إسلام ويب

دراسة موضوعية [15]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالأنبياء والرسل ركن من أركان الإيمان لا يتم إيمان العبد إلا به، وهم كثر ذكر بعضهم في القرآن وكثير منهم لم يذكروا، وآخرهم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خاتمهم وأفضلهم، وله خصائص ومميزات تميزه عن غيره من الأنبياء عليهم جميعاً الصلاة والسلام.

    1.   

    أخذ العلم عن علماء أهل السنة والحذر من المبتدعة

    ينبغي لطالب العلم أن لا يدرس إلا على صاحب سنة، وأن يبتعد عن التلقي عن أهل البدع، وأن يجتهد في أن تكون دراسته -خصوصاً في مسألة العقائد وما له من ارتباط بها- على يد صاحب عقيدة صحيحة، فإن المبتدعة يجب على المسلمين هجرهم والتحذير مما هم فيه من البدع المضلة؛ لأن البدع أخطر من المعاصي.

    فصاحب المعصية يدفعه الهوى والشهوة لفعل المعصية، وهو يعلم أن هذه معصية، ولهذا إذا وعظ وذكر بالله عز وجل فإنه يعود، فهو لا يتخذ معصيته ديناً، بينما صاحب البدعة يظن أن البدعة التي هو عليها -سواء في باب العقائد أو الأعمال- من الدين، فتكمن الخطورة عندما ينسب الإنسان شيئاً إلى دين الله عز وجل، ويشرع فيه ما ليس منه، ولهذا جاء في الحديث الذي روي مرفوعاً وروي عن بعض السلف من أقوالهم: (أن الله عز وجل لا يقبل توبة صاحب بدعة)، وهذا الحديث له معنيان:

    المعنى الأول: أن صاحب البدعة لا يقبل الله منه هذه التوبة، فيكون هذا الحديث من أحاديث الوعيد العامة.

    والمعنى الثاني: ما أشار إليه الشاطبي رحمه الله في الاعتصام، وهو أن صاحب البدعة لا يمكن أن يتوب من بدعته؛ لأنه يعتقد أنها دين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التلقي عن المبتدع:

    وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وقرأت بخط الشيخ الموفق قال: سمعنا درسه -أي: ابن أبي عصرون - مع أخي أبي عمر وانقطعنا، فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعدُ، فقال: لم انقطعتم عني؟ قلت: إن ناساً يقولون إنك أشعري، فقال: والله ما أنا أشعري، هذا معنى الحكاية. انتهى.

    وعن مالك رحمه الله تعالى قال: لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به.

    فيا أيها الطالب إذا كنت في السعة والاختيار فلا تأخذ عن مبتدع: رافضي أو خارجي أو مرجئ أو قدري أو قبوري... وهكذا، فإنك لن تبلغ مبلغ الرجال صحيح العقد في الدين متين الاتصال بالله، صحيح النظر، تقفو الأثر -إلا بهجر المبتدعة وبدعهم، وكتب السير والاعتصام بالسنة حافلة بإجهاز أهل السنة على البدعة، ومنابذة المبتدعة والابتعاد عنهم، كما يبتعد السليم عن الأجرب المريض، ولهم قصص وواقعات يطول شرحها، لكن يطيب لي الإشارة إلى رءوس المقيدات فيها، فقد كان السلف رحمهم الله تعالى يحتسبون الاستخفاف بهم وتحقيرهم، ورفض المبتدع وبدعته، ويحذَّرون من مخالطتهم ومشاورتهم ومؤاكلتهم، فلا تتوارى نار سني ومبتدع.

    وكان من السلف من لا يصلي على جنازة مبتدع فينصرف، وقد شوهد من العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وتسعة وثمانين من الهجرة رحمه الله تعالى انصرافه عن الصلاة على مبتدع، وكان من السلف من ينهى عن الصلاة خلفهم، وينهى عن حكاية بدعهم؛ لأن القلوب ضعيفة والشبه خطافة.

    وكان سهل بن عبد الله التستري لا يرى إباحة الأكل من الميتة للمبتدع عند الاضطرار؛ لأنه باغٍ؛ لقوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ [البقرة:173] الآية، فهو باغٍ ببدعته، وكانوا يطردونهم من مجالسهم، كما في قصة الإمام مالك رحمه الله تعالى مع من سأله عن كيفية الاستواء، وفيه بعد جوابه المشهور: أظنك صاحب بدعة، وأمر به فأخرج].

    كل هذه الأخبار وما سيأتي نقله هو في بيان أهمية الدراسة على صاحب السنة والحذر من الرواية والدراسة وتعظيم أصحاب البدع، فإن أصحاب البدع إذا عُظِّموا وصارت لهم مكانة ومنزلة في الأمة، فإن الناس سيأخذون عن هؤلاء، وإذا أخذوا عنهم فإنهم قد يتعرضون والعياذ بالله للعقائد المنحرفة الضالة التي عندهم.

    ولا شك أن البدع ليست على مستوىً واحد، فهناك بدع مكفرة وبدع غير مكفرة، وهناك بدع مغلظة وبدع أخف منها، وهناك بدع في الاعتقاد، وهناك بدع في الأعمال، وهناك بدع مركبة من مجموعة آراء وأفعال بدعية، وهناك بدع ليست مركبة وإنما هي بدعة واحدة، فهي ليست على مستوى واحد، وقد جعل الله لكل شيء قدراً.

    فإذا كان الإنسان يتعامل مع مبتدع بدعته كفرية، فإنه سيختلف عن معاملته مع مبتدع بدعته ليست كفرية، وهكذا بالنسبة للمغلظة، وهكذا بالنسبة للبدع في الاعتقاد والعمل، وهكذا بالنسبة للبدع المركبة وغيرها؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون محتاطاً في دينه وفي تعامله، فلكل هذه المسائل ضوابط ينبغي على الإنسان أن يدركها وأن يحرص عليها، والسبب في هجر المبتدع والتحذير منه هو ألا تنتشر بدعته، فإن البدع كالسرطان، إذا تُرِكَت في الأمة فإنها تنتشر أكثر وأكثر حتى تفتك بها.

    وقد مرت على المسلمين فترة غابت فيها السنة عن الناس، إلى درجة أن صاحب السنة أصبح غريباً بسنته، وأصبحت البدعة جزءاً من كيان المجتمع، وأصبح الناس يمارسونها على أنها جزء من الدين، فلم يكونوا يعرفون من العقائد إلا عقائد الأشعرية، وكذلك مر على المسلمين فترة من الفترات لم يكونوا يميزون فيها بين الشرك والتوحيد، بل كانوا يأتون إلى القبور ويدعونها، ويستغيثون بها من دون الله، بل ربما يمر على قطر كامل ومنطقةٍ كاملة ليس فيها عالم واحد من السنة، ولهذا فإن السنة كما قال مالك وغيره: سفينة نوح من ركبها نجا ومن تركها غرق.

    فينبغي للإنسان أن يحرص على السنة في عقيدته، وأن يحرص على السنة في عبادته، وأن يحرص على السنة في عمله، وأن يحرص على السنة في منهجه، وأن يحرص على السنة في مظهره، وأن يحرص على السنة في مخبره، وأن يحرص على السنة في ظاهره وباطنه، وبهذا نكون من أهل السنة المتبعين لها، أما إذا كان حرص الإنسان على السنة حرصاً جزئياً أو يحرص على المظاهر فقط دون العناية بالباطن، فهذا خلل ينبغي أن يعالج، بحيث إن الإنسان يحرص على الظاهر والباطن على السواء.

    1.   

    ذكر ما جاء في النبوات

    الكلام في النبوات يتعلق بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ونبوة بقية الأنبياء، وإثبات هذه النبوة، ويتعلق أيضاً بخصائص النبي صلى الله عليه وسلم وما يترتب على ذلك من القضايا العلمية المشهورة.

    وباب النبوات هو جزء من الإيمان، ولهذا جاء في قول الله عز وجل: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة:285]، فقوله: (رسله) المقصود بها النبوات، وفي حديث جبريل الطويل لما سأله جبريل عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره).

    فالكلام حول الرسل والرسالات وحول النبوات هو باب من أبواب العقيدة، وهذا الباب باب عظيم جداً يتعلق بالمرسلين قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم، وهم كثر، من أبرزهم آدم عليه السلام فقد كان نبياً مكلماً، ونوح وهو أول رسول يرسله الله عز وجل إلى أهل الأرض، ومنهم إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل، يقول الله عز وجل: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف:35]، وأولو العزم من الرسل لم يأت تحديدهم بالنص في القرآن، لكن أهل العلم أخذوا الآيات التي جمع فيها خمسة من أشهر الأنبياء، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن هؤلاء هم أولو العزم من الرسل.

    1.   

    نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

    سيكون حديثنا عن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يعنينا؛ لأن ابن قدامة رحمه الله لم يتحدث عن نبوة الأنبياء السابقين، وإنما تحدث عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

    ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثابتة في باب مشهور عند أهل العلم، وهو باب دلائل النبوة، وأدلة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم أدلة كثيرة جداً، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الجواب الصحيح، يقول: إن نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم قام عليها أكثر من ألف دليل.

    من أبرز دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم

    ومن الأحاديث المشهورة في دلائل النبوة حديث ابن عباس في قصة هرقل ، وهذا الحديث في كتاب بدء الوحي في صحيح البخاري : عندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم برسالة إلى هرقل ، واستدعى هرقل أبا سفيان ومن كان معه من العرب، وجاء بالترجمان وقال: من أقربهم منه نسباً؟ يعني: من محمد صلى الله عليه وسلم، فأشاروا إلى أبي سفيان فقدمه وجعل البقية خلفه، وأمرهم أن يكذبوه إذا كذب، يقول أبو سفيان : ولولا الحياء لكذبت، لكنه لم يستطع الكذب خشية أن يحفظوا عنه كذباً، وكان العرب يعتبرون الكذب عيباً في الرجل، فسأله عن حقيقة هذا النبي، وسأله عن شخصية النبي هل له أحد من أقاربه كان ملكاً، هل هو شخص يريد الغنى والمال، ما هو موضوع دعوته، إلى أي شيء يدعو، وسأله عن أتباعه منهم، وسأله هل يرجع أحد من أتباعه عن دينه.

    ثم استنتج من هذه الأسئلة الكثيرة أن هذا الرجل نبي، وقال: إن صدقتم فيما قلتم فسيملك موطن قدمي هاتين، ولو أني طمعت في أن أخلص إليه لغسلت عن قدميه وشربت مرقتها.

    فهو يعرف أنه نبي، حتى إنه عندما خرج أبو سفيان جمع هرقل وزراءه في دسكرة واحدة، وأطل عليهم من الشرفة، وقال: هل لكم في الفلاح هل لكم في النجاح؛ إنه رسول الله! فحاص الروم كما تحوص الحمر، واتجهوا إلى الأبواب فوجدوها مغلقة، فلما يئس من الإسلام قال: ردوهم علي، ثم قال: إنما كنت أختبر التزامكم بدينكم، فقال أبو سفيان : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة -يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- إنه يخافه عظماء الروم، فنلاحظ أن دلائل النبوة واسعة جداً.

    ومن أبرز دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يدعو إلى شيء شخصي، لم يدعو إلى مجد لذاته، ولم يدع إلى مال، ولم يدع لكسب دنيوي، وإنما كان يدعو إلى الله عز وجل، ويأمرهم بإفراد الله العبادة، وفضائل الأعمال والأخلاق.

    ومن أبرز دلائل نبوته المعجزات الثابتة، مثل الإسراء والمعراج وانشقاق القمر، وكانت تكلمه الأشجار والحصى، ومنها أمور أنه عندما انقطعت بهم المياه أدخل يده فأصبح الماء ينبع من بين أصابعه، حتى إنهم توضئوا وشربوا من الماء جميعاً، وكان عددهم ألفاً وخمسمائة.

    ومن دلائل نبوته إخباره عن المغيبات، فقد أخبر عن أمور غيبية ستقع، ومن ذلك أنه أخبر أن دين الإسلام سيظهر، وسيكون لهُ ملكٌ عظيم، وسيكون له مكان كبير في الأرض، وحصل فعلاً، فسيطر المسلمون على أكثر من نصف الكرة الأرضية، واستطاعوا أن يؤثروا تأثيراً كبيراً في سائر الأمم، وكان لهم مجد عظيم.

    وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن كسرى سيهزم، وأن الله سيمزق ملكه، وفعلاً مزق الله ملكه في زمن عمر بن الخطاب ، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن العلاقة بـكسرى قال: (كسرى نطحة -أو قال: الفرس نطحة أو نطحتان، ولكن الروم ذوات قرون كلما هلك قرن خلفه قرن آخر)، وفعلاً وقع هذا، فالأكاسرة ودين الفرس تمزق تماماً، ولم يعد له وجود، بينما الرومان لم يسقط الصحابة ملكهم بالكلية، وإنما أخذوا كثيراً من المستعمرات التي كانوا يستعمرونها، مثل بلاد الشام ومنطقة الروم التي هي آسيا الوسطى كما يسمونها الآن، وجنوب البحر المتوسط جميعاً، ودخلوا إلى أن وصلوا إلى الأندلس، وكلما هزم جيل من الرومان جاء جيل آخر، وأنتم تلاحظون أن المعركة الآن بيننا وبين الروم، والروم هم النصارى، الذين لهم سطوة ولهم صولة في العالم في هذا الزمان.

    وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سينتشر في الأمة الزنا، وسينتشر في الأمة شرب الخمر، وسينتشر في الأمة أكل الحرام، وأخبر أيضاً عن حقائق في القرآن، والقرآن نفسه أكبر معجزة تثبت نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا القرآن أولاً لم يستطع أحد أن يحاكيه في بلاغته، فالعرب مع قدراتهم ومع بلاغتهم الواسعة، ومع إمكانياتهم الرهيبة في المنطق إلا أنهم ما استطاعوا أن يحاكوا هذا القرآن، ولهذا تحداهم الله عز وجل أن يأتوا بمثله، وتحداهم بأن يأتوا بعشر سور، وتحداهم بأن يأتوا بسورة من مثله، فهم لم يستطيعوا الإتيان بشيء من ذلك، بل لم يتجرءوا ويحاولوا ولو محاولة واحدة؛ لأن العرب قديماً كانوا أصحاب فطنة لم يكونوا عابثين، يعني: لا يأتي الواحد منهم فيحاول أن يعبث ويحاكي فيضحك الناس عليه، وأبرز من حاول أن يحاكي القرآن هو مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة، فبين الله عز وجل كذب دعواه في سلوكه، فقد جيء له برجل مرمود عينه، وسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم بصق في عين علي بن أبي طالب وشفاه الله عز وجل، فبصق مسيلمة في عين هذا المسكين فأعماه الله، وأيضاً سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم بصق في بئر ماؤها غائر، فنبع ماؤها من جديد، فجاء مسيلمة إلى بئر كان فيها ماء قليل، فبصق فيه فذهب ماؤها.

    فكما أن الله عز وجل يأتي بالأدلة لأنبيائه الصادقين، أيضاً يأتي بالأدلة لبطلان أصحاب الكذب والافتراء، ولهذا كلما حاول أن يحاكي أضحك الناس عليه، وكل المحاولات التي حاول أن يحاكي فيها القرآن أضحك الناس عليه، فمحاولاته لا تتضمن معاني بليغة، ولا تتضمن ألفاظاً توصل إلى معانيها بشكل مفيد، وإنما هي محاولات يائسة وعابثة من شخص عابث، ولهذا فإن الإنسان كلما قرأ القرآن ازداد علماً، ولا يمكن للإنسان أن يحيط بمعاني القرآن من كل وجه لما فيه من المعاني العظيمة والبليغة.

    ومن أبرز دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل لا يمكن أن يترك رجلاً يدعي أنه مرسل منه ثم يجمع الناس ويأتي بكلام ينسبه إليه وهو غير صحيح، ثم يفتح له هذه الآفاق العظيمة ويهزم عدوه مع أن عدوه أكبر منه، ويجعل له هذه الفتوحات العظيمة.

    وهناك فرق بين الإنسان الكافر الذي لا يكذب على الله، وبين الكافر الذي يكذب على الله، فالكافر الذي يكذب على الله، وينسب إلى الله عز وجل شيئاً لم يقله، يهلكه الله عز وجل أسرع من الكافر الملحد الذي لا يكذب على الله سبحانه وتعالى.

    على كل حال دلائل النبوة كتب فيها أهل العلم كتباً كثيرة جداً، منهم البيهقي رحمه الله فله كتاب كبير في دلائل النبوة، وأيضاً تحدث عنها أهل العلم في أماكن مختلفة ومتنوعة، وما سبق يكفي في الإشارة إلى هذا الباب.

    بدأ الشيخ ابن قدامة رحمه الله بخصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ألف السيوطي كتاباً كبيراً بعنوان: خصائص النبي، لكن ملأه بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، وملأه أيضاً ببعض الخرافات التي ينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهي غير صحيحة، فينبغي للإنسان أن يميز الصحيح من الضعيف في باب دلائل النبوة، وأيضاً في باب خصائص النبوة.

    1.   

    خصائص النبي صلى الله عليه وسلم

    قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

    [فصل: ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته].

    قوله: (محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين) هذا لا إشكال ولا شك فيه، فهو مما أجمع عليه المسلمون، وقد وصفه الله عز وجل بهذا الوصف في القرآن الكريم، فقال: وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، فهو خاتم النبيين بدون إشكال، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا نبي بعدي)، ومن الغرائب أن رجلاً ادعى النبوة وغير اسمه إلى (لا) وحرَّف الحديث، وقال: إن الحديث ليس نفياً وإنما هو إثبات، فهو يقول: لا، نبيٌ بعدي، يعني: سيأتي رجل اسمه لا فيثبته أنه نبي بعده، وهذا يدل على الخرافات!

    وظهر رجل من المدعين للنبوة اسمه بيان بن سمعان ، وكان من الباطنية، واستدل بقول الله عز وجل: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ [آل عمران:138]، فهم من قوله: بيان، أنه ليس معناها الفصاحة، وإنما اعتبر نفسه هو المقصود في الآية، وقوله: للناس، يعني: رسولاً لهم.

    وقول المؤلف: (سيد المرسلين)، ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأنا أول من ينشق عنه القبر ولا فخر).

    هذا لا شك فيه، فإن من أصول الإسلام أن يؤمن الإنسان برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول الله عز وجل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    وأجمع المسلمون على أن من كفر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم فهو ليس بمسلم، ولهذا من صحح دين النصارى أو دين اليهود الذين لا يؤمنون بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر خارج عن دائرة الإسلام.

    ومع الأسف يوجد بعض الكتبة من الصحفيين الجهال من يصحح أديان اليهود والنصارى، ويقول: هل تتصورون أنه لا يدخل الجنة إلا المسلمون حتى لو كان بعضهم حمقى وأغبياء؟ وأن أذكياء الكفار مثل فولتير وغيره من المشهورين والعباقرة يدخلون النار؟! وهذا من سوء فهمه وضعف تدبيره، فإن الله عز وجل أخبر أنه لا يمكن لأحد أن يدخل الجنة حتى يكون مؤمناً، ولا يمكن أن يكون مؤمناً حتى يؤمن بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الفيصل بين المسلمين والكفار، فالفيصل بين المسلمين والكفار أمران:

    الأمر الأول: توحيد الله عز وجل، فالمشرك لا يدخل في الجنة وليس بمؤمن.

    والأمر الثاني: إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فالكافر بها لا يمكن أن يكون مؤمناً ولا مسلماً ولا يدخل الجنة.

    وقوله: (ويشهد بنبوته)، هذه تابعة للتي قبلها.

    قال: [ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته].

    وهذا سبق أن أشرنا إليه في باب الشفاعة، ففي حديث أبي هريرة الطويل في باب الشفاعة أنهم يأتون إلى آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ويطلبون منهم الشفاعة لفصل القضاء، ثم كل واحد منهم يعتذر، ثم يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: (أنا لها، ثم يذهب ويسجد عند الله عز وجل، ثم يقول الله له: ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع).

    قال: [ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته].

    وهذا ثابت أيضاً في الحديث الصحيح: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا)، فلا يمكن أن يدخل الجنة أحد إلا إذا جاء النبي صلى الله عليه وسلم واستفتح، فيفتح له الملك ويقول: لك أمرت أن أفتح، وأول أمة تدخل الجنة هي أمة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ثابت كما سبق أن أشرنا إليه.

    قال: [صاحب لواء الحمد].

    هذا جاء في الحديث: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، قال: وأنا صاحب لواء الحمد، والأنبياء والصالحون تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر).

    قال: [والمقام المحمود].

    وهذا الذي أخبر الله عز وجل عنه، يعني: أن له المقام المحمود يوم القيامة، والمقصود بالمقام المحمود الشفاعة عندما يشفع للناس في فصل القضاء، قال تعالى: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79].

    قال: [والحوض المورود].

    الحوض المورود سبق أن أشرنا إليه، والحقيقة أن الحوض ليس من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، فلكل نبي من الأنبياء حوض، وكل يتباهى بكثرة الواردين عليه، لكن أكثر الواردين هم على حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وحوض النبي صلى الله عليه وسلم أكبر من بقية أحواض الأنبياء الأخرى، وأعظم وأكثر وروداً يوم القيامة.

    قال: [وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم].

    جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يبعثه إماماً للنبيين، وخطيبهم وصاحب شفاعتهم، يعني: نفس النص وارد في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [وأمته خير الأمم].

    كما قال الله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، فأمته خير الأمم بالإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخير الأمم من حيث إنهم أكثر الأمم اتباعاً للرسل؛ وخير الأمم لأنهم أكثر تصديقاً وأكثر التزاماً وأكثر خوفاً من الله سبحانه وتعالى، ولهذا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكثر أهل الجنة، فهم أكثر من نصف أهل الجنة، بل يزيدون على نصف أهل الجنة، وهذا يدل على فضيلة هذه الأمة، فهذه الأمة أمة مصطفاة وأمة مرحومة ولله الحمد، وهي وإن كانت آخر الأمم، إلا أنها من خير الأمم ومن أفضل الأمم، ومن أكثر الأمم طاعة، ومن أكثر الأمم رجوعاً إلى الله عز وجل، ومن أكثر الأمم علماء، ومن أكثر الأمم اتباعاً للمرسلين، ومن أكثر الأمم إنصافاً، ومن أكثر الأمم عدلاً.

    فلا يمكن أن توجد أمة من الأمم كهذه الأمة المرحومة ولله الحمد، لكن هذه الأمة أجيال، فقد يكون جيل من الأجيال بعيداً عن الله عز وجل، فقد يعذبه الله عز وجل بذنوبه كما تلاحظون في أجيالنا هذه فيسلط علينا الكفار، ويسلط علينا الأعداء، ويسلط علينا الفرقة والاختلاف والخصومة التي عذب الله عز وجل بعض الأمم بها، قال تعالى: فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ [المائدة:14] والعداوة والبغضاء من أعظم وسائل العذاب والعياذ بالله.

    ولهذا يتبين فضل هذه الأمة بحجمها كلها، ففيها الصديقون وفيها الشهداء، وفيها الصالحون، وفيها الزهاد، وفيها العباد، وفيها المجاهدون، وفيها العلماء، وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وفيها من كل الخير ولله الحمد، ولكن ينبغي للإنسان أن يدرك أن لا يكون هذا من أسباب الركون إلى الأماني، وإنما ينبغي أن يدفعه هذا للعمل أكثر.

    فهذه الأمة كما تعلمون أمة مرحومة ولله الحمد، والإسلام سينتصر بدون شك، ولهذا يقول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33]أن ، ويقول الله عز وجل: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8].

    ومن علامات الرحمة بهذه الأمة أن الله حفظ كتابه، فكتابه لا يمكن أن يحرف، ولا يمكن أن يبدل ولا يمكن أن ينقص منه حرف واحد، ومن نعمة الله عز وجل أن الله جعل في هذه الأمة حفظة لهذا الكتاب يحفظونه عن ظهر قلب، ويتسلسل إسنادهم فيه، بينما الأمم السابقة -أهل الكتاب- قليل منهم من كان يحفظ الإنجيل والتوراة، أما هذه الأمة ولله الحمد فيحفظ القرآن ألوف مؤلفة، من الرجال والنساء والصبيان والصغار، حتى العجم الذين دخلوا في الإسلام، فتجد أن الإنسان لا يستطيع أن يتكلم بلغة العرب بينما هو حافظ لكتاب الله بأفصح لسان وأحسن بيان وأوضح عبارة، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى، ومن فضل هذه الأمة كما سبق أن أشرنا، فهذا القرآن قرآن محفوظ، يقول الله عز وجل: أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [يوسف:12].

    وأيضاً حفظهم الله عز وجل بأنه في كل مائة سنة يبعث الله عز وجل لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها)، فلا يمكن أن ينقطع عنها الحق بأي وجه من الوجوه، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، تأملوا كلمة (ظاهرين)، يعني: كل الناس يعرفونهم، (لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، وهذه من خصائص هذه الأمة، ولهذا فمكة والمدينة لا يمكن أن تتحول إلى مكان للكفار، ولا يمكن أن تعود دار كفر إلى يوم القيامة، ولهذا أخذ العلماء من قول النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فتح مكة: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)، أن مكة لا يمكن أن يحكمها كافر، ولا يمكن أن يسيطر عليها كافر، ولا يمكن أن تتحول إلى دار كفر؛ فنفي الهجرة دليل على أنه لا يمكن أن تتحول إلى كفر، حتى الدجال عندما يأتي في آخر الزمان، فإنه لا يدخل مكة، وإنما يقف عند أبوابها، ويقف له الملائكة بسيوف من شهب يردونه عنها، ثم ترجف مكة والمدينة ويخرج منها المنافقون يتبعون الدجال والعياذ بالله. فهذه الأمة -ولله الحمد- أمة مرحومة!

    لكن النصارى عندما تحولت الدولة الرومانية إلى دولة نصرانية، فأول شيء فعلته الدولة النصرانية الجديدة أن أخذت عقائد منحرفة أملاها عليها بولس شاول وهي التثليث، ولم يكن التثليث في يوم من الأيام عقيدة لنبي من أنبياء الله سبحانه وتعالى، بل دينه هو التوحيد، وعندما كانت عاصمتهم روما دمرت روما ودخلها البرابرة، وذبحوا من فيها، وأخذوا ما فيها من الكتب وأحرقوها ودمروها عليهم، ولهذا تأثروا تأثراً كبير جداً بالاجتياح البربري على أوروبا، والذي يعنينا ويهمنا هو أن هذه الأمة أمة مرحومة بإذن الله تعالى.

    1.   

    الأسئلة

    حال العصاة من أهل التوحيد في قبورهم

    السؤال: هل العصاة من أهل التوحيد يجيبون بالقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، أم يقولون: هاه هاه لا أدري؟

    الجواب: الحديث الذي ورد في هذا الباب هو حديث البراء بن عازب ، وحديث البراء بن عازب جاء في قسمة الناس في القبور إلى قسمين: المسلم والكافر، وبناء على هذا فإن الفاسق والعاصي يكون تابعاً للمسلم، وإذا أجاب بقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يعني أنه لا يناله شيء من عذاب القبر بسبب عصيانه، فإنه قد يناله ذلك؛ لأنه ورد في بعض الروايات: (فأما الكافر أو الفاسق فإنه يقول..)، وهذا يدل على أن الحالات ليست حالة واحدة، فقد يقدر الله عز وجل على فاسق من الفساق أن يعذب في قبره فيجيب بقوله: هاه هاه لا أدري، ولهذا جاء في بعض الألفاظ يقول: (سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت)، وهذا يدل على أنه منافق أو عاصٍ ضَعُفَ إيمانه إلى درجة أنه صار يحاكي الناس فيما يقولونه من مسائل التوحيد والإيمان.

    وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأعلى المقامات وهي العبودية

    السؤال: يقول بعضهم: إن الله سبحانه وتعالى قال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ [الإسراء:1] ولم يقل: بنبيه، وهذا يدل على أن أي عبد صالح يمكن أن يسرى به، فكيف نرد على ذلك؟

    الجواب: لا شك أن هذا فاسد، فإن الآية جاءت في النبي صلى الله عليه وسلم، فهي لم تأت في عباد الله عز وجل جميعاً، بل جاءت في النبي صلى الله عليه وسلم، ووصفه بالعبودية هنا دل على أن أفضل مقامات النبي صلى الله عليه وسلم مقام العبودية، فإنه خُيِّرَ بين أن يكون ملكاً رسولاً وأن يكون عبداً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً، ووصفه هنا بالعبودية لا يعني أنه غير موصوف بالرسالة، وإنما وصفه الله عز وجل بأحد الوصفين لبيان أن العبودية من أوصافه، وهي لا شك من المنازل العالية عند الله سبحانه وتعالى.

    وأما فهم هذا الإنسان من قوله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء:1] أن الوصف بالعبودية يدل على أنه يمكن أن يسرى بأي عبد آخر، فهذا فهم فاسد للقرآن، فالآية بإجماع المسلمين جاءت في الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم تأت في غيره، هذا أولاً.

    وثانياً: قوله: بِعَبْدِهِ ، ليس المقصود: تعميم الوصف، بحيث إن كل عبد يمكن أن يسرى به، وإنما المقصود وصف النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المنزلة؛ لمكانتها عند الله سبحانه وتعالى، ولم يقل أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أنه يمكن أن يسرى بـأبي بكر مثلاً أو عمر أو عثمان أو علي ، مع أنهم من خيار الصحابة، ولم يقل أحد من الصحابة إن هذا الأمر جارٍ بالنسبة لهم، بل إن الإسراء من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا فهم فاسد، والحقيقة أن كثيراً من الناس يفسرون القرآن على غير وجهه، والواجب أن يفسر القرآن بما أجمع عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم.

    قول القلب مجمع عليه كل المسلمين

    السؤال: هل نفى بعض أهل العلم قول القلب من الإيمان، فقد قرأت أن إشارة شيخ الإسلام إلى قول القلب في الواسطية هو زيادة من الناسخ، كما في فتاوى الشيخ ابن إبراهيم رحمه الله، فما صحة ذلك؟

    الجواب: قول القلب المقصود به: تصديق القلب، وتصديق القلب مجمع عليه عند كل المسلمين، فحتى الفرق الضالة مثل المرجئة والخوارج.. وغيرهم لا ينفون قول القلب وأنه جزء من الإيمان، فتبقى تسمية التصديق القلبي بالقول، والتفريق بين القول والعمل بالنسبة للقلب، وقد سبق أن أشرنا إلى أن هذا التفريق تفريق علمي، وإلا فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يجعلون ما في القلب كله أمراً واحداً، وهو عمل القلب، ويدخل فيه التصديق القلبي، لكن لما وجد من الفرق الضالة من أثبت نوعاً من إيمان القلب وهو التصديق، ونفى نوعاً آخر وهو العمل؛ بيَّن أهل العلم الفرق بين القول والعمل واشتمال الإيمان على القول والعمل أيضاً.

    وأما تنبيه الشيخ ابن إبراهيم على أن هذه الكلمة -وهي قول القلب- زيادة من الناسخ، فهذه مسألة علمية تتعلق بالنسخ لا علاقة لها بمسألة الإيمان كمسألة، فإن الشيخ ابن إبراهيم وغيره من المشايخ يعرفون أن القلب يشتمل على تصديق وعمل، وقد يسمي بعض أهل العلم التصديق قولاً، ويسمي العمل بأنه عمل القلب، وقد يجعلها البعض جميعاً عمل القلب فقط، لكن تصديق القلب وعمل القلب أمر ثابت لا إشكال فيه.

    معنى الفاسق الملي

    السؤال: ما هو الفاسق الملي؟

    الجواب: هو العاصي الذي لم يخرج من الإسلام بعصيانه، فهو فاسق أي: خارج عن الطاعة، وملي أي: من أهل الملة (ملة الإسلام).

    حكم تكفير الصحابة

    السؤال: ذكرتم الذي يكفر بعض الصحابة لا يكفر، نرجو توضيح هذه المسألة، أليس الخير يخص والشر يعم؟

    الجواب: لا أعرف ما معنى كلام الأخ: أليس الخير يخص والشر يعم؟ لكن مسألة تكفير الصحابة فيها تفصيل عند العلماء: فإذا كان التكفير لعموم الصحابة فلا شك أن هذا كفر، لأن الله عز وجل زكى عموم الصحابة، وتكفير عموم الصحابة فيه إبطال لهذه التزكية الربانية وتكذيب لها، وهذا لا شك أنه كفر، المسألة الثانية: أن يكفر من أثبت الله عز وجل إسلامه أو أثبت الرسول صلى الله عليه وسلم إسلامه في الحديث الصحيح الذي لا إشكال فيه ولا غموض، فيكون هذا تكذيباً لخبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ أو لخبر الله عز وجل بإسلام هذا الصحابي فيكون كلامه كفراً أيضاً مخرجاً عن الملة.

    الأمر الثالث: أن يكفر بعض الصحابة الذين وقعوا في بعض الأخطاء مثل حاطب بن أبي بلتعة الذي وقع منه خطأ وعذره النبي صلى الله عليه وسلم لوجود شبهة لديه، فهذا يكون من أهل البدع ولا يكون كافراً خارجاً عن الإسلام؛ لأن الذي يمنع عنه التكفير هو وجود شبهة عنده، والصحابة كلهم مسلمون بدون شك، لكن المقصود هو من كفرهم هل يكفر أو لا يكفر؟ فهي على الأنواع الثلاثة التي سبق أن أشرنا إليها.

    الفرق بين الاسم المطلق ومطلق الاسم

    السؤال: ما الفرق بين الاسم المطلق ومطلق الاسم؟

    الجواب: الفرق بين الاسم المطلق ومطلق الاسم: أن الاسم المطلق يدل على العموم، مثلاً: الإيمان المطلق أو مطلق الإيمان، الإيمان المطلق يعني: التام، فالاسم المطلق معناه الاسم التام، إذا قلنا: فلان عنده الإيمان المطلق، فالمعنى: عنده الإيمان الكامل، وإذا قلنا: إن فلاناً عنده مطلق الإيمان، يعني: عنده جزء منه، وليس عنده كل الإيمان، لكن عنده ما يسمى بالإيمان.

    عدم جواز طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت

    السؤال: هل يجوز طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت؟

    الجواب: لا يجوز طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم الآن وهو ميت، وإنما تطلب الشفاعة منه يوم القيامة؛ لأنه بعد موته صلى الله عليه وسلم صار في حياة أخرى غير الحياة الدنيا، ولا يصح مخاطبته في مثل هذا الوضع، ومن طلب منه فإنه مثل من يطلب من الغائب، أو من يطلب من غير القادر شيئاً من الأشياء، وحينئذٍ يعتبر نوعاً من الشرك، فالطلب من النبي صلى الله عليه وسلم له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا، مثل الصحابة عندما يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا إذا طلب منه ما يقدر عليه فهو مباح، وإذا طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله فهذا لا يجوز، فلو جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه مغفرة الذنب أو الشفاء أو نحو ذلك فهذا لا شك أنه كفر.

    النوع الثاني: أن يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت في قبره، وهذا لا يجوز لأنه من الشرك؛ ولأنه لا يقدر أن يدعو له، ولهذا فإن الصحابة رضوان الله عليهم، عندما كانوا يستسقون يطلبون من الله عز وجل السقيا، وكانوا يطلبون من الصحابة أن يدعوا لهم، ولا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم، فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه طلب من العباس ، أي: استسقى بـالعباس في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم مقبور قريب منهم، ولم يطلبوا منه، وهكذا معاوية رضي الله عنه طلب من يزيد بن الأسود أن يدعو لهم، ولم يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم.

    النوع الثالث: يوم القيامة، فيوم القيامة يباح أن يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم الشفاعة، كما ورد في حديث الشفاعة الطويل.

    الحساب قبل الصراط

    السؤال: هل الحساب قبل الصراط أم بعده؟

    الجواب: الحساب يكون قبل الصراط.

    حكم تسمية النصوص الشرعية آراءً سماوية

    السؤال: هل يجوز تسمية النصوص الشرعية بأنها آراء سماوية؟

    الجواب: هذا التعبير خطأ إذا كان يقصد أنها آراء؛ لأن الآراء يمكن أن تقبل ويمكن أن ترفض، لكن النصوص الشرعية لابد أن تقبل، والآراء قد تدل على أنها ظنية غير يقينية، والنصوص الشرعية يقينية، فإذا كان الشخص مسلماً صادقاً لكنه أخطأ في التعبير، نقول: هذا خطأ في تعبير هذا الإنسان، ولا نحمله على عقائد ضالة، فلا نقول: هذا الإنسان كافر بسبب أنه قال: آراء سماوية.

    لكن إذا عبر بهذا التعبير شخص صاحب عقيدة ضالة، ويشك في وجود الله عز وجل، أو يشك في صدق خبر الله عز وجل، فلا شك أن هذا يدل على ما عنده من العقيدة الفاسدة.

    حكم من لا يصلي أبداً

    السؤال: إنسان لا يصلي أبداً فهل يجوز أن أقول له: كافر؟

    الجواب: إذا كان لا يصلي أبداً فلا شك أنه كافر، لكن الأولى أن تدعوه إلى الله عز وجل، بدلاً من أن تكفره وأن تتكلم عليه، ادعه إلى الله وذكره وعظه وانصحه ووجهه، فهذا هو المطلوب من الإنسان.

    حديث: (كلها في النار إلا واحدة...) لا يقصد به الخلود في النار

    السؤال: تفترق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، هل المقصود الخلود في النار؟

    الجواب: لا، هذه الفرق التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم هي فرق ضالة من المسلمين، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستفترق هذه الأمة)، يعني: الأمة الإسلامية.

    وقوله: (كلها في النار)، هذا من الوعيد، مثل الإخبار بأن الزاني في النار، وشارب الخمر في النار، مع أنه مسلم ليس بكافر، فحديث الفرق في المسلمين وليس في الكفار.

    معنى الإرجاء

    السؤال: ما هو الإرجاء؟

    الجواب: الإرجاء معناه: نفي دخول العمل في حقيقة الإيمان، ويعتقدون أن الإيمان هو تصديق القلب، فيخرجون عمل القلب وعمل الجوارح.

    كيفية الاستدلال بآيات القرآن لمن لا يؤمن بها أصلاً

    السؤال: كيف نستدل بآيات القرآن على من لا يؤمن أصلاً؟

    الجواب: أنت إذا جئت لشخص لا يؤمن بالقرآن أصلاً وتريد أن تخاطبه بالعقل، فلا تقل له: قال الله تعالى، لكن ارجع للقرآن وافهم ما فيه من الأدلة العقلية والبراهين الساطعة، ثم تكلم بها، فلا تقول له مثلاً: قال الله تعالى كذا؛ لأنه سيرد عليك مباشرة، فمثلاً إذا كان الشخص منكراً للبعث وقلت له: قال الله عز وجل: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78]، قال لك: أنا لا أومن بهذا القرآن.

    لكن أنت بإمكانك أن تأخذ المعنى الموجود في الآية، وتقول له: من الذي أنشأك أول مرة؟ من الذي خلق هذه العظام أول مرة؟ فالذي خلق هذه العظام أول مرة قادر على إعادتها مرة أخرى، فأنت تأخذ المعنى وتتكلم بهذا المعنى، ولا يشترط أن تستدل بنص الآية، وإنما تأخذ معناها وفحواها وتتكلم به، هذا هو المطلوب بالنسبة للأدلة العقلية في مناقشة الكفار.

    حكم إطلاق الكفر ويقصد به الكفر بالطاغوت

    السؤال: ما حكم من يؤول التكفير بأنه كفر بالطاغوت، فيقول: أنت كافر، ولكن يؤول ذلك بأنه كفر بالطاغوت؟

    الجواب: هذا عبث، وهذا المزاح ليس في محله، وهو خطأ ينبغي البعد عنه، فإن الإنسان يسأل عما يقول حتى في باب المزاح.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315048

    عدد مرات الحفظ

    723547355