إسلام ويب

أصول العقيدة [7]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان قول وعمل, يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, وفي هذه الجملة ينحصر مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة, وأصل ضلال المنحرفين في هذا الباب من الفرق الضالة مرده إلى اعتقاد عدم زيادة الإيمان ونقصانه, والإيمان أنواع, فمنه أصل يزول الإيمان بزواله, ومنه الكمال الواجب, ومنه الكمال المستحب, وطريقة تحصيل الاعتقاد الصحيح فيه هي جمع النصوص الواردة فيه وفي مسائله, كالحال في الوعيد, وهو المسلك الذي درج عليه أهل السنة وضل فيه المنحرفون.

    1.   

    أهمية الإيمان

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    موضوع الإيمان من أبرز الموضوعات العقدية، وربما يكون مصطلح الإيمان من أكثر المصطلحات تردداً في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52].

    فالإيمان هو أساس الدين والعقيدة والملة، والإيمان هو الذي لا يقبل الله سبحانه وتعالى من أحد يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً إلا به، ولا يمكن أن يكون من أهل الجنة، ولا يمكن أن يكون بعيداً عن النار إلا به.

    1.   

    حقيقة الإيمان

    اتفاق السلف وأتباعهم على تعريف الإيمان بأنه قول وعمل

    والسلف الصالح عرفوا الإيمان بتعريف منضبط دقيق، ومن أعجب الأمور في تعريف السلف للإيمان هو اتفاقهم على تعريف واحد دقيق مع اختلاف أقطارهم، ومع اختلاف أماكنهم، ومع اختلاف السنوات التي عرف فيها هذا المصطلح الشرعي، وهو: أن الإيمان قول وعمل، فقد اتفق المسلمون في شرق البلاد الإسلامية وغربها وشمالها وجنوبها ووسطها على أن الإيمان قول وعمل، والمقصود بالقول قول القلب، وقول القلب: هو تصديقه وإقراره بما جاء في القرآن والسنة، أو هو تصديقه بالخبر والمخبر به.

    والقول يشمل أيضاً قول اللسان، فيدخل في قول اللسان شهادة التوحيد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويدخل فيه أيضاً ذكر الله، ويدخل فيه قراءة القرآن، والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والنصيحة، وكل العبادات القولية.

    أما العمل فيدخل فيه أمران:

    الأمر الأول: عمل القلب، والمقصود بعمل القلب هو الاستسلام والخضوع لله سبحانه وتعالى، والتوكل عليه والإنابة والرغبة والخوف والرجاء والمحبة.. ونحو ذلك من الأعمال القلبية، فهي داخلة في الإيمان؛ بل هي أساس الإيمان.

    الأمر الثاني: عمل الجوارح، ويدخل في عمل الجوارح كل العبادات التي تكون عن طريق الجوارح مثل: الصلاة والصيام والحج والزكاة والجهاد في سبيل الله.. ونحو ذلك من الأعمال الإسلامية التي تكون عن طريق الجوارح.

    فنلاحظ أن الإيمان يشمل الدين كله، فكل العبادات القولية من الإيمان، وكل العبادات الاعتقادية من الإيمان، وكل العبادات العملية من الإيمان، والإيمان كما هو معلوم شعب وأنواع وخصال، وله سنام، وله أصل وفرع، وله أعلى وأدنى؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الإيمان بضع وستون شعبة -وفي لفظ: بضع وسبعون شعبة-؛ فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، ففي هذا الحديث بيان للإيمان بكل شعبه، وبكل أنواعه السابقة، فقوله: (فأعلاها قول لا إله إلا الله) هذا القول، وقوله: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) هذا عمل الجوارح، وقوله: (والحياء شعبة من الإيمان) هذا عمل القلب، وتصديق القلب داخل في عمله، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه لا إيمان إلا بعمل القلب، فقول اللسان من دون عمل القلب فإنه يكون مثل فعل المنافقين، وعمل الجوارح بدون اعتقاد القلب فإنه يكون كذلك من أعمال المنافقين؛ فإن المنافقين يتكلمون بالإيمان ويعملون بأعمال الإيمان، لكنهم لا يوجد عندهم اعتقاد القلب ولا عمل القلب؛ بل يقولون بهذه الأعمال وهذه الأقوال من أجل أن يرفعوا عن أنفسهم تهمة الكفر، فيتظاهرون بالإسلام لهذا الغرض.

    وهذا الإمام ابن مندة رحمه الله في كتابه العظيم (الإيمان) وهو كتاب مطبوع في مجلدين، استنبط من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فأخذ منه أن الإيمان يكون بالقول، ويكون بالعمل، ويكون أيضاً بالقلب، وأنه يزيد وينقص، ودلالة أن الإيمان يكون بالعمل مأخوذ من قوله: (فليغيره بيده)، ودلالة كونه يكون باللسان مأخوذ من قوله: (فإن لم يستطع فبلسانه)، وهذا يدل على أن اللسان جزء من الإيمان، وعمل اللسان جزء من الإيمان، وقوله: (فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) هذا يدل على أن اعتقاد القلب من الإيمان، وقوله: (أضعف) يدل على أن هناك ما هو أقوى، فكل ما قبل الزيادة قبل النقصان، وكل ما قبل النقصان قبل الزيادة، فالإيمان يزيد وينقص.

    ودلالة زيادة الإيمان ونقصانه أوضح من أن يستدل عليها بمثل هذا الاستدلال؛ لأن النصوص الشرعية في التصريح بالزيادة ظاهر في كتاب الله، قال تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4]، وغيرها من الآيات الواردة في هذا الباب.

    وقد نقل الإجماع على أن الإيمان قول وعمل الإمام أحمد والشافعي وابن عبد البر في التمهيد وابن قدامة المقدسي وغيرهم من أهل العلم.

    اتفاق معنى عبارات السلف المختلفة في بيان حقيقة الإيمان

    ومما يعنينا في باب تعريف الإيمان الإشارة إلى مسألة مهمة جداً، وهي أن تعريفات السلف الصالح للإيمان جاءت بصيغ مختلفة، مع أن أشهر صيغة على الإطلاق في تعريف الإيمان هي أن الإيمان قول وعمل، وهي أدق صيغة في هذا الباب، وشرحها كما سبق أن بينا، ولكن بعض السلف عبر عن الإيمان بتعريف آخر وبتعبير آخر فقال: إن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وهذا التعريف موافق للتعريف الأول، وبعضهم قال: الإيمان قول وعمل ونية، وبعضهم قال: الإيمان قول وعمل ونية واتباع للسنة.

    فهذه التعريفات أقل في الشهرة من تعريف الإيمان بأنه قول وعمل، لكن المعاني واحدة، فمن قال: إن الإيمان إقرار باللسان، أو قول باللسان هذا داخل في قول اللسان، وتصديق بالجنان، هذا يشمل التصديق والعمل، وعمل بالأركان هذا يشمل: عمل الجوارح.

    ومن قال: أن الإيمان قول وعمل، وزاد لفظة النية؛ فإنه خشي أن يفهم من كلمة (عمل) أن يراد بالعمل هنا عمل الجوارح فقط، فأضاف نية، يعني: عمل القلب حتى لا يهمل؛ لأن عمل القلب كما سيأتي معنا هو أهم عناصر الإيمان.

    ومن قال: إن الإيمان قول وعمل ونية واتباع للسنة، فزاد لفظة السنة؛ لأنه خشي أن يفهم أن القول والعمل هنا يمكن أن يكون إيماناً حتى لو لم يمكن هناك اهتمام بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فأضاف هذا القيد وهذا الشرط.

    فالتعريفات هذه ليس بينها خلاف معنوي، بل الخلاف لفظي، وكل هذه التعريفات راجعة إلى معنى واحد كما سبق أن أشرنا.

    أهمية عمل القلب ومنزلته من الإيمان

    أهم عنصر من عناصر تعريف الإيمان هو عمل القلب؛ لأن بقية أجزاء الإيمان تعود إليه، فإن عمل القلب هو المؤثر في بقية عناصر الإيمان ومكوناتها الأخرى، فإذا وجد عمل القلب، فإن عمل القلب يدفع إلى عمل الجوارح وقول اللسان، وإذا وجد عمل القلب، فإن عمل القلب يتضمن تصديق القلب، فإنه لا يتصور أن يكون إنسان عنده خوف من الله وهو غير مصدق به، ولا يتصور أيضاً أن يكون إنسان عنده محبة لله ورجاء وتوكل على الله سبحانه وتعالى وهو في نفس الوقت غير مصدق به، فتصديق القلب داخل في عمل القلب، وعمل القلب لا يمكن أن يوجد إلا ومعه تصديق القلب، فلو أن إنساناً توكل على الله سبحانه تعالى، فإنه لابد أن يكون مصدقاً بمن توكل عليه، وإلا كيف يمكن أن يتصور الإنسان شخصاً يتوكل على من يكذبه، ويعتمد على من يكذبه، هذا غير وارد، وكذلك الحال في المحبة، والخشية، والإنابة، والاستسلام، والانقياد، والرضا، والقبول.. ونحو ذلك من الأعمال القلبية.

    وأما بالنسبة لعلاقة عمل القلب بقول اللسان، فإنه لا يمكن أن يكون هناك عمل قلبي إلا ويوجد له أثر في الظاهر؛ لأن العلاقة بين الباطن والظاهر علاقة تامة؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فالقلب إذا وجد فيه عمل من الأعمال؛ إذا وجد فيه الخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والرضا، والاستسلام.. فإنه لابد أن يكون له أثر في الظاهر، سواء كان هذا الأثر قليلاً أو متوسطاً أو كثيراً، بحسب العمل القلبي الموجود في الإنسان، فإذا كان عمل الظاهر قليلاً فأيضاً عمل القلب سيكون قليلاً، وإذا كان عمل الظاهر كثيراً فإن عمل القلب كثير، ولا يمكن أن يتخلف الارتباط بين عمل القلب وبين مقتضاه في قول اللسان وعمل الجوارح، إلا في حالتين فقط لا ثالث لهما:

    الحالة الأولى: حالة النفاق، فإن المنافق يظهر الإسلام ويتكلم بالإسلام ويعمل بالإسلام، مع أنه ليس في قلبه شيء من الإيمان.

    الحالة الثانية: حالة المكره، فإن المكره يعمل من الأعمال ما لا يكون مقتنعاً به في الداخل؛ لوجود عارض الإكراه.

    ففي هاتين الحالتين يمكن أن يظهر من الإنسان شيء مخالف لما في الباطن، وأما في الحالة الطبيعة المعتادة فإنه لا يمكن أن يكون الإنسان محباً لله معظماً لله سبحانه وتعالى متوكلاً على الله سبحانه وتعالى ثم يسب الله، أو يسب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أو يحارب الدين، أو يحارب الإيمان والإسلام، أو يدعو إلى النصرانية، أو يعظم النصارى ويساعدهم على المسلمين مساعدة تامة، أو يعبد غير الله سبحانه وتعالى، أو يدوس المصحف، أو يلبس الصليب مثلاً، أو يعمل من الأعمال التي تنقض الإيمان وتبطله، فينبغي إدراك هذه القاعدة، فهي من أهم القواعد الشرعية في باب الإيمان.

    فإن الإيمان مكون ومركب من أمرين: القول، والعمل، وكل واحد من هذين المركبين ينقسم إلى قسمين: فالقول قول القلب، وقول اللسان.

    والعمل عمل القلب، وعمل الجوارح.

    وإذا أردنا أن نقسم الإيمان على أعضاء الإنسان فسنجد أنه ينقسم على أعضائه الثلاثة: القلب، واللسان، وبقية الجوارح، هذه هي الأعضاء التي يتحرك بها الإنسان، ومحرك اللسان ومحرك الجوارح الأساسي هو القلب، وهذا أمر معروف فطرة وخلقة وشرعاً أيضاً.

    فإن الدافع الحقيقي لعمل الإنسان هو القلب كما هو معلوم، ولهذا عبر أبو هريرة رضي الله عنه عن هذا الارتباط بقوله: (القلب ملك، والأعضاء جنوده، فإذا صلح الملك صلحت الأعضاء، وإذا فسد الملك فسدت الأعضاء).

    وبناء على هذا يكون الموجه الحقيقي هو عمل القلب، وبهذا يبدو لنا أن عمل القلب من أهم أنواع الإيمان، وعمل القلب هو نفسه توحيد الألوهية، فنحن إذا عرفنا توحيد الألوهية كما سبق أن قلنا: إن توحيد الألوهية هو: إفراد الله تعالى بالعبادة، والعبادة تشمل عبادة القلب وتشمل عبادة الجوارح.

    وإذا رجعنا إلى شروط لا إله إلا الله نجد أنها أعمال قلبية: الإخلاص، القبول، المحبة، الرضا، وهكذا نجد أنها كلها أعمال قلبية، وهي جزء أساسي من توحيد الألوهية.

    وبناء على هذا فإن عمل القلب يعتبر أهم عناصر الإيمان، وهو الدافع الحقيقي لأعمال الجوارح ولنطق اللسان أيضاً.

    أنواع الإيمان

    الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو أنواع:

    منه أصل، إذا زال الإيمان فإنه يزول.

    ومنه كمال الواجب، إذا زال فإنه لا يزول الإيمان، لكن يزول كماله الواجب.

    ومنه كمال مستحب، إذا زال فإن الإنسان لا يعاقب عليه.

    مثال أصل الإيمان: المحبة، والخوف، والرضا من الأعمال القلبية.

    مثال ثان: الصلاة.

    مثال ثالث: الإقرار بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

    مثال رابع: تعظيم الدين بشكل عام.

    مثال خامس: قول لا إله إلا الله، فكل هذه تعتبر من أصول الإيمان، إذا لم توجد فإن الإيمان لا يكون مقبولاً، ولهذا لما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عمه أبي طالب قال له: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فمات وهو يقول: بل على ملة عبد المطلب)، وهذا دليل على أنه لو قالها لأسلم، وهي علامة الإسلام في الابتداء، ثم الاستمرار يكون بالإتيان بمقتضيات لا إله إلا الله ولوازمها الشرعية، وشروطها التي سبق أن أشرنا إليها.

    فلو أن إنساناً لم يقل: لا إله إلا الله أبداً لا يكون مسلماً، فإذا قال: لا إله إلا الله فإنه يجب الكف عنه، ولهذا في حديث أسامة بن زيد الشهير عندما جاء إلى الكافر ولاذ بشجرة فقال: لا إله إلا الله فقتله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم عندما علم وقال: (أقتلته بعد أن قالها؟ ثم قال: يا رسول الله إنما قالها تعوذاً، قال: أشققت عن قلبه؟)، ولهذا فإن الإيمان منه أصول أساسية يزول الإيمان بزوالها، ومنه كمال واجب يترتب الإثم على تركها، مثل: بر الوالدين، فلو تركه لكان آثماً، ومثل: ترك الذنوب والمعاصي، فلو أنه قارف الذنوب والمعاصي لكان آثماً، لكن إيمانه لا يزول بالكلية، فشارب الخمر، والزاني، وعاق الوالدين ونحو ذلك من أصحاب الذنوب والمعاصي كل هؤلاء لا يكفرون، ولا يقال: إنهم كفار خارجون عن الإسلام، بل هم مسلمون، والأدلة الواردة في نفي الإيمان عنهم إنما المراد به نفي كمال الإيمان الواجب، وليس نفي أصل الإيمان.

    1.   

    قاعدة في كيفية التعامل مع النصوص الشرعية الواردة في باب الإيمان ونحوه

    ينبغي أن نعرف قاعدة في التعامل مع النصوص الشرعية في باب الإيمان وفي غيره من الأبواب، وهذه القاعدة هي: أن الإنسان لا يصح له أن يأتي بنص واحد من النصوص، ويعتمد عليه، ويستخرج منه حكماً ويلغي بقية النصوص، فمثلاً: لو أن إنساناً جاء وقال: النمام كافر، قلنا له: وما هو الدليل على أن النمام كافر؟ فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة نمام)، وإذا كان لا يدخل الجنة فمعنى ذلك أنه يدخل النار، نقول: لا، هذا غير صحيح، التعامل بهذه الطريقة مع النصوص غير صحيحة، فالآيات التي ورد فيها نفي الإيمان أو التي ورد فيها أن الفعل الفلاني لا يدخل صاحبه الجنة أو أنه يدخل النار، هذه النصوص تسمى عند العلماء ألفاظ الوعيد أو نصوص الوعيد فيجب أن تجمع في مكان واحد، وأن يميز بين ما يدل على الكفر منها وما لا يدل، فالقتل أشد أنواع الكبائر، والله عز وجل يقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، هذه خمسة عقوبات منها قوله: خَالِدًا فِيهَا، ومع ذلك فإن القاتل المسلم إذا قتل إنساناً مسلماً فإنه يجوز لأولياء الدم أن يعفو عنه، ولو كان كافراً لما جاز العفو عنه، هذا أولاً.

    ثانياً: يجوز لهم أن يقبلوا عوضاً، وهو الدية، ولو كان كافراً لما صح قبول العوض منه.

    ثالثاً: أن الله عز وجل سماه أخاً، فقال: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة:178]، ولو كان كافراً لما سمي أخاً؛ لأن المسلم لا يكون أخاً للكافر أبداً، والله عز وجل يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، فجعل المؤمنين هم الإخوة، وهذا حصر وقصر في الإخوة، ويقول الله عز وجل: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9]، فوصفهم بالإيمان مع وجود الاقتتال بينهم.

    وهذه النصوص الشرعية التي تسمى نصوص الوعيد هي تدل على الذم لهذا الفعل، وتدل على تحريم هذا الفعل، وتدل على خطورة هذا الفعل، لكنها لا تدل على التكفير إلا بقرينة صريحة في هذا الباب، فلو أن إنساناً استدل مثلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)، فيقول: إن هذا الحديث نص في أن شارب الخمر والسارق والزاني غير مؤمن، ومعنى ذلك: أنه يكون كافراً، نقول: لا، ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحد على هؤلاء، ولو كانوا كفاراً لما كان لإقامة الحد معنى؛ خصوصاً أن بعض الحد مخفف مثل: الجلد، فلو أن شاباً غير متزوج زنى، فما هو الحكم الشرعي فيه بعد ثبوت الزنا عليه؟

    إنه الجلد وتغريب عام، فلو كان كافراً لما كان هناك حد شرعي، لكان الواجب أن يقتل، وكذلك شارب الخمر لو كان كافراً لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يضرب أربعين سوطاً، وإنما يأمر بقتله، وكذلك السارق لو كان كافراً لما قطعت يده، ولكان قطع رأسه، فالحدود وتفاوت الحدود دليل على أن أصحاب هذه الجرائم وأصحاب هذه الكبائر ليسوا كفاراً.

    إذاً: كيف نفهم حديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن

    نقول: نفهمه على أنه نفي لكمال الإيمان الواجب، فإذا قال إنسان: على أي أساس تفهم هذا الفهم؟ نقول: جمعاً بينه وبين فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما أقام الحدود على هؤلاء، وخير من يطبق كلام الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، فقال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) وجلد، فكيف ينفي عنه الإيمان المطلق ويجلده؟ لو كان كافراً لقتله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من بدل دينه فاقتلوه).

    1.   

    قاعدتان مهمتان في التعامل مع نصوص الوعيد

    يجب أن تجمع النصوص الشرعية في باب الوعيد في مكان واحد فباب الوعيد فيه قاعدتان مهمتان لابد من الاهتمام بها:

    القاعدة الأولى: هي جمعها في مكان واحد، وفهم النصوص بعضها على ضوء بعض، وألا ينفرد الإنسان بنص ويبني عليه حكماً شرعياً ويلغي بقية النصوص؛ فإن قبول هذا الدليل ليس بأولى من قبول ما ألغاه، وهذه قاعدة من القواعد الشرعية، فإن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما؛ لأن مصدر الدليلين هو الله سبحانه وتعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم.

    القاعدة الثانية: أن ألفاظ الوعد والوعيد لها شروط وموانع، يعني: لا تتحقق إلا بوجود شروطها وانتفاء موانع الوعد والوعيد، فليس كل إنسان حصل منه هذا الفعل فإنه يطبق عليه ما ورد في الحديث، فمثلاً: لو أن إنساناً وجد إنساناً يغتاب آخر فقال: هذا لا يدخل الجنة، وسيكون من أهل النار، وطبق عليه الحديث وحكم عليه أنه من أهل النار، نقول: لا يا أخي لا تستعجل، ربما يكون هناك مانع من الموانع، ربما يكون عنده حسنات تكفر هذه المعصية؛ لأن الله عز وجل يقول: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، وربما تكون عنده توبة صادقة، وربما يشفع له النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة أو يشفع له الشافعون، هناك موانع تسمى عند العلماء: موانع إنفاذ الوعيد، وكما أن هناك شروطاً يجب أن تكون في المكلف حتى يقع عليه هذا الوعيد، فكذلك الحال في الوعد، فليس كل وعد يحقق، فلو أن شخصاً قال: لقد دعوت الله أن يدخلني الجنة، والله عز وجل يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، فسأدخل الجنة قطعاً، وحكم بهذا، وجزم بأنه من أهل الجنة بهذه الطريقة، نقول: هذه الطريقة خاطئة في فهم نصوص الوعد، فإن الدعاء وما يترتب عليه من الوعود الشرعية لابد من وجود شروط فيه، فليس كل دعاء مقبولاً، وربما يظن الإنسان أن الشروط توافرت ولم تتوافر في الحقيقة؛ لأن الله عز وجل يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]، ولهذا قال ابن عمر : لو أنني علمت أن صلاة واحدة تقبلت مني لتمنيت الموت بعدها؛ لأن الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].

    فينبغي معرفة هاتين القاعدتين في باب الوعد والوعيد؛ فإن كثيراً من الناس لا يفقهها ولا يفهمها على أصولها الصحيحة.

    1.   

    أصل ضلال الفرق المنحرفة في باب الإيمان

    بقي أن نشير إلى نقطة مهمة جداً، ونختم بها ما يتعلق بموضوع الإيمان، وعن نواقض الإيمان، وفي اللقاءات القادمة سنتحدث عن أركان الإيمان تفصيلاً بإذن الله تعالى.

    القضية التي نختم بها: هي أن أصل ضلال الفرق الضالة في باب الإيمان هو اعتقاد هذه الفرق بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فهم يعتقدون أن الإيمان كلية واحدة لا تزيد ولا تنقص، فإذا نقص الإيمان اعتبروه كفراً، فترتب على هذه العقيدة الفاسدة في موضوع زيادة الإيمان ونقصانه الانحراف الكبير الذي وقع في فهمهم لحقيقة الإيمان.

    فالخوارج قالوا: الإيمان قول وعمل قطعاً، واستدلوا بالنصوص الشرعية الواردة في أن الإيمان قول وعمل، ثم جاءوا إلى العمل، وقالوا: إذا زال جزء من العمل فإنه يزول الإيمان بأكمله، ولهذا كفروا أصحاب المعاصي، والذين يتركون الواجبات الشرعية.

    والمرجئة اعتقدوا أنهم لو قالوا: إن العمل من الإيمان فإنه يلزمهم مذهب الخوارج، فنفوا وجود العمل في حقيقة الإيمان بناء على الهروب من طريقة الخوارج.

    إذاً: أصل الداء واحد، ثم افترقت منه فرقتان متقابلتان، وأصل انحرافهم واحد هو اعتقادهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ثم الخوارج قررت أن الإيمان قول وعمل، فرتبوا على أنه إذا نقص جزء من العمل فإن صاحبه كافر، والمرجئة وافقت على الأصل أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ورأت أثر تعريف الإيمان بأن الإيمان قول وعمل على الخوارج فنفت دخول العمل في حقيقة الإيمان، وقالوا الإيمان: تصديق القلب، وإذا نقص تصديق القلب فإنه كفر، أما إذا وجد تصديق القلب فإنه مسلم، حتى لو ترك جميع أعمال القلب والجوارح، يعني: لو لم يوجد في قلبه محبة لله، ولو لم يوجد في قلبه خوف من الله، ولو لم يوجد في قلبه توكل، ولو لم يعمل من أعمال الظاهر أي عمل فإنه يكون مؤمناً، وهذا لا شك أنه تلاعب بالدين؛ فإن حقيقة الإيمان التي مارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم توجد هذه الحالة مطلقاً عندهم، فقد أسلم في فترة دعوته عليه الصلاة والسلام في مكة وفي المدينة أعداد كبيرة من الناس، ومع هذا لم يوجد شخص يقول: أنا مصدق، ثم لا يعمل شيئاً من أعمال الإسلام الظاهرة والباطنة، حتى المنافقين وهم منافقون كانوا يأتون بأعمال الإسلام الظاهرة؛ لأنهم يعرفون أنهم لو تركوا أعمال الظاهر فضلاً عن أعمال القلب فإنهم لا يكونون مسلمين؛ لأن المسلم هو المستسلم لله المنقاد له.

    وكان المنافقون يذهبون معهم في الجهاد على تباطئ فيهم وضعف وتراجع، ويشهدون الصلاة مع الناس، ويتظاهرون بالإسلام، ولو كانوا يعلمون أنه يمكن لهم ترك جميع أعمال الظاهر وأعمال القلب، ويكونون مسلمين ولا يقام عليهم حد الردة، لما فعلوا ذلك ولما أتعبوا أنفسهم ولما أشقوا أنفسهم في العمل وهم غير مقتنعين به.

    لكن المرجئة يلعبون بالدين وهم من أهل التفريط، وكذلك الخوارج من أهل الغلو والإجحاف والظلم والجور على المسلمين، فهم يكفرون المسلمين ويستحلون دماء عصاة المسلمين، مع أن هؤلاء العصاة موطن دعوة يجب أن يدعون إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يجوز تكفيرهم؛ لأنهم من أهل الإسلام، وممن يقومون بالإسلام، وهذه الأخطاء والذنوب ينصحون بالتوبة عنها، أما التكفير فإنه من أخطر الأمور، ولا يوقع إلا على صاحبه، ولا يصح لمسلم أن يكفر مسلماً آخر، وإنما إذا كفر الإنسان فإنه ينظر إلى حاله، إن وجدت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع فإنه يكفر، وإن لم توجد به الشروط ولم تنتف عنه الموانع، فإنه لا يكفر.

    بهذا نكون انتهينا من درس هذا اليوم، وفي اللقاء القادم إن شاء الله سنتحدث عن نواقض الإيمان بشكل عام، وأيضاً سنتحدث عن شيء من ضوابط التكفير بإذن الله تعالى.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الجهاد في سبيل الله مع الوقوع في المعاصي والبدع

    السؤال: يقول أحد الإخوة: جمعني مجلس مع أحد الأشخاص فقال: إنه لا يسوغ الجهاد مع أي شعب مسلم؛ حتى يتخلص هذا الشعب من جميع الشرك الأصغر والبدع والمعاصي، وإنك لو جاهدت معهم وهم على هذه الحال فلن تنتصروا على الأعداء، ويستدل على ذلك بأن الصحابة هزموا في غزوة أحد، وكذلك هزموا في بداية غزوة حنين، علماً بأن المعصية لم تصل إلى حد الشرك والبدع، ويستدل بقوله تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7]، ولابد من نصر الله بتطهير المجتمع من البدع والمعاصي، فهل هذا القول صحيح؟

    الجواب: لا شك أن هذا القول ليس بصحيح بشكل عام، فهذا الشخص يتصور أن هذه الشعيرة من شعائر الإسلام وهي الجهاد في سبيل الله لا يمكن أن تقوم إلا إذا تصفى المسلمون من جميع أنواع الذنوب والمعاصي، وهذا غير ممكن، والواقع في تاريخ المسلمين أنهم جاهدوا أعداءهم مع وجود الذنوب والمعاصي، والذنوب والمعاصي تصحح عن طريق الجهاد أيضاً، فإن الجهاد من أعظم العبادات، ولا يمكن أن يشارك إنسان في الجهاد إلا وهو يريد وجه الله عز وجل والدار الآخرة، وهذا الشعور بإذن الله تعالى يذهب بقية الذنوب والمعاصي، فأنت عندما تجتمع مع ألف شخص، هؤلاء الألف يريدون الجهاد في سبيل الله، وقد كانوا يعملون الذنوب والمعاصي، هذه الإرادة التي هي إرادة الجهاد والمشاركة في العمل القتالي، وتعريض النفس للخطر والقتل، هذه تدل على إيمان عظيم في قلب صاحبه، وبناء على هذا فإن هذا الإيمان العظيم في قلب صاحبه سيكون بإذن الله سبباً من أسباب تكفير ذنوبه ومعاصيه التي كان يعملها، ولهذا كان أبو محجن الثقفي كما تعلمون يشرب الخمر وسجنه سعد ، ثم بعد ذلك لما رأى الجهاد اشتاق إليه وخرج وقاتل في سبيل الله، وأثنى عليه الصحابة، ولم يمنعوه من الجهاد، ثم إن الجهاد في سبيل الله عمل من أعمال الإسلام، لو كانت أعمال الإسلام لا يفعلها الإنسان إلا إذا كان صافياً نقياً من الذنوب، فيمكن أن أقول: لماذا أصلي وأنا عندي ذنوب؟ يعني: لو أن الزاني قال: أنا لماذا أصلي وأنا عندي ذنوب؟ أو لماذا أصوم؟ أو لماذا أعمل بقية أعمال الإسلام؟ سبحان الله! يعني: أنت بدل أن تعالج المشكلة تزيد المشكلة تترك الصلاة!

    يا أخي! حتى لو كان عندك تقصير فاعمل بأعمال الإسلام: انصر المظلوم، تصدق، ارفع يديك في كل يوم واسأل ربك أن يقيك الله عز وجل شر هذا الذنب، وتب إلى الله عز وجل منه، هكذا ينبغي للإنسان أن يتعامل مع الذنوب، أما أن يتعامل الإنسان مع الذنوب بحيث يجره الشيطان من ذنب إلى ذنب آخر حتى يوصله إلى الكفر، فهذه من أخطر حيل الشيطان وخطواته.

    ولهذا نحن نطالب الأمة جميعاً باليقظة، ونطالبها بالجهاد في سبيل الله، وبالاستعداد، وبتحديث النفس بالجهاد في سبيل الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق)، على الأقل يحدث الإنسان نفسه بالغزو، ويتمنى ويشتاق أن يشارك في صفوف المسلمين ضد أعدائهم، ويتمنى أن يقاتلهم في سبيل الله وأن يقتل شهيداً، وعندما يرى إنساناً قتل شهيداً يتمنى أنه ممن قتل شهيداً؛ حتى يدخل الجنة التي عرضها السماوات والأرض.

    يجب علاج الأمة من الذنوب والمعاصي وأعظم علاجها هو الجهاد في سبيل الله، يعني: لا ننتظر ونتوقف عن الجهاد حتى نصفي الأمة من البدع وحتى نصفيها من الشرك الأصغر، هي مسلمة حتى لو كان عندها شرك أصغر، هي مسلمة حتى لو كان عندها بدع، ما دام لم تصل إلى الشرك الأكبر، لكن لو وصلت إلى الشرك الأكبر مثل: الشيعة فيجب أن نقف هنا ونقول: أولاً: أسلموا، ثم بعد ذلك جاهدوا، أما أن تجاهد على الكفر ما هي الفائدة؟ إذاً: إذا كانوا مسلمين وعندهم تقصير فيجب أن نشجعهم على الجهاد في سبيل الله، وأنه عمل من أعمال الإسلام، فلو أن إنساناً زان أو شارب للخمر رأيته يصلي ركعتين فهل ستقول له: لماذا تصلي ركعتين وأنت شارب خمر؟! سبحان الله! هذه شعبة من شعب الإسلام، وهذا خطأ أخطأه، كذلك الزاني لو تصدق هل تقول: لماذا تتصدق وأنت زانٍ؟! سبحان الله! هذا التصدق يكفر عن نفسه الذنب، وأيضاً حتى لو كان شارباً للخمر وجاهد، فهل نقول له: لماذا تجاهد؟ وربما يقول بعضهم: إننا سنهزم، نقول: الهزيمة لها أسباب كثيرة، والمعصية سبب من الأسباب، وهذا السبب قد يحصل وقد لا يحصل، فقد تكون الأمة فيها ذنوب ومعاص وينصرها الله سبحانه وتعالى، هل تتصورن الجيش الذي قاده صلاح الدين الأيوبي وحرروا بيت المقدس كانوا كلهم من الصالحين؟ هل هم كلهم من الأتقياء الأبرار بدون استثناء؟! لا، أنا أجزم بأنهم ليسوا كلهم، وليس كل فرد فيهم، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم عندما يذهب للغزو يذهب ومعه بعض المنافقين، ففي غزوة تبوك مثلاً عندما خرج بدءوا يعتذرون، وشاركوا معه في غزوة بني المصطلق، وشاركوا معه في بعض الغزوات، صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يحرص عليهم، لكن لم يكن يمنعهم من الغزو، ما كان يقل لهم: أنتم لا تخرجون معنا؛ لأننا سنهزم بسببكم، لكن صحيح أن الذنب سبب من أسباب الهزيمة.

    ولهذا نحن نحذر من الذنوب حتى لا نهزم، لكن هذا السبب ليس بالضرورة أن يقع؛ لأن هناك قاعدة شرعية: وهي أن الأسباب في تحققها في الواقع لابد من وجود شروط وانتفاء موانع لها.

    أول شيء: أن يكون السبب حقيقياً.

    وثاني شيء: أن يريد الله أن يعاقب هذه الأمة بهذا الذنب.

    ولهذا أقول: إنه لا يمكن أن ننتظر الأمة حتى تتصفى، بحيث لا يكون عندها ذنوب ولا بدع ولا غيرها، ثم بعد ذلك نجاهد، أبداً، فـصلاح الدين الأيوبي كان يدرس على بعض شيوخه العقيدة الأشعرية التي نحن ننتقدها، وصحيح أن صلاح الدين رجل وقائد عسكري، وما كان من أهل الدراسة التفصيلية، لكن كان الشيوخ الذين يدرسون في دولته والذين لهم المكانة، وكبار العلماء في زمانه كانوا شيوخ الأشعرية وعندهم بدع، لكن هل ننسى بقية خصال الإسلام التي فيهم؟ هل ننسى تعظيمهم لله؟ هل ننسى إقامتهم للصلاة؟ هل ننسى إقامتهم للشريعة؟ هل ننسى إقامتهم للقضاء والأحكام الشرعية؟

    وصلاح الدين الأيوبي طرد الصليبيين، وأسس لـابن عساكر الدمشقي دار الحديث الأشرفية في دمشق، وكان يدرس فيها عقائد الأشعرية التي ننتقدها.

    فلا يعني وجود بدع أو وجود معاص أن الأمة غير صالحة للجهاد، أبداً، بل الجهاد يحصل بمجموع الأمة حتى لو كان فيها تقصير، بل إنه يبارك الله عز وجل فيها، ويجعل ذنوبها أقل، ويجعل بدعها أقل، ويهيئ لها خيراً مما كانت عليه سابقاً.

    فالجهاد ينظف الذنوب والمعاصي، وينظف البدع بإذن الله تعالى، ويجمع المسلمين، فهو من أعظم الحلول وأنفعها للأمة.

    إذاً: فهم الأخ فهم غير صحيح، صحيح أنه ينبغي أن نعمل في خطين متوازين: ألا يكون عندنا ردود فعل، لا نقول مثلاً: نجعل الأمة كلها تشارك في الجهاد في سبيل الله حتى لو كانت عاصية ولا ندعوها إلى الله، لا، وإنما ندعوها إلى الله ونصلحها، ونطالب أن تجاهد في سبيل الله، بل نحن نطالب حتى العصاة أن يدعو إلى الله عز وجل، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، أليسوا مسلمين؟ وأليست الدعوة من شعائر الإسلام؟ فنحن نطالب العسكريين أن يجتهدوا في الدعوة إلى الله عز وجل في وسطهم العسكري، ونطالب القضاة أن يجتهدوا في الدعوة إلى الله عز وجل مع المتهمين الذين يؤتى بهم، وأن ينصحوهم، ونطالب الطلاب بهذا، ونطالب كل إنسان في دائرته أن يحقق العدل، وأن يجتهد في أن يكون صادقاً، وأن يبتعد عن الذنوب والمعاصي، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وينفع المسلمين بما يستطيع، حتى لو كان مقصراً، حتى لو كان حليقاً، حتى لو كان مسبلاً، حتى لو كان عنده دش ويتفرج على الراقصات، ونحن لا نقلل من خطر الذنوب والمعاصي، بل نحذر وننصح، لكن أيضاً لا يأتي الشيطان ويتلاعب بالناس، ويجعلهم بسبب هذه الذنوب والمعاصي يتركون إصلاح المجتمع، ويتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكلنا ذوو خطأ، وكلنا مقصرون، هل تتصورون بمجرد أن الإنسان صارت عنده لحية أو قصر ثوبه أنه صار من الأتقياء والصديقين؟ لا، قد يقع منه الخطأ والذنب، وكلنا ذوو خطأ، لكن لا يقصر الإنسان في النصح.

    إذاً: ينبغي أن نفهم الأصول الشرعية بهذه الطريقة.

    تفسير مقالة المرجئة أنه لا يضر مع الإيمان معصية ولا ينفع مع الكفر طاعة

    السؤال: ما معنى المقولة: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة؟

    الجواب: هذه كلمه يقولها بعض المرجئة، وإن كان ابن تيمية رحمه الله يرى أنها لم تثبت عن شخص معين، قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، يعني: إذا وجد الإيمان الذي هو التصديق القلبي لا يضر معه المعاصي! وهذا خطأ، فالمعاصي تؤثر في الإيمان.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046352228

    عدد مرات الحفظ

    735436668