إسلام ويب

العقيدة الواسطية [1]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتقد أهل السنة والجماعة أصول الإيمان وأركانه الستة, ومن جملة تلك الأصول الإيمان بصفات الله تعالى من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل, في جملة عظيمة من مسائل الاعتقاد في هذا الباب المدونة في كتبهم, ومن أهمها كتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي عني به مؤلفه وعني به العلماء من بعده.

    1.   

    أهمية العلم الشرعي في العصر الحاضر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه، وبعد:

    فإن هذه الأمة بخير وإلى خير ولله الحمد، فنحن في هذه الأيام نعيش صحوة ويقظة إسلامية واضحة، يراها الإنسان في كثرة طلاب العلم والمشتغلين بالدعوة إلى الله عز وجل، فضلاً عن الملتزمين بأحكام الدين والمشتغلين بالعبادة ونحوها، ولكننا نعيش في نفس الوقت فترة حرجة في حياة هذه الأمة، وذلك لكثرة الأفكار والآراء والاتجاهات التي نعيشها في هذا الزمان، فقد كثرت الأفكار والآراء والمناهج والأحزاب والتيارات التي تنادي بالكفر، وتدعو إلى البدع، وإلى الضلالة، وأصبحت هذه التيارات والمناهج والفرق ذات قوة كبيرة في حياة الناس، وتمتلك قوة مالية وإعلامية لتوصيل هذه الأفكار والمناهج إلى كل أقطار الدنيا.

    ينبغي علينا ونحن في هذه الفترة الحرجة أن نعلم العلاج الذي ينقذنا أولاً، والذي ييسر لنا إنقاذ أمتنا ثانياً، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بالعلم، فالعلم بالشرع وبأحكام الدين والتعلم هما الوسيلة الناجحة للخروج والخلوص من هذه المزالق الوعرة، ومن هذه التيارات والأفكار والمناهج التي تهدد عقيدة الإنسان وفكره ومنهجه في الحياة.

    ومن هنا كان للاهتمام بالعلم وبدراسته أهمية كبرى، ومكانة عظمى في إنقاذ الإنسان لنفسه ولغيره من الناس عندما يكون داعية إلى الله سبحانه وتعالى، فلا بد إذاً من دراسة العلم دراسة تفصيلية يتفقه الإنسان من خلالها في أحكام دينه، ويتعلم فيها العقيدة الصحيحة، ومناهج الاستدلال الصحيحة بعيداً عن الآراء الضالة والمناهج المنحرفة، وهي خطيرة كل الخطر، تمتلك أدوات قوية جداً لنقل أفكارها ومناهجها، ومن هنا كان طلب العلم مهم جداً في إنقاذ الإنسان لنفسه.

    1.   

    معالم في منهج دراسة العلم

    وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالعلم، وحث عليه، وبين فضله وفضل أهله، وبين منزلتهم، حتى أن أهل العلم صنفوا كتباً مستقلة في هذا الموضوع تبين منهج الإنسان في دراسته للعلم، والعلم يحتاجه كل مسلم، وطالب العلم على وجه الخصوص يحتاجه أكثر، كما لا بد لطالب العلم من دراسة المنهج الذي يسير عليه حتى يصل إلى العلم بالطريقة الصحيحة؛ فإنه ليس كل مشتغل بالعلم أو كل قارئ للعلم يكون طالب علم فعلاً، فإنه في بعض الأحيان قد يقرأ الإنسان كثيراً ويشتغل بالعلم كثيراً، لكنه يشتغل على منهج خاطئ، وحينئذٍ قد تمر عليه السنتان والثلاث والعشر فلا يستفيد شيئاً بسبب الطريقة التي سلكها في دراسة العلم، ومن هنا كانت المنهجية في طلب العلم مهمة جداً لطالب العلم حتى يصل إلى نتيجة صحيحة بإذن الله تعالى.

    ومن معالم هذا المنهج الذي نحن بحاجة إليه: أن يدرس الإنسان صغار كتب العلم قبل كباره، وأن يتدرج الإنسان في طلبه للعلم، وأن يبدأ أول ما يبدأ بالعلم في العقيدة والأحكام، فيتعلم العقيدة الصحيحة، ويعلم الأحكام الفقهية التي يصح بها عمله، وكذلك ينبغي على طالب العلم أثناء دراسته لذلك أن يهتم بالمنهج الصحيح في الاستدلال، وينبغي أن يعرف قواعد أهل العلم في الاستدلال الصحيح، فليس كل استدلال يكون صحيحاً، عندما يأتي إنسان مثلاً ويبني عقيدة أو فكرة أو رأياً على قصة أو رؤيا أو قول من أقوال أهل العلم السابقين، ويترك النصوص الشرعية الواردة في ذات الموضوع، فلا شك في أنه مخالف للمنهج الصحيح في الاستدلال والوصول إلى الرأي الحق والمنهج الصحيح.

    إذاً: لا بد أن يتعلم الإنسان قواعد الاستدلال، فأول ما يستدل ينبغي أن يستدل بالقرآن وبالسنة الصحيحة الثابتة، ثم بالإجماع، ثم بالقياس الصحيح المنضبط الذي تتحقق فيه شروط القياس وتنتفي عنه موانعه عند عدم وجود الأدلة السابقة، وليس الكلام على مناهج الاستدلال وقواعده مرادنا، وإنما المراد الإشارة إلى أهمية الاستدلال وضرورته لطالب العلم.

    إذاً: لا بد من المنهجية في دراسة العلم، ومن هنا كانت هذه الدروس التي تعقد -ولله الحمد- في المساجد بين الفينة والأخرى لتعليم العقيدة والأحكام ومناهج الاستدلال وقواعده حتى تصح عقيدة الإنسان، ويصح منهجه، وبالتالي يصح كل ما يبنى عليه، مثل الدعوة إلى الله عز وجل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك مما تحتاجه الأمة لتنمية نفسها وتطويرها.

    والعقيدة الواسطية هي لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو عالم معروف له قيمته العلمية في تاريخ العلم الشرعي، وقد ترجم له كثير من العلماء بل صنفت بشأنه تراجم مستقلة رحمه الله تعالى.

    ولا يمكن لنا لطول سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن نستعرضها بشكل مفصل، لكن يمكن مراجعة سيرته بشكل مفصل في الكتب التي ترجمت له، ومن الكتب العصرية التي ترجمت له بشكل منظم: كتاب الدكتور عبد الرحمن المحمود : (موقف ابن تيمية من الأشاعرة)، فقد ترجم له ترجمة طويلة.

    1.   

    منهج دراسة العقيدة

    قبل أن نتحدث عن العقيدة الواسطية، أحب أن أتحدث عن منهج دراسة العقيدة قبل ذلك، وذلك أن منهج دراسة العقيدة مبني على أصلين: الأصل الأول: تأصيل العقيدة وتصحيحها، وذلك بدراسة العقيدة المأخوذة من الكتاب والسنة بشكل صحيح، وهذه الدراسة دراسة نظرية، وقد صنف فيها أهل العلم كتباً كثيرة، ومن هذه الكتب العقيدة الواسطية.

    والأصل الثاني: تأصيل العقيدة في القلوب، ومعنى هذا: العناية بآثار العقيدة في النفوس، فعندما يؤمن الإنسان بأن الله عز وجل هو العليم يكون له أثر كبير جداً في نفسه، ويورث في قلبه مراقبة الله عز وجل، ومراقبة الله عز وجل -الذي هو عمل من أعمال القلوب- حصل بناءً على إيمانه بأن الله عز وجل هو العليم الرقيب، وهكذا تجد أن لموضوعات العقيدة آثاراً سلوكية مؤثرة في قلب الإنسان وسلوكه وآدابه، وتجد أن أكثر أعمال القلوب مبنية على أصل عقائدي سابق؛ فمثلاً محبة الله عز وجل تنشأ عندما يعلم الإنسان أن الله عز وجل رحيم بعباده، وأنه سبحانه وتعالى كريم، وأنه سبحانه وتعالى جواد.

    أيضاً الخوف من أعمال القلوب، وهو ينشأ عندما يعلم الإنسان أن الله عز وجل شديد العقاب ذو انتقام سبحانه وتعالى، وأنه سبحانه وتعالى الكبير. وهكذا تنشأ كثير من الأعمال الموجودة في قلب الإنسان بناءً على هذه العقائد.

    أيضاً عقيدة الإيمان باليوم الآخر وبالقدر وبالملائكة كل هذه لها آثار سلوكية عظيمة جداً في حياة الإنسان، فهذا نوع آخر من دراسة العقيدة، وهو مهم جداً لطالب العلم أن يهتم به، وأن يستفيد منه.

    1.   

    نبذة تعريفية بالعقيدة الواسطية

    يمكن أن نتحدث عن العقيدة الواسطية في خمس نقاط:

    تاريخ تأليف العقيدة الواسطية

    أولاً: تاريخ تأليفها:

    كل الشراح الذين شرحوا هذه العقيدة لم يؤرخوا لتأليفها، وتاريخ تأليف هذه العقيدة هو في سنة 698هـ.

    يدل على ذلك: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما امتحن في رجب من سنة 705هـ، وجاء مرسوم السلطان من مصر إلى نائب السلطنة في بلاد الشام، وجمع نائب السلطنة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والقضاة والمفتين والعلماء المشهورين في بلاد الشام في تلك الفترة، وقال له: إن هذا المجلس عقد من أجل مسائلتك عن اعتقادك.

    أراد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بداية الأمر أن يملي لهم اعتقاده، فلما أملى عليهم شيئاً من اعتقاده توقف، وقال لهم: قد تقولون: إن الإنسان إذا أملى من حفظه أنه يداري ويداهن، لكنني سآتي لكم بعقيدة كتبتها قبل سبع سنين قبل دخول التتر لبلاد الشام، فجاء بالعقيدة الواسطية.

    وهكذا سماها شيخ الإسلام رحمه الله العقيدة الواسطية، فقرئت عليهم. وستأتي الإشارة إلى ما حصل في هذه المجالس التي نوقش فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذه العقيدة.

    وهذا النص من كلام ابن تيمية رحمه الله يدل على أن تاريخ تأليف هذه العقيدة كان في سنة 698هـ، فإن تاريخ الامتحان له كان في 705هـ، وإذا أخذت منها السبع سنين المذكورة تحصل لك أنه كتبها في سنة 698هـ.

    سبب تأليف العقيدة الواسطية

    ثانياً: سبب تأليفها:

    ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في حكايته للمناظرة التي حصلت بسبب العقيدة الواسطية: أنه جاءه قاضٍ من واسط، وواسط مدينة تقع بين الكوفة والبصرة في جنوب العراق -سميت واسطاً لتوسطها بين الكوفة والبصرة- جاء هذا القاضي حاجاً ومر ببلاد الشام، ووجد شيخ الإسلام رحمه الله، وطلب منه أن يكتب له عقيدة، وذكر له أن الناس اختلفوا في العقائد، فقال له: أريدك أن تكتب لي عقيدة أنقلها عنك، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بداية الأمر: إن الناس كتبوا عقائد كثيرة فارجع إليها، فألح عليه هذا القاضي، وسماه ابن تيمية رحمه الله رضي الدين الواسطي ، ونسبه إلى مذهب الشافعي رحمه الله، فكتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه العقيدة، وهذا السبب نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ، فهو ليس مأخوذاً من كتب التاريخ، أو من توقعات بعض تلاميذه، وإنما هي مأخوذة من كلام شيخ الإسلام رحمه الله نفسه.

    وقد عظمها شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً عندما حكى المناظرة التي حصلت له مع أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، وقال: إن هذه العقيدة جمعت أبواباً كثيرة، وأن في كل كلمة منها خلافاً مع فرقة من الفرق، وهذا يدل على أنه كان يكتب هذه العقيدة بعناية تامة، وأنه كان في كل كلمة يعرف من يقصد وماذا يقصد، وما هو ميزانها، مع أنه كتبها رحمه الله تعالى في جلسة بعد صلاة العصر، وكان عمره في تلك الفترة ثلاثة وثلاثين سنة، يعني: كان في بداية نشأته العلمية، إلا أنه رحمه الله كان عالماً فحلاً عظيماً أجيز بالإفتاء قبل العشرين.

    حكاية المناظرة بين شيخ الإسلام ومناوئيه فيما تضمنته العقيدة الواسطية

    ثالثاً: المناظرة:

    شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما دعي بمرسوم السلطان الذي جاء إلى نائب السلطنة إلى هذا المجلس، واجتمع قضاة المذاهب الأربعة ومع المفتون وأيضاً عدد كبير من أهل العلم، وأملى عليهم شيخ الإسلام رحمه الله في البداية شيئاً من هذه العقيدة، إلا أنه توقف وجاء بهذه العقيدة من منزله، وهم يعلمون أن الكلام الذي يقوله في حال السراء والضراء واحد، وأنه لا يتردد في ذلك، فجيء بهذه العقيدة ونوقش في ثلاث مجالس، كان المجلس الواحد يبتدئ من الضحى ولا ينتهي إلا في منتصف الليل، وكان قوي الحجة رحمه الله تعالى، ومن أراد أن يقف على هذه القصة فيمكن أن يراجع المجلد الثالث من مجموع الفتاوى في صفحة مائة وستين؛ فإنه ذكر مناقشة هؤلاء له بشكل مفصل، ومن ذلك.

    يقول بعد المقدمة: [أما بعد: فقد سئلت غير مرة أن أكتب ما حضرني ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة في أمر الاعتقاد، بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد، لما سعى إليه قومه من الجهمية والاتحادية والرافضية وغيرهم من ذوي الأحقاد، فأمر الأمير بجمع قضاة المذاهب الأربعة وغيرهم من نوابهم والمفتين والمشائخ ممن له حرمة وبه اعتداد، وهم لا يدرون ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد، وذلك في يوم الإثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة، فقال لي: هذا المجلس عقد لك، فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد، وأظنه قال: وأن أجمع القضاة والفقهاء وتتباحثون في ذلك، فقلت: أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني، ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه سلف الأمة].

    وفي هذا درس عظيم جداً في منهج التعلم، وهو: أن الإنسان في بنائه لعقيدته ولدينه ينبغي أن يعرف أن المصدر الأساسي هو القرآن والسنة وإجماع السلف الأولون، وألا يكون مقلداً في أمور العقائد، وأن يتفهم أحكام الشرع الواردة في القرآن والسنة.

    قال: [فما في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، مثل صحيح البخاري ومسلم إلى غير ذلك].

    ثم يقول: [ثم قلت للأمير والحاضرين: أنا أعلم أن أقواماً يكذبون علي كما قد كذبوا علي غير مرة].

    وصدق فإن شيخ الإسلام رحمه الله كذب عليه كثيراً، وأنتم تعلمون أن ابن بطوطة صاحب الرحلة المشهورة كذب عليه، فإنه قال: رأيت ابن تيمية في جامع دمشق -يعني: الجامع الأموي- يخطب في الناس، ويقول: إن الله تعالى ينزل من السماء إلى السماء الدنيا -ونزل من المنبر- كنزولي هذا، والعجيب أن ابن بطوطة دخل في تلك السنة التي كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مسجوناً فيها، فهي كذبة صريحة واضحة، فقد كُذب عليه كثيراً حتى أنهم قالوا عنه: إنه كاتب التتر، وأراد مصانعتهم، مع أنه له موقف عظيم جداً من قازان يعرفه كثير من طلاب العلم الذين قرءوا ترجمته رحمه الله.

    بل إنه كان من صلاحه كما يذكر هو: أنه تحدث عن قضية الجن والشياطين والاعتقاد السخيف فيهم، ثم قال: إنه في بعض الأحيان قد يوجد من الجن الصالحين من يدعو الإنس إلى الله عز وجل، وذكر قصة وهي: أن أحد أمراء الروم قاتل في معركة، ثم هزم فيها، فهام على وجهه أي: ضل الطريق، وبينما هو في أثناء الطريق إذ جاءه رجل وكان ذلك القائد يكاد أن يموت من الجوع والعطش، فدعاه إلى الله عز وجل، فلما أسلم ونطق الشهادتين أعطاه شيئاً من الأكل والشرب، فلما قال له: من أنت؟ قال: أنا ابن تيمية ، يقول: فجاء هذا الأمير وأخبر صاحب ماردين، وصاحب ماردين أخبر صاحب مصر، وكان ابن تيمية رحمه الله في تلك الفترة مسجوناً في سجن الجب في مصر، يقول: فتعجبوا كيف حصل هذا! فقلت: هذا أحد الجن الصالحين كان ينظر إلى طريقتنا في دعوة التتار، وهي: أننا ندعوهم إلى الله عز وجل، فإذا أسلموا أعطيناهم من الأكل والشرب ما نستطيعه، فأعجب بطرقتنا فعملها لهذا الرجل، فقال له بعض أصحابه ممن كان معهم في السجن: لعله ملك، قال: لا، فإن الملك لا يكذب، الشاهد: هو أن هذا الرجل الصالح لما ظهر ذكره، وانتشر خبره، وعرفت منزلته كثر حساده، وكثر أعداؤه.

    وإذا الفتى بلغ السماء بمجده جاءت كأعداد النجوم عداه

    فأصبحوا يكذبون عليه، وقد يكتبون الرسائل في بعض الأحيان باسمه وهي كذب، كما قال رحمه الله: [كما قد كذبوا علي غير مرة].

    قال: [وإن أمليت الاعتقاد من حفظي ربما يقولون: كتم بعضه، أو داهن ودارى، فأنا أحضر عقيدة من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام..] إلى آخر كلامه معهم رحمه الله، وذكر بعض الاعتراضات التي اعترضوا بها على هذه العقيدة بسبب منطلقاتهم العقدية غير الصحيحة، فهو عندما ذم منهج التأويل، قالوا: كيف تذمه، معنى هذا أنك تكفر المتكلمين من أصحابنا، فرد عليهم: بأن التكفير شيء، والذم شيء آخر، فإن الذم يعني: أن هذا المنهج منهج منحرف خاطئ، لكن التكفير له قواعده وضوابطه الشرعية.

    أبواب العقيدة الواسطية

    رابعاً: أبواب هذه العقيدة:

    اشتملت هذه العقيدة على مجموعة من الأبواب، منها: الصفات، ووسطية أهل السنة، واليوم الآخر، والقدر، والإيمان، والصحابة وأهل البيت، وكرامات الأولياء، وطريقة أهل السنة في السلوك والعمل، فهذه العقيدة ليست خاصة بالصفات كما يظن بعض طلاب العلم، فإن بعض طلاب العلم عندما يبدأ بدراسة هذه العقيدة فإن أول باب يواجهه هو باب الصفات، ويظن أن هذا الكتاب خاص بالصفات، وهو ليس خاصاً بالصفات، فأنتم تلاحظون أنه اشتمل على ثمانية أبواب من أبواب العقيدة، لهذا يعتبر هذا المختصر على صغر حجمه من أهم كتب العقيدة الشاملة والمركزة في هذه الأبواب.

    شروح العقيدة الواسطية

    خامساً: شروحها:

    هذه العقيدة لم تشرح إلا في القرن الرابع عشر وما بعده، وممن شرح هذه العقيدة الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع رحمه الله، فقد كتب شرحاً مختصراً على هذه العقيدة، وكذلك شرحها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتاب سماه: (التعليقات اللطيفة على ما احتوته العقيدة الواسطية)، وممن شرح هذا الكتاب أيضاً زيد بن فياض رحمه الله، شرحها بكتاب سماه: (الروضة الندية في شرح العقيدة الواسطية)، وكذلك ممن شرحها الشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد رحمه الله، المتوفى عام ألف وأربعمائة وثمانية، شرحها بكتاب سماه: (التنبيهات السنية في شرح العقيدة الواسطية)، وكذلك ممن شرحها الشيخ عبد العزيز السلمان ، شرحها في كتاب سماه: (الكواشف الجلية في شرح العقيدة الواسطية)، واختصره في كتابه: الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، وممن شرحها أيضاً الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله تعالى في شرحه الكبير للعقيدة الواسطية في مجلدين، وكذلك من التعليقات على هذه العقيدة هذا التعليق واسمه: (التعليقات المفيدة على العقيدة الواسطية) لأحد المحققين، اسمه عبد الله بن عبد الرحمن الشريف . هذه بعض الشروح لهذه الرسالة المختصرة.

    والشروح لأي كتاب من الكتب نوعان:

    النوع الأول: شروح تحليلة، والمقصود بها شروح تفصيلية لألفاظ الكتاب ولمسائله، وقد يكون فيها كثير من الاستطرادات، ويمثل هذه الشروح في شروح العقيدة الواسطية كتاب الشيخ ابن عثيمين حفظه الله، وكتاب: (الروضة الندية)، (والتنبيهات السنية)، (والكواشف الجلية)، فكل هذه من الشروحات المبسوطة التي أطالوا فيها، وقد يكون هناك استطرادات ضمن هذه الشروح.

    النوع الثاني: الشروح التي تهتم بالقواعد الأساسية في كل باب من هذه الأبواب، ويمثل هذا النوع من شروح العقيدة الواسطية شرح الشيخ السعدي رحمه الله، فإنه لم يكن شرحاً تفصيلاً، فالآيات التي أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة آيات كثيرة جداً بعضها محل الشاهد منه جزء من الآية، فالذي يعتمد الشرح التحليلي يستطرد في أجزاء أخرى من الآيات لا علاقة لها بموضوعات العقيدة، بينما الشيخ السعدي رحمه الله ساق آيات العقيدة بأكملها، فلما انتهى منها قال: هذه الآيات تشتمل على أصول لأهل السنة والجماعة في باب الصفات، يمكن أن أجملها فيما يلي: الأصل الأول، الأصل الثاني، الأصل الثالث، ثم جمع الأصول جميعاً، وهذا نوع من أنواع الشروح يكون المقصود منه التقعيد لهذه الأبواب دون التفصيل والتحليل للألفاظ، فالطريقة التي سنعتمدها -بإذن الله- هو التوسط وعدم الاستغراق في الكلام في الألفاظ، وإنما يكون التركيز في شرحنا -بإذن الله تعالى- حول القواعد الأساسية من كل باب، مع الاهتمام بالأدلة، ووجه الاستدلال، وآراء الفرق الضالة، والرد عليها.

    1.   

    أصول الإيمان وأركانه عند أهل السنة والجماعة

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

    [بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً، أما بعد:

    فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره].

    مأخذ وصف أهل السنة والجماعة بالفرقة الناجية المنصورة

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله: (فهذا اعتقاد الفرقة الناجية)، الوصف بالناجية مأخوذ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، فلما سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).

    والنجاة في هذا الحديث نوعان: نجاة من التفرق والاختلاف، ونجاة من النار التي ورد الوعيد في الحديث عنها.

    وأما المنصورة فهذا الوصف مأخوذ من حديث آخر، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، وفي لفظ: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).

    ومعنى النصر: أنهم أصحاب ظهور وبيان وقوة في الحجة، وفي بعض الأحيان قد يكون قوة بالسيف.

    فقد قال الشيخ عبد الرحمن أبا بطين في شرحه لهذا الحديث: ظاهرين بالحجة دائماً، وبالسيف أحياناً، وكذلك النصر؛ فإن النصر قد يكون نصراً بالحجة، وقد يكون في بعض الأحيان نصراً بالقوة، فأما النصر بالحجة فمعناه: أن أهل السنة والجماعة هم أقوى الناس حجة، وهم أقوى الناس استدلالاً، وقد تكون لهم في بعض الأحيان دولة وجهاداً وقوة وشوكة، وقد لا تكون لهم في بعض الأحيان هذه القوة المادية، أما الحجة فهي دائمة، وهم منصورون دائماً بالحجة والبيان والظهور، ومصدر استمداد أهل السنة والجماعة لهذا النصر مأخوذ من قوة المنهج نفسه.

    فإن المنهج الذي اعتمده أهل السنة والجماعة هو منهج القرآن والسنة، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو منهج قوي في الحجة والبيان والوضوح يقتنع به كل من أراد الحق، وذلك أن الصوارف التي تصرف الإنسان عن الحق نوعان: الجهل: وهو قلة العلم، والهوى: وهو اتباع الشهوة مع العلم، فإذا كان الإنسان جاهلاً ليس عنده علم؛ فإن في منهج أهل السنة -هذا المنهج القوي- ما يكفيه للاقتناع والاهتداء والاستفادة، أما إذا كان الإنسان الذي صرفه عن الحق هو الهوى فمثل هذا لا يمكن أن يقتنع، وعلاجه يكون بالسيف وبالتأديب والسلطان.

    يقول: (فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة)، هناك حديث يورده بعض الشراح، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة)، جاء في بعض الروايات: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك) فقوله: (حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك) يشكل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله)، فهذا اللفظ فيه: (لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)، والحديث الآخر: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله) وهذا الحديث رواه مسلم ، واللفظة الأولى لفظة صحيحة ثابتة.

    والجمع بينها أن يقال: إن هذه الطائفة تكون قائمة بأمر الله عز وجل إلى قبيل الساعة، فتأتي ريح طيبة وتأخذ أرواحهم، ولا يبقى إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة، ويدل على هذا ما رواه الحاكم في مستدركه وصححه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر أهل الجاهلية، فقال عقبة لـعبد الله بن عمر : اعلم ما تقول؟ -يعني: كأنه استغرب هذا القول منه- أما أنا فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)، فقال عبد الله : يبعث الله ريحاً ريحها ريح المسك، مسها مس الحرير؛ فلا تترك أحداً في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة. وهذا ورد مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا يزول الإشكال الذي ذكره بعض الشراح.

    أما قوله: (أهل السنة والجماعة) فالوصف بالسنة هو لاتباعهم للسنة.

    مأخذ تخصيص أهل السنة في الوصف بالإضافة إلى السنة دون القرآن

    وهنا يرد سؤال: لماذا لم يقل: أهل القرآن، ولماذا خص السنة؟

    والجواب: أنهم سموا بأهل السنة؛ لأنهم يتميزون بالاستدلال بالسنة، فالقرآن -كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه-: فإنه حمال وجوه، ولهذا تجد بعض الطوائف قد يستدل بالقرآن ويغير الاستدلال لمصلحته، لكن دلائل السنة أصرح في المراد، ولهذا لما ذهب ابن عباس رضي الله عنه لمناقشة الخوارج قال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه في وصيته المشهورة: إذا جئتهم فلا تستدل عليهم بالقرآن بل استدل بالسنة؛ فإن القرآن حمال وجوه، ومعنى هذا: أن القرآن جاء بالقواعد العامة، وتفصيلاتها موجودة في السنة النبوية، ولهذا جاء الأمر الأكيد في أكثر من تسعين آية في القرآن الكريم باتباع السنة، والاهتمام بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله ونحو ذلك.

    ولهذا يلاحظ أن الذين يتميزون باتباع السنة، وبالاهتمام بالحديث وبتطبيقه هم أهل السنة، ولهذا جاء في بعض كلام أهل العلم، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق)، قال الإمام أحمد رحمه الله: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري منهم؟! وقال أبو عبد الله البخاري : هم أهل العلم يعني: المشتغلين بالسنة والحديث.

    وأما قوله: (والجماعة)، فالإضافة إلى الجماعة لها دلالات عظيمة جداً، منها: الاهتمام بالألفة والبعد عن التفرق وأسبابها الموصلة إليها، ومنها: حجية الإجماع، ومنها: أن الجماعة هي الحق، ولو كان الإنسان وحده، فلتعظيم الحق سمي جماعة، ولو كان واحداً، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: (الجماعة هي الحق وإن كنت وحدك).

    ثم قال شيخ الإسلام : (وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره)، وهذه هي أصول الإيمان الواردة في حديث جبريل عليه السلام الطويل.

    ثم بعد أن ذكر هذا العموم خصصه بالكلام عن الإيمان وبالذات في الصفات.

    1.   

    معتقد أهل السنة والجماعة في الصفات

    قال: [ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل].

    هذه الفقرة من العقيدة الواسطية ليست من اختراع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإنما هي من كلام السلف السابقين، فمثلاً الإمام أحمد رحمه الله يقول: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث، ويقول حماد رحمه الله -وهو من مشايخ البخاري -: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن نفى ما أثبته الله لنفسه فقد كفر.

    أنواع الصفات وأقسامها عند أهل السنة

    قوله: (ومن الإيمان بالله؛ الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم).

    هذا يدعونا إلى الحديث عن أنواع الصفات، فإن الصفات قسمها أهل العلم إلى أقسام، وهي ثلاثة أقسام بثلاث اعتبارات: قسموها باعتبار الدليل إلى صفات شرعية وصفات عقلية، ومعنى هذا: أن الصفات باعتبار نوع الدليل الذي يدل عليها قد يدل عليها العقل استقلالاً، وقد لا يدل عليها العقل استقلالاً، وإنما يدل عليها الشرع، وسيأتي معنا الحديث عن منزلة الاستدلال على العقيدة، فمن الصفات العقلية: صفة الحياة؛ فإن أي عاقل يعلم أن الإله لا بد أن يكون حياً؛ لأنه لا يتصور إله معبود وهو ميت، وكذلك العلم والقدرة؛ فإنه لا يتصور أن يكون إله جاهل أو عاجز، وهذا بالبداهة يعرفه أول ما تعرض عليه، وهو ما يسميه العلماء، الضرورة العقلية.

    وهناك من الصفات ما لا يدل العقل عليها استقلالاً مثل صفة الوجه لله عز وجل، وصفة اليدين، والنزول ونحو ذلك من الصفات، فهذه الصفات لو لم ترد النصوص الشرعية بالتنبيه عليها لما عرفناها، ولهذا سميت شرعية.

    النوع الثاني من أنواع الصفات هو: باعتبار تعلقها بالمشيئة فإن الصفات باعتبار تعلقها بالمشيئة نوعان: صفات ذاتية وصفات فعلية، أما الصفات الذاتية فهي التي لا تنفك عن الله عز وجل بأي وجه من الوجوه، وهي الصفات الدائمة التي لا تعلق لها بالإرادة والمشيئة، مثل: صفة العلم والحياة واليدين والعينين ونحو ذلك من الصفات.

    وأما الصفات الفعلية فهي: الصفات المتعلقة بمشيئة الله عز وجل، إن شاء فعلها وإن شاء تركها، مثل: صفة النزول والاستواء والمجيء والإتيان والخلق، ونحو ذلك من الصفات.

    والصفات الفعلية يسميها العلماء الصفات الاختيارية، وكلاهما بمعنى واحد، وهي تنقسم إلى قسمين: صفات فعلية متعدية، وصفات فعلية لازمة، فالصفات الفعلية المتعدية هي: التي يكون لها آثار مباشرة على الخلق، مثل: صفة الخلق والتدبير والإحياء والإماتة ونحو ذلك.

    والنوع الثاني: صفات فعلية لازمة: مثل صفة النزول، فهذه ليس لها آثار على العباد، وقد ذكر هذا التقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجلد الثاني من كتاب: درء تعرض العقل والنقل، وهذا المجلد كله خاص بالصفات الاختيارية، فقد أورد آيات كثيرة جداً، وبين وجه الاستدلال منها على هذه الصفات، وأحاديث وآثار عن الصحابة التابعين، ونقل نصوصاً كثيرة جداً لعلماء أهل السنة -من كتب بعضها مفقود- تدل على هذا الأمر، وقد اهتم بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لقوة الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة الذين ورثوا الانحراف في هذا الباب عن الكلابية.

    النوع الثالث من الصفات: باعتبار النفي والإثبات؛ فإن الصفات باعتبار النفي والإثبات تنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتية وصفات منفية، فمعنى فالصفات الثبوتية مثل إثبات الله عز وجل لنفسه العلم والحياة والقدرة ونحو ذلك، والصفات المنفية هي ما نفاها الله عز وجل عن نفسه مثل: نفي الند والمثيل والسِنة والعجز، وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38]، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255].

    معنى إثبات الصفات من غير تحريف ولا تعطيل

    أما قوله: (من غير تحريف) فالتحريف هو تغيير المعنى أو اللفظ، والتحريف ينقسم إلى قسمين، فأما تغيير اللفظ فلا يعرف له مثال واضح وإن كان بعض أهل البدع تمناه، فهذا عمرو بن عبيد يقول: وددت لو أني حككت قوله تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وكتبت: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [إبراهيم:4]، يعني: وددت لو أني حككتها من المصاحف، وجاء رجل إلى القارئ المشهور أبي عمرو بن العلاء وقال له: اقرأ: (وكلم اللهَ موسى تكليماً)، حتى ينسب صفة التكليم والكلام إلى موسى ولا ينسبها إلى الله عز وجل، والآية هي: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]، فقال: هب أنني قرأت ما أردت، فماذا تصنع في قول الله عز وجل: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143] وهذا نص صريح، يعني: لو أني غيرت لك ما تريد وذاع وانتشر على أنها قراءة، فكيف تعمل بالنص الثاني؟ فخصم ذلك الخبيث.

    وأما النوع الثاني وهو المشهور والكثير فهو: تحريف المعنى، أي: تغيير دلالته، فمثلاً قول الله عز وجل: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] غيرت اليد هنا بمعنى النعمة، أو كما في قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، أو تأويل وتحريف قوله عليه الصلاة والسلام: (ينزل ربنا)، قالوا: ينزل أمره، فهذا التغيير للمعاني هو التحريف، وهذا هو الذي يسميه أهل البدع والضلالة التأويل تلطيفاً للعمل الذي عملوه، وإضفاءً للشرعية عليه.

    كما أن هؤلاء استشكلوا قوله: (من غير تحريف ولا تعطيل)، عندما ناظرهم شيخ الإسلام قالوا: ماذا تقصد بالتحريف والتعطيل؟ قال: أنا اعتنيت في هذه الرسالة بأن أستخدم الألفاظ الشرعية، فقوله من غير تحريف يدل عليه قول الله عز وجل: وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ [المائدة:41]، بمعنى: يغيرون معناه، وهم يغيرون معناه ودلالته، بحيث إن كلمة تصرف عن معناها الحقيقي.

    قوله: (ولا تعطيل)، التعطيل هو: التخلية والترك، ولهذا يقول الله عز وجل: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج:45] يعني: خالية من الماء، أو معطلة من الرعاة الذين يأتونها، بمعنى: متروكة، فمعنى قوله: (ولا تعطيل) يعني: من دون تفريغ لمعناها ومحتواها، فإن أهل البدع فرغوها من معناها الصحيح، فهو يقصد بقوله: (من غير تحريف): أهل الكلام الذين أولوا الصفات، ويقصد بقوله: (ولا تعطيل): أهل التأويل الذين عطلوا الصفة عن معناها، وإن كانوا لم يثبتوا معنى آخر لها، وذلك أن أهل البدع أول ما يبدءون في الكلام في آيات الصفات يعطلونها من معناها الحقيقي، فيقولون: الله عز وجل ليس له صفة اليدين والعينين ونحو ذلك، وهذا يسمى تعطيلاً.

    كما ينقسموا إلى طائفتين: طائفة تسكت، وسموا أنفسهم المفوضة، أي: مفوضة أمرها إلى الله عز وجل.

    وطائفة ثانية تؤول، يعني: أن تأتي بمعنى للآية غير المعنى الحقيقي، والأشاعرة والماتريدية يعتقدون أن السلف على مذهب التفويض، الذي هو تخلية النص الشرعي من معناه الحقيقي، ثم يقولون: إن السلف تركوا الآية بدون تفسير لها، فيقولون: منهج السلف أسلم، يعني: من الخطأ؛ لأنهم قد يأتون بمعنى فيكون خطأ، ويقولون: ومنهج الخلف -الذين هم متأخري أهل الكلام- أعلم وأحكم؛ لأنهم يأتون بالمعنى الشرعي الصحيح فيما يظنوه ويعتقدوه، وسيأتي الحديث عن هؤلاء بشكل مفصل.

    معنى إثبات الصفات من غير تكييف ولا تمثيل

    قال: [من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل].

    التكييف هو حكاية كيفية معينة للصفة، ولا شك أن صفات الله عز وجل لها كيفية في ذاتها لكن لا نعلمها نحن، فالله عز وجل لم يخبرنا بكيفية صفاته فهي من الغيب الذي لا نعلمه، لكن نعلم معانيها وما تدل عليه.

    والفائدة من بيان الله عز وجل لنا لهذه الصفات من جهة المعاني وجعل كيفياتها غيباً هو: أن معانيها عندما ندركها نستفيد منها سلوكاً وآداباً وأعمالاً نستثمرها في التعبد لله عز وجل.

    وأما إدراك الكيفية فإن العقل لا يمكن أن يدركه الآن؛ لأن العقل لا يدرك الشيء إلا برؤيته، أو برؤية نظيره، أو بخبر الصادق عنه، ونحن لم نر الله عز وجل بأعيننا في الدنيا، وكذلك لم نر شبيهاً له، وهو سبحانه وتعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وكذلك لم يخبرنا الصادق عن كيفية محددة لها، ولهذا لما جاء الرجل إلى الإمام مالك رحمه الله، وقال: يقول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] كيف استوى؟ فقال الإمام مالك قاعدة، وهذا من بركة علوم السلف؛ فإن السلف رحمهم الله كما يقول ابن القيم رحمه الله: كان كلامهم قليل لكنه كثير البركة، وكلام الخلف كثير لكنه قليل البركة، فهذا الإمام مالك رحمه الله عندما قال له الرجل ذلك قال: الاستواء معلوم. يعني: في اللغة، وفي لفظ آخر: الاستواء غير مجهول. يعني: معلوم من ناحية دلالته. والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

    وصفات الله عز وجل لها كيف في الحقيقة، لكننا لا ندرك كيفياتها؛ لأننا لم نرها، ولم نر مثيلاً لها، ولم يخبرنا الصادق -وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم- عن مثيل لها.

    والتمثيل هو: حكاية مثل معين، وشيخ الإسلام رحمه الله في هذه العقيدة كان دقيقاً، فهذه العقيدة محررة حتى في الألفاظ، كما تلاحظون: تمثيل دون تشبيه، وقال: ولا تكييف ولا تمثيل؛ لأن استخدام كلمة تشبيه خطأ؛ إذ لا بد أن يوجد بين أي شيئين مشابهة ولو في الألفاظ، وهذا ما سيأتي معنا إن شاء الله الحديث عنه في الكلام على القدر المشترك بين صفات الله عز وجل وصفات خلقه.

    إجمال عقيدة أهل السنة في صفات الله سبحانه وتعالى

    يقول: [بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع والبصير].

    قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] دليل على الصفات المنفية، وقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] دليل على الصفات الثبوتية، وسيأتي شرح هذه الآية في كلامه رحمه الله.

    قال: [فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه].

    يقصد رحمه الله: المعطلة والجهمية بالذات بكل درجاتهم، والذين نفوا صفات الله سبحانه وتعالى.

    قال: [ولا يلحدون في أسماء الله وآياته].

    أما الإلحاد فمعناه: الميل عن الحق، والإلحاد في أسماء الله عز وجل، يقول الله عز وجل عنه: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180]، وأما في آياته فقد دل القرآن عليها كذلك: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40].

    وقد ذكر أهل العلم في الإلحاد في آيات الله عز وجل أنواعاً، وممن ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله في كتابه (بدائع الفوائد)، فقد ذكر قواعد ممتازة جداً في الأسماء والصفات، وأكثر من ذكر قواعد الأسماء استقى منه وأخذ، فيقول: إن الإلحاد في أسماء الله عز وجل أنواع منها: تسمية الله عز وجل بما لم يسم به نفسه، مثل: تسمية الفلاسفة له: علة غائية، أو علة فاعلة، وكتسمية النصارى له أباً.

    ومن الإلحاد: نفي أسماء الله عز وجل كما هي عقيدة الجهمية، فإن الجهمية قالوا: لا اسم له ولا صفة.

    ومن الإلحاد: نفي ما دلت عليه الأسماء من الصفات، وهذا هو مذهب المعتزلة.

    ومن الإلحاد: نفي بعض صفات الله عز وجل، وهذا هو مذهب الأشاعرة.

    ومن الإلحاد: إثبات أن صفات الله عز وجل كصفات خلقه.

    هذه خمسة أنواع من أنواع الإلحاد في أسماء الله عز وجل يمكن أن تراجع في كتاب ابن القيم رحمه الله وغيرها من شروط هذه العقيدة.

    قال: [ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه].

    هذا فيه رد على الممثلة والمشبهة، وهم نوعان: من يشبه المخلوق بالخالق، مثل من يقول: فلان مثل الله عز وجل، أو من يشبه الخالق بالمخلوق، فأما الذين يشبهون المخلوق بالخالق فهم غلاة الصوفية الذين رفعوا أولياءهم إلى درجة الألوهية، وأما النوع الثاني، وهو تشبيه الخالق بالمخلوق، فهو عقيدة المشبهة من الرافضة وغيرهم، والتشبيه أصلاً جاء من اليهود، ثم انتقل إلى الرافضة، ثم جاء عند الكرامية، ثم انقرض بعد الكرامية.

    تنزه الله تعالى عن السمي والكفء والند

    قال: [لأنه سبحانه لا سمي له].

    ودليل هذه الفقرة: قول الله عز وجل: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65]، وهذا استفهام إنكاري تضمن النفي.

    وقد ذكر الشيخ محمد بن عثيمين فائدة جليلة في الاستفهام الإنكاري المتضمن للنفي، حيث قال: إنه يتضمن كذلك التحدي، فإن أي استفهام إنكاري يزيد على النفي التحدي، فيصبح معنى الآية: لا يوجد سمي له، أو: أتحدى أن يوجد سمي له. وهو لا يوجد.

    قال: [ولا كفء له].

    دليل هذه الفقرة: قول الله سبحانه وتعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4].

    قال: [ولا ند له].

    دليلها: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22].

    أسماء الله عز وجل وصفاته توقيفية

    قال: [ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى].

    وهذا يدعونا إلى الحديث عن أسماء الله عز وجل وصفاته، هل هي توقيفية أم أنها اجتهادية؟

    أسماء الله عز وجل وصفاته توقيفية لا مجال للاجتهاد فيها، فما دلت عليه النصوص من أسمائه سبحانه وتعالى آمنا به، وما دلت عليه أيضاً من صفاته آمنا به، وما لم تدل عليه فإنه لا يثبت ولا ينفى إلا إذا كان يتضمن معنىً باطلاً فإنه حينئذٍ يرد، وأما الألفاظ التي تشتمل على معانٍ من الحق ومن الباطل فلا بد أن يستفصل فيها.

    إذاً القاعدة: أن أسماء الله عز وجل توقيفية، وكذلك صفات الله عز وجل توقيفية.

    وأما الإخبار عن الله عز وجل بالمعنى الصحيح فإنه جائز لا شيء فيه، ومن هنا جاء جواز ترجمة معاني صفات الله عز وجل بلغات أخرى، فإنه عندما يوجد مسلم حديث عهد بإسلام مثلاً لا يعرف اللغة العربية، ونريد أن نخبره عن الله عز وجل فيجوز أن تترجم له معانيها، ولا يعني هذا أن الكلمات الانجليزية أو أي لغة أخرى هي في لفظها صفات لله عز وجل، وإنما معناها صحيح وثابت عن الله عز وجل، وحينئذٍ يجوز الإخبار عن الله عز وجل بكل معنىً صحيح.

    فما ننسبه إلى الله عز وجل ثلاثة أشياء: الأسماء والصفات -وهذه توقيفية- والإخبار عن الله عز وجل إذا كان بمعنىً صحيح فلا شيء فيه.

    أما الألفاظ المحدثة الجديدة مثل الجهة والجسم، مثلاً لو قال لك إنسان: هل الله عز وجل له جسم، تقول: كلمة جسم هذه لم يرد في القرآن ولا في السنة إثباتها، ولم يرد فيهما نفي هذه اللفظة، فماذا يُقصد بجسم؟ فإن كان يقصد به البدن كما هو في اللغة العربية، وما نعرفه من الأبدان، فإن هذا معنى باطل ننفيه عن الله عز وجل؛ لأنه ليس كمثله شيء، وإن كنت تقصد به اصطلاحاً خاصاً لكل موصوف؛ فإن الله عز وجل موصوف بصفة.

    ونحن نقول: إن هذا الاستعمال من حيث اللفظ بدعة؛ لأنه لم يرد في القرآن ولا السنة، وفي بعض الأحيان قد يمتحن بعض أهل البدع أهل السنة والجماعة بألفاظ يستخدمونها يقولون لهم: هل تثبتونها أو تنفونها؟ فمثل هذه الألفاظ من حيث الاستعمال بدعة، ومن حيث المعنى لا يصح نفيها؛ لأنك إذا نفيتها قد تنفي شيئاً من الحق، ولا يصح إثباتها؛ لأنك إذا أثبتها قد تثبت شيئاً من الباطل لكن نستفصل فيها.

    مثل قول بعضهم: هل الله عز وجل في جهة؟ نقول: ماذا تعني بجهة؟ إن كنت تعني جهة العلو؛ فإن الله في العلو، وإن كنت تعني أنه محصور بمكان، فالله عز وجل غير محصور سبحانه وتعالى، وحينئذ يستطيع الإنسان أن يثبت المعنى الصحيح وينفي المعنى الباطل.

    أنواع القياس وما يصح منه في حق الله تعالى وما لا يصح

    قال: [ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى].

    والقياس ثلاثة أنواع كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض: قياس الشمول، وقياس التمثيل، وقياس الأولى.

    فأما قياس الشمول فمعناه: اللفظ الذي يشتمل فيه عدة معانٍ، فمثلاً: الحي: يشمل الإنسان والحيوان والنبات، والله عز وجل حي فهل يقاس بهذه الطريقة؟ نقول: لا. قياس الشمول الذي تستوي فيه الأفراد لا يصح؛ لأن هذا فيه تمثيل لله عز وجل بخلقه.

    وأما قياس التمثيل فهو: قياس الفرع على أصل، وهو القياس الفقهي المشهور، وهذا لا يصح استخدامه في صفات الله سبحانه وتعالى بأي وجه من الوجوه؛ لأن الله عز وجل لا يقاس بأحد من خلقه.

    وأما قياس الأولى فمعناه: إذا وصف المخلوق بصفة كمال فإن الله عز وجل أولى بها، ودليل هذا القياس هو قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى [النحل:60]، فما وصف به المخلوق من الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالله عز وجل أولى به.

    وفي بعض الأحيان قد يكون هناك كمال بالنسبة للمخلوق لكن لا يكون كمالاً بالنسبة للخالق، مثل الزواج، هذا كمال بالنسبة للمخلوق، لكنه غير كمال بالنسبة للخالق، ولهذا جاء القيد في قولنا: لا نقص فيه بوجه من الوجوه.

    1.   

    الأسئلة

    توجيه بشأن دراسة قطر الندى لغير المتمكن في النحو

    السؤال: هل يحسن بمن لم يدرس في النحو غير المنهج الدراسي أن يحضر درس قطر الندى؟ وهل من السهل أن يفهم هذا الكتاب؟

    الجواب: يمكن له أن يحضر هذا الدرس، وأن يجرب نفسه؛ فإذا شعر أنه استفاد وأن عنده القدرة على التفهم يستمر، وإذا شعر أنه لا يستطيع يتركه.

    مستوى متن قطر الندى هو بعد الآجرومية، يعني بعدما يدرس الإنسان الآجرومية يدرس قطر الندى، ونحن سنشرح المتن وليس شرحاً للشرح.

    اشتقاق لفظ الجلالة وحكم إطلاق لفظ القديم على الله تعالى

    السؤال: قال بعض العلماء في لفظ الجلالة (الله): إنه اسم جامد غير مشتق؛ لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها، واسمه تعالى قديم لا مادة له، كيف يكون الرد على هؤلاء، حيث إن الله تعالى هو الأول وأن أسماءه توقيفية؟

    الجواب: لفظ الجلالة الذين قالوا: إنه مشتق، لا يقصدون أن الإله نفسه مشتق، وإنما يقصدون أن نفس اللفظة مشتقة.

    وأما قول السائل: واسمه تعالى قديم. فهذا لم يرد عن السلف الصالح رضوان الله عليهم أنهم كانوا يقولون: إن أسماء الله عز وجل قديمة؛ لأن أسماء الله عز وجل غير مخلوقة. هذا المعروف في كلام أهل العلم، وأما لفظ القدم فإنه غير معروف، وأسماء الله عز وجل مأخوذة من القرآن الكريم، والقرآن الكريم نفسه غير مخلوق، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله: أنه لا يصح أن يقال: إنه قديم؛ لأن صفة الكلام لله عز وجل صفة فعلية ليست صفة ذاتية، وإنما هي صفة فعلية قد تكون حادثة الآحاد، وإن كانت قديمة النوع، كما ذكر شيخ الإسلام ذلك في أكثر من موطن.

    حكم استخدام قياس الشمول في صفات الله تعالى

    السؤال: هل قياس الشمول يجوز؟

    الجواب: لا يجوز قياس الشمول؛ لأن قياس الشمول هو القياس الذي تستوي فيه الأفراد، فإذا قاس الإنسان قياس الشمول -وهو القياس المنطقي- فإنه حينئذٍ يسوي بين الله عز وجل وبين بقية خلقه، وهذا منفي عن الله عز وجل بقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245669

    عدد مرات الحفظ

    723920380