لم يستطع يحاول أن ينقص ما عنده من العمل، فإذا لم يستطع يحاول أن يشغله بأمر من الأمور التافهة التي لا قيمة لها، فيشغله عن الأعمال الصالحة، كما حصل في حالة هؤلاء.

    ولهذا لا نجاة ولا فلاح ولا راحة للإنسان، ولا طمأنينة ولا سعادة له، إلا باتباع كلام الله عز وجل، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فاتباع السنة هو النجاة.

    ولهذا شبهها الإمام مالك بأنها سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تركها غرق، وهذا التشبيه تشبيه بليغ، لأن سفينة نوح عندما جاء الطوفان عم الأرض، وقال لابنه: إنه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، ومن نجا هو من كان مع نوح في السفينة؛ وهكذا السنة، من دخل في السنة وعمل بما أمر الله عز وجل به، وأمر به الرسول صلى الله عليه وسلم نجا من الهلاك، ومن ابتدع أياً كانت بدعته كبيرةً أو صغيرة، فإنه في ضلال وهلاك.

    1.   

    حقيقة العبادة الشرعية وأركانها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم..، ونحو ذلك من الأسماء، مقصودها واحد ولها أصلان.

    * أحدهما: ألا يعبد إلا الله.

    * الثاني: أن يعبد بما أمر وشرع، لا يعبد بغير ذلك من الأهواء والظنون والبدع.

    قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]].

    الأصلان موجودان في الآية في قوله: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا [الكهف:110] وصف العمل بأنه صالح، وهو متابعة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الأصل الثاني: ألا نعبده إلا بما أمر وشرع، وقوله: وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110] هذا هو الأصل الأول ألا يعبد إلا الله.

    قال: [وقال تعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:112]].

    وأيضاً الأصلان في هذه الآية: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ، أَسْلَمَ وَجْهَهُ هذا هو الأصل الأول، ألا يعبد إلا الله.

    وقوله: وَهُوَ مُحْسِنٌ هذا هو الأصل الثاني، ألا يعبد إلا بما أمر وشرع، لأن إحسان العمل معناه: الإتيان به على الوصف الشرعي الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء:125].

    فالعمل الصالح: هو الإحسان، وهو فعل الحسنات، والحسنات: هي ما أحبه الله ورسوله، وهو ما أمر به أمر إيجاب واستجاب].

    أما ما كان مخالفاً له فهذا يدل على أنه ليس على ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عليه الصلاة والسلام: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: مردود على صاحبه.

    رد ما كان مخالفاً للكتاب والسنة من البدع والمعاصي

    قال: [فما كان من البدع في الدين التي ليست في الكتاب، ولا في صحيح السنة فإنها -وإن قالها من قالها وعمل بها من عمل- ليست مشروعةً، فإن الله لا يحبها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح، كما أن من يعمل ما لا يجوز -كالفواحش والظلم- ليس من الحسنات ولا من العمل الصالح].

    إذاً: العمل الصالح هو ما كان موافقاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويخرج به أمران:

    * الأمر الأول: العمل السيئ الذي هو معصية، مثل الفواحش والسرقة ونحو ذلك.

    * والثاني: الابتداع، وهو التعبد لله عز وجل على غير طريقة المرسلين.

    قال: [وأما قوله: وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110] وقوله: أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [البقرة:112] فهو إخلاص الدين لله وحده.

    وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.

    وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود:7] قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة].

    يمكن مراجعة الأدلة التفصيلية في الكتب التي تحدثت عن البدع، مثل: كتاب الباعث في إنكار البدع، والحوادث لـأبي شامة ، وكتاب الحوادث والبدع للطرطوشي ، وكتاب الاعتصام للشاطبي ، وأيضاً يمكن أن يراجع شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات) وشرح حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) في جامع العلوم والحكم، فقد نقل الحافظ ابن رجب الحنبلي كثيراً من النصوص في الأصل الأول، وكذلك في الأصل الثاني.

    توجيه عطف بعض الأعمال على العبادة مع أنها داخلة فيها

    قال: [فإن قيل: فإذا كان جميع ما يحبه الله داخلاً في اسم العبادة، فلماذا عطف عليها غيرها، كقوله في فاتحة الكتاب: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123] وقول نوح: اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3] وكذلك قول غيره من الرسل قيل؟!].

    هناك قاعدة في العطف ينبغي إدراكها وهو: أن العطف لا يقتضي التغاير دائماً، وإنما أحياناً يكون العطف يقتضي عطف الخاص على العام، لإبرازه وبيان مكانته، فالعمل من الإيمان، ومع ذلك يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [النساء:57]

    وأيضاً: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] مع أن الصلاة الوسطى من الصلوات أيضاً، وتخصيص الصلاة الوسطى بالذكر لأهميتها ومكانتها.

    قال: [قيل: هذا له نظائر، كما في قوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] والفحشاء من المنكر].

    هذا من أنواع العطف العام على الخاص، وأحياناً يكون العكس.

    قال: [وكذلك قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل:90] وإيتاء ذي القربى هو من العدل والإحسان، كما أن الفحشاء والبغي من المنكر، وكذلك قوله: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [الأعراف:170] وإقامة الصلاة من أعظم التمسك بالكتاب، وكذلك قوله عن أنبياءه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء:90] ودعاؤهم رغباً ورهباً من الخيرات، وأمثال ذلك في القرآن كثير.

    وهذا الباب يكون تارةً معْ كون أحدهما بعض الآخر، فيعطف عليه تخصيصاً له بالذكر، لكونه مطلوباً بالمعنى العام والمعنى الخاص.

    وتارة دلالة الاسم تتنوع بحال الانفراد والاقتران، فإذا أفرد عمَّ، وإذا قرن بغيره خص، كاسم الفقير والمسكين، لما أفرد أحدهما في مثل قوله: لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:273] وقوله: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [المائدة:89] دخل فيه الآخر، ولما قرن بينهما في قوله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60] صارا نوعين.]

    إذاً العطف أحياناً يقتضي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، وأحياناً لا يقتضي التغاير، إنما له دلالة أخرى، وقد ذكر الشيخ هنا نوعين من الدلالة:

    * النوع الأول: أن يكون الشيء معطوفاً على جزئه، أو معطوفاً الجزء على الذي هو جزء منه، سواءً من عطف الخاص على العام، أو من عطف العام على الخاص، لبيان أهميته ومكانته ومنزلته، والأمثلة السابقة تدل على هذا المعنى.

    * والنوع الثاني: من أغراض العطف أن يكون الاسم أحياناً يقتضي معنى عاماً، وأحياناً يقتضي معنى خاصاً، فإذا أطلق اقتضى معنى عاماً، وإذا قيد اقتضى معنى خاصاً، وهذا كثير في الفقير والمسكين، وفي الإيمان والإسلام، وفي البر والعمل الصالح وفي غيرها.

    قال: [وقد قيل: إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال الاقتران، بل يكون من هذا الباب.]

    هذا معنى آخر، وهو أنه أحياناً يعطف الخاص على العام، ولا يكون أثناء هذا العطف داخلاً في المعنى العام، وإنما يكون مخصوصاً بمعنى يخصه حال العطف، فمثلاً: الذين آمنوا وعملوا الصالحات هنا يمكن أن يستدل بهذه الآية المرجئة الذين قالوا بأن الإيمان يقتضي التصديق، والعمل الصالح خارج عن الإيمان، فردّ عليهم أهل السنة بأحد وجهين:

    * الوجه الأول: أن يقال: إن العمل الصالح هنا جزء من الإيمان.

    والعطف هنا لبيان أهمية العمل الصالح كما سبق في قوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] مع أن الفحشاء من المنكر.

    * وقيل بأن الإيمان أحياناً يطلق بمعنى عام يشمل العمل، وأحياناً يطلق بمعنى خاص يقتضي إيمان القلب فقط، فيكون في هذه الآية: الذين آمنوا وعملوا الصالحات الإيمان يقتضي إيمان القلب فقط.

    وهذا التوجيه أيضاً صحيح لا بأس به.

    قال: [والتحقيق أن هذا ليس لازم قال تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [البقرة:98] وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7].

    وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة: تارة لكونه له خاصية ليست لسائر أفراد العام، كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وتارة لكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم، كما في قوله: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [البقرة:2-4] فقوله: يؤمنون بالغيب يتناول الغيب الذي يجب الإيمان به، لكن فيه إجمال، فليس فيه دلالة على أن من الغيب ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو: الغيب، وبالإخبار بالغيب: وهو ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.

    ومن هذا الباب قوله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ [العنكبوت:45]].

    مع أن إقامة الصلاة مما أوحي من الكتاب.

    قال: [وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [الأعراف:170] وتلاوة الكتاب: هي اتباعه والعمل به، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة:121] قال: يحللون حلاله ويحرمون حرامه، ويؤمنون بمتشابهه، ويعملون بمحكمه، فاتباع الكتاب يتناول الصلاة وغيرها، لكن خصها بالذكر لمزيتها، وكذلك قوله لموسى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14]].

    مع أن إقامة الصلاة من العبادة.

    قال: [وإقام الصلاة لذكره من أجلّ عبادته، وكذلك قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70]، وقوله: اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35]، وقوله: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].

    فإن هذه الأمور هي أيضاً من تمام تقوى الله، وكذلك قوله: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123].

    فإن التوكل هو الاستعانة، وهي من عبادة الله، لكن خصت بالذكر ليقصدها المتعبد بخصوصيتها؛ فإنها هي العون على سائر أنواع العبادة، إذ هو سبحانه لا يعبد إلا بمعونته].

    وهكذا قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] يعني: أساس هذا الكلام والتفصيل في أساليب العطف التي أشار إليها الشيخ: أنه إذا كان العبادة معنى عاماً يشمل جميع الأعمال الصالحة! فلماذا عطف عليها غيرها في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]؟ وفي قوله: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123]؟ وفي قوله: اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3]؟

    مع أن تقوى الله، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وطاعة الله عز وجل هي من العبادة أيضاً، فكان هذا الكلام الذي هو عبارة عن تأصيل لموضوع العطف ودلالته؛ فالعطف أنواع، ودلالات العطف أيضاً أنواع، وإذا عرف الإنسان هذه الدلالة، عرف الحقائق الشرعية، وعرف الكلمات الشرعية، وهي التي تسمى: المصطلحات، فمعرفة المصطلحات الشرعية معرفتها من الأمور المهمة وتحرير هذه المصطلحات أيضاً من الأمور المهمة.

    كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله مدة بقائه في الدنيا

    قال: [إذا تبين هذا فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية، ازداد كماله وعلت درجته، ومن توهم أن المخلوق يخرج من العبودية بوجه من الوجوه أو أن الخروج عنها أكمل! فهو من أجهل الخلق، بل من أضلهم قال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:26-28]].

    هذه قاعدة في باب العبودية، وهو: أن العبودية ملازمة للإنسان منذ التكليف إلى الوفاة، وأن الإنسان مهما تقلب في الأعمال الصالحة، وفي التعبد لله عز وجل، فإنه سيظل عبداً لله حتى يموت، مهما وصل من الدرجات في العبادة، ولهذا يعتبر الصوفية من أبرز الناس عناية بمراتب التعبد وبدرجات التعبد ومقامات التعبد، وكما سبق أن الصوفية أنواع وليس نوعاً واحداً.

    منهم من جعل التعبد أمراً سلبياً يقتضي ترك التدين لله عز وجل، ويقتضي الفساد في الأرض، وهؤلاء أمة ضالة منحرفة.

    وهناك من الصوفية من اشتغل في العبادة لله عز وجل، ولكن مع هذا الاشتغال شيء من الانحراف، سواءً في الوسائل أو في المقاصد، أو سواءً في الدلائل أو في المسائل، يقعون في شيء من الانحراف، ولهذا قد يجتهد بعضهم ويرتب مقامات متعددة للعبادة هي ليست بلازمة.

    وهناك من أهل السنة من اجتهد في وضع مقامات للعبادة، بعضها من الأعمال الصالحة التي نص عليها في الكتاب والسنة، وبعضها من المنازل التي هي عبارة عن نتائج للأعمال الصالحة، وقد اختلف العلماء الذين كتبوا في السلوك في هذا الباب اختلافاً واسعاً وكبيراً.

    وهناك تحقيق رائع لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في كتابه التحفة الإعراقية، يقول فيه: إن ترتيب المنازل هي أعمال اجتهادية، وأحياناً قد يرتب الإنسان بعض المنازل بحسب ما وصله من العلم أو العمل.

    يعني: ما وصله من العلم عن الآخرين، أو ما وصله من العمل في نفسه، فيرتبها بطريقة اجتهادية، وبعضهم يأتي ويزيد، وبعضهم يقسم المنزلة الواحدة إلى منزلتين أو أكثر، وبعضهم يضم ثلاث منازل في منزلة واحدة..، وهكذا فهي أمور اجتهادية كالزهد والورع والتعبد، أساسها عند أهل السنة ينشأ من تطبيق الأمر والنهي، يعني: إذا أراد الإنسان أن يصل إلى منزلة عالية في العبودية، وأن يصل إلى منزلة عالية في الإيمان؛ فإنه يبدأ بالأمر والنهي، يبدأ بفعل ما أمر الله به، وترك ما حرم الله سبحانه وتعالى، فكلما زاد ضبطاً لنفسه، وكلما ازداد في العمل الصالح، وكلما ابتعد عن المحرم، ارتفع في الإيمان أكثر وأكثر، حتى يصل إلى درجات قد لا يصلها كثير من الناس، وقد لا يثبت عند هذه الدرجة، بمجرد أن يقع في خلل، قد ينزل به عن هذا المستوى الذي وصل إليه.

    إذاً: أساس العبودية، وأساس المقامات العالية في الإيمان: اتباع الأمر والنهي.

    وأصل اتباع الأمر والنهي: هو العلم بالعبادات الشرعية، ومعرفة وصفها الشرعي ومعرفة كيف يقوم بهذه العبادة، وبناءً على هذا يجتهد في العمل، وحينئذٍ سيصل إلى مقامات عالية في هذا الباب.

    والآيات القادمة كلها تجتمع في معنى واحد وهو: أن كمال المخلوق في التعبد لله سبحانه وتعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:88-95].

    وقال تعالى في المسيح: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59]].

    مع أن الأنبياء هم أعلى الناس تعبداً لله عز وجل.

    قال: [وقال تعالى: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:19-20].

    وقال تعالى: لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:172-173].

    وقال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    وقال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ [فصلت:37-38].

    وقال تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف:205-206].

    وهذا ونحوه مما فيه وصف أكابر الخلق بالعبادة، وذم من خرج عن ذلك متعدد في القرآن، وقد أخبر أنه أرسل جميع الرسل بذلك، فقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

    وقال: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].

    وقال تعالى لبنى إسرائيل: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56] وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة:41].

    وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] وقال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    وقال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر:12-15].

    وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله، كقول نوح ومن بعده عليهم السلام في سورة الشعراء وغيرها: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59].

    وفي المسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري) وقد بين أن عباده المخلصين هم الذين ينجون من السيئات التي زينها الشيطان، قال الشيطان: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:39-40].

    قال الله تعالى: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:41-42]وقال: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82-83].

    وقال في حق يوسف: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24].

    وقال تعالى: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات:159] إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:40].

    وقال: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل:99-100]، وبالعبودية نعت كل من اصطفى من خلقه في قوله: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ [ص:45-47]، وقوله: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:17].

    وقال عن سليمان: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:30] وعن أيوب: نِعْمَ الْعَبْدُ [ص:44].

    وقال عنه: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ [ص:41].

    وقال عن نوح عليه السلام: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3].

    وقال عن خاتم رسله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:1].

    وقال: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن:19].

    وقال: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23].

    وقال: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:10]، وقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان:6]، وقال: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63] ومثل هذا كثير متعدد في القرآن].

    وإنما أطال الشيخ هنا في ذكر الأدلة حول هذه المسألة، وهي أن العبودية مستمرة مع الإنسان إلى موته، وأنه لا حياة للإنسان ولا راحة إلا بها، وأنه وصف بها أكابر الخلق، ووصف بها الأنبياء، ووصف بها من اصطفى من عباده، كل هذا التفصيل الذي ذكره الشيخ هنا، إنما يقصد به بيان حقيقة شرعية مهمة وهي: أن التعبد لله وأن الإسلام لا يمكن في أي وقت من الأوقات أن يسقط عن الإنسان، وهذه قضية مهمة جداً، نحن ربما نقرأ في هذا الكتاب مناقشة الشيخ للصوفية الذين قال بعضهم: إن التعبد قد يوصل الإنسان إلى سقوط التكاليف، لكن أيضاً هناك من يرى سقوط هذه التكاليف بسبب الواقع المعاصر الموجود، ويقول: أن التشابك الدولي الموجود الآن، والواقع المعاصر الآن، يمنع من القدرة على تحكيم الشريعة، وهذه دعوى من دعاوي العلمانيين، وهي تشبه دعوى الصوفية في سقوط التكاليف، فيسقطون تحكيم الشريعة عن الناس، وعن الحكومات، وعن القضاة، وعن كل أحد بسبب الوضع العالمي الذي نعيشه اليوم، والحقيقة أن الشريعة لا يمكن أن تسقط عن الإنسان أبداً، سواء كان حاكماً أو محكوماً، قاضياً أو مقضياً عليه، صغيراً أو كبيراً، لا تسقط الشريعة عنه، ومن اعتقد سقوطها أو أسقطها عن نفسه، فهو مرتد خارج عن دائرة الإسلام.

    1.   

    التعبد لغير الله تعالى

    ثم يتحدث المؤلف عن التعبد لغير لله سبحانه وتعالى، سواءً التعبد المطلق الذي يوصل إلى الشرك الأكبر مثل: عبادة غير الله سبحانه وتعالى، أو أن يكون بنوع من التعبد مثل: الذل، والافتقار، والحاجة إلى الخلق، ونحو ذلك من الأعمال التي لا توصل إلى الشرك الأكبر، وإنما هي من نقص كمال التوحيد الواجب.

    فالقدح في التوحيد نوعان، النوع الأول: قدح في أصل التوحيد، وذلك يكون بالكفر والشرك بالله المخرج عن دائرة الإسلام، والنوع الثاني قوادح في كمال التوحيد الواجب، ويكون ذلك بالشرك الأصغر، مثل التمائم التي لا يعتقد أصحابها فيها أنها تنفع وتضر بذاتها، وإنما يتعلق بها مع أنها ليست سبباً شرعياً ولا طبيعياً، وهذا يعتبر من الشرك، وهو من التعبد لغير الله عز وجل، لكنه ليس تعبداً مطلقاً تاماً، وهكذا الحال في الرقى التي لا يكون فيها استغاثة بغير الله عز وجل، وإنما تكون بالكلمات المجملة والغريبة في المعنى، لكن ليس فيها استغاثة بغير الله، وهكذا الحال في مسألة الغلو في الصالحين، وكل قدح من القوادح في التوحيد وفي عبادة الله عز وجل فإنه لا يخلو من الحالتين السابقة: إما أن يكون قدحاً في أصل التوحيد، أو يكون قدحاً في كمال التوحيد، والقدح في كمال التوحيد أحياناً يكون قدحاً في كمال التوحيد الواجب، ويكون فعله حينئذٍ من الشرك الأصغر أو من المحرم، أو قدحاً في كماله المستحب، كما هو الحال فيمن استرقى أو اكتوى أو خالف أحد الأوصاف الواردة في حديث السبعين ألفاً، الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فالسبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصفهم بقوله: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)، مع أن الاسترقاء والاكتواء ليس محرماً، وإنما هو مكروه، وهكذا سؤال الخلق فيما لا يصل إلى المحرم؛ فهذا يعتبر من القدح في كمال التوحيد المستحب.

    وأحياناً قد يكون الإنسان عنده قدح في التعبد لله، مثل التعلق بما في أيدي الخلق، وعدم التوكل الحقيقي على الله سبحانه وتعالى، كالتعلق بالطبيب عندما يكون الإنسان مريضاً، أو التعلق بصاحب العمل إذا كان الإنسان موظفاً عنده، أو التعلق بالدنيا ومتاعها والخوف من الموت، والتشبث بهذه الدنيا والتعلق بها، والشعور بأن الآخرين يملكون شيئاً من رزقه الذي أعطاه الله عز وجل إياه، أو الخوف من الخلق الذي يمنعه من بعض الأعمال الصالحة، ويمنعه من الدعوة إلى الله، ويمنعه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويمنعه من الإصلاح، وهناك أشخاص يحصل عندهم الخوف من أولياء الشيطان ومن الظالمين، يوصله هذا الخوف أحياناً إلى ترك كثير من الأعمال الصالحة، فيترك الدعوة، ويقول: إنه إذا دعا إلى الله عز وجل فإنه قد يكتب عنه! وقد يلحقه ضرر في عمله أو في ولده أو في نفسه!

    وأكثر هذا وهم، ولو ترتب على ذلك شيء من هذا الأمر، فإنه لا يجوز للإنسان أن يترك ما أوجبه الله عز وجل عليه، وفي إمكانه أن يؤدي هذا الواجب، وإنما يسقط عنه في حال عدم القدرة التامة في فعله، أما في حال إمكان القدرة عليه، لكن لوجود هاجس وخوف عند الإنسان، هذا ينطبق عليه قول الله عز وجل: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175].

    وهكذا الحال في التعلق بالمال والدنيا، جاء في الحديث: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش).

    قوله: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم) هل الإنسان يتعبد للدينار والدرهم عبادة كالصلاة الصيام ونحو ذلك؟ لا، وإنما يتعبد لها بالتعلق بالدنيا، وبالتعلق بالدرهم والدينار، وطلب ما في أيدي الناس، وقد يفعل المحرم لأجلها، وقد يترك الواجب لأجلها، هذا التعلق هو نوع من التعبد لغير الله عز وجل، وإن كانت هذه الأنواع ليست في الحكم الشرعي بمنزلة واحدة، فالذي يتعبد بغير الله ويسجد للصنم أو يتعلق بالأولياء والأضرحة، أو يوالي أعداء الله عز وجل ويحبهم لدينهم..، أو نحو ذلك من الأعمال التي قد توصل إلى الشرك الأكبر، هذا ليس مثل من يسترقي أو يكتوي، أو يقوم ببعض الأعمال التي تنقص عبادته، ويكون هناك جزء من التعبد عنده، مصروف لغير الله عز وجل؛ فهذه في الحكم الشرعي ليست بمنزلة واحدة، لكن يجمعها جميعاً التعبد لغير الله عز وجل، ولو بقدر بسيط.

    ومن التعبد لغير الله: عشق الصور مثلاً أو إنسان يعشق امرأة جميلة مثلاً، أو يعشق غلاماً أمردَ يتعلق به، ويشغله هذا التعلق، وفي كل مكان يفكر فيه! ويجعله هو ديدنه حتى في وقت صلاته! أو في وقت أكله! أو في وقت نومه! وقد يصيبه والعياذ بالله من التعاسة والنكد والشقاء الشيء الكثير.

    والحقيقة: أن أساس العبادة هو المحبة، وعدم المحبة حقيقتها التعلق.

    ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله في غير هذا الكتاب: إن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله، أن تنجذب روح الإنسان إلى الله، يتعلق به في رزقه وفي حياته وفي كل أمر من أموره فإذا انحرف هذا التعلق ولو كان انحرافاً قليلاً حصل له من الشقاء والتعاسة والهم بقدر هذا الانحراف.

    ولهذا جاء في الحديث: (تعس)، وما زال عشاق الصور إلى اليوم يرسمون قلباً، ويرسمون سهماً يخترقه، والنقاط من الدم، ويكتبون: الحب عذاب، هو فعلاً عذاب، وهو عذاب حقيقي في الدنيا قبل الآخرة والعياذ بالله.

    لأن الإنسان -كما قال أهل العلم- ما أحب شيئاً غير الله عز وجل إلا عذب به، وإذا أحب الله سكن قلبه لله عز وجل وتعلق به وانشرح، وشعر بالسعادة وشعر بالحياة تدخل في نفسه، لكن إذا أحب غير الله عز وجل، فإنه يعذب به تعذيباً حقيقياً ليس وهمياً، وإنما تعذيب حقيقي يشعر به الإنسان بقدر تعلقه بهذا المحبوب.

    أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لكل خير، والله أعلم.

    هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016488067

    عدد مرات الحفظ

    723816956