إسلام ويب

أصول العقيدة [1]للشيخ : عبد الرحيم السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للعلم آداب ينبغي على طالب العلم معرفتها والتأدب بها, أهمها إخلاص النية لله تعالى, وجملة من الآداب المهمة, وعلم العقيدة أول العلوم في الحاجة إلى تلك الآداب, وإلى الإلمام بمسائله, لا سيما مسائل التوحيد العظيمة.

    1.   

    مقدمة في آداب طالب العلم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذا هو الدرس الأول من دروس أصول العقيدة، وسوف يكون الكلام في هذا الدرس حول ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: مقدمة في آداب طالب العلم.

    الأمر الثاني: المنهج الذي سنتبعه في هذا الدرس بإذن الله تعالى.

    الأمر الثالث: الكلام في المسألة الأولى من مسائل أصول العقيدة وهي مسألة: فطرية التوحيد.

    لقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين يعتنون عناية كبيرة بآداب طالب العلم، وآداب طالب العلم مذكورة في السنة النبوية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة الأدب كما يعلمهم العلم أيضاً، وحديث جبريل الطويل الذي سأل فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان وعن أشراط الساعة تعلم الصحابة رضوان الله عليهم فيه الأدب في السؤال والاستماع والجلوس بين يدي المعلم، ولهذا جاء في آخر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم).

    فالأدب في طلب العلم من الدين، ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل كما في صحيح البخاري قصة موسى عليه السلام مع الخضر ، وهذا الحديث فيه كثير من الأحكام والآداب، ومن أبرزها أدب طالب العلم.

    يقول عبد الله بن المبارك : طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب قبل العلم.

    ويقول أيضاً رحمه الله تعالى: يكاد يكون الأدب ثلثي العلم.

    وهناك آداب كثيرة لطالب العلم يمكن أن نتحدث عن أبرزها، منها:

    إخلاص النية لله عز وجل

    الأمر الأول: إخلاص النية لله سبحانه وتعالى، فإن هذا العلم من الدين، والدين من شروطه الأساسية التي تجعله مقبولاً عند الله ومباركاً فيه أن يكون خالصاً لوجهه تعالى، يقول الله عز وجل: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وقال تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3].

    وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: -وذكر منهم- قارئ القرآن)، وفي بعض ألفاظ الحديث: (وطالب العلم يأتي يوم القيامة فيسأل عن علمه فيقول: طلبت العلم فيك وقرأت القرآن فيك، فيقال له: كذبت، بل طلبت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم يسحب على وجهه فيلقى في النار).

    وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله لا يريد به إلا عرضاً من أعراض الدنيا لم يرح عرف الجنة)، وعرف الجنة المقصود به: ريح الجنة، وهذا يدل على الترهيب الشديد في أن يطلب الإنسان العلم لغير الله عز وجل.

    وجاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من طلب العلم ليجاري به العلماء أو يماري به السفهاء لم يرح رائحة الجنة).

    فينبغي على طالب العلم في أول بدايته لطلب العلم أن يخلص العلم لوجه الله سبحانه وتعالى، ويجعل العلم لله سبحانه وتعالى حتى يكون مقبولاً عند الله، وحتى يكون هذا العلم مباركاً فيه.

    معرفة منازل العلم

    الأمر الثاني: ينبغي على طالب العلم أن يعرف منازل العلم، فإن للعلم منازل تحدث عنها أهل العلم، ذكرها سفيان الثوري رحمه الله، وذكرها أيضاً عبد الله بن المبارك ، وذكرها ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة، هذا الكتاب العظيم تحدث فيه عن مسألتين:

    المسألة الأولى: أهمية العلم وكيفية تحقيق العلم.

    المسألة الثانية: مسألة الولاية وكيف يحصلها الإنسان ويكون ولياً عند الله سبحانه وتعالى.

    وقد ذكر أهل العلم أن منازل العلم مجموعة فيما يلي:

    أولاً: النية.

    ثانياً: الاستماع.

    ثالثاً: الفهم.

    رابعاً: الحفظ.

    خامساً: العمل.

    سادساً: النشر.

    أولاً: النية، بأن يكون الإنسان مخلص النية لله سبحانه وتعالى.

    ثانياً: الاستماع، ومعناه: حسن الإنصات، فإن الإنصات جزء أساسي من أجزاء الفهم، ولا يمكن للإنسان أن يفهم وأن يتأمل إلا إذا أنصت، ولهذا أمر الله عز وجل أن ينصت الإنسان للقرآن: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204]، والقرآن هو أساس العلم.

    ثالثاً: الفهم، فإن الإنسان لا ينفعه العلم بدون فهم، فالعلم أساسه الفهم، وليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم الحقيقي العلم الذي يكون بالدراية والفهم وإدراك المسائل على صورتها الصحيحة، فإذا كان الإنسان كثير الرواية قيل عنه: راوي، لكنه إذا كان فاهماً للعلم فإنه يقال عنه: فقيه وعالم، والفقه: هو الفهم.

    ولهذا جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) أي: يفهمه الدين، ويجعله من أهل الفقه والعلم.

    ولهذا جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: أنتم اليوم في زمان كثير فيه الفقهاء قليل فيه الخطباء، وسيأتي زمان كثير فيه الخطباء قليل فيه الفقهاء. وهو يشير بهذا إلى ذم هذا الزمان الذي يكثر فيه الخطباء الذين يتكلمون، لكنهم قد لا يكونون من الفقهاء الذين يدركون مسائل العلم وأصوله.

    رابعاً: الحفظ، فالحفظ جزء أساسي من أجزاء العلم، والذي لا يحفظ العلم لا يمكن له أن يكون عالماً، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه العلم كما يعلم أصحابه القرآن أيضاً، كما جاء في حديث الاستخارة في صحيح البخاري عن جابر رضي الله عنه وأرضاه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن)، وهذا يدل على أهمية حفظ العلم، فالعلم بدون حفظ لا يمكن للإنسان أن يحصِّل منه شيئاً.

    خامساً: العمل بالعلم، فإن العمل بالعلم من أعظم الواجبات، وهو المقصود أصلاً من تعلم العلم، ولهذا قال بعض السلف الصالح مثل سفيان بن عيينة : كنا نستعين على حفظ القرآن وعلى حفظ العلم بالعمل به. فالعمل بالعلم من أعظم الأمور التي يحفظ الإنسان بها العلم.

    ولهذا جاء عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال: ما سمعت بحديث إلا وعملت به ما سمع بحديث من الأحاديث إلا وقد عمل به، وجمع مسنداً عظيماً وكبيراً يصل إلى الأربعين ألف حديث ما يضع فيه حديثاً حتى يعمل به، وهذا يدل على حرصهم على العمل.

    ولهذا يقول سفيان : رويت عن علي رضي الله عنه أنه قال: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.

    وألفَّ الخطيب البغدادي رحمه الله كتاباً سماه: اقتضاء العلم العمل، أي: أن العلم يقتضي أن يعمل الإنسان، وأما العلم بدون عمل فهو حجة على الإنسان -والعياذ بالله-، وسيحاسب الإنسان على علمه إذا لم يكن يعمل به؛ لأنه من أول المسائل التي يسأل عنها الإنسان عن علمه ماذا عمل به.

    سادساً: النشر، والمقصود بالنشر: الدعوة إلى العلم ونصيحة الناس، وتعليم هذا العلم الذي تعلمه، فتعليم العلم له أهمية كبرى.

    اتخاذ منهجية مرتبة في تحصيل العلم

    الأمر الثالث: ينبغي على طالب العلم أن يجعل لنفسه منهجاً مرتباً في تحصيله للعلم، وذلك بأن يبدأ بتعلم مقاصد العلم قبل تعلم الوسائل، فالعلوم نوعان:

    علوم مقاصد، وعلوم وسائل.

    فالعلوم المقصودة لذاتها: هي علم العقيدة، وعلم الفقه، والحديث، والتفسير، فهذه علوم مقصودة في ذاتها.

    وهناك علوم وسائل، أي: علوم تجعل الإنسان يستطيع أن يفهم بها هذه العلوم، ومنها: علم أصول التفسير، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، وأصول الفقه، والنحو، وما يتعلق بهذه العلوم التي تتعلم لغيرها حتى يتعلم الإنسان بقية العلوم.

    فينبغي لطالب العلم أولاً أن يبدأ بعلم العقيدة، وعلم الفقه، فيدرس في كل علم من هذه العلوم كتاباً شاملاً مختصراً، يعتني مؤلفه بأصول العلم، ويقررها تقريراً صحيحاً مأخوذاً من النصوص الشرعية، ثم بعد ذلك ينتقل إلى علوم الوسائل.

    ومن المنهجية في طلب العلم: أن يبدأ الإنسان بصغار العلم قبل كباره، وألا يشتغل بالمصنفات الطويلة قبل أن يضبط الكتب الصغيرة في أي علم من العلوم، وألا يشتغل بالمسائل الخلافية التي فيها تفصيلات وتطويل ونقاش كثير قبل أن يدرك أساسيات المسائل، فإدراك أساسيات المسائل مهم بالنسبة لطالب العلم، فإنه إذا اشتغل بالخلافيات وتتبع الخلاف فإنه لا يستطيع أن يتفهم العلم بصورته الصحيحة، وهذا هو الذي يسميه بعض العلماء: التأصيل، ومعنى التأصيل: أن يبدأ الإنسان بالأصول، فعلم العقيدة فيه أصول، وعلم الفقه فيه أصول، وعلم الحديث فيه أصول، وكل علم من العلوم فيه أصول، فيبدأ الإنسان بهذه الأصول ويفهم هذه الأصول.

    ومن المنهجية أيضاً في طلب العلم: ألا يستعجل الإنسان في طلب العلم، فبعضهم يريد أن يصبح عالماً أو فقيهاً بسرعة، والسرعة لا تغني شيئاً خاصة في العلم، فالعلم لا يؤخذ بالسرعة وإنما يؤخذ بالتأني، يتفهم الأمور مسألة مسألة ثم بعد ذلك يكون عنده فقه عظيم.

    جاء أبو حنيفة إلى حماد بن أبي سليمان وسأله عن العلم فقال: تعلم في كل يوم مسألة أو مسألتين وسيصبح لك بعد فترة علم كثير. فالعلم يحصل بالتأني والتدرج والاستمرار، والإنسان إذا استمر في العلم فلو حفظ في كل يوم مسألتين فقط فسيحصل على علم كثير جداً في آخر السنة، وفي السنة التي تليها والتي تليها، أهم شيء أن يواظب الإنسان في طلبه للعلم وألا ينقطع، وعليه أن يبتعد عن الفوضوية والتخبط في طلب العلم.

    والتخبط: هو أن يدخل الإنسان في درس من الدروس ويستمر فيه ثلاثة دروس أو خمسة إلى عشرة دروس ثم ينتهي ويترك هذه الدروس، أو أن يبدأ في كتاب فيبدأ بمقدمة الكتاب ثم يترك هذه البداية، أو يسمع مجموعة من أشرطة أهل العلم المتخصصين فيستمع إلى الشريط الأول والثاني والثالث ثم يترك البقية.

    ولهذا مع الأسف يوجد من طلاب العلم من يتذوق الدروس، بأن يحضر الدرس الأول ويكون حريصاً، وتجده مهتماً غاية الاهتمام، فيستمر -كما قلت- وقتاً بسيطاً، ثم يسمع أن هناك درساً آخر فتح فيذهب إليه، ويستمر فيه وقت بسيط، ثم يسمع أن هناك درساً ثالثاً فتح فيذهب إليه، وهكذا يصبح يتنقل بين الدروس لا يحضر إلا أوائل الدروس ثم يتركها، فهذا لا يمكن أن يكون فقيهاً أو عالماً، ولا يمكن أن يحصل العلم المطلوب الذي نتكلم عنه باسم المنهجية في طلب العلم.

    العناية بالآداب والأخلاق

    الأمر الرابع: أن يعتني الإنسان بآدابه وأخلاقه، فيعتني الإنسان بأخلاقه مثل الصدق، وحفظ الأمانة، والأدب مع الوالدين، ومع الأهل، والعناية بالعبادة، والحرص على الأذكار وقراءة القرآن، والبعد عن الذنوب والمعاصي، والحرص على مكارم الأخلاق والآداب وشيم النفوس العالية، وأن يكون الإنسان بعيداً عن خوارم المروءة، وأن يعتني الإنسان بصقل نفسه وتهذيبها وتربيتها، وأن يعتني بتزكية نفسه، ومعنى التزكية النماء، أن ينمي الإنسان نفسه، يقول الله عز وجل: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:7-10]، ففي قوله: (قد أفلح من زكاها) سبب ونتيجة، فالسبب: التزكية، والتزكية التنمية، أن ينمي الإنسان نفسه ويطهرها، فينميها ويطهرها من أوساخ المعاصي والآداب الرديئة والأخلاق السيئة، إذاً: السبب أن يزكي نفسه، والنتيجة: الفلاح، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9].

    وأيضاً في المقابل نتيجة وسبب، فالسبب: التدسية، ومعنى التدسية: الإخفاء، كما أن التزكية: النماء والطهارة، فالتدسية ضد التزكية معناها الإخفاء، ولهذا جاء في قصة الذين يدفنون بناتهم قال الله تعالى: أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ [النحل:59] أي: يخفيه في التراب.

    فينبغي على الإنسان أن يعتني بتزكية نفسه، وأن يبتعد عن تدسيتها بالذنوب والمعاصي، فإن نتيجة التدسية الخيبة والخسارة، كما أن نتيجة التزكية الفلاح بإذن الله تعالى.

    إذاً: ينبغي على طالب العلم أن يعتني بنفسه عناية كبيرة في آدابها، أن يكون لسانه عفيفاً، وأن يكون بعيداً عن الطعن في الناس، والكذب عليهم، والسفه، ونحو ذلك من خوارم المروءة التي لا تليق بأي مسلم، فكيف بطالب العلم الذي ينبغي أن يكون على مستوى عال من الآداب الشرعية؟! وأن يعتني بتهذيب نفسه وتربيتها والعناية بها عناية كبيرة.

    ولهذا تحدث العلماء عن العناية بالعلم، وقالوا: إن من معنى العناية أن يأخذ الإنسان العلم بالتدرج وأن يفهمه، وأن يعتني بنفسه، وأن يطبق هذا العلم حتى يتعلم العلم والعمل على حد سواء.

    ولهذا جاء عن بعض السلف أنهم كانوا لا يتجاوزن العشر الآيات من القرآن حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل.

    احترام العلماء وتقديرهم

    الأمر الخامس: أن يحرص طالب العلم على احترام العلماء وتقديرهم، وأن يدعو لأهل العلم، وأن يحرص على الاستفادة منهم، وأن يجتهد في التلقي عنهم، وفي استشارتهم، فإن لأهل العلم منزلة عظيمة، وهذه المنزلة التي لأهل العلم جاءت بسبب العلم الذي يحملونه، ولهذا يقول الله عز وجل: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11].

    فأهل العلم في رفعة عالية، فيجب على طالب العلم أن يشعر برفعتهم، وأن يستفيد منهم، وأن يتعلم على أيديهم، فطالب العلم لا يمكن له أن يتعلم لوحده، ولا يمكن له أن يتعلم عن طريق الكتب، ولهذا كان بعض السلف يقول: لا تطلب العلم على الصحف، ولا تأخذ القرآن على مصحف.

    لا تطلب العلم على الصحف، أي: لا تطلب العلم على شخص يقرأ في الصحف فقط، (ولا تقرأ القرآن على مصحف) أي: شخص يعتمد على القراءة بالمصحف فقط، وإنما هذا العلم يؤخذ من أفواه الرجال.

    ويمكن أن تراجع آداب طالب العلم في كتاب العلم في صحيح البخاري ، ومقدمة سنن أبي داود ، ومقدمة سنن ابن ماجة ، ومقدمة صحيح مسلم ، وأيضاً يمكن أن يُرجع إلى كتاب العلم لـأبي خيثمة زهير بن حرب رحمه الله، وأيضاً إلى آداب المعلمين والمتعلمين لـمحمد بن سحنون المالكي، الإمام المشهور في مذهب الإمام مالك ، وأيضاً يمكن أن يرجع إلى كتابين عظيمين لعالمين توفيا في سنة واحدة، أحدهما عالم في المغرب، والآخر عالم في المشرق، أما عالم المشرق فهو أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي رحمه الله، له كتاب اسمه: الجامع في أخلاق الراوي وآداب السامع، والثاني عالم المغرب هو أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي رحمه الله تعالى، وله كتاب اسمه: جامع بيان العلم وفضله، وكلا هذين العالمين عالم المشرق وعالم المغرب توفيا في سنة أربعمائة وثلاث وستين.

    وهناك كتب كثيرة متعددة من أبرزها في العصر الحديث: حلية طالب العلم، للشيخ العلامة المحقق بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى ورعاه.

    1.   

    المنهج المتبع في دروس أصول العقيدة

    المسألة الثانية التي سنتحدث عنها هنا هي: مسألة المنهج الذي سيكون في هذا الدرس، فكما هو معلوم من عنوان هذا الدرس: أصول العقيدة، فهو ليس مرتبطاً بكتاب معين؛ بل هو موضوعات متعددة لكن لها وحدة واحدة وهي العقيدة، وفي قضايا الأصول في العقيدة، فنحن سنتحدث بإذن الله تعالى عن الأصول في العقيدة مثل: التوحيد والإيمان وما يتعلق بهما من الأنواع والأركان، وما يدخل فيهما من المسائل، وسنتحدت عن البدعة والسنة بإذن الله تعالى، وما يتعلق بهما من المسائل والأحكام.

    وهناك مسائل دقيقة تفصيلية داخل هذه الموضوعات الكبيرة سنتحدث عنها بإذن الله تعالى، فإذا تحدثنا عن الإيمان سنتحدث عن الكفر وضوابط التكفير، وما يتعلق بهذه المسائل بإذن الله تعالى، وهناك مسائل أخرى سيأتي لها الحديث في وقتها بإذن الله.

    ولهذا نحن في كل درس سنحدد مجموعة من المسائل وسنتحدث عنها، وسنخوض في هذه المسائل على قدر المستطاع وعلى حسب ظروف الدرس بإذن الله تعالى.

    1.   

    مصطلح العقيدة ومحله من نصوص القرآن والسنة

    هنا مسألة مهمة جداً يحتاجها طالب العلم، وهي: مسألة العقيدة، هل اسم العقيدة اسم ورد في القرآن والسنة أم أنه لم يرد هذا الاسم في القرآن والسنة؟

    الحقيقة أن اسم العقيدة الوارد في القرآن والسنة هو الإيمان، فالعقيدة مصطلح ذكره العلماء المتأخرون لجملة المسائل التي تتعلق بعقيدة الإنسان، وهذه المسائل تسمى في القرآن: الإيمان، يقول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52]، فالإيمان والسنة هذه هي التي ذكرها العلماء المتأخرون باسم العقيدة، أي: أنه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن هذا المصطلح -وهو العقيدة- موجوداً، لكن كان الموجود هو الإيمان، ومعنى الإيمان: التصديق الجازم بالعقائد الواردة في القرآن والسنة والعمل بمقتضاها.

    ثم لما ظهرت الفرق الضالة في آخر القرن الأول تقريباً وصار لها رواج، بدأ العلماء يؤلفون في مسائل العقيدة باسم السنة، وذلك أخذاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن رغب عن سنتي فليس مني)، والعلماء يقولون: لا مشاحة في الاصطلاح.

    ويمكن أن ننبه إلى قاعدة في المصطلحات وهي: أن المصطلحات هي عبارات تدل على معان، فهي ألفاظ ومعانٍ، فإذا كانت المعاني صحيحة فإنه لا بأس بهذه الاصطلاحات، ولكن إذا كانت المعاني غير صحيحة فإن هذه المصطلحات تكون مذمومة، ولهذا سميت العقيدة بأسماء متعددة، فسميت: الإيمان، والتوحيد، والسنة، وأصول الدين، ونحو ذلك من الأسماء، وأما الأسماء البدعية فهي مثل من سماها بعلم الكلام، فعلم الكلام هو علم اخترعه بعض المبتدعة الذين اشتغلوا بمناظرة النصارى والزنادقة وأصحاب الديانات الوثنية الأخرى، فأسسوا علماً من خلال هذه المناظرات التي لم تكن على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في المناقشات والمناظرات والحجاج العقلي المشروع، ولهذا أدخلوا في العقائد أموراً مبتدعة، مثل نفي الصفات، ونفي القدر أو إثبات الجبر، وأيضاً القول بأن الإيمان إنما هو مجرد التصديق، وأن العمل لا يدخل في حقيقة الإيمان، ونحو ذلك من المسائل التي ابتدعوا فيها ما لم يشرعه الله سبحانه وتعالى.

    ولهذا حذر علماء أهل السنة وحذر علماء السلف من هذا العلم -أعني علم الكلام- لأنه علم مبتدع، فلم يحذروا منه لكونهم استخدموا مصطلحات جديدة مثل: العرض، والجسم، والجوهر الفرد، ونحو ذلك، وإنما لكون هذه المصطلحات تتضمن معاني باطلة، مثل المصطلحات التي استخدمها الصوفية، فالصوفية يتحدثون في السلوك، والسلوك من مسائل الإيمان أيضاً، لكنهم تحدثوا بلغة وبمنهج بدعي، فهم يتكلمون عن الفناء، والسكر، والشطح، ونحو ذلك من المصطلحات التي يأتون بها، وهي تدل على معان باطلة مخالفة للسنة، ولهذا نهى أهل العلم عن علم الكلام وعن التصوف من هذا الباب، فهم لم ينهوا عنه لكونه اشتمل على مصطلحات، أو لأنه علم جديد، بل نهوا عنه لأنه يتضمن مناقضات لأصول الدين وأصول العقيدة.

    فينبغي لطالب العلم أن يدرك هذه المقدمة قبل أن نبدأ في الحديث عن أصول العقيدة.

    1.   

    فطرية التوحيد

    المسائل التي سنتحدث عنها إن شاء الله في بداية هذه الدروس هي مسائل التوحيد، ونحن سنتحدث في مسائل التوحيد عن مجموعة مسائل:

    المسألة الأولى: مسألة فطرية المعرفة.

    المسألة الثانية: أول واجب على المكلف.

    المسألة الثالثة: أقسام التوحيد.

    المسألة الرابعة: توحيد الربوبية.

    المسألة الخامسة: قواعد في توحيد الألوهية.

    المسألة السادسة: قواعد في توحيد الأسماء والصفات.

    فهذه ست مسائل كبرى أساسية وأصلية في باب التوحيد، ينبغي علينا أن ندرسها وأن نفهمها وأن نفقهها، ثم ننتقل بعد ذلك إلى باب كبير آخر من أصول العقيدة بإذن الله.

    وسنبدأ أولاً بالكلام على المسألة الأولى وهي مسألة فطرية التوحيد:

    ومعنى فطرية التوحيد: أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان خلقه وهو مفطور على معرفة الله عز وجل، وعلى الشعور بالتأله لله سبحانه وتعالى، وهذا المعنى وهذا المفهوم دلت عليه النصوص الشرعية من القرآن والسنة، يقول الله سبحانه وتعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30]، ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟)، ثم قرأ أبو هريرة رضي الله عنه الآية السابقة من سورة الروم.

    هذه الآية والحديث في موضوع الفطرة، وموضوع الفطرة من الموضوعات التي وقع فيها خلاف كبير، ولكن هناك جوهر لموضوع الفطرة سنتحدث عنه بإذن الله تعالى.

    معنى الفطرة

    فسر بعض العلماء الفطرة: بأن المقصود أن المولود يولد كالصفحة البيضاء ليس مكتوباً فيها أي شيء من الأشياء، فهو ليس مفطوراً على التوحيد، كما أنه ليس مفطوراً على ضده، فهو يخرج من بطن أمه ليس عنده معرفة ألبتة؛ بل يخرج وليس في نفسه شيء، ثم بعد ذلك يحصل أن يتأثر بالبيئة المحيطة به، وقد تزعم هذا الرأي الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في كتابه التمهيد في شرح الأحاديث المرفوعة في الموطأ، وتحدث وأطال الحديث في هذا التفسير.

    والصحيح أن هذا التفسير للآية والحديث تفسير غير صحيح، وستأتي الإشارة إلى ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى.

    المعنى الثاني الذي أشار إليه بعض العلماء في تفسير هذه الآية وهذا الحديث: هو أن الإنسان يولد وفي نفسه استعداد لتقبل التوحيد واستعداد لتقبل غير التوحيد، والفرق بين هذا الرأي والرأي الذي قبله: أن الرأي الذي قبله لم يتعرض لموضوع الاستعداد، بينما هذا الرأي فيه معنى جديد وهو القابلية والاستعداد للتوحيد وضده أيضاً، ولكن هذا الرأي ليس فيه أن الفطرة تقتضي أن يكون الإنسان مولوداً على توحيد الله سبحانه وتعالى.

    وهناك آراء أخرى مختلفة حول موضوع الفطرة.

    ولكن المعنى الصحيح والمفهوم الصحيح من هذه الآية والحديث: أن الإنسان عندما يخرج من بطن أمه يكون مفطوراً على توحيد الله، وليس معنى كونه مفطوراً على توحيد الله أن عنده معلومات تفصيلية عن أحكام دين الله عز وجل، وإنما معناه: أن الإنسان عندما يولد تكون عنده معرفة لله عز وجل، معرفة جملية مخلوقة فيه لا يمكن له أن يعبر عنها.

    وذلك أن المولود الصغير أول ما يخرج من بطن أمه يكون لديه علوم ضرورية يقوم بها بدون أي معلومات، فالطفل الصغير ليس عنده أي معلومات، فمثلاً: أول ما تعطيه أمه الثدي يلتقمه مباشرة ويمصه، ما الذي عرف هذا الطفل أن في هذا الثدي غذاء له؟ هذه معرفة خلقها الله عز وجل فيه، وهو يقوم بها بدون أي معلومات تترتب على العقل أو تترتب على الدماغ، فهي أشياء موجودة في نفسه.

    وبناءً على هذا نقول: إن الإنسان أول ما يولد يكون مفطوراً على التوحيد، بمعنى: أنه أول ما يولد عنده شعور بالله عز وجل، وعنده شعور بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وعنده شعور بالتأله لله عز وجل، لكن هذا الشعور شعور مجمل وشعور عام غير تفصيلي، ثم بعد ذلك عندما يعقل ويكبر فإن الرسل تفصل له هذه الأمور المجملة.

    والدليل على هذا الفهم للفطرة: أن الآية واضح فيها المدح لهذه الفطرة، فالله عز وجل يقول: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ [الروم:30]، فهذه الإضافة إلى الله سبحانه وتعالى بقوله: (فطرة الله) تدل على أن هذه الفطرة ممدوحة، ولو كانت هذه الفطرة لا تقتضي معرفة الله عز وجل وتوحيده لما كانت ممدوحة، بمعنى: لو كانت بياضاً ليس فيها شيء كالورقة البيضاء، فإن الورقة البيضاء في حد ذاتها ليست ممدوحة؛ لأنه ليس فيها شيء ممدوح مثل معرفة الله، وليس فيها شيء مذموم مثل ضد ذلك، فالفطرة هنا فطرة ممدوحة، والإضافة إلى الله عز وجل تدل على أنها ممدوحة، فإن الإضافة إلى الله عز وجل نوعان: إضافة صفات، وإضافة أعيان.

    فإضافة الصفات: المقصود بها إضافة الأوصاف إلى الله عز وجل، مثل: وجه الله، وعين الله، ويد الله، فهذه الأمور إضافتها إلى الله إضافة صفات، وأما إضافة الأعيان -والمقصود بالأعيان هي الأمور التي تقوم بذاتها، والصفات هي الأمور التي لا تقوم بذاتها- فإضافة الأعيان إلى الله سبحانه وتعالى لها نوعان: إضافة مدح وتشريف، وإضافة خلق، فإضافة الخلق مثل قول الله عز وجل: نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس:13]، أو أي مخلوق من المخلوقات، فالكافر مثلاً تقول: إنه مخلوق لله، فتضيف خلقه إلى الله، مع أنه كافر، ولكن تضيفه إلى الله سبحانه وتعالى على سبيل الخلق.

    وهناك إضافة مدح وتشريف، مثل إضافة البيت، تقول: بيت الله، ويقول الله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:63]، فهذه إضافة مدح، وقال تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19]، فهذه الإضافة إلى الله سبحانه وتعالى إضافة مدح وتشريف، فإضافة الفطرة من هذا النوع.

    قال الله تعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، ومعنى قوله: (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) أي: أن الله عز وجل عندما خلق الإنسان فإن الناس كلهم خلقهم على هذه الهيئة، وهي أنهم يولدون مفطورين على توحيد الله سبحانه وتعالى، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30].

    وأيضاً: يدل الحديث على أن هذه الفطرة تقتضي وتتضمن معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده، يقول صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة)، وفي لفظ: (كل مولود يولد على الملة)، وفي لفظ: (كل مولود يولد على هذه الملة)، وهذه الروايات كلها في صحيح مسلم ، فهذا يدل على أن الفطرة والملة المقصود بها ملة الإسلام، ولهذا جاء في رواية عند ابن حبان وإسنادها صحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولد إلا ويولد على فطرة الإسلام)، وهذا دليل صريح على أن الإنسان يولد وهو مفطور على الإسلام.

    ولكن ليس المقصود بولادته مفطوراً على الإسلام أنه يعرف الأحكام التفصيلية، فيعرف الصلاة، والزكاة، وأحكام البيع والشراء، وأحكام العقائد، والملائكة ونحو ذلك، فهذه لا يعرفها على التفصيل، فإن الله عز وجل أخرجنا من بطون أمهاتنا ونحن لا نعلم شيئاً، ولهذا فهذه الإضافة تدل على أن هذه الفطرة هي فطرة الإسلام، وهي التوحيد، وهي معرفة الله سبحانه وتعالى.

    وفي تمام الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، ولم يقل: أو يسلمانه، فلو كان مثل الورقة البيضاء لقال: أو يسلمانه، لكن ذكر التهويد والتنصير والتمجيس ولم يذكر الإسلام، وهذا دليل واضح على أن الفطرة تقتضي الإيمان.

    نحن نشعر في نفوسنا أن كل الأحكام الشرعية متوافقة مع طبيعة النفس وراحتها وطمأنينتها وسعادتها، وأن أحكام غير الشريعة تورث في النفس الشقاء والهم والتعاسة، فهذا دليل أيضاً على أن الخلقة التي خلقنا عليها تقتضي هذا الدين، ولهذا يرتاح الإنسان لذكر الله، ولو لم يكن الإنسان مخلوقاً بحيث إنه يرتاح للإسلام ويرتاح لذكر الله عز وجل لما كان هناك إمكانية الارتياح لذكر الله عز وجل، وهذه يدل عليها قول الله عز وجل: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، وتشقى بضد ذلك، ولهذا يقول الله عز وجل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:124-126].

    ولهذا فإن الأحكام الوضعية الآن في العالم لا تتوافق مع طبيعة الإنسان، وكل الأحكام التي تؤخذ من غير شريعة الله عز وجل فإنها تشقي الإنسان وتهدم حياته، وتجعله في شقاء مستمر وفي تعاسة أبدية، ولهذا نجد أن الغربيين من أشقى الناس فيما يتعلق بالمرأة، وفيما يتعلق بالقوانين والأنظمة، وفيما يتعلق بالمال والسوق، وفي كل أمر من الأمور هم يعيشون حياة الضنك والعناء؛ لأنهم اعتمدوا على عقولهم، وعلى الأحكام التي تفرزها هذه العقول، ولم يعتمدوا على الشريعة، فناقضت ما في الفطرة من الارتياح للدين وقبوله والرضا به، والشعور بالانتماء إليه، فحصل بذلك الهم والشقاء والتعاسة على نحو ما تقدم.

    ويدل أيضاً على أن الفطرة هي فطرة الإسلام: تمام الحديث، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء) فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يشبه الفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها؛ من الإيمان والشعور به، وتوحيد الله سبحانه وتعالى، يشبه هذا الوضع ويقول: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء) يعني: أن البهيمة عندما تلد بهيمة أخرى فإنها تكون مجتمعة الخلقة، (هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها) فإن العرب قديماً كانوا يضعون على بهائمهم وسماً خاصاً يميز بين هذه البهائم وبين تلك، فيضعون مثلاً على الشياه خطاً معكوفاً، أو على شكل عصا، أو على شكل نجمة، أو أي شكل من الأشكال، يضعونه على الإبل والبقر والغنم حتى إذا اختلطت مع إبل الآخرين وغنمهم وبقرهم فإنهم يستطيعون تمييزها، ولهذا يميزون فيقولون: هذه إبل بني فلان، وهذه إبل بني فلان، ويكون التمييز في الغالب بالوسم، وقد يكون بشق الأذن أحياناً.

    فلهذا قال: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها) أي: أنه عندما يولد الطفل ليس فيه تأثر لا باليهودية ولا بالنصرانية ولا بالمجوسية، ولا بغيرها من الأديان الوضعية الأخرى، حتى يؤثر فيه الأبوان، والأبوان رمز للبيئة عموماً، فإن الأبوين هما أقرب الناس إلى الطفل، وأول من يتلقى منهم الطفل التأثير، ويوجد هناك مؤثرات أخرى في الحياة غير الأبوين، لكن التمثيل بالأبوين باعتبار أنهما أقرب الناس إلى الطفل، وأن المؤثر الأولي في الإنسان هو الأب والأم.

    دلالة حديث: (خلقت عبادي حنفاء) على فطرة التوحيد

    يدل على الفطرة أحاديث كثيرة جداً، منها: الحديث القدسي في صحيح مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين)، والحنيف معناه: المائل عن الشرك، ولهذا سمي الأحنف بن قيس أحنفاً -مع أنه صخر بن قيس - لكن سمي بـالأحنف وراج هذا الاسم لأنه كان في رجليه حنفة، كانت رجلاه مائلتين، وهو سيد مشهور سيد تميم، وكان يضرب به المثل في الحلم.

    ومعنى الحنيف: المستقيم على طاعة الله عز وجل، والحنيف من كلمات الأضداد، ففي اللغة العربية كلمات تستخدم لمعاني متعددة، فمثلاً: كلمة (بصير)، تستخدم للرجل المبصر الذي يرى، وللأعمى، وكلمة: (مفازة) تستخدم للشيء الذي فاز فيه الإنسان، وتستخدم أيضاً للصحراء المهلكة، وكلمة (السدفة) تستخدم للظلمة، وتستخدم أيضاً للنور، فهذه من كلمات الأضداد، والعرب يستخدمونها في هذه الأشياء السيئة من باب التفاؤل.

    فالحنيف معناه: المائل عن الشرك، ولهذا وصف الله عز وجل إبراهيم عليه السلام بأنه كان حنيفاً فقال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120]، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بعثت بالحنيفية السمحة) أي: المائلة عن الشرك.

    فقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: (خلقت عبادي حنفاء) معناه: أنه خلقهم على توحيد الله سبحانه وتعالى، بل جاء في رواية صحيحة أنه قال: (خلقت عبادي حنفاء مسلمين فاجتالتهم الشياطين)، وإذا قارنت بين حديث أبي هريرة في الفطرة، وبين حديث عياض بن حمار المجاشعي في قول الرب سبحانه وتعالى: (خلقت عبادي حنفاء مسلمين)؛ تجد التطابق، فالجميع على الفطرة، حنفاء مسلمين، ثم يحصل لهم بعد ذلك التأثر، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، وفي الحديث الآخر قال: (فاجتالتهم الشياطين).

    دلالة الميثاق المأخوذ من بني آدم على فطرة التوحيد

    ومن أدلة الفطرة المشهورة الميثاق الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على الناس، ويدل على ذلك آية الأعراف المشهورة، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:172-173]، فهاتان الآيتان في سورة الأعراف تدلان على الميثاق، وقد اختلف أهل العلم في صورة الميثاق: هل الميثاق هو أن الله عز وجل أخرج الناس حقيقة من ظهور آبائهم وجمعهم في مكان واحد، وأنه حصل هناك سؤال من الله عز وجل بقوله: ألست بربكم؟ وأن الخلق أجابوا بمنطق صريح بقولهم: بلى شهدنا، ونحو ذلك؟ فهل كان الميثاق بهذه الصورة كما يدل عليه ظاهر الآية أم أن الميثاق المقصود به أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق على الفطرة فجعل هذه الآية على شكل ضرب المثال؟

    يرى شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمها الله: أن هذه الآية تدل على الفطرة، وأن الميثاق لم يكن ميثاقاً حقيقياً، ويرى بعض السلف ومنهم ابن جرير الطبري أن الميثاق كان حقيقياً، ويستدلون بأحاديث واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

    وعلى كل حال: نحن لا نريد التفصيل في موضوع الميثاق، وإنما في دلالة الميثاق، فالذين قالوا بأن الميثاق حقيقي، وأن الله عز وجل أخرج الناس مثل الذر في مكان واحد، والذين قالوا: إن الدلالة تدل على الفطرة، الجميع يتفق على أن معرفة الله عز وجل وعلى أن توحيد الربوبية وعلى أن التوحيد والتأله لله عز وجل يولد عليه الإنسان مفطوراً، فدلالة الميثاق تدل على الفطرة أيضاً، وهو أن الله عز وجل خلق الإنسان مفطوراً على توحيد الله سبحانه وتعالى، وإخلاص العبودية له، وإن كان هذا على سبيل الإجمال وليس على سبيل التفصيل.

    1.   

    الأسئلة

    فطرة التوحيد ومدى قيام الحجة بها على الخلق

    السؤال: هل هذه الفطرة وهل هذه الخلقة الأولية كافية في إقامة الحجة على الخلق، أم لا بد من الحجة الرسالية ببعثة الرسل؟

    الجواب: هذه الفطرة وحدها ليست كافية في إقامة الحجة على الخلق، بل لابد من بعثة الرسل، فبعثة الرسل شرط أساسي في قيام الحجة، ومن قال أن هذه الفطرة وحدها كافية في إقامة الحجة على الخلق فقد أخطأ، ويترتب على هذه المسألة مسائل كثيرة تفصيلية، ليس هذا المقام مقام تفصيلها، مثل موضوع أهل الفترة، وما يتعلق بالأشخاص الذين لم تبلغهم الرسالة، ويتعلق بها مسألة أصولية يبحثها العلماء في أصول الفقه، وهي: مسألة الوجوب هل يتم بالعقل أم لابد من وجود الشرع فيه؟ وكل هذه مسائل تفصيلية، ونحن يهمنا الحديث عن أصول العقيدة، فهذه المسألة -وهي فطرية التوحيد- سيكون لها ارتباط بشكل كبير ومباشر بموضوع أول واجب على المكلف، وبموضوع أقسام التوحيد بإذن الله تعالى.

    كتب في العقيدة

    السؤال: ما هي أهم الكتب المبسطة في العقيدة؟

    الجواب: هناك كتب كثيرة في العقيدة يمكن أن يبدأ بها الإنسان، وهي كتب سهلة وبسيطة، مثل: الأصول الثلاثة، والقواعد الأربع للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب أيضاً، وهو كتاب سهل، وقد شرح شروحاً تفصيلية طويلة جداً، مثل: تيسير العزيز الحميد، والقول المفيد، وهناك شروح مختصرة مثل: القول السديد، والدر النضيد، فهذه شروح مختصرة، ومثل القول المختصر المفيد للشيخ صالح الفوزان ، فهذه كتب مختصرة يمكن للإنسان أن يستفيد منها في دراسة كتاب التوحيد أول الأمر.

    ومن الكتب المختصرة في العقيدة: كتاب أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة المنصورة، للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله، ومنها أيضاً منظومة سلم الوصول له، وشرح سلم الوصول وهو معارج القبول، وهي من المنظومات الممتازة والشروح الممتازة الواضحة في هذا الباب.

    وهناك كتب كثيرة في باب العقيدة، منها: كتاب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: العقيدة الإسلامية، ومنها كتاب الشيخ عبد العزيز رحمه الله: العقيدة الصحيحة وما يضادها، ومنها شرح مفصل للشيخ محمد بن عثيمين عن شرح أركان الإيمان، وهو كتاب صغير لكنه ممتاز ومركز، وكلام الشيخ رحمه الله من أجود الكلام وأدقه، وكان رحمه الله من أدق الناس عبارة، فعبارته دقيقة للغاية.

    وأيضاً من الكتب: سلسلة الشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر : العقيدة في الله، وعالم الملائكة الأبرار، والرسل والرسالات، واليوم الآخر في ثلاثة أجزاء، فهي من الكتب الممتازة المفيدة لطالب العلم.

    المقصود بصغار العلم

    السؤال: ما هي صغائر العلم؟ واذكر لنا بعض الكتب في ذلك؟

    الجواب: صغائر العلم أي: الشيء الأساسي، أي: أن كل علم من العلوم فيه أشياء أساسية لا يمكن للإنسان أن يغفلها، فإذا أتيت للعقيدة فلابد أن تعرف التوحيد ولابد أن تعرف الإيمان، ولابد أن تعرف أركان الإيمان، مثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، ولابد أن تعرف الإيمان والكفر، ولابد أن تعرف نواقض الإيمان والإسلام، ولابد أن تعرف السنة والبدعة وخطورة البدع، فهذه أمور أساسية أول ما تدخل في هذا العلم لابد أن تعرف هذه العلوم، ثم هناك مسائل تفصيلية ودقيقة يمكن للإنسان أن يأخذها بعد ذلك.

    الطريقة الصحيحة للتضلع في علم العقيدة

    السؤال: كيف أكون متأصلاً في العقيدة؟

    الجواب: هذا أجبنا عنه ضمن المقدمة المتعلقة بالمنهجية في طلب العلم، فابتدأ بكتاب مختصر في العقيدة، وادرسه واحفظ مسائله، ثم انتقل إلى كتاب آخر أوسع، ثم انتقل إلى أوسع منه، وهكذا ولا تستعجل، الزهري رحمه الله يقول: من رام العلم جملة فقده جملة، أي: أن الذي يريد أن يدرس العلم جملة واحدة يفقده دفعة واحدة، فلا يمكن للإنسان أن يأخذ كتاباً مثلاً من الكتب الكبيرة ويقرؤه في يوم وليلة، ويظن أنه حصل العلم؛ بل ينبغي أن يدرس المسائل مسألة مسألة حتى يحفظها ويتقنها ثم ينتقل إلى المسألة التي تليها وهكذا.

    حكم القنوت في النوازل

    السؤال: هل يجوز دعاء القنوت للنوازل بالعموم؟

    الجواب: القنوت في النوازل وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قبيلة قتلت مجموعة من أصحابه القراء، دعا عليهم شهراً كاملاً، ودعا أيضاً لأصحابه الذين منعتهم بعض القبائل من أن يهاجروا إليه، وهي واردة، وقد تحدث أهل العلم في مسألة قنوت النوازل بشكل تفصيلي، وهي من مسائل الفقه المشهورة.

    إمكانية تحصيل العلم في غير الجامعات

    السؤال: هل يجب أن أدرس في الجامعة حتى أحصل على العلم الشرعي بطريقة صحيحة، مع العلم أن ظروف عملي لم تسمح لي بإكمال الدراسة الجامعية؟

    الجواب: كيف ستدرس في الجامعة إذاً؟! إذا كانت ظروف عملك لا تسمح لك فأنت غير قادر على الدراسة في الجامعة، لكن لا يعني هذا أن الإنسان إذا لم يقدر على الدراسة في الجامعة أنه لن يقدر على تحصيل العلم، بل إنه يقدر على تحصيل العلم، فهناك كثير من المشايخ وطلاب العلم لم يدرسوا في جامعات وأصبحوا علماء، فأهم شيء هو الإرادة والعزم والصدق وإخلاص النية لله عز وجل، وأن يتخذ الإنسان برنامجاً محدداً، وحينئذ سيستطيع أن يصل إلى أشياء كثيرة لم يصل إليها المتخرجون من الجامعات بل أصحاب الماجستير والدكتوراه.

    الرد على المحتج بتقليد أبويه في الضلالة في الدين

    السؤال: سألت شيعياً: لماذا أنت شيعي؟ فأجابني: وماذا تريدني أن أفعل؟ أبواي هكذا! فكيف أرد عليه؟

    الجواب: نقول له: الدين ليس متعلقاً بالأبوين، بل الدين متعلق بالإنسان نفسه، والله عز وجل أعطاك عقلاً وأعطاك فهماً وأعطاك قدرات تعرف بها الدين الصحيح، فتقليد الأهل والوالدين وتقليد العشيرة والقبيلة هذا هو سبب شرك المشركين الذين وقعوا فيه، وهذا لا ينفعهم أبداً، وليس عذراً عند الله عز وجل، فإن كثيراً من أهل النار هم من أهل التقليد، عرفوا الحق لكن إما أنهم لا يريدون مخالفة الأهل والأقارب والقبيلة، أو يكون مثلاً عندهم ملك ومكانة ومنزلة وسلطان، وهذه كلها ليست عذراً، اقرءوا في القرآن أخبار الأمم المتخاصمة في النار، تجدون أنهم يقلد بعضهم بعضاً، وأن الأتباع يطلبون من الله عز وجل أن يعذب الرؤساء، ثم يقول الله عز وجل: كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ [غافر:48].

    الموقف من قولي العلماء في تفسير آية الميثاق

    السؤال: بالنسبة للميثاق هل يضر إذا تمسكنا بأحد رأيي العلماء؟

    الجواب: أنا ذكرت دلالة الميثاق على الفطرة، أما تفصيل الميثاق فالأصل في الآية أن تكون على ظاهرها، وهذه من المسائل الدقيقة وليست من المسائل الأصلية في العقيدة، وليس هناك ضرر لو أن الإنسان لم يبحثها، فهي ليست من الأصول، فإن الأصول هي أركان الإيمان وأركان الإسلام، وما يتعلق بها.

    أسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياكم لكل خير.

    وصلى الله وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315050

    عدد مرات الحفظ

    723576954