إسلام ويب

العقيدة الواسطية [7]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتقد أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله تعالى الاختيارية الفعلية كما يعتقدون إثبات صفاته تعالى الذاتية, بغير تحريف ولا تعطيل, ولا تكييف ولا تمثيل, ومن ذلك صفة الرحمة والمحبة والرضا والغضب وغيرها من صفات كماله سبحانه وتعالى, وخالفهم في ذلك المنحرفون من نفاة الصفات كالجعد بن درهم والجهم بن صفوان وبشر المريسي ومن وافقهم من المعتزلة والكلابية ونحوهم.

    1.   

    صفات الله تعالى الاختيارية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.

    أما بعد:

    موضوع صفات الله سبحانه وتعالى الاختيارية موضوع طويل ومتشعب وهو مهم جداً لوجود مجموعة كبيرة من صفات الله سبحانه وتعالى ضمن هذه الصفات الاختيارية، وقد اتفق النفاة على نفيها جميعاً.

    فالصفات الاختيارية هي الصفات الفعلية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة خاصة بالصفات الاختيارية موجودة في مجموع الفتاوى أظنها في (ج6) وتشتمل على خمسين صفحة تقريباً، يقول عن الصفات الاختيارية: هي الأمور التي يتصف بها الرب عز وجل فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته مثل: كلامه، وسمعه وبصره، وإرادته ومحبته ورضاه، ورحمته وغضبه وسخطه، ومثل: خلقه وإحسانه وعدله، ومثل: استوائه ومجيئه وإتيانه ونزوله ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز والسنة.

    فاسم الصفات الاختيارية اسم عام يشمل عدداً كبيراً من صفات الله سبحانه وتعالى المتعلقة بمشيئته وإرادته.

    فهناك نوع آخر من الصفات يسمى الصفات الخبرية، والصفات الخبرية جزء منها من الصفات الاختيارية، والجزء الآخر من الصفات الذاتية.

    من الصفات الخبرية: إثبات الوجه واليدين والعينين والساق والقدم، ونحو ذلك من الصفات اللائقة بالله سبحانه وتعالى، وهي من صفات الكمال والجلال والجمال، لا يشبهها مخلوق من المخلوقات أبداً.

    والصفات الاختيارية يثبتها أهل السنة والجماعة كما نطق بها القرآن الكريم، وكما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويثبتونها كما يثبتون الصفات الخبرية، فهم يثبتون أن لله عز وجل يدين وعينين، وأن له وجهاً سبحانه وتعالى يليق به، كل ذلك من غير تشبيه ولا تمثيل.

    وكذلك يثبتون أنه سبحانه وتعالى يتكلم وينزل ويضحك ويجيء ويأتي، ويحب ويبغض ويغضب ويكره، ونحو ذلك من الصفات الفعلية وهي التي يسميها العلماء: الصفات الاختيارية.

    1.   

    نفاة الصفات الاختيارية

    الفتنة المشهورة التي وقعت في زمن الإمام أحمد رحمه الله ظهر فيها الخلاف القوي بين أهل السنة والجماعة وبين المعطلة، وهو تقريباً من أوائل الصدامات التي وقعت بين أهل السنة من جهة والمعطلة من جهة أخرى، وهو مبني على قضية خلق القرآن، فإن قضية خلق القرآن نشأت من نفيهم للصفات الاختيارية عن الله عز وجل، فلما نفوا هذه الصفات عن الله عز وجل، بدءوا يؤولون ويعطلون.

    الجعد بن درهم

    وأول من عرف بنفيه لهذه الصفات هو الجعد بن درهم ، وأنتم تعلمون أن أول فرقة خرجت وشقت صفوف المسلمين هم الخوارج الذين كفروا المسلمين بالذنوب، وكانت المشكلة مع الخوارج في باب الإيمان حيث إنهم يعتبرون الفاسق الذي يرتكب المعاصي كافراً خارجاً عن الإسلام ويطبقون عليه أحكام الكفر.

    وثاني فرقة خرجت هي: الشيعة، وثالث فرقة: القدرية الذين ينكرون القدر، ورابع فرقة: المرجئة، وهذه الفرق الأربع هي أصول الفرق كما ذكر غير واحد من السلف، ولم يحصل أن اختلف أحد في صفات الله عز وجل حتى ظهر الجعد بن درهم الذي كان مربياً ومعلماً لآخر حكام الدولة الأموية الذي يسمونه: مروان الحمار ، ولقب بـالحمار لقوته وقوة تحمله، ويلقبونه بـالجعدي ، نسبة إلى شيخه الجعد بن درهم .

    الجعد بن درهم نفى الصفات عن الله عز وجل، فكان من الصفات التي نفاها عن الله عز وجل: الصفات الاختيارية، ويقول: الله عز وجل لا يتكلم أبداً، وهو سبحانه وتعالى لا يبصر، وهو سبحانه وتعالى ليس له يدان ولا قدمان ولا عينان، وهو سبحانه وتعالى لا ينزل ولا يغضب، ولا يرضى ولا يحب، إلى آخر ما هنالك من الصفات الموجودة في كتاب الله عز وجل، نفاها جميعاً فقتله خالد بن عبد الله القسري ، وكان خالد عاملاً للعباسيين على العراق، فجاء إلى الناس في يوم عيد الأضحى وقال: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بـالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، فنزل وذبحه في أصل المنبر.

    الجهم بن صفوان

    وتلقف هذه البدعة الشنعاء عن الجعد بن درهم الجهم بن صفوان ، وهذا لم يكن من أهل العلم ولا عرف عنه أنه طلب العلم بالطريقة التي كان يطلبها السلف الصالح رضوان الله عليهم، وقد كانت في تلك الفترة مجالس العلم منتشرة، وأهل العلم في كل مكان يدرسون ويملون ويفتون الفتاوى المشهورة، لكن الجهم بن صفوان ما درس العلم، وإنما كان يجلس في بيته، والتقى بمجموعة من الوثنيين من الهنود يسمون: السمنية، وكان هؤلاء السمنية ينكرون غير المحسوسات، وعندهم أنه لا يثبت شيء ولا يمكن للإنسان أن يعرف شيئاً إلا بالمحسوسات فقط، فلما ناقشهم عن الله عز وجل قالوا له: هل رأيته وذقته ولمسته؟ قال: لا.

    ولجهله وضعفه بقي في بيته قرابة أربعين يوماً محتاراً لا يصلي، وهذه هي المشكلة: الجهل، وغالباً البدع لا تظهر إلا من أشخاص لم يدرسوا العلم، ولم يعرفوه، ولم يتفقهوا الفقه السليم الصحيح على دين الله عز وجل، فهذه حالة من حالات الجهم .

    وهناك حالات أخرى تقع في المجتمعات، ولو أنكم تتبعتم أصحاب الفتن منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى زماننا المعاصر لوجدتم أن لهم سمات معينة، منها:

    أولاً: أنهم ليسوا من أهل العلم.

    ثانياً: لا يتدارسون مع أهل العلم.

    ثالثاً: أنهم من المستعجلين.

    رابعاً: أنهم يأخذون بطرف، ويتركون أطرافاً، ويعملون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.

    فـالجهم بن صفوان أنكر صفات الله سبحانه وتعالى، ومنها: الصفات الاختيارية، وقال: إن الله عز وجل هو هذا الهواء الموجود في كل مكان، وليس له اسم ولا صفة، فقتله سلم بن أحوز في خراسان.

    بشر المريسي

    وتلقف هذا عن الجهم بشر بن غياث المريسي ، وكان من الحنفية، تلقف هذه الأفكار ودعا إليها ونشرها، ولهذا رد عليه علماء السنة مثل: عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب سماه: رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد، ورد أيضاً على شيخه جهم بكتاب سماه: الرد على الجهمية، وهؤلاء الجهمية أتباع جهم كفرهم السلف رضوان الله عليهم، ولهذا يقول ابن المبارك رحمه الله تعالى: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نحكي كلام الجهمية؛ لأنه أكفر من كلام اليهود والنصارى، فحقيقته: نفي الإله؛ لأنه تجريد للإله من الأسماء والصفات جميعاً، ولهذا قال جهم : إن إلهي هو هذا الهواء الموجود في كل مكان، إذاً: الحقيقة: أنه ليس له إله، وكانت الجهمية في بداية الأمر تنفي الصفات نفياً مطلقاً، فتقول: لا يتكلم الله أبداً، فلما أنكر عليهم الناس وشعروا بالشناعة والرد عليهم بدءوا يخففون من حدة الإنكار، فلما جاء بشر المريسي ذكر الدارمي رحمه الله تعالى أنه قال لبعض أصحابه: لا تفاجئوا أهل السنة بالإنكار، وإنما عليكم بالتأويل؛ لأن التأويل نفي في الحقيقة، وهو كما قال، فهو إنكار بلطف وليس فيه إثارة للآخرين عليه، فهو يريد أن يصل إلى الإنكار، فعنده في الوصول إلى الإنكار طريقان:

    إما أن ينكر بشكل متبجح فيثور عليه الخاصة والعامة، وإما أن ينكر بشكل متلطف فيدخل ويتغلغل في نفوس الناس، وهذه بالفعل الخطة الجديدة التي استخدمها المريسي .

    المعتزلة والكلابية

    ثم لما جاءت المعتزلة كـابن أبي دؤاد وغيره وقد كان ظهورها قبل ذلك في مسألة الإيمان والقدر، ثم تطور حالهم حتى إنهم دخلوا في نفي الصفات، فنفوا عن الله عز وجل جميع الصفات الخبرية والاختيارية، وأبقوا لله عز وجل الأسماء وقالوا: إنها أعلام محضة لا مضمون ولا معاني لها، ورأوا أنه ليس في ذلك كبير إشكال، فإن الجهم كان ينفي الصفات والأسماء جميعاً، ويرى أن تعدد الأسماء يستلزم منه تعدد الآلهة، فجاءت المعتزلة وقالوا: لا يلزم ما دام أنها أعلام محضة، فالسارية والعمود والجدار شيء واحد، لكن فرغوها من معناها وصارت أعلاماً محضة، وعندما قالت المعتزلة بخلق القرآن أقنعوا المأمون ، وكان أمير المؤمنين في زمانه، فلما أقنعوه بذلك امتحن أهل العلم وحصلت الفتنة المشهورة التي ثبت فيها الإمام أحمد ونصره الله سبحانه وتعالى، فلما أطلق الإمام أحمد رحمه الله من السجن صار يفتي الناس بالحق، وصار إماماً مشهوراً في كل البلاد، وصار الذين يردون على المعتزلة نوعان:

    النوع الأول: هم الأصل وهم أهل السنة والجماعة من أتباع الإمام أحمد ومن كان من أقرانه أو شيوخه، لكن الإمام أحمد رحمه الله برز كعالم أثر تأثيراً كبيراً في حياة الناس، وإلا فإن هذه العقيدة هي عقيدة القرآن والسنة وعقيدة الصحابة والتابعين قبل الإمام أحمد رحمه الله.

    فالشاهد: أن الاتجاه الأول الذين يردون على المعتزلة: هم أهل السنة والجماعة، وقد ردوا على المعتزلة وأثبتوا الصفات لله سبحانه وتعالى.

    وظهرت طائفة ثانية استخدمت علم الكلام كطريقة في الرد على المعتزلة وكان زعيمهم: عبد الله بن سعيد بن كلاب ، وكان ذكياً واشتغل بعلم الكلام واتبعه طائفة من المشتغلين بعلم الحديث، وردوا على المعتزلة بنفس المنهاج والطريقة وهي: الحجاج العقلي والمناقشات العقلية بعيداً عن القرآن والسنة، فظهرت عندهم بدعة، وهذه البدعة هي: نفي الصفات الاختيارية عن الله عز وجل، فنفوا أن يتكلم الله عز وجل بحرف وصوت، ونفوا المحبة، والبغض والكراهة، والضحك والإرادة، أو فسروها بتفسير يدل على النفي، ونحو ذلك من الأفعال الاختيارية التي سيأتي الإشارة إليها بإذن الله تعالى.

    فأنكر عليهم علماء السنة في زمانهم إنكاراً كبيراً، وأمر الإمام أحمد بهجر عبد الله بن سعيد بن كلاب وسميت هذه الطائفة: الكلابية نسبة إلى عبد الله بن سعيد بن كلاب ، فنفوا الصفات الاختيارية عن الله عز وجل وهي الصفات المتعلقة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وأولوا ما وجدوه في النصوص الشرعية، فوافقوا المعتزلة في هذا الباب.

    عقيدة أبي الحسن الأشعري

    ثم ظهر بعدهم بزمن أبو الحسن الأشعري وقد كان في بداية أمره على طريقة المعتزلة، وكان تلميذاً لـأبي علي الجبائي وهو من أئمة المعتزلة، وكان أبو علي الجبائي زوجاً لـأم أبي الحسن ، فرباه على عقيدة المعتزلة قرابة أربعين سنة، فلما عرف فسادها خرج إلى الناس وقال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا فلان بن فلان كنت أقول بكذا وكذا وكذا، يعني: من عقائد المعتزلة وأنا أنخلع منها كما أنخلع من قميصي هذا، فانخلع من عقيدة المعتزلة ورد عليهم بمصنفات كثيرة.

    ولما خرج أبو الحسن الأشعري من المعتزلة وجد أمامه الذين يردون على الأشاعرة في اتجاهين:

    الاتجاه الأول: اتجاه أهل السنة المتمثل في الإمام أحمد ومن كان معه.

    الاتجاه الثاني: اتجاه الكلابية، ولحبه لعلم الكلام، ولطول اشتغاله بهذا العلم تبنى عقيدة الكلابية وألف في هذه الفترة كتاباً سماه: اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ويقصد بهم: المعتزلة.

    وهذا الكتاب الذي يقرؤه يتبين له أن أبا الحسن الأشعري على عقيدة الكلابية بشكل واضح، وأظنه في هذه الفترة ألف كتاب: استحسان علم الكلام، ورد على المعتزلة بردود كثيرة جداً، ثم تبين لـأبي الحسن الأشعري أن عقيدة الكلابية خطأ وأنها ليست صحيحة، فرجع عنها وألف كتاب: الإبانة عن أصول الديانة، ومقالات الإسلاميين، ومن ضمنها: مقالة عبد الله بن سعيد بن كلاب ذكرها ثم بعد ذلك قال: وأما قول أهل السنة والحديث وهم أتباع الإمام أحمد فإنهم يقولون: وذكر عقيدتهم ثم قال: وبقولهم نقول، فدل هذا على أن كتابه مقالات الإسلاميين دليل على أنه رجع عن عقيدة الكلابية إلى عقيدة أهل السنة، وهذا الرجوع لا يثبته الأشاعرة ولا يعترفون به ولا يقرون به مع وضوحه في كتاب مقالات الإسلاميين.

    أقسام نفاة صفات الله تعالى الاختيارية

    نفاة الصفات الاختيارية ثلاث طوائف:

    الطائفة الأولى: أتباع الجعد بن درهم والجهم بن صفوان ، وهؤلاء أصلاً ينفون هذه الصفات وينفون الصفات الأخرى زيادة عليها.

    الطائفة الثانية: المعتزلة وهؤلاء ينفون الصفات جميعاً، سواء كانت اختيارية أو ذاتية.

    الطائفة الثالثة: الكلابية والأشاعرة والماتريدية، وهم أتباع أبي منصور الماتريدي ، وهو من الحنفية، اتبع منهاج الكلابية، فصار الأحناف المتأخرون على طريقته وطريقة ابن كلاب .

    وعقيدة ابن كلاب أو الكلابية فرخت طائفتين:

    الطائفة الأولى: الأشعرية.

    الطائفة الثانية: الماتريدية.

    والأشعرية والماتريدية هما في الحقيقة وجهان لعملة واحدة، ولهذا حصرت المسائل التي اختلف فيها الأشاعرة والماتريدية فوجدت أنها في بضع عشرة مسألة تقريباً، شققها بعضهم فزادها وضم بعضهم بعض المسائل إلى بعض وجعلها بشكل مختصر، أما المسائل الكبار والقواعد الأساسية فإنهم يتفقون عليها، ويقولون بها.

    إذاً: دروس الصفات مهمة جداً، والحديث عنها مهم جداً؛ لأنها من الصفات التي اتفق النفاة على نفيها، وهناك صفات لم يتفقوا على نفيها، مثل: الصفات الخبرية الذاتية، فالأشاعرة الأوائل يثبتونها كـأبي الحسن الأشعري والباقلاني وبعض تلاميذ أبي الحسن الأشعري كـابن مجاهد والطبري وغيرهما، والطبري هذا ليس هو صاحب التفسير إنما هو رجل آخر من تلاميذ أبي الحسن الأشعري ، فهؤلاء كانوا يثبتون لله الوجه والعينين واليدين والعلو وغير ذلك من صفات الله سبحانه وتعالى التي ينكرها المعتزلة، مع أنهم اتفقوا مع المعتزلة في نفي الصفات الاختيارية عن الله عز وجل.

    إثبات أهل السنة لصفات الله تعالى الاختيارية ومخالفة الجهمية ومن وافقهم في ذلك

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصل في الصفات الاختيارية.

    هذا الفصل تقريباً في خمسين صفحة، وحقيقة: أن ابن تيمية رحمه الله ناقش موضوع الصفات الاختيارية في كتب كثيرة جداً، منها درء التعارض في الأدلة على ثبوت الصفات الاختيارية من القرآن والسنة وأقوال السلف، في المجلد الثاني كله، وقد تعرض لهذا الموضوع ضمن درء التعارض في أماكن كثيرة، وكذلك شرح العقيدة الأصفهانية وبالذات صفة الكلام لله عز وجل، وكذلك التسعينية، وهي: رسالة ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في سنة (706هـ) تقريباً في الرد على الأشاعرة في موضوع الكلام النفسي وهو متعلق بالصفات الاختيارية، فقد رد عليهم من تسعين وجهاً.

    وكذلك شرح حديث النزول، والنزول من الصفات الاختيارية أيضاً، وغير ذلك من الكتب التي ألفها ابن تيمية رحمه الله في هذا الموضوع.

    قال رحمه الله تعالى: وهي الأمور التي يتصف بها الرب عز وجل.

    ثم قال: فالجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم يقولون: لا يقوم بذاته شيء من هذه الصفات ولا غيرها، فهم ينفون الصفات جميعاً، والجهمية ينفون الأسماء أيضاً، والمعتزلة لا ينفون الأسماء وإنما يثبتونها أعلاماً محضة فقط.

    قال: والكلابية ومن وافقهم من السالمية -والسالمية طائفة من طوائف أهل الكلام يميلون إلى التصوف- وغيرهم يقولون: تقوم الصفات بغير مشيئته وقدرته، فأما ما يكون بمشيئته وقدرته فلا يكون إلا مخلوقاً منفصلاً عنه.

    أي: أن الكلابية أثبتوا الصفات الذاتية، أما الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة فقد قالوا: لا يمكن أن تقوم بالله عز وجل، وشبهتهم هي: الخوف من الوقوع في حلول الحوادث بذات الله عز وجل، فإنهم يقولون: إنه إذا كان الله عز وجل يحب هذا العبد وبعد يومين يحب العبد الثاني وبعد ثلاثة أيام يحب العبد الثالث، فمعنى هذا أنه يقوم بذات الله عز وجل حدوث حب العبد في كل مرة، والحقيقة أن كلمة حدوث مصطلح كلامي، فإن كانوا يقصدون به أنه يحدث في ذات الله عز وجل صفة لم تكن موجودة من قبل أبداً، فهذا لا يمكن أبداً، فالله عز وجل قبل أن يحب هذا العبد هو قادر على المحبة وهو سبحانه وتعالى محب، لكن لما حصل فعل الخير من ذلك العبد أحبه سبحانه وتعالى، وإن كانوا يقصدون به أن الله عز وجل يحب متى شاء كيف شاء، فهذا نثبته ولا ننفيه، وهو ما جاء في القرآن والسنة.

    ولهذا فإن مناقشات السلف رضوان الله عليهم لهؤلاء مناقشات دقيقة وقوية جداً، فمثلاً: حصل للأوزاعي ولـإسحاق بن راهويه ولغيرهما من العلماء مناقشات مع هؤلاء، فيقول بعضهم: هل تثبت أن الله عز وجل ينزل؟ فقالوا: نعم. فيقول الكلابي أو الأشعري أو المعتزلي: أنا أكفر بإله يتغير، أو بعضهم يقول: أنا أكفر بإله يزول عن مكانه، فيرد عليه هذا ويقول: أنا أؤمن بإله يفعل ما يشاء؛ لأنك إذا قلت: إن الله عز وجل لا يفعل ما يشاء قد قصرت مشيئته وحصرتها والعياذ بالله، وهذا هو الخطأ العظيم الذي وقعوا فيه.

    قال: وأما السلف وأئمة السنة والحديث فيقولون: إنه متصف بذلك كما نطق به الكتاب والسنة وهو قول كثير من أهل الكلام والفلسفة أو أكثرهم كما ذكرنا أقوالهم بألفاظها في غير هذا الموضع.

    قال: ومثل هذا الكلام فإن السلف وأئمة السنة والحديث يقولون: يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه ليس بمخلوق بل كلامه صفة له قائمة بذاته، وممن ذكر أن ذلك قول أهل السنة، أئمة السنة: أبو عبد الله بن مندة ، وأبو عبد الله بن حامد ، وأبو بكر عبد العزيز ، وهذا من الحنابلة، وأبو إسماعيل الأنصاري وغيرهم، وكذلك ذكر أبو عمرو بن عبد البر نظير هذا في الاستواء وأئمة السنة: كـعبد الله بن المبارك ، وأحمد بن حنبل ، والبخاري ، وعثمان بن سعيد الدارمي ، ومن لا يحصى من الأئمة وذكرهم حرب بن إسماعيل الكرماني عن سعيد بن منصور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه - وسائر أهل السنة والحديث متفقون على أنه متكلم بمشيئته، وأنه لم يزل متكلماً إذا شاء وكيف شاء ... إلى آخر كلامه.

    1.   

    ذكر بعض الصفات الاختيارية وأدلة إثباتها

    الفتنة المشهورة التي وقعت في زمن الإمام أحمد رحمه الله ظهر فيها الخلاف القوي بين أهل السنة والجماعة وبين المعطلة، وهو تقريباً من أوائل الصدامات التي وقعت بين أهل السنة من جهة والمعطلة من جهة أخرى، وهو مبني على قضية خلق القرآن، فإن قضية خلق القرآن نشأت من نفيهم للصفات الاختيارية عن الله عز وجل، فلما نفوا هذه الصفات عن الله عز وجل، بدءوا يؤولون ويعطلون.

    صفة المحبة

    من الصفات الاختيارية: صفة المحبة، يقول الله عز وجل: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195].

    ويقول سبحانه وتعالى: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:9].

    ويقول تعالى: فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:7].

    وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222].

    وقوله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].

    وقوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54].

    وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4].

    وقوله: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ [البروج:14].

    فالمحبة من الصفات الفعلية الثابتة لله سبحانه وتعالى التي يفعلها متى شاء كيف شاء سبحانه وتعالى، وقد تنوعت دلالات الكتاب والسنة على إثبات هذه الصفة، فتارةً ينص فيها باسم المحبة، كقوله تعالى: يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195]، يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة:42]، يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران:76]، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222]، إلى آخر الآيات.

    وتارة تأتي باسم الخلة، والفرق بين الخلة والمحبة هو: أن الخلة أعلى درجات المحبة، ويدل على ذلك قول الله عز وجل: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء:125].

    وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً) رواه مسلم ، ويريد بصاحبكم نفسه.

    وأيضاً: جاءت الدلالة على محبة الله عز وجل في اسمه الودود، وقد ورد في القرآن الكريم في موضعين:

    الموضع الأول: قول الله عز وجل: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ [البروج:14].

    الموضع الثاني: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود:90].

    والودود: فعول يأتي بمعنى: فاعل أي: وادًّ، ومعناه: محب، والمودة والمحبة بمعنى واحد، ويأتي بمعنى: مفعول، فودود بمعنى: مودود، أي: محبوب، فالله عز وجل يحِب ويحَب، فهو يحب الصالحين الطيبين، ويحب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق والإخلاص والتوحيد، ونحو ذلك من المخلوقات الشريفة أو من الأوامر التي أمر بها، وكذلك هو سبحانه وتعالى محبوب من عباده الصالحين الطيبين الموحدين.

    والدليل على أنه محبوب قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].

    وقوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، فيه إثبات أن الله عز وجل يحب، وأن الله عز وجل محبوب عند عباده الطيبين.

    ووجه الدلالة من هذه الآيات التي ساقها المصنف واضح، وقوله تعالى: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:9] المقصود بالقسط هنا: العدل، وقد أعجبني تعليق ممتاز للشيخ محمد العثيمين في شرح هذه الآية في تفسيره لهذه الآية، فإنه عند حديثه عن القسط وأنه العدل، قال: إن الشرع جاء بالأمر بالعدل، ويخطئ من يقول: إن الإسلام دين المساواة، ويقصد بالمساواة أن كل شيء يساوي بعضه بعضاً.

    ومما يخطئ فيه بعض الدعاة إلى الله عز وجل عند ردهم على دعاة تحرير المرأة أنهم يقولون: الرجل مساوٍ للمرأة، فبعض الدعاة يرد عليهم ويقر لهم بهذه القاعدة ويقول: نعم، هو مساو للمرأة لكن ينبغي للمرأة أن تحافظ على شرع الله، فالإقرار لهم بهذه المقدمة إقرار خاطئ، فإن المرأة ليست مساوية للرجل، فهي مختلفة عنه في أشياء كثيرة، مختلفة عنه في الصفات والخلقة وفيما أمر الله عز وجل وفي طبيعتها وفيما يتعلق بها من أوامر الشرع، ولا يعني هذا أن المرأة مهانة في دين الله، فهي معززة ومكرمة لكن ليست مساوية للرجل، ولا يعني تعزيز المرأة وتكريمها أن تكون مساوية للرجل، وكلمة المساواة شعار لطائفة من الطوائف الإجرامية الخبيثة وهي: الماسونية، فإن الماسونية اتخذوا هذه الكلمة شعاراً للحرية والمساواة، فالمساواة يعتبرونها شعاراً، ولا ينبغي أن يطلقها الإنسان، ويمكن لكم أن تراجعوا كلام الشيخ محمد بن عثيمين فهو كلام نفيس وممتاز جداً.

    فصفة المحبة ثابتة لله عز وجل من ثلاثة أوجه:

    من وجه التصريح بالمحبة، ومن وجه إثبات الخلة، ومن وجه اسمه الودود.

    أما أهل البدع فإنهم ينفونها ويؤولون معناها، فالجهمية تنفيها أصلاً، والمعتزلة تنفيها تماماً، والأشاعرة والماتريدة ينفونها عن الله عز وجل، ويقولون: إن المحبة والمودة والخلة بمعنى: إرادة الإحسان، فيفسرونها بالإرادة، ويردون تفسير الصفة إلى صفة أخرى، وهي ليست متفقة معها في المعنى، فهو تأويل في الحقيقة، فالإرادة صفة والمحبة صفة، فعندما تفسر بها هو نفي لصفة المحبة لله سبحانه وتعالى.

    ولاشك أن الله عز وجل كما يحب فهو محبوب، وقد نفى طوائف من أهل الكلام إثبات أن الله عز وجل يحب، ولهذا سماهم السلف غلاظ الأكباد، فيقولون: الله لا يحب ولا يحب، فحرموا أنفسهم من إثبات هذه الصفة التي يحبها الإنسان دائماً، ونفوا ما هو موجود في ضرورة الإنسان من محبته لله سبحانه وتعالى.

    صفة الرحمة

    والصفة الأخرى هي: الرحمة، وقد استدل المصنف لها بقوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [النمل:30] وهي آية في سورة النمل.

    وقوله: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:7].

    وقوله: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43].

    وقوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156].

    وقوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54].

    وقوله: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:107].

    وقوله: فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:64].

    وفي هذه الآيات إثبات صفة الرحمة لله سبحانه وتعالى، يقول ابن الوزير اليماني الذي يعتبر من العلماء المتقنين الفطاحلة، وله كتاب العواصم والقواصم في تسعة مجلدات، و(إيثار الحق على الخلق)، وله كتب متعددة، وهو من المجتهدين، وقد كان زيدياً فرجع إلى عقيدة أهل السنة، يقول في كتابه (إيثار الحق على الخلق): كرر الله تعالى التمدح بالرحمة في أكثر من خمسمائة مرة في كتابه الكريم، منها: باسمه الرحمن أكثر من مائة وستين مرة، وباسمه الرحيم أكثر من مائتي مرة، وجمعهما للتأكيد مائة وست عشرة مرة.

    والأدلة التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله في الواسطية تدل على إثبات صفة الرحمة من طريقين:

    الطريق الأول: من اسمه الرحمن والرحيم، فإن اسمي الرحمن الرحيم يدلان على صفة الرحمة، ومن التصريح بصفة الرحمة وذلك موجود في قوله تعالى: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً [غافر:7] والرحمة هي الصفة.

    وقوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156].

    وأيضاً: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54].

    فهذا هو الطريق الثاني في إثبات هذه الصفة.

    وقد دل على صفة الرحمة أيضاً: مجموعة من الصفات الأخرى منها: الرأفة، يقول الله عز وجل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:83] واسم الله عز وجل الرءوف، وقد ورد اسم الله عز وجل الرءوف في عشرة مواضع في القرآن، منها: قول الله عز وجل: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]، وغيرها من المواضع، فالرأفة بمعنى: المحبة، وهناك فرق بين الرأفة والمحبة، وهو: أن الرأفة أرق وأخص من المحبة، وهي كما عبر ابن جرير الطبري في تفسيره للرأفة لاسم الله الرءوف في تفسير القرآن أنها أعلى معاني الرحمة.

    وكذلك من الصفات التي وردت بمعنى الرحمة: الروح، يقول الله عز وجل: وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ [يوسف:87]، فالمقصود بروح الله رحمة الله عز وجل، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الريح من روح الله) ومعنى من روح الله أي: من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده، وهذا الحديث صحيح رواه أبو داود وابن ماجة والإمام أحمد في مسنده.

    ويقول ابن الأثير رحمه الله في غريب الحديث عن حديث الريح: (ومن روح الله) أي: من رحمته بعباده.

    وقال النووي في الأذكار عندما ذكر هذا الحديث: هو بفتح الراء روح: قال العلماء: أي: من رحمة الله بعباده، وكذلك ذكر ضبط هذا الحديث من روح الله أحمد شاكر في المسند وفسرها بأنها من رحمة الله، وكذلك الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في تعليقه على الكلم الطيب، قال: الروح هنا بفتح الراء والمقصود بها: الرحمة، والعجيب أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجلد التاسع في الفتاوى ظن أن معنى روح الله -بضم الراء- الجنة وقال: إن هذه من إضافة المخلوق إلى خالقه، وإنها مثل: وعيسى روح منه، والظاهر -والله تعالى أعلم- أن الصحيح هو أن ضبط الرواية: (من رَوح الله).

    وكذلك ورد الحديث عن الرحمة في صفة أخرى، وهي: الحنان، والحنان من صفات الله عز وجل وهي واردة في القرآن الكريم، يقول الله عز وجل: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا [مريم:12-13].

    فقوله: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا [مريم:13] فسرها جماعة من السلف منهم: ابن جرير وغيره بأنها: محبةً منا، أي: رحمةً منا.

    وذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية أن قوله: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا [مريم:13] أن حناناً راجعة إلى يحيى والمعنى أن حناناً وصف ليحيى، ويبدو -والله تعالى أعلم- أن قوله: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا [مريم:13] صفة من صفات الله عز وجل كما حكاه ابن جرير الطبري والبغوي وغيرهما من المفسرين، ويدل على ذلك: حديث أبي سعيد الخدري الطويل في صحيح مسلم في أحداث اليوم الآخر والكلام على الشفاعة وأنه بعد الشفاعة جاء في الحديث: (ثم يتحنن الله برحمته على من فيها) يعني: على من في النار، (فما يترك عبداً في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها).

    وهذه الرواية ليست في الحديث الأصل الوارد في صحيح مسلم ، وإنما رواه الإمام أحمد في المسند، وابن جرير الطبري في التفسير، وابن خزيمة في كتاب التوحيد، وعبد الله بن المبارك في كتابه الزهد.

    إذاً: نلاحظ أن ثبوت صفة الرحمة جاء من أكثر من دلالة أو صفة، فعندنا التصريح باسم الله عز وجل الرحمن الرحيم، والتصريح بصفة الرحمة، وإثبات صفة الرأفة المأخوذة من اسمه الرءوف، وإثبات صفة الروح، وإثبات الحنان لله عز وجل، وهي: بمعنى المحبة، وقد أولها الأشاعرة والماتريدية وقالوا: الرحمة إرادة الثواب، أي: إرادة ثواب الطائعين، فأولوها ونفوا الصفة الحقيقية.

    صفة الرضا والغضب والسخط

    الصفة الأخرى صفة الرضا والغضب والسخط لله عز وجل، يقول الله عز وجل: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة:119].

    وقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء:93].

    وقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [محمد:28].

    وقوله: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:55].

    وقوله: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ [التوبة:46].

    وقوله: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:3].

    وهذه الآيات مشتملة على مجموعة من الصفات، منها: إثبات الرضا لله عز وجل، وهي: صفة فعلية ثابتة لله عز وجل أنه يرضى سبحانه وتعالى، وهي مأخوذة من قوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [المائدة:119].

    ومنها: إثبات صفة الغضب لله عز وجل، وأنه يغضب من أخطاء العباد أو نحو ذلك، وقد ثبت في حديث الشفاعة الطويل أنه عندما يطلب من الأنبياء الشفاعة فإنهم يقولون: (إن الله غضب غضباً لم يغضب مثله قط، ولن يغضب بعده مثله).

    وقد ورد الغضب باسم السخط، فالسخط بمعنى: الغضب، ولهذا ذكر شيخ الإسلام الآيتين:

    وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ [النساء:93].

    وقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [محمد:28].

    فالسخط والغضب متقاربان في المعنى.

    صفة الأسف

    نثبت لله صفة الأسف، لقوله: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:55] أي: أغضبونا، والأسف: هو شدة الغضب، والجهمية والأشاعرة والماتريدة يؤولون الغضب بأنه إرادة الانتقام، وبعضهم يفسره بأنه الانتقام نفسه، لكن الآية: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا [الزخرف:55] فيها التفريق بين الأسف الذي هو الغضب والانتقام، ولو كان معناهما واحداً لما فرق بينهما، فإنهما افترقا لفظاً ومعنى، فقوله: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا [الزخرف:55] فالأسف الغضب، ونتيجة الغضب هو: انتقام الله عز وجل منه.

    صفة المقت والكره

    صفة المجيء والإتيان

    صفة المجيء والإتيان من الصفات الاختيارية الفعلية الثابتة لله عز وجل، قال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ [البقرة:210].

    وفي هذه الآية فرق بين إتيانه سبحانه وتعالى وإتيان الملائكة، فإنه قال: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ [البقرة:210] يعني: والملائكة يأتون، وهذا يدل على بطلان تأويل الأشاعرة الذين أولوا الإتيان بأنه ملك من الملائكة يرسله الله عز وجل.

    وقوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام:158] وهذا تفريق آخر في الإتيان.

    وقوله: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:21-22].

    وفي كل آية من هذه الآيات التفريق بين مجيئه وإتيانه وبين مجيء الملائكة وإتيانهم.

    وبعضهم يقول: مجيء أمره، وهذا: تأويل للصفة، فإن الله عز وجل يأتي بنفسه سبحانه وتعالى.

    وقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا [الفرقان:25] ظاهر هذه الآية: أنه ليس فيها دلالة على مجيء الله عز وجل بوجه خاص، وليس فيها إلا إثبات نزول الملائكة، والشيخ رحمه الله من طريقته في بعض الأحيان أنه يحشد النصوص حتى ولو كان في بعضها طرف استدلال، وليس استدلالاً مباشراً، ووجه الاستدلال من هذه الآية: هو من قوله: تَشَقَّقُ السَّمَاءُ [الفرقان:25] فإن تشقق السماء بالغمام لا يكون إلا إذا جاء الله عز وجل وأتى كما يدل عليه قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ [البقرة:210] فإن الله سبحانه وتعالى إذا جاء تشققت السماء بالغمام.

    1.   

    الأسئلة

    الفرق بين الصفات الاختيارية والصفات الفعلية

    السؤال: ما هو الفرق بين الصفات الاختيارية والصفات الفعلية؟

    الجواب: ليس هناك فرق بين الصفات الاختيارية والصفات الفعلية، فالصفات الفعلية والاختيارية صفات واحدة، وإنما سميت الاختيارية لتعلقها بالمشيئة والاختيار.

    موقف الجهمية والمعتزلة والأشاعرة من الصفات الاختيارية

    السؤال: هل الجهمية ينكرون الصفات الاختيارية فقط؟

    الجواب: الجهمية ينكرون أسماء الله عز وجل وينكرون صفاته الذاتية وصفاته الفعلية.

    والمعتزلة اقتصروا على نفي الصفات الذاتية والفعلية وأثبتوا الأسماء.

    والأشاعرة المتأخرون منهم صاروا مثل المعتزلة، والمتقدمون منهم أثبتوا بعض الصفات الذاتية، ونفوا الصفات الاختيارية.

    الفرق بين الجهمية والمعتزلة في نفي الأسماء

    السؤال: ما هو الفرق بين الجهمية والمعتزلة في نفي الأسماء؟

    الجواب: المعتزلة يقولون: له أسماء، ويثبتون أنه عالم قادر وهكذا، لكن الجهمية يقولون: لا نسميه بهذه الأسماء مطلقاً؛ لأنه يلزم منها التعدد.

    علم الله تعالى السابق وأثره في ترتب الثواب والعقاب عليه

    السؤال: هل يترتب الثواب والعقاب على علم الله السابق للعبد؟

    الجواب: لا يترتب الثواب والعقاب على علم الله عز وجل، لكن الله عز وجل عندما علم أن العبد سيفعل كذا، فهو سيفعله قطعاً، ولهذا كتب سبحانه وتعالى ما علمه، ولا يرتب الثواب والعقاب إلا إذا فعله، وهو فاعله قطعاً؛ لأنه لا يمكن أن يعلم الله أنه سيفعله ولا يفعله، فالله عز وجل علمه شامل تام.

    ولهذا فإن الأطفال مثلاً أو المعتوهين أو أهل الفترة مع أن الله عز وجل علم بما كانوا عاملين إلا أنه لا يعذبهم حتى يمتحنهم في الآخرة على الصحيح من أقوال أهل العلم.

    مذهب أبي الحسن الأشعري قبل رجوعه إلى مذهب أهل السنة

    السؤال: ذكرتم مراحل أبي الحسن الأشعري رحمه الله، ولم تذكروا مذهبه، فهلا ذكرتم مذهبه قبل الرجوع إلى أهل السنة في الجملة؟

    الجواب: أبو الحسن الأشعري لما رجع من المعتزلة وقبل أن يرجع للسنة، كان على مذهب الكلابية.

    سبب نفي الكلابية للصفات الاختيارية

    السؤال: ما هو السبب في نفي الكلابية للصفات الاختيارية دون غيرها؟ وما هي شبهتهم؟

    الجواب: شبهتهم هي: نفي حلول الحوادث بذات الله عز وجل.

    توجيه بشأن قراءة الطالب المبتدئ كتاب مقالات الإسلاميين

    السؤال: كتاب مقالات الإسلاميين هل يقرؤه طالب العلم المبتدئ؟

    الجواب: مقالات الإسلاميين لـأبي الحسن كتاب لا ينفع طالب العلم المبتدئ، وإنما ينبغي على طالب العلم المبتدئ أن يبتدئ بصغار العلم قبل كباره، وأن يبتدئ بالتفقه وتفهم أحكام الله عز وجل في العقيدة وفي الأحكام الفقهية.

    الموقف من الرد على المعتزلة بردود الأشاعرة العقلية

    السؤال: هل لطالب العلم أن يرد المعتزلة بردود الأشاعرة العقلية مع القرآن والسنة؟

    الجواب: ردود الأشاعرة العقلية على المعتزلة ليست في الغالب ردوداً صحيحة، بل فيها لوازم باطلة بناءً على مذهبهم، ولهذا فإن في القرآن والسنة غنية وكفاية عن استخدام ردود هؤلاء، وإن كان قد يوجد في بعض كلامهم ما هو صحيح، وشيخ الإسلام في بعض الأحيان قد يستخدم هذا الأسلوب للرد على أهل الكلام بكلامهم نفسه، لكن شيخ الإسلام ممن يميز المسائل ويفحصها جيداً، وهو يختلف عن غيره، فلا يصلح هذا لكل أحد.

    حكم التسمي بحنان ورحمة

    السؤال: هل يجوز التسمي باسم حنان ورحمة؟

    الجواب: التسمية بحنان أو رحمة إذا كان فيها تزكية فلأهل العلم كلام أنه لا يجوز، لكن إذا كان المقصود مطلق الاسم فليس فيه شيء أن تسمى حناناً أو رحمة.

    وإضافة الرحمة إلى الله عز وجل نوعان:

    إضافة صفة إلى موصوف، وإضافة مخلوق إلى خالق، ولهذا قد تسمى الجنة في بعض الأحيان رحمة الله، وقد يسمى المطر رحمة الله أيضاً.

    المعنى المراد من وصف الله تعالى بصفة الأسف

    السؤال: أليس من معاني الأسف شدة الحزن؟ وهل يجوز نسبة هذا المعنى إلى الله؟

    الجواب: الأسف هنا ليس معناه شدة الحزن، وإنما معناه شدة الغضب، ولا يجوز نسبة شدة الحزن إلى الله عز وجل.

    نقد كتاب (الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير) لخالد العنبري

    السؤال: ما رأيكم في كتاب الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير لـخالد العنبري ؟

    الجواب: هذا الكتاب فيه أشياء صحيحة، وفيه بعض الأشياء التي عليها ملاحظات، ومن هذه الأشياء مسألة القوانين الوضعية، فإن مؤلفة يرى أن القوانين الوضعية إذا عملها الإنسان وهو غير مستحل لها ولا يرى أنها أفضل من شريعة الله أو أنها مساوية لها بدون أي علاقة بالاعتقاد، فالقوانين الوضعية بهذه الحالة من جهة الفعل فقط معصية، والصحيح أنها كفر مخرج عن الإسلام.

    وعندما ذكر الحكم بغير ما أنزل الله ذكر أنواع الاعتقادات ثم ختمها بتطبيق القوانين الوضعية، وهذا يدل على أن الأخير الذي هو تطبيق القوانين الوضعية يختلف عن الأول؛ لأنه لو كان هو الأول لما كان هناك داعي لإفراده بنوع خاص، وهذا يدل على أن الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله كان يرى أن تطبيق القوانين الوضعية من جهة الفعل كفر يخرج عن الإسلام، حتى لو لم يخالطه استحلال قلبي أو أنه يرى أنها أفضل من شرع الله، أو نحو ذلك، وهذا هو الصحيح والحق الذي لا مرية فيه، وقد سبق أن أشرنا إلى الأدلة في هذا، ويمكن أن تراجعوا كتاب الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه للشيخ عبد الرحمن المحمود ، وقد سبق أن أشرنا إلى أدلة في هذا الموضوع.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3015923514

    عدد مرات الحفظ

    723745449