إسلام ويب

تأصيل علم العقيدة [3]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيكون في أمته التفرق والاختلاف، وقد قدر الله سبحانه وتعالى ذلك، وكثر أهل البدع والأهواء، وظهرت فتن كقطع الليل المظلم، حتى أصبح المسلم لا يعرف دينه، ولا يعرف تطبيقه عملياً في حياته، فهو يعرف دينه جملة لا تفصيلاً، فلا بد للمسلم أن يعرف الدين ومراتبه الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان.

    1.   

    أهمية العقيدة الصحيحة والعمل الصالح

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    إننا نعيش في هذه الأيام فترة صعبة من فترات حياة المسلمين، كثرت فيها الفتن والانحرافات السلوكية والعقدية والفكرية؛ ولهذا كثير من الناس اليوم أصبحوا صرعى لهذه الفتن: فتن الشهوات وفتن الشبهات، والذي ينبغي على الإنسان أن يحرص على سلامة دينه وأخلاقه، وعلى سلامة فهمه وعقيدته، فإن الإنسان في هذه الدنيا مستخلف، وهو يعيش في فترة محدودة ثم ينتقل بعد ذلك إلى دار الجزاء والحساب، وهذه الفترة هي فترة ابتلاء وامتحان بالنسبة للإنسان، كما قال الله عز وجل: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود:7] فيحتاج الإنسان فيها أن يتزود، وأن يجتهد في العمل، فهي فترة تحتاج إلى الاجتهاد والعمل، فإذا مات الإنسان انقطع عمله، ولم يبق من عمله شيء إلا ما خلف كولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية، أو علم ينتفع.

    والمنهج الذي يجعل الإنسان يسير على هدىً من الله سبحانه وتعالى في هذا الطريق الذي تعترضه كثير من المصائب والمشكلات والفتن، هو المنهج الصحيح منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، ولما سئل عنها قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فعلى المستوى الشخصي بالنسبة للإنسان ينبغي أن يهذب نفسه وأن ينمي قلبه بالإيمان وبالأعمال الصالحة وبالتقوى، وينبغي له أن يزكي نفسه، كما قال الله عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] ، وتزكية النفس تكون بمحبة الله والتوكل على الله، والاعتماد على الله، والخوف من الله، وتنمية الإيمان في القلب من خلال الأعمال الصالحة، فإن كثرة الأعمال الصالحة تنمي الإيمان في قلب الإنسان، وتجعله متعلقاً بالله عز وجل، وعلى قدر اجتهاد الإنسان في البعد عن المعصية وفي فعل ما أمر الله سبحانه وتعالى على قدر ما ينمو إيمانه أكثر وأكثر حتى يجد حلاوة وطعم الإيمان في قلبه وفي نفسه.

    وينبغي على الإنسان أن ينمي معرفته بالعلم الذي يضبط دين الإنسان ويضبط عقيدته، فأحياناً قد يكون الإنسان صالحاً وتقياً وكثير صلاة وصيام لكن لنقص العلم قد يقع في الخلل؛ ولهذا لا بد من أمرين مهمين:

    الأمر الأول: العلم، والثاني: العمل، هذا على المستوى الفردي وعلى المستوى الشخصي، أما على مستوى الأمة، فالأمة في هذه الفترة تعاني من المشكلات ومن الأذى فنحن نسمع بما يفعله اليهود عليهم لعنة الله في فلسطين، وما يفعله المستعمرون المحتلون الأمريكان في العراق وأفغانستان وغيرها، وما يحصل من القتل والأذى للمسلمين، وعلى الرغم من ذلك إلا أن هذه الأمة ولله الحمد -في هذه الفترة- تعيش صحوة إسلامية متنامية تزيد يوماً بعد يوم، والتي يجب أن تجعل في نفوسنا أملاً وفرحاً بنصر الله عز وجل، ولكن نصر الله عز وجل لا يتحقق للإنسان إلا إذا حقق ما وعد الله عز وجل به أهل الإيمان، فإن من اجتهد في نصر الله سبحانه وتعالى بالعلم والعمل الصالح والإيمان والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والإصلاح، فإنه سيتحقق له النصر بإذن الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا فإن المعصية لها تأثير كبير جداً في تأخير النصر وفي حصول الهزيمة، فينبغي علينا دائماً أن نجتهد في أن نتفاءل بالخير، وأن نجتهد في توعية الأمة بما يصلحها، وأن نجتهد في تحذيرها من برامج وخطط المنافقين اللصوص الذين يريدون قطع الطريق على هذه الأمة ويحرفونها عن منهجها الرباني الذي أمرها الله عز وجل أن تتمسك به.

    إذاً: إذا عاد الإنسان إلى الله عز وجل على المستوى الشخصي، وعلى المستوى العام للأمة فإن هذا سيجعل هذه الأمة في تقدم، ونصبح على خير، ولأن يموت الإنسان على التوحيد خير له من أن يقع صريع الشرك والبدع والمعاصي والشهوات المحرمة، حتى لو كان يملأ بطنه من الأكل والشرب، وحتى لو كان يملأ جيبه من المال، وحتى لو كان يركب أحسن السيارات ويسكن أفخم القصور؛ لأن هذه الدنيا محدودة الزمن وفي وقت محدد ليرتحل الإنسان عنها.

    لقد عاش أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقراء، بل عاش الأنبياء الذين هم أفضل من الصحابة فقراء لا يملكون شيئاً من هذه الدنيا، كان يمر الشهر بأكمله على بيت النبي صلى الله عليه وسلم لا يوقد فيه نار، وإنما طعامهم الأسودان التمر والماء، ومع هذا لم ينقص منه ومن قدره عليه الصلاة والسلام شيء، وإنما علا لأن هذه الدنيا ليست دار بقاء، وإنما هي دار انتقال.

    1.   

    الأصل الثاني من الأصول الثلاثة: معرفة دين الإسلام بالأدلة

    الأصل الثاني من الأصول الثلاثة: معرفة الدين.

    تحدثنا عن معرفة الله سبحانه وتعالى، وهو الأصل الأول وفي هذا اللقاء سنتحدث عن معرفة الدين.

    الدين مأخوذ من قولك: دان له، إذا ذل، والتدين معناه التذلل، والدين معناه: الذل والخضوع لله سبحانه وتعالى، ولهذا عرفه الشيخ: بأنه الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك.

    يقول المؤلف رحمه الله: [الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة] قوله: بالأدلة فيه فائدة عظيمة جداً، وهي أن معرفة الدين ينبغي أن تكون عن قناعة تامة بالنسبة للإنسان، فإن التقليد في معرفة الدين يكون صاحبه معرضاً للشك، وعندما يسمع أي فتنة من الفتن يكون دينه على مهب الريح -كما يقولون- ويتأثر، لكن دين المؤمن راسخ؛ ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن بالنخلة، ووجه الشبه بين المؤمن وبين النخلة أن النخلة قوية، جذورها في الأرض قوية، لا تقلع، بينما المنافق يشبه الزرع الذي لا جذور له، تحركه الريح يميناً وشمالاً.

    فرسوخ الدين يكون عندما يتعلم الإنسان الدين بالأدلة، وتكون قناعته به قناعة كاملة وتامة ليس فيه شك ولا ريب.

    الأمور التي تتضمنها معرفة الدين

    معرفة الدين يتضمن ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: الاستسلام لله بالتوحيد.

    الأمر الثاني: الانقياد له بالطاعة.

    الأمر الثالث: البراءة من الشرك.

    والاستسلام معناه: الخضوع والذل والانقياد لله سبحانه وتعالى بالتوحيد أي: إفراده بهذا الذل والخضوع والانقياد، وهذا يقتضي ألا يتلقى إلا عن الله سبحانه وتعالى، وما أمر الله سبحانه به من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وألا يتحاكم إلا إليه، وألا يعبد إلا إياه، وألا يذل ولا يخضع إلا له سبحانه وتعالى، وهو يقتضي تنفيذ أمره واجتناب نهيه؛ لأن المستسلم لله عز وجل ينقاد له،وإذا أمره بأمر نفذه، وإذا نهاه عن نهي اجتنبه، فهو يقتضي عمل القلب ويقتضي عمل الجوارح أيضاً.

    والأمر الثاني: الانقياد له بالطاعة أي: الانقياد لله سبحانه وتعالى بالطاعة، والطاعة تنقسم إلى قسمين:

    طاعة الأمر تكون بالفعل، وطاعة النهي تكون بالترك، فطاعة الأمر مثل أمره بإقامة الصلاة فتكون طاعته بفعلها، وطاعة النهي تكون إذا نهى الله عز وجل عن أكل الربا فطاعته تكون بالترك، وهذا هو الانقياد، والانقياد هنا في الطاعة مأخوذ من الاستسلام لله سبحانه وتعالى بالتوحيد.

    والأمر الثالث: البراءة من الشرك وأهله، أي: البراءة من كل خضوع وذل وتعبد لغير الله سبحانه وتعالى، وكل ذل وخضوع وتعبد لغير الله عز وجل فهو شرك بالله سبحانه، وسيأتي تفصيله إن شاء الله معنا في كتاب التوحيد، والبراءة هنا تكون من الشرك أي: من العقائد الشركية والأقوال الشركية والأفعال الشركية.

    ومن أهله أي: المشركين؛ ولهذا تبرأ إبراهيم عليه السلام ومن آمن معه من الشرك ومن أهل الشرك فقال الله على لسانه: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:26-27] ؛ ولهذا حطم الأصنام بيده، وتبرأ من أهله فأعلن البراءة منهم.

    قال: [وهو ثلاث مراتب] أي: الدين ثلاث مراتب، وتقسيم الشيخ أخذه من حديث جبريل عليه السلام؛ ولهذا ختم الحديث عن هذا الأصل بالحديث الطويل لجبريل، فهو حديث عظيم من أحاديث الأربعين التي جمعها الإمام النووي رحمه الله، وهي من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أعطي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم وخواتمه ومفاتحه فهو يعبر بالتعبير القليل الذي يتضمن المعاني الكثيرة، وهذا معنى جوامع الكلم، فكلام النبي صلى الله عليه وسلم قليل لكنه كثير المعاني.

    والحديث هو: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد)، وسيأتي معنا قراءته في آخر هذا الأصل.

    وقد سأله عن ثلاث مسائل: سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأخذ الشيخ تقسيم المراتب منها وختم ذلك بقوله: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)، وهذا من الفقه، فأهل العلم يتأملون النصوص القرآنية والنصوص النبوية ويستخرجون منها الفوائد، فالتقسيمات التي يذكرها أهل العلم يأخذونها من الآيات والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمحاور الحديث تدور حول ثلاثة أسئلة أساسية السؤال الأول عن الإسلام، والسؤال الثاني عن الإيمان، والسؤال الثالث عن الإحسان، ثم ختمها بالسؤال عن أشراط الساعة.

    1.   

    مراتب الدين

    قال: [وهو ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، وكل مرتبة لها أركان، فأركان الإسلام خمسة، وأركان الإيمان ستة، وأركان الإحسان ركن واحد ].

    المرتبة الأولى: الإسلام وبيان أركانه

    الدليل على أن أركان الإسلام خمسة من حديث جبريل، ومن حديث ابن عمر رضي الله عنه في صحيح البخاري ومسلم قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا)، فالخمسة الأركان أخذها الشيخ من هذا الحديث.

    قال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، وهذا الأول مع أنها على شطرين، إلا أنها ركن واحد؛ لأنه لا يتم أحدهما إلا بالآخر، فلا تتم شهادة أن لا إله الله إلا بشهادة أن محمداً رسول الله، ولا تتم شهادة أن محمداً رسول الله إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، فشهادة أن لا إله الله تدل على الإخلاص، وشهادة أن محمداً رسول الله تدل على المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذان هما الشرطان الأساسيان لقبول العمل، فلا يقبل العمل إلا إذا كان خالصاً لله عز وجل، وصواباً على سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا فسر العلماء ومنهم الفضيل بن عياض قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود:7] قال: أحسنه: أخلصه وأصوبه، فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لا يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لا يقبل.

    (وإقام الصلاة) ومعنى إقامتها أي: الإتيان بواجباتها وشروطها وأركانها على الوجه الكامل.

    (وإيتاء الزكاة) وذلك إذا بلغت النصاب، وتعطى لمستحقيها.

    (وصوم رمضان) وهو: الإمساك المعلوم في الشهر المعلوم تعبداً لله عز وجل.

    (وحج البيت) وهو قصد البيت الحرام في أعمال مخصوصة كما هو معلوم.

    شهادة أن لا إله إلا الله دليلها ومعناها

    فدليل الشهادة قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18]، فالشهادة أخذناها من قوله: (شهد)، والشهادة تأتي بمعنى الإعلام والإخبار والالتزام، والشاهد هو: الله سبحانه وتعالى والملائكة وأولو العلم، وأما المشهود عليه فهو التوحيد، وهو لا إله إلا الله، ومعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، وهي من جزأين لا إله: نافية لجميع ما يعبد من دون الله، إلا الله: مثبتة للعبادة لله وحده لا شريك له في عبادته.

    وإعراب لا إله إلا الله:

    (لا) نافية للجنس عاملة عمل إن.

    (إله) اسمها منصوب، وخبرها محذوف مقدر، والتقدير لا بد أن يكون مرتبطاً بالمعنى، فمعنى لا إله إلا الله، يعني: لا معبود بحق إلا الله، وقدرنا أن الخبر حق؛ لأنه يوجد آلهة معبودة من دون الله عز وجل بالباطل، وهذا واقع، فالمقصود بلا إله إلا اله يعني: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، ومن قدر من النحاة الخبر هنا بأنه موجود فقد أخطأ من حيث المعنى، ولم يخطئ من حيث الصنعة النحوية، فإنه ليس المقصود بهذه الكلمة لا إله إلا الله نفي وجود المعبودات؛ فإن هناك معبودات موجودة لكنها بالباطل وليست بالحق، لكن المقصود هنا نفي الآلهة المعبودة بالحق، فليس هناك إله حق إلا الله سبحانه وتعالى.

    وإذا وزعنا الكلمة نجد أنها من أربع كلمات، (لا) كلمة وهي دالة على النفي، (إله) على وزن فعال، وفعال يأتي بمعنى مفعول وفاعل، فيأتي بمعنى مألوه وآله، والمقصود أن معناها جاءت على وزن مفعول، فلا إله إلا الله يعني: لا مألوه إلا الله، والإله والمألوه هو المعبود، وهذا معروف في لغة العرب، يقول رؤبة بن العجاج :

    لله در الغانيات المُدَّهِ سبحن واسترجعن من تألهي

    ومن حيث المعنى النفي يقتضي نفي الشرك والأنداد والأصنام، ونفي المعبودات، سواء كانت أشخاصاً أو عقائد أو أنظمة أو أفكاراً، أياً كان المألوه، فأحياناً قد يتعبد الإنسان لصنم، وأحياناً أخرى قد يتعبد لنظام، وقد يتعبد لمذهب، أو لشخص، أو لعقيدة، فكل من تعبد لله عز وجل فهو موحد، وكل من تعبد لغيره فهو مشرك أياً كان هذا الغير.

    فقوله: لا إله نفي الآلهة بكل أنواعها وكل أشكالها، إلا الله إثبات التأله لله عز وجل وأنه حق خالص.

    وعرفنا أن: لا إله إلا الله تدل على التوحيد من خلال الأساليب في لغة العرب والتي تدل على الاختصاص وتدل على الحصر وتدل على القصر، مثل: (إنما) قال تعالى: أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف:110]، (فإنما) تدل على الحصر في لغة العرب، ومن الأساليب: النفي والإثبات في وقت واحد، أو النفي والاستثناء، والنفي والاستثناء يدل على الاختصاص، فقوله: لا إله إلا الله، نفى الآلهة ثم استثنى، وهذا يدل على التوحيد، وعلى أن ما بعد إلا يجب أن يكون مختصاً بالمعنى الذي قبلها، والمعنى الذي قبل (إلا) هو التأله، فلا إله إلا الله يعني: لا معبود بحق إلا الله خاصاً وخالصاً لله سبحانه وتعالى.

    وذكر هنا آيتين، كل آية منها جاءت بنفس دلالة معنى لا إله إلا الله، لكن بدون لفظها؛ ولهذا سنستخرج منهما الدلالة.

    يقول المؤلف: [وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:26-27] ]، ثم قال: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً [الزخرف:28]، قال المفسرون: الكلمة هنا معناها: لا إله إلا الله، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ [الزخرف:28] يعني: في أبنائه وذريته، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:28] يعني: لعلهم يرجعون إليها بعد تركهم الشرك.

    إذا استخرجنا معنى لا إله إلا الله من هذه الآية، فنجد أنها في قول الله على لسان إبراهيم: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف:26]؛ لأن البراءة تدل على النفي، فقوله: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف:26] تقابل: لا إله، وقوله: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:27] أي: خلقني، وهذه تقابل: إلا الله، فدلت الآية على معنى لا إله إلا الله من الناحية المعنوية، وليس من الناحية اللفظية؛ ولهذا قال: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ [الزخرف:28].

    الآية الثانية: هي آية آل عمران التي يقول الله عز وجل فيها: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ [آل عمران:64]، قال العلماء: الكلمة هنا معناها: لا إله إلا الله تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].

    فقوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ [آل عمران:64] موافق لمعنى: لا إله إلا الله لوحدها، لكن يمكن أن نزيد عليها في قوله: وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا [آل عمران:64]، فإن هذه تدل على ذات المعنى.

    ودليل شهادة أن محمداً رسول الله، قول الله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة:128] أي: من بني جنسكم، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [التوبة:128] أي: يشق عليه عنتكم، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    شهادة أن محمداً رسول الله

    وشهادة أن محمداً رسول الله تدل على أربعة معانٍ:

    طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع؛ وهذه أمور من النبي صلى الله عليه وسلم، وأمور من العبد تجاه النبي صلى الله عليه وسلم، فالأمور التي من النبي صلى الله عليه وسلم هي الأمر والخبر والنهي والسنة، والأمر من النبي صلى الله عليه وسلم يقابله في العبد الموحد المخلص الاستجابة لأمره صلى الله عليه وسلم، والخبر من النبي صلى الله عليه وسلم يقابله في الموحد التصديق بخبره، والنهي من النبي صلى الله عليه وسلم يقابله في الموحد الامتثال في نهيه بالترك، والسنة التي عليها النبي صلى الله عليه وسلم يقابلها من الموحد الاستجابة لسنته صلى الله عليه وسلم، وفي كل واحدة من هذه الأشياء نصوص تدل عليها تفصيلاً.

    أدلة أركان الإسلام

    قوله: دليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5]، فنلاحظ في هذه الآية أن الصلاة والزكاة ربطت بالتوحيد؛ لأن ترك التوحيد كفر، وترك الصلاة كفر، وترك الزكاة يعتبر من الكفر، وإن كان في المسألة خلاف بين أهل العلم؛ ولهذا قال الله عز وجل: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] أي: تابوا من الشرك، وقول الله تعالى: وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] في سورة التوبة توافق قوله تعالى في سورة البينة: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5].

    ودليل وجوب الصيام قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183] أي: فرض، كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183]، والحكمة من الصيام هي تحقيق التقوى.

    ودليل الحج قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97]، واللام هنا لام الاستحقاق، أي: أن الله عز وجل له حق على الناس وهو الحج.

    الأمر الثاني: قوله: (على الناس) فإن (على) هنا تدل على الوجوب، وهذا ينبهنا إلى أهمية دراسة اللغة العربية، ودراسة المعاني؛ ولهذا بعض العلماء أفرد كتباً مستقلة في معاني الحروف فقط ومنها: الجنى الداني في حروف المعاني، ومعاني الحروف للرماني ، وغيرها من الكتب التي تتحدث عن معاني الحروف فقط؛ لأن أحياناً الحرف الواحد في القرآن قد يأتي بأكثر من ستة عشر معنى، في آية له معنى، وفي آية أخرى يكون له معنى.

    فالحرف (على) يدل على الوجوب وعلى الاستعلاء؛ ولهذا استدل بهذه الآية من كفر تارك الحج عمداً إذا استطاعه ومنهم علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما وغيرهما، والمسألة فيها خلاف.

    1.   

    العلاقة بين الإسلام والإيمان والإحسان

    بالنسبة للعلاقة بين الإسلام والإيمان والإحسان، إذا أطلق الإسلام في نص شرعي دون اقترانه بالإيمان فهو يدل على كل الدين، وإذا أطلق الإيمان في نص شرعي مستقل عن الإسلام فهو يطلق على كل الدين، لكن إذا اجتمعا في نص واحد يصبح معنى الإسلام الأعمال الظاهرة، من صلاة، وصيام، وحج، وزكاة، ويصبح الإيمان بمعنى الأعمال الباطنة،كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله وغيرها..

    ولهذا لو سأل سائل: كيف نوفق بين أركان الإيمان الستة، وبين الحديث الشهير عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ففي هذا الحديث قال: بضع وسبعون شعبة، وذكر في حديث جبريل ستة أركان، فبضع وسبعون شعبة إذا كان مطلقاً لوحده يشمل الدين بأكمله، ويكون الإيمان ستة أركان إذا كان في مقابل الإسلام، ولم يقصد به الاعتقادات القلبية.

    1.   

    المرتبة الثانية: الإيمان وبيان أركانه

    قال: [المرتبة الثانية: الإيمان]. الإيمان في الشرع قول وعمل، قول اللسان مثل قراءة القرآن والذكر، وقول القلب وهو تصديقه بما أخبر الله عز وجل به، وبما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.

    وعمل يشمل عمل القلب مثل المحبة والخوف والتوكل والإنابة والمحبة والخشية ونحو ذلك، ويشمل عمل الجوارح، مثل الصلاة والصيام والحج؛ ولهذا الإيمان يشمل الدين بأكمله.

    قال: [ الإيمان وهو بضع وسبعون شعبة ] بِضع بالكسر معناه العدد من الثلاثة إلى التسعة، والبضع هو الجزء، ويطلق البضع على عورة المرأة.

    وقوله: (وسبعون شعبة) ليس المقصود هنا العدد؛ ولهذا حاول بعض أهل العلم أن يجمع خصال أهل الإيمان فزادت عن تسعة وسبعين شعبة، وممن حاول جمعها البيهقي رحمه الله في كتابه شعب الإيمان، والحليمي في كتابه المنهاج في شعب الإيمان أيضاً، ولكنها زادت عن التسعة والسبعين؛ لأن العرب تطلق لفظ السبعين للكثرة بدون تحديد؛ ولهذا فسر حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب بأن المقصود بهم الكثرة دون تحديد العدد؛ ولهذا قال الله عز وجل: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً [التوبة:80]، والمقصود: إذا استغفرت لهم كثيراً، وهذا مثل إطلاق كلمة المليون عند الناس، فبعض الناس يقول: لو تعطيني مليون ما أسوي كذا، وهو لا يقصد العدد، وإنما يقصد لو أعطيتني شيئاً كبيراً جداً لا يمكن أن أعمل كذا.

    قال: (فأعلاها قول: لا إله إلا الله) يعني: أعلى الإيمان التوحيد، ولا إله إلا الله هي التوحيد، (وأدناها) يعني: أدنى شعب الإيمان (إماطة الأذى عن الطريق)، والإماطة معناها الإزالة، والأذى معروف، وعن الطريق أي: إذا كان على طريق الإنسان، (والحياء شعبة من الإيمان) الحياء صفة من الصفات النفسية تدفع لفعل الأعمال الخيرة وتمنع عن قبيح التصرفات، والحياء من أعمال القلب، وأعمال القلب كثيرة جداً، فقد ذكر ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين أعداداً كثيرة جداً من أعمال القلب، وبينها فروق في غاية الدقة، مثل: الفرق بين الخشية والخوف والوجل، ونحو ذلك من العبارات التي تكون متقاربة، وابن القيم رحمه الله من العلماء المتخصصين في أعمال القلوب؛ لأن أعمال القلوب فيها دقة عالية جداً، لا يفهمها أي أحد.

    الإيمان بالله وملائكته

    قال: [وأركانه ستة: أن تؤمن بالله] الإيمان بالله يقتضي الإيمان بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وهي أنواع التوحيد التي سبق أن أشرنا إليها في الأصل الأول، ومعنى الإيمان بربوبية الله الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق الرازق المدبر وحده سبحانه وتعالى، ومعنى الإيمان بألوهيته الإيمان بأن الله عز وجل هو المستحق وحده للعبادة، الإيمان بأسمائه وصفاته، والإيمان بأن الله عز وجل له أسماء حسنى وله صفات عليا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    فهذه الثلاثة هي أقسام التوحيد وأركانه، وهي داخلة في الإيمان بالله.

    (أن تؤمن بالله وملائكته) فموضوع الإيمان بالله هو التوحيد، ونحن سنتحدث في كتاب التوحيد عن موضوع الإيمان بالله بأنواعه الثلاثة حديثاً تفصيلياً؛ ولهذا لا داعي للتكرار.

    قوله: (وملائكته) الملائكة: هم عالم غيبي مخلوق من نور، له صفة خاصة يختلف عن الإنسان والجن، والواجب هو الإيمان بوجودهم؛ لأن الله عز وجل أخبر بهم، والإيمان بصفاتهم، يقول الله عز وجل: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [فاطر:1] أي: أن لهم أجنحة أحياناً تتعدد: تكون اثنين أو ثلاثة أو أربعة، وأحياناً تكون أكثر من ذلك، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى جبريل على هيئته كما خلقه الله عز وجل له ستمائة جناح، وأنه قد سد الأفق.

    والإيمان أيضاً بأسمائهم، فقد أخبرنا الله عز وجل بأسماء بعضهم مثل: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، ومنكر ونكير. والإيمان بأعمالهم: فقد أخبرنا الله أن جبريل هو أمين الوحي، الذي يرسله الله عز وجل على الرسل بالوحي، وأن ميكائيل هو أمين القطر، وأن إسرافيل هو الذي ينفخ في الصور، وأن ملك الموت الموكل بقبض الأرواح، وأن منكراً ونكيراً يسألان الإنسان في قبره عن الأصول الثلاثة، وغيرهم من الملائكة، وقال الله عز وجل: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11]، وقوله: (يحفظونه من أمر الله) من ضمن أعمال الملائكة مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، وأيضاً الملك الذي يرسله الله عز وجل إلى الإنسان وهو في رحم أمه فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، والملائكة لا يمكن إحصاؤهم، ولا يحصيهم إلا الله سبحانه وتعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31].

    بل ورد في بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا نزل المطر فإن كل قطرة من المطر ينزلها ملك حتى تصل إلى الأرض) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    والله عز وجل خلق الملائكة يقومون بتنفيذ أمره في هذا الكون، وفي هذه الحياة، وفي غير هذه الأرض، فإن الله عز وجل ملكه أوسع من هذه الأرض، فالأرض التي نعيش فيها هي جزء صغير من ملك الله سبحانه وتعالى الكبير الذي لا يعلم قدره إلا هو سبحانه وتعالى.

    ثمرات الإيمان بالملائكة

    الإيمان بالملائكة له فوائد في حياة الإنسان، من هذه الفوائد:

    أولاً: تعظيم الله سبحانه وتعالى، وتعظيم خلق الله عز وجل، وأن الله عز وجل له الصفات العليا، وله التدبير الكامل في خلقه سبحانه وتعالى.

    الأمر الثاني: الاقتداء بالملائكة فيما يقومون به من طاعة لله سبحانه وتعالى، فهم عباد مكرمون، لا يعصون الله عز وجل ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أطّت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك راكع أو ملك ساجد).

    وجاء في بعض الآثار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أذن لي أن أحدثكم عن ملك أرجله في تخوم الأرض السفلى وعنقه تحت العرش)، وذكر: ما بين شحمة أذنه ومنكبه بخفقان الطير كذا من السنين!

    فهؤلاء الملائكة عبادٌ مكرمون، يساعدون المؤمنين ويثبتونهم، وهذا من ضمن أعمالهم؛ ولهذا قاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقاتلوا معه في حنين، وقاتلوا معه أيضاً في أماكن مختلفة ومتعددة؛ ولهذا الإنسان عندما يؤمن بالملائكة يحبهم، ويشعر بأن الله سبحانه وتعالى غير محتاج لعبادتنا نحن البشر، فإن له سبحانه وتعالى عباداً لا يعصونه ما أمرهم، ويعبدونه آناء الليل وأطراف النهار.

    الإيمان بالكتب

    (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه)، الكتب هي الكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على الأنبياء والمرسلين لهداية الناس وتعليمهم ما يصلحهم في أمور دينهم، وبيان الطريق المستقيم الموصل إلى الله سبحانه وتعالى، وقد أنزل الله عز وجل كثيراً من الكتب، فكل نبي وكل رسول معه كتاب، فقد أخبرنا الله عز وجل بأنه أنزل التوراة والإنجيل، وأنه كتب التوراة بيده لموسى عليه السلام، وأنه أعطى داود الزبور، وأنه أعطى إبراهيم الصحف، وأعظم كتبه القرآن الكريم فهو أعظم كتب الله عز وجل وهو كلامه سبحانه وتعالى، وتوجيهه المباشر للناس، فأنت عندما تقرأ في القرآن كلام الله عز وجل الذي تكلم به فهو يخاطبك أنت، ولهذا فإن القرآن عندما يتلى آناء الليل وأطراف النهار لا يُمل، فالإنسان يقرأ القرآن ثم يقرأه بعد فترة فيشعر وكأنه لأول مرة يقرأه، وهو مليء بالحكم؛ ولهذا كان القرآن من أعظم المعجزات التي تحدى الله سبحانه وتعالى بها المشركين أن يأتوا بمثله أو بسورة منه، بل بما هو أقل من ذلك فلم يستطيعوا، بل لم يحاولوا، أي: لم نسمع بمحاولات فاشلة من هؤلاء المشركين؛ لأن الفارق بين بلاغة القرآن ونظمه ومعانيه وحكمه العظيمة، وبين المستوى الذي يستطيعونه من الشعر والنثر البليغ غير متقارب، فالفرق كبير جداً.

    والواجب في الإيمان بالكتب هو الإيمان بكل ما أخبر الله عز وجل به عن هذه الكتب، سواء من حيث أسمائها، أو من حيث ما فيها، والإيمان بأن التوراة والإنجيل قد حرفت من اليهود والنصارى، وأن اليهود والنصارى أدخلوا فيها أموراً ليست من كلام الله، وأن التوراة والإنجيل الآن ليسا من كلام الله عز وجل، فالتوراة والإنجيل الموجودان الآن ليسا الذي أنزلها الله على موسى وعيسى عليهما السلام.

    الإيمان بالرسل

    (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله)، الإيمان بالرسل، الرسل هم من بني آدم، أرسلهم الله عز جل إلى الناس لهدايتهم، فمنهم من كلم الله سبحانه وتعالى، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، ومنهم أولو العزم من الرسل، وقد سمى الله عز وجل عدداً منهم في القرآن، وأخبر الله عز وجل نبيه أن هناك رسلاً كثيرين لم يخبر عن أحوالهم، مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر:78] وهؤلاء الرسل أتوا لهداية الناس، وتعليمهم ما يرشدهم، والله عز وجل عندما خلق الإنسان لم يخلقه هملاً، بل أنزل كتباً تهديه، وأرسل رسلاً تعلمه وترشده، وجعل فطرة في نفسه تدله على الخير؛ ولهذا أعطى الإنسان من أدوات ووسائل الوصول إلى الحق ما لا يمكن أن يعتذر يوم القيامة أنه لم يكن يعلم أو لم يكن يعرف أو لم يكن يستطيع الوصول للحق.

    والإيمان بالرسل يشمل أنواعاً متعددة من الإيمان: الإيمان بوجودهم وأسمائهم وأعمالهم، وأن بعضهم أفضل من بعض، والإيمان بكل ما أخبر به من رسول، بمعنى أنه لو جاءنا إنسان، وأنكر أن سليمان عليه السلام رسول، فنأتي بالنص القرآني ونقول: الله عز وجل أخبر عن سليمان، فإذا أصر على الإنكار فهو كافر، ليس بمؤمن؛ لأن الله عز وجل أخبر عنه، وإنكاره تكذيب لخبر الله عز وجل.

    الإيمان باليوم الآخر

    اليوم الآخر هو يوم القيامة، ويدخل فيه البعث والحشر والعرض والصراط والميزان والجنة والنار وأحوال العرصات، وما يحصل للناس في اليوم الآخر، وسمي اليوم الآخر؛ لأنه ليس بعده شيء، وسميت الدنيا بهذا الاسم؛ لأنها القريبة، وسمي البرزخ بهذا؛ لأنه بين الدنيا والآخرة.

    فالحياة ثلاثة أنواع، الحياة الدنيا وهي التي نعيشها، والأصل فيها هو الجسد، والروح تبع له، والحياة الثانية هي حياة البرزخ والأصل فيها الروح، والجسد تبع لها، أي: عكس الدنيا، والحياة الأخرى هي ما بعد البعث وتغير أحوال الدنيا، وانقسام الناس إلى مؤمنين وكفار وأهل جنة وأهل نار، وهذه هي أتم أنواع الحياة، وهي حياة كاملة على مستوى الروح وعلى مستوى الجسد أيضاً.

    فاليوم الآخر هو يوم الجزاء الأخروي، ويدل عليه العقل، وتدل عليه أيضاً أسماء الله عز وجل وصفاته، ويدل عليه القرآن، والواجب أن نؤمن باليوم الآخر، وبأنه دار الجزاء، والإيمان بما ورد من تفصيلاته، فهناك أمور أخبر الله عز وجل عنها في القرآن متعلقة باليوم الآخر يجب الإيمان بها، وإنكارها يعتبر من الكفر، وهناك أشياء أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ويجب الإيمان بكل ما أخبر به إذا كان صحيحاً، وأما إذا كان في الحديث إشكال كأن لم يعرف هل هو صحيح أو غير صحيح، فلا يترتب شيء على من اجتهد ولم يصح عنده الحديث، لا يترتب عليه فساد في الاعتقاد إذا لم يصح الحديث عنده، فإذا كان الحديث ضعيفاً عند العالم لا يجب عليه الإيمان به؛ لأنه لم يثبت عنده خبر الصادق في ذلك.

    وبعض أهل العلم يلحق بالإيمان باليوم الآخر الإيمان بالبرزخ، على اعتبار أنه هو البداية، وهو انقطاع العمل، والبداية في الجزاء، فالإنسان إذا مات انقطع عمله، ثم يبدأ في الجزاء، والجزاء يكون في فترة الحياة الدنيا بالنسبة للأحياء، ويكون برزخاً بالنسبة للأموات، فإذا انتهت الدنيا بقيام الساعة يخرج الناس من قبورهم إلى لقاء الله سبحانه وتعالى، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من المقبولين.

    الإيمان بالقدر خيره وشره

    قال: (وتؤمن بالقدر خيره وشره)، الإيمان بالقدر معناه الإيمان بأربع مراتب:

    المرتبة الأولى: الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى علم كل شيء من أعمال العباد وأفعالهم إلى قيام الساعة.

    المرتبة الثانية: أن الله عز وجل قد كتب ما علمه سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ.

    المرتبة الثالثة: أن الله سبحانه وتعالى له المشيئة المطلقة، وأن مشيئة العبد مرتبطة بمشيئته سبحانه وتعالى.

    المرتبة الرابعة: أن الله عز وجل خالق لأفعال العباد، فأفعالهم سواءً الأفعال الحسنة كالصلاة والصيام والحج والزكاة هي من خلق الله، أو الأفعال السيئة كالمعاصي والذنوب ونحو ذلك هي من أفعال الله سبحانه وتعالى، فالكل من أفعال الله؛ لأنها داخلة في ملكه؛ ولأن العبد من مخلوقات الله سبحانه وتعالى.

    هذه الأربع هي مراتب الإيمان بالقدر.

    الأول: أن يشهد أن الله عز وجل يعلم ما سيعمله الإنسان قبل عمله، فإن أنكر هذه المرتبة أو أنكر أن الله عز وجل يعلم الأحداث من العبد قبل وقوعها فهذا لا شك أنه كافر؛ لأن الآيات القرآنية التي فيها إثبات صفة العلم لله عز وجل أكثر من أن تحصى، وهي تدل دلالة قطعية على أن الله عز وجل عالم بأحوال الإنسان وغيره؛ لأنه كما قال: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] سبحانه وتعالى.

    المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله كتب هذه المقادير، وأن الله سبحانه وتعالى كتبها في اللوح المحفوظ عنده، والكتابة تنقسم إلى أكثر من قسم، فهناك كتابة عامة في اللوح المحفوظ، والتي كتب فيها مقادير كل شيء إلى قيام الساعة، وهذه كانت قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

    وهناك أنوع أخرى من الكتابة، مثل الكتابة العمرية بالنسبة للإنسان وذلك عندما يولد كما جاء في حديث ابن مسعود أنه يُرسل إليه ملك فيكتب عمله، ويكتب أجله، ويكتب رزقه، ويكتب شقي أم سعيد.

    وهناك كتابة سنوية، وتكون هذه الكتابة السنوية في رمضان في ليلة القدر، وكتابة يومية لكن هذه الكتابات هي كتابات في صحف الملائكة الذين أمرهم الله سبحانه وتعالى بتطبيق ما أمر سبحانه وتعالى على أحوال العباد.

    والإيمان بالقدر واجب، ولا يتعارض الإيمان بالقدر بكل أركانه الأربعة، فالإيمان بالمشيئة والخلق لا يتعارض مع اختيار الإنسان، فالإنسان يشعر في نفسه أنه قادر على الاختيار، لكن قدرته على الاختيار مرتبطة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وهو مخلوق من مخلوقات الله، فلا بد أن يكون اختياره مخلوقاً لله سبحانه وتعالى، وفي نفس الوقت هو مختار وليس مضطراً كما يشعر الإنسان من نفسه، وعلم الله عز وجل السابق الأزلي، وكتابته لأحوال العباد لا تتعارض مع اختيار الإنسان، الله عز وجل علمه لا يحده شيء، فقد وسع كل شيء علماً سبحانه وتعالى، وكتابته هي كتابة لعلمه، والإنسان قادر على الاختيار كما هو حاله؛ ولهذا الذين يحتجون بالقدر على فعل المعاصي احتجاجهم فاسد وباطل؛ لأن احتجاجه على فعل المعصية يخالف الشعور ويخالف الواقع الذي يشعر الإنسان فيه أنه قادر على الفعل وقادر على الترك، والذي يحتج بالقدر على المعاصي يخالفه عندما يكون الشأن في الرزق، فلا يترك العمل بحجة أن رزقه مكتوب وأن كل شيء سيأتيني إلى بيتي وهذا مما لا ينبغي اعتقاده ولهذا قال العلماء: لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، لكن يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب؛ لأن المصائب انتهت، لكن المعاصي قد يفعلها الإنسان ويستمر في فعلها ويحتج بالقدر عليها، وهذا احتجاج في غير مكانه، فالمصائب عندما تقع على الإنسان فإنه يحتج بقدر الله عز وجل؛ لأن ذلك يهون عليه وقع هذه المصيبة ويورثه في قلبه التوكل والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

    الدليل على أركان الإيمان

    [والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة:177]، هذه الخمسة ].

    [ ودليل القدر قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49] ]، وأركان الإيمان جميعاً موجودة في القرآن، خمسة في آية واحدة، والقدر في آية أخرى.

    1.   

    المرتبة الثالثة: الإحسان

    [المرتبة الثالثة: الإحسان، وله ركن واحد وهو: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ]، وهذه ذروة الإيمان وأعلاه، وهو تمام الإخلاص.

    قال: [ والدليل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]].

    (أن تعبد الله كأنك تراه)، وهذا يدفع إلى العمل، ويشعر بمراقبة الله عز وجل ومعيته مع الإنسان.

    (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وبلا ريب أن الإنسان لا يرى الله في الدنيا، لكنه سيراه في الآخرة إذا دخل الجنة، أما أهل النار فإنهم لا يرونه قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15].

    وقوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:217-220].

    وقوله: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61].

    وجه الدلالة من الآية الأولى قوله: وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] فمعية الله عز وجل تكون للمحسنين، وهذه المعية تقتضي المراقبة.

    ووجه الدلالة من الآية الثانية قوله: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ [الشعراء:218]، وهذه تقتضي أيضاً المراقبة والشعور بمراقبة الله عز وجل للإنسان.

    وأيضاً محل وجه الدلالة من الآية الثالثة قوله: إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس:61].

    قال: [والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهور -يصح أن يقول جبريل ويصح أن يقول: جبرائيل، وهكذا الشأن في ميكائيل عن عمر رضي الله عنه قال: (بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منا أحد).

    وهذا يدل على أن الملائكة أحياناً يتشكلون في صور البشر، كان جبريل يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم على صورة دحية بن خليفة الكلبي ، وكان رجلاً جميلاً وسيماً.

    وقوله: (حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه)، وهذه جلسة طالب العلم المتواضع بين يدي معلمه. (وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)، وشرحها قد تقدم. (قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه!) أي: أن السؤال أحياناً يأتي للاستعلام وأحياناً يأتي للتقرير، فسؤاله هنا كان للتقرير؛ لأنه قال: صدقت. (قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف أن السائل هو جبريل. (قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها؟)، وهذا فيه خلاف في معناه بين العلماء، قيل: المقصود به الفتوحات التي تكثر فيها السبايا والإماء في بيوت المسلمين، ثم يتزوجها وتلد ابنة أو ابناً يكون سيداً لها. (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى العراة الحفاة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) أي: الغنى بعد الافتقار، وهذا حصل في مراحل متعددة من تاريخ المسلمين. (قال: فمضى) يعني: ذهب (فلبثنا ملياً، فقال: يا عمر ! أتدري من السائل؟) فالصحابة لم يسألوا، مع أن الحاجة إلى السؤال ماسة، لكن تأدباً مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يسألوا، (فقال: يا عمر ! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم).

    ولا يصح الإجابة بقول: الله ورسوله أعلم في كل شيء، وإنما يكون ذلك في الأمور الشرعية، لكن لو سئلت مثلاً: أين أبوك؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فأنت مخطئ، فالله أعلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم أين أبوك الآن.

    (قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم)، وهذه طريقة من طرق التعليم وهي السؤال والجواب.

    بالنسبة للأصل الأول الذي هو معرفة الله عز وجل وتوحيده أوصي بالرجوع إلى كتاب: كيف نفهم التوحيد؟ للشيخ محمد أحمد باشميل ، وهو كتاب نافع ومفيد، وهو صغير يمكن قراءته في ليلة واحدة، بل في ساعة واحدة، وهو كتاب نافع وسهل وسلس، وأسلوب الشيخ رحمه الله كان أسلوباً ممتازاً.

    وأما بالنسبة لأركان الإيمان وتفصيلها فيمكن الرجوع إلى كتاب شرح أركان الإيمان للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، فقد فصلها وهذبها ووزعها وبين ما فيها من مسائل مفيدة.

    1.   

    الأسئلة

    التحذير ممن يدعي أنه عيسى بن مريم أو يرى الملائكة ونحو ذلك

    السؤال: حضر بجواري شخص يدعي أنه عيسى بن مريم! نرجو التحذير.

    الجواب: يبدو أن هذا الشخص مريض ولا تستغربوا من حصول مثل هذه الحالات فقد اتصل بي أحد الإخوة وطلب أن يقابلني، وذكر لي أن هناك شخصاً قد يكون فيه صلاح وفيه خير، وقد يكون إنساناً سيئاً.

    وهذا الشخص يقول لهم: أنا أرى الملائكة بعيني، ويقول: إنه إذا دخل المسجد أشار وقال: هذا أحد الملائكة يمشي، أراه بعيني، فقال له: لماذا نحن لا نرى الملائكة؟ قال: كل واحد على حسب عمله فعندما يكون عملك ضعيفاً لا ترى الملائكة.

    وكان يقول لهم: إنني مستجاب الدعوة، ويقول لهم: إنني إذا دعوت الله عز وجل فمباشرة تحصل الدعوة، وأنه ذات مرة لم يكن معه مال فدعا الله عز وجل فجاءته ثلاثمائة ريال!

    الشاهد أنه يوجد كثير من الناس يقول ويدعي هذا، وقد يكونون مرضى، وبعضهم قد يكون سيئ النية، وبعضهم قد يكون منحرف العقيدة؛ ولهذا يؤسفني أن أجد بعض الشباب الطيبين يصدقون أي دعوى.

    يذكر شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه التوكل والوسيلة أن بعض المغفلين ممن ينتسب إلى الصلاح ولا يطلب العلم قال: كنت في مأزق وجاءني لص، فرأيتك - يعني: شيخ الإسلام - تطير في السماء حتى جئتني وأنقذتني من هذا اللص، يقول شيخ الإسلام : ولم آته من السماء، وإنما الشيطان تشبه بي -يعني: بـشيخ الإسلام - وجاءه طائراً حتى يفسد عليه دينه.

    وقال شيخ الإسلام في رسالة العبودية: إن الشيخ عبد القادر الجيلاني كان يوماً من الأيام يصلي الليل على سطح منزله، ففجأة رأى نور من السماء ساطعاً، أنار الأفق، وإذا هو بشخص يتكلم يقول: يا عبد القادر ! أنا ربك، اعمل ما شئت فقد غفرت لك، فقال: كذبت أنت الشيطان، فذهب النور وأصبح مثل الرماد والدخان.

    فعرف الشيخ عبد القادر أن هذا من الشيطان؛ لأنه قال له: اعمل ما شئت فقد غفرت لك؛ ولأنه يعرف الشريعة والدين، فالأنبياء والصحابة أفضل منا، ومع هذا لم يحصل لهم ذلك، ففعل الصحابة أمر طبيعي، صلاة وصيام وجهاد وذكر لله ودعاء حتى ماتوا، ولا أحد ادعى مثل هذه الدعاوى، والتوسع فيما يتعلق بالكرامات لا شك أنه مقدمة لمثل هذه الأحوال؛ ولهذا ينبغي أن نحذر من هذه الخرافات، وأن نحذر من الأمور المخالفة لأساسيات الدين، وأن نتعلم الدين على وجهه الصحيح، وهكذا الحال بالنسبة للأخوات ينبغي الحرص على هذا الموضوع، وبالذات أن دعاوى التصوف تنتشر في صفوف النساء وفي صفوف عموم الناس انتشاراً كبيراً جداً؛ لأنهم يأتون للناس من قبل العاطفة، ومن قبل الجوانب النفسية، ويؤثرون فيهم تأثيراً كبيراً، ويدخلون لهم الخرافات من خلال هذه العواطف.

    حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته

    السؤال: هل يجوز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته؟ وهل قال فيه بعض الفقهاء؟ وهل هناك حديث في ذلك؟

    الجواب: التوسل أصبح لفظاً مجملاً، بعض الناس يسمي الاستغاثة توسلاً، وذلك بأن يأتي الشخص ويستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقول: يا رسول الله! أدخلني الجنة، يا رسول الله! أرزقني، يا رسول الله! خذ بيدي، يا رسول الله! أنقذني من النار، يا رسول الله.. ونحو ذلك، هذه كلها استغاثات حتى ولو سميت توسلاً فهي شرك أكبر ناقض للإسلام والإيمان؛ لأنه تعبد لغير الله عز وجل فهو مشرك شركاً أكبر.

    وأما إذا كان المقصود بالتوسل: دعاء الله عز وجل بوسيلة، كأن يقول: اللهم إني أسألك، فإن الدعاء هنا لله وليس للرسول، فهو لا يقول: يا رسول الله! اغفر لي، يقول: اللهم إني أسألك أن تغفر لي بجاه فلان، هذا هو التوسل، إذا كان هذا فهذا من البدع المحدثة، والوسائل التي يجوز التوسل بها ثلاثة:

    الأول: التوسل بالأعمال الصالحة.

    الثاني: التوسل بدعاء الصالحين.

    الثالث: التوسل بأسماء الله وصفاته، والتوسل بالإيمان هذا هو أساس التوحيد، ويجوز التوسل بأسماء الله وصفاته، ويجوز التوسل بدعاء الصالحين، كأن يأتي إلى رجل صالح ويقول: ادع الله لي، فإذا دعا له يجوز له أن يرفع يديه ويقول: اللهم إني أسألك بدعاء فلان من الصالحين أن تستجيب هذا الدعاء، كما حصل في حديث الأعمى.

    حكم من يؤمن بتوحيد الألوهية والربوبية ويعطل أو يؤول في الأسماء والصفات

    السؤال: وُجد من آمن بتوحيد الألوهية والربوبية كاملاً، وأشرك في توحيد الصفات، وذلك بالتأويل والتعطيل، فكيف الجمع بين ذلك وبين ما ذكرت من أنه لا يتصور أن يؤمن الإنسان بنوع من أنواع التوحيد كاملاً ويشرك في الآخر؟

    الجواب: من قال: إنه آمن بتوحيد الألوهية والربوبية إيماناً كاملاً، فهذا ليس بصحيح، فالذين يعطلون صفات الله عز وجل، ويعطلون أسماءه هم ليسوا مؤمنين إيماناً كاملاً وتاماً بتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية؛ لأن توحيد الربوبية أصلاً توحيد في الصفات، وتوحيد الربوبية هو توحيد الله في الخلق، والخلق من صفات الله، والرزق والإحياء والإماتة والتدبير هذه كلها من صفات الله، ومعطلة الصفات ليسوا موحدين توحيداً تاماً فيما يتعلق بتوحيد الألوهية والأسماء والصفات والربوبية.

    وهكذا الحال فيمن وقع في الشرك في النوعين السابقين؛ لأن التوحيد معنىً واحد، والتقسيم الذي حصل إنما الهدف منه تقريب المعلومات، ليس الهدف منه الانفصام التام بين أنواع التوحيد الثلاثة؛ ولهذا فإن المشركين الذين أقروا لله عز جل بالخلق ليسوا موحدين في الربوبية توحيداً تاماً، بل عندهم شرك كبير فيه، لكن لا ينكرونه إنكاراً بالكلية، هم يقرون به في الجملة، وإقرارهم بالجملة يقتضي إيمانهم بتوحيد الألوهية، لكنهم لم يلتزموه.

    الابتلاء في الدين أمر لا مناص منه

    السؤال: في مسألة الصبر على الأذى فيه، هل من تعليق على مقولة: إذا انتهجت منهجاً ولم تؤذ فيه فراجعه، أو قريب من ذلك، مما يؤيد أنه لا بد من الابتلاء لأصحاب المنهج السوي؟

    الجواب: الابتلاء أمر لا مناص منه بالنسبة للإنسان، والذي يتوقع أنه يمكن له أن يلتزم بالإسلام دون أن يكون له أعداء هذا لم يفهم الإسلام على حقيقته، ولهذا الآن من دعاوى الفكر الليبرالي الموجود والذي يدعمه مع الأسف كثير من كتاب الصحافة يقولون: نحن بإمكاننا أن نسلم، لكن نحترم الآخر ونتقبل الآخر، ويقصدون بالآخر الكافر والمنافق، نقول: هذا ليس إسلاماً، الإسلام يقتضي الالتزام بالإسلام، ويقتضي البراءة من الآخر في قوله وفعله وفي عمله الذي يقوم به، فالإيمان يقتضي البراءة مما سواه.

    أما الزعم بأن الإنسان يكون مسلماً وهو مصاحب للكفار، بل وصل الحال بأن بعضهم يطالب بأن لا نعتقد بطلان عقائد الكفار، ويقول: لأنك إذا اعتقدت بطلان عقائد الكفار فأنت إقصائي، وأنت شخص ليس عندك تسامح، والتسامح عندهم هو أنك لا تعتقد بطلان عقائدهم؛ لأنهم يقولون: إن اعتقاد بطلان عقائد الآخر يقتضي الوثوقية، ويقتضي أنك شخص تعتقد أنك تملك الحقيقة المطلقة، وغيرها من الكلام المزيف الذي ينقض أصل التوحيد من أساسه، فينبغي إدراك مثل هذه المسائل.

    جميع الكتب التي أنزلها الله عز وجل هي من كلامه

    السؤال: هل جميع الكتب التي أنزلها الله عز وجل هي من كلام الله عز وجل؟

    الجواب: نعم، كل الكتب التي أنزلها الله هي من كلامه، لكن حصل في كثير منها تحريف؛ لأن الله عز وجل وكل حفظ الكتب السابقة للأنبياء والعلماء في زمانهم، بينما هذا القرآن تكفل الله عز وجل بحفظه.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015485601

    عدد مرات الحفظ

    723656072