إسلام ويب

تفسير سورة الأنبياء [81 - 82]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أكثر الله عز وجل في القرآن من ذكر قصص الأنبياء مع أقوامهم، وذلك ليقتدي بهم المسلم في دعوته، ومنهجه، ومقارعة الباطل وأهله، وليستلهم منها الدروس والعبر، وليعلم كيف عاش أنبياء الله تعالى، وصبروا حتى أتاهم نصر الله.

    1.   

    ضرورة التأسي بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الأنبياء: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ * وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:81-84] .

    ذكر الله تبارك وتعالى في هذه الآيات وما قبلها نبذاً عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فذكر من قصصهم في هذه السورة التي سميت باسمهم ما يزيد المؤمن إيماناً، ويجعله يرى أمامه أسوة وقدوة حسنة في أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فيقتدي بهم في أفعالهم ودعوتهم وقيامهم وصبرهم على المحن التي ابتلاهم الله عز وجل بها، ويتعلم منهم كيف كانوا يأتمرون في أقوالهم بأمر الله سبحانه وبشريعته.

    ونتعلم من هؤلاء الأنبياء عدم الاعتماد على أحد إلا على الله سبحانه وتعالى، في مطعمنا ومشربنا وملبسنا، فهو الذي يرزقنا.

    وقد كانوا عليهم السلام أصحاب حرف وصناعات، حتى أن داود عليه الصلاة والسلام وهو نبي يحكم بشرع الله سبحانه وتعالى كان لا يأكل إلا من عمل يده، وليس هو وحده، ولكن كل أنبياء الله عز وجل كانت لهم حرف يحترفونها، ويأكلون ويشربون من هذه الحرف، ومن ما عملت أيديهم.

    وقد ذكر الله عز وجل داود عليه الصلاة والسلام هنا: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ [الأنبياء:80]. وما من أحد إلا ويعلمه الله عز وجل شيئاً يصلح له، ويكون فيه معاشه ورزقه.

    فمن الناس من لا يستفيد مما علمه الله سبحانه، فيترك العمل ويسأل الناس، ويستسهل أن يأخذ رزقه من الحرام.

    وما من مخلوق إلا وقد قسم له الله عز وجل رزقه، ولا بد أن يأتيه هذا الرزق، فعلى الإنسان المؤمن أن يبحث عن وظيفته بالطرق الحلال، ولا يقل قد ضيق الله عز وجل علي، ويتوجه إلى الحرام؛ فإن رزقك مقسوم، وكسبك معلوم، ولن يزداد شيئاً على ما قسمه الله عز وجل، فابحث عن الحلال تجد الحلال، ويرزقك الله سبحانه تبارك وتعالى، وائتس بهؤلاء الأنبياء الذين كانوا لا تلهيهم صنعتهم ولا كسبهم الرزق عن الدعوة إلى الله عز وجل، ولا تشغلهم عن المرتبة العظيمة التي هم فيها، وهي مرتبة النبوة.

    وقد كان داود عليه السلام يصنع الدروع في قومه -كما ذكر القرآن- وكان يصنع الخوص، ويبيع ذلك، وكان يأكل من عمل يده، وهو ملك على قومه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان عمله الجهاد في سبيل الله سبحانه، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي).

    فكان أشرف الرزق له صلى الله عليه وسلم أن يجاهد، وكان له خمس الفيء وخمس الغنيمة، ومع ذلك فقد كان لا يأخذ شيئاً لنفسه صلى الله عليه وسلم، إلا قدر ما يكفيه صلوات الله وسلامه عليه، ويكون الباقي للمسلمين.

    وكان يقول: (ليس لي من أموالكم ولا مثل هذه)، يأخذ من جنب البعير شعرة، ولا يستقلها صلى الله عليه وسلم، قال: (إلا الخمس، والخمس مردود عليكم) يعني: حتى الخمس الذي سيكون نصيبه صلى الله عليه وسلم من الفيء كان يأخذ منه ما يكفيه هو وأهله صلى الله عليه وسلم، ويرد الباقي على المسلمين، وعلى الزوار والأضياف والفقراء والمحتاجين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولسليمان الريح عاصفة ...)

    تسخير الله الريح لسليمان عليه السلام

    قال الله عز وجل: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ [الأنبياء:81].

    فسخر الله عز وجل له الريح عاصفةً، تجري بأمره.

    والعاصفة الشديدة التي تجري بسرعة شديدة جداً. وأصل العصف: التبن، وهو القشر الذي يبقى بعد أن ينزع الحب، فعندما تشتد الريح يطير هذا العصف والقشور، فسميت الريح العاصف؛ لأنها تطير بمثل ذلك فلا يبقى، فريح عاصفة أي: شديدة الوقوع.

    فسخرها الله عز وجل لنبيه سليمان لما سأله: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص:35-39] .

    أي: أمسك هذا أو امنن وأعط من شئت فلن نسألك عن هذا الذي كنت سألته.

    وقد جعل له الله عز وجل ملكاً لا يكون لأحد من بعده، ومن آداب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أمسك شيطاناً تسلط عليه في الصلاة، خنقه وأراد أن يربطه في سارية المسجد ليصبح يلعب به الصبيان، قال صلى الله عليه وسلم: (فذكرت دعوة أخي سليمان: وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35]، فتركته).

    تعليم الله لسليمان لغات الطير والحيوان

    فلما طلب عليه السلام ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده سخر له الله عز وجل جنوداً عظيمة جداً، من الإنس والجن والطير والدواب، لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى، وأفهمه لغاتها، حتى إنه سمع من النملة عندما قالت: قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18] فسمع دعاءها، وفهم كلامها، قال تعالى: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19].

    وهذا يذكره الله عز وجل من سير هؤلاء عليهم الصلاة والسلام حتى نتبع هؤلاء في حمدهم لربهم وشكرهم له سبحانه، وحتى نعلم أن الأنبياء منهم من ابتلي بالخير فحمد وشكر، منهم من ابتلي بالضر فصبر وأجر، فكل له الأجر عند الله سبحانه.

    فسليمان عليه السلام أعطاه الله عز وجل الريح، قال تعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً [الأنبياء:81]، أي: شديدة الهبوب تَجْرِي بِأَمْرِهِ [الأنبياء:81]، كما قال تعالى: رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36]، أي: تسير بالسحاب وتحمله إلى حيث أراد، فتجري الريح رخاءً حيث أصاب.

    شكر الله عند حدوث النعم

    وعندما أعطاه الله ذلك، ونظر في هذا الملك العظيم؛ حتى إنه ليسمع كلام النملة ودعاءها قال: رَبِّ أَوْزِعْنِي [النمل:19]، أي: حفزني وادفعني واجعل في ما يهيجني لحسن الدعاء، وحسن الطلب.

    رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19] وهذه ليست دعوة سليمان وحده، وإنما هي دعوة الصالحين من المؤمنين، فإنهم يدعون: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15].

    فذكر الله عز وجل دعوة سليمان في النمل، وذكر دعوة المؤمن الصالح في الأحقاف، والمؤمن يتعلم من هؤلاء الأنبياء كيف يشكر النعم.

    والله عز وجل ما شيء أحب إليه من الحمد، فيحب من عباده أن يحمدوه، فإذا أعطي أحد نعمة فليحمده ويشكره، فإن حمده وشكره أحب إليه من هذه النعمة التي أعطاها لهذا العبد.

    فذكر الله الأنبياء ما أعطاهم وما ابتلاهم حتى نأتسي ونقتدي بهم، فإذا أنعم الله عز وجل على أحدهم بالخير وجده حامداً شاكراً، وإذا ابتلاه بالشر وجده شاكراً صابراً لله تبارك وتعالى.

    قال تعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ [الأنبياء:81]، والأرض التي باركنا فيها أرض الشام، تجري إليها الريح بأمر سليمان عليه الصلاة والسلام، وإلى حيث شاء الله عز وجل من هذه الأرض أو إليها.

    وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ [الأنبياء:81]، أي: عالمين بتدبير هذا الكون كله، وكيف دبرنا لسليمان أمره، وكيف سخرنا له هذه الريح؟ فنحن نعلم أمر الريح وأمر سليمان، وأمر كل شيء.

    وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ وليس بسليمان وحده، ولا بالريح وحدها، ولكن كنا بكل شيء عالمين.

    تسخير الشياطين لسليمان عليه السلام

    قال تعالى: وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ [الأنبياء:82].

    يغوصون يعني: تحت الماء في البحار، والغواص: الإنسان الذي ينزل في أعماق البحر، حتى يأتي بالدر وبالجوهر وباللؤلؤ من داخل البحار فلم يسخر الإنس للغوص، ولكنه سخر الجن لذلك قال: وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ [الأنبياء:82].

    وقال: (منهم)؛ لأنها ليست المهنة الوحيدة للشياطين عند سليمان؛ وإنما وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ [الأنبياء:82]، فمنهم من هو في عمل عال، ومنهم منهم في أعمال حقيرة.

    قال: وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ [الأنبياء:82] أي: لا يقدرون أن يهربوا من سليمان، ولا يرفضون له طلباً من مطالبه، وإنما هم مسخرون له، كما قال تعالى: وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص:37]، من فوق وتحت، يفعلون له ما يشاء من سلاح وحصون وقصور، ويصنعون له التماثيل، وينحتون له القدور والجواب فسخرهم له يصنعون ذلك، ومنهم من يغوص في البحر، فيأتيه بما يريد من درر ولؤلؤ وغيره.

    إيتاء الله لسليمان علم الفراسة

    وكذلك وهب الله داود وسليمان وآتاهما ما قال تعالى: وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79] فسخر مع داود الجبال يسبحن، وسخر له الجمادات، وسخر لسليمان هذا الذي ذكره سبحانه وتعالى في هذه الآية.

    وأعطاه الله من علم النبوة الفراسة، وهي علم عظيم من الله عز وجل.

    والإنسان صاحب الفراسة يتفرس في الشيء، أي: يتوسم وينظر إليه فيكشف ما وراء ذلك من أشياء، ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم)، والمعنى: أن ناساً اختصهم الله بهذا العلم من أنواع العلوم، وهو علم الفراسة.

    والفِراسة بالكسر والفَراسة بالفتح، فمعناها بالكسر النظر والتثبت ودقة النظر، والتعرف على الأحوال، والتأمل في الشيء، وتوقع ما يكون هذا الشيء.

    وأما الفَراسة: فهي ركوب الخيل والفرس.

    فمعنى: (إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم)، يعني: ينظرون في الشيء، ويتوقعون وراءه شيئاً، فيكون على النحو الذي توقعوه، ولقد اختص الله عز وجل بها سليمان عليه السلام فأعطاه منها الكمال، وأعطى غيره من الخلق دون ذلك، وربنا سبحانه وتعالى يعطي كل إنسان ما يصلح له.

    وعلم الفراسة علم عظيم جداً، وأصله موهبة من الله، وليس من اكتساب الإنسان، وإنما الإنسان يتعلم العلوم الشرعية، ولكن في النهاية هذا من الله للإنسان، فقد يكون على شيء من أمر الفراسة قد يزيد وقد يقل.

    فراسة عمر رضي الله عنه

    وقد كان سيدنا عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه له تفرسات عجيبة جداً، فكان ينظر في الأشياء ويتوقعها، فتكون على النحو الذي يتوقعه رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    فروي عنه أنه رأى رجلاً وهو يسير، فقال عمر رضي الله عنه: هذا كاهنهم.

    وفي رواية قال: لست ذا رأي إن لم يكن هذا الرجل في الكهانة، يعني: كان كاهناً في الجاهلية.

    وقال: علي بالرجل! فأتوا به، فسأله عمر : هل كنت كاهناً؟ فقال الرجل: ما رأيت استقبل مسلم بشر من ذلك، يعني: أنا رجل مسلم، وتستقبلني بهذا الشيء. فلما ألح عليه عمر قال: نعم. كنت كاهناً في الجاهلية.

    ومن فراسته التي تفرد بها عن الأمة رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله عز وجل القرآن: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]).

    ولم ينزلها الله من أجل أن عمر قالها، فالقرآن قد نزل إلى السماء الدنيا قبل عمر وقبل غيره، ولكن الغرض أن عمر وافق القرآن، وإلا فقد قال الله عز وجل: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105] والزبور هو كتاب داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    والذكر: القرآن أي: قد كتبنا ذلك في القرآن، وأثبتناه في الزبور قبل أن نخلق الأنبياء، فقد كتبنا: أن الأرض سيرثها عبادي الصالحون.

    إذاً: فالقرآن كان موجوداً قبل وجود النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل وجود عمر ، وقبل وجود غيره.

    وإنما عمر رأى ذلك فوافق ما هو مكتوب عند الله عز وجل في كتابه.

    أيضاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! لو أمرت نساءك أن يحتجبن) فنساء النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن دون حجاب، ولم ينههن النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لأنه لا ينهى إلا أن يأتي إليه الوحي، فلما طلب عمر ذلك نزلت الآية على ما قاله عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    وأنزل الله عز وجل في ذلك آيات الحجاب، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59] إلى آخر الآيات.

    وأيضاً قال عمر لنساء النبي صلى الله عليه وسلم حين أغضبن النبي صلى الله عليه وسلم: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ [التحريم:5]، ونزل القرآن بما قاله عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    وشاوره النبي صلى الله عليه وسلم في الأسرى في يوم بدر، وشاور أبا بكر وغيره، فرأوا أنه لا يقتلهم، وإنما يأخذ منهم مالاً ليستعينوا به على جهادهم، ونزل القرآن يوافق عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال:68] .

    الفراسة لا تستلزم العصمة

    فالغرض أن عمر كان من أعظم الناس فراسة رضي الله عنه تبارك وتعالى عنه، وليس معنى ذلك أن ما يقوله أو يحدث به كله صواب، أو أنه إذا رأى رأياً فلا يشور أحداً. وإنما المعنى: أن الله عز وجل يرينا بعض آياته في بعض من خلقه.

    فإن عمر رضي الله عنه جاءته امرأة تشكو زوجها، فقالت: هو من خير أهل الدنيا، يقوم الليل حتى الصباح، ويصوم النهار حتى المساء. ثم أدركها الحياء فقال لها عمر بن الخطاب : قد أحسنت الثناء. ولم تذهب المرأة فـعمر الذي هو صاحب الفراسة العظيمة، لم يفهم مقصدها، وإنما فهمه كعب بن سوار فقال لـعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين لقد أبلغت الشكوى إليك، أي: شكت شكوى كبيرة وعظيمة، فقال: علي بزوجها، فجاء زوجها فقال لـكعب : اقض بينهما، فقال: أقضي وأنت شاهد؟ قال: إنك قد فطنت لما لم أفطن له من حاجتها. فقال: إن الله عز وجل يقول: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3] ثم قال لزوجها: صم ثلاثة أيام، وأفطر عندها يوماً -يعني: كأنك متزوج أربع نسوة؛ فإذا كنت متزوجاً أربع نسوة فمن حقها أن تجعل لها كل أربعة أيام يوماً، فصم ثلاثة أيام وأفطر عندها يوماً- وقم ثلاث ليال وبت عندها ليلة. أي: كأنك متزوج أربع نساء.

    فقال عمر رضي الله عنه: لا أدري من أي أمرك أعجب، من فهمك شكواها، أم من قضائك بينها وبين زوجها، اذهب إلى البصرة فاقض بين أهلها. فجعله قاضياً لأهل البصرة.

    فلم يكن علم الفراسة مختصاً بـعمر وحده ولا بـكعب وحده، ولكن الله عز وجل قسم من ذلك العلم لمن يشاء من خلقه، فجعل لهم نصيباً.

    فراسة عثمان بن عفان رضي الله عنه

    هذا عثمان رضي الله تبارك وتعالى عنه ينظر إلى أحد الصحابة ويقول: يأتي أحدكم وفي عينيه أثر الزنا؟ فقال أنس رضي الله عنه: أوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: لا. ولكنه شيء يجعله الله عز وجل في قلب المؤمن، فكان كما قال.

    فراسة علي رضي الله عنه

    و علي بن أبي طالب كان له من ذلك أيضاً شيء عجيب رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    ومن ذلك: أن رجلين من قريش دفعا إلى امرأة مائة دينار، وقالا: لا تدفعيها إلى أحد دون صاحبه. ولبثا حولاً، فجاء أحدهما فقال: إن صاحبي قد مات، فادفعي إليّ الدنانير، فرفضت المرأة وقالت: إنكما قلتما: لا تدفعيها إلى أحد منا دون صاحبه، فلست بدافعتها إليك، فاستعان عليها بأهلها وجيرانها، فأعطته.

    ثم ظهر الثاني بعد كذا وقال لها: ادفعي إلي الدنانير. فقالت: إن صاحبك قد أخذها، فقال: أولم نأمرك ألا تدفعيها لأحد دون صاحبه؟

    فرفعها لـعمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فأراد عمر أن يقضي عليها، فلما كاد يقضي عليها قالت له: ارفعنا إلى علي رضي الله عنه، فرفعهما إلى علي رضي الله عنه، فعرف علي أنهما مكرا بها من أجل أن يأخذوا منها مائتي دينار بدلاً من مائة دينار، فقال لها علي رضي الله عنه: أليس قد قلتما! لا تدفعيها إلى أحد منا دون صاحبه؟ فقالا: بلى. قال: فاذهب فائت بصاحبك! فبطلت حيلتهما.

    فراسة إياس بن معاوية

    ومن أصحاب الفراسة الذي كانوا مشهورين بذلك أحد القضاة وهو إياس بن معاوية بن قرة إياس المزني رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقد كان له من ذلك حظ عظيم جداً، وكان الناس يذهبون يتعلمون من إياس وكان أبوه معاوية بن قرة صحابياً، رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكان إياس مشهوراً بالفراسة، وكانوا يتعلمون منه ذلك، وهذا العلم هبة من الله، فمن أراده فليتعلم العلوم الشرعية؛ ليفتح الله عليه في ذلك.

    ومن قضاء إياس الذي كان الناس يعجبون منه: أن رجلاً استودع رجلاً مالاً، ثم رجع فطلبه فجحده، فأتى إياساً فأخبره، فقال له إياس: انصرف حتى أنظر في أمرك، واكتم أمرك، ولا تعلمه أنك أتيتني، ثم عد إلي بعد يومين.

    فدعا إياس هذا الرجل، وقال له: إني قد حضر إلي مال كثير، وأريد أن أودعه عندك، فاذهب وجهز له بيتاً فذهب الرجل وجهز له بيتاً، وبعد يومين جاء الرجل الأول إلى إياس ، فقال له إياس : اذهب إليه وقل له: أعطني مالي وإلا شكوتك للقاضي. فأعطاه ماله، ثم ذهب إلى إياس يطلب منه المال، فزجره وانتهره، وقال له: لا تقربني يا خائن!.

    وقصة أخرى عجيبة لـإياس بن معاوية في ذلك: جاءت أربع نسوة إلى مجلسه، فقال إياس : أما إحداهن فحامل، والأخرى مرضع، والثالثة ثيب، والرابعة بكر!

    فتعجبوا من أمره، وسألوا فكن كما قال: فسألوه كيف عرف ذلك وهن متحجبات؟

    فقال: أما الحامل فكانت تكلمني وترفع ثوبها عن بطنها، أي: مع ثقل الحجاب.

    وأما المرضع فكانت تمسك بثديها، فعرفت أنها مرضع.

    وأما الثيب: فكانت تكلمني وعيني في عينها.

    وأما البكر فكانت تكلمني وعينها في الأرض.

    يعني: المرأة الثيب عندها جراءة ليست عند المرأة البكر، فاكتشف الأربع من مجرد الكلام معه.

    وقصة أخرى عجيبة من قصصه رضي الله عنه: أن رجلاً استودع غيره مالاً، فجحده هذا الإنسان، فرفعه إلى إياس ، فسأله: أين أعطيته هذا المال؟ فقال: في البرية، في الصحراء فقال: أين هو؟ قال: عند الشجرة الفلانية. فسأل إياس غريمة: أتعرف مكان الشجرة؟ فقال: لا. فقال إياس للمدعي: اذهب إليها فعلك دفنت المال عندها، فلعلك إن رأيتها تذكرت أين وضعت المال. فذهب الرجل فجلس إياس مع المدعي عليه ينظر في القضايا، ثم سأل المدعى عليه: أتراه وصل إلى الشجرة؟ فقال: لا. إن المسافة بعيدة. فأخذه وقرره بما عليه من مال.

    فراسة الخليفة العباسي المعتضد

    وممن كان يضرب به المثل في الفراسة المعتضد أحد خلفاء بني العباس، فقد كانت له عجائب في الفراسة، فكان يتفرس في الشيء فيكون على النحو الذي رآه.

    ومما يذكرون عنه: أنه كان جالساً يشاهد الصناع، فرأى فيهم عبداً أسود منكر الخلقة، شديد المرح، يعمل ضعف ما يعمل الصناع، فيبني بناء ثم يجلس ينظر إلى العمال.

    فقال لبعض جلسائه: أي شيء يقع لكم في أمره؟ أي: ما رأيكم في هذا الشيء، فقالوا: من هذا حتى تصرف إليه نظرك؟

    قال: لقد رأيت فيه أنه لا يخرج من حالين، فإما أن يكون معه دنانير قد ظفر بها أو أنه يتستر بالعمل من أجل أن يسرق.

    فدعاه، ودعا بالضراب فضربه، وحلف له إن لم يصدقه أن يضرب عنقه، فلما هدده اعترف الرجل وقال: لي الأمان؟ فقال: نعم إلا فيما يجب عليك بالشرع، وهذا من ذكائه، فقال: كنت أعمل في الآجر -أي: في الطوب- فاجتاز رجل في وسطه هيمان، فجاء إلى مكان فجلس فيه، فحل الهيمان وأخرج منه دنانير، فقتلته، ثم حملته على كتفي، فطرحته في الفرن، فأحرقته، ثم أخرجت عظامه، فطرحتها في دجلة.

    فأنفذ المعتضد من أحضر الدنانير وإذا مكتوب عليها، فلان بن فلان، فعرف صاحبه، فجاء بامرأته، فقالت: هذا زوجي، ولي منه هذا الطفل، خرج وقت كذا وكذا، ومعه ألف دينار، فغاب إلى الآن، فسلمها الدنانير، وأمرها أن تعتد من زوجها، وأمر بضرب عنق هذا الأسود، ثم حرقه كما حرق صاحبه.

    فراسة الخليفة العباسي المنصور

    والخليفة العباسي المنصور أيضاً كان له مثل ذلك؛ فقد جاءه رجل فأخبره أنه خرج في تجارة، فكسب فيها مالاً، فدفع هذا المال إلى امرأته، ثم طلبه من المرأة، فذكرت أنه سرق من البيت.

    فإذا بـالمنصور يسأله أسئلة غريبة: هل لها ولد من غيرك؟ قال: لا.

    فدعا المنصور بقارورة فيها طيب له رائحة نفاذة، لا نظير له في البلد، ثم قال للرجل: خذ هذا الطيب لعله يذهب همك، فأخذه، فجعل المنصور أربعة من الناس على أبواب المدينة، كل واحد على باب المدينة، وأمرهم إن شموا رائحته على أحد غير هذا الرجل أن يأتوا به، وقد تخيل أن المرأة لها عشيق آخر تحبه، وأنها خانت زوجها وسرقته من أجل هذا العشيق.

    وإذا كانت قد أخذت المال وأعطته العشيق فمن باب أولى أن تعطيه الطيب، فكان كما ظن المنصور ، فأخذ العشيق، وأعاد المال لصاحبه.

    ودخل شريك مرة على المهدي فقال للخادم: هات عوداً للقاضي، وشريك القاضي كان من أعدل القضاة رضي الله تبارك وتعالى عنه، ولما دخل على الخليفة أراد الخليفة أن يكرمه، فقال للخادم: هات عوداً للقاضي.

    فذهب وأتى بعود الطرب ووضعه في حجر القاضي، فقال: ما هذا؟ فاستحيا الخليفة وقال: هذا العود أخذه صاحب العسكر البارحة فأحببت أن يكون كسره على يديك! فتخلص من هذا الشيء بهذه الحيلة؛ حتى لا ينتشر خبره عند الناس. وهناك أشياء كثيرة من هذا القبيل.

    فالغرض: أن علم الفراسة هبة من الله سبحانه وتعالى، يهبها للإنسان كما وهبها لسليمان، ووهبها لغيره من الناس، كـعمر بن الخطاب وعثمان رضي الله عنه وعلي ، وغيرهم من الناس، والله سبحانه وتعالى يهب لعباده ما يشاء من فضله.

    والمفروض ألا يحسد الإنسان أخاه إذا وجد نعمةً عنده دونه؛ فإن ربنا نهانا عن الحسد، والنبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك، وربنا أمرنا أن نتعوذ من شر حاسد إذا حسد، وقد علمنا من خيار الأنبياء كيف أعطى الله الأب شيئاً، وأعطى الابن شيئاً آخر، فلم يحسد أحدهما الآخر على النعمة، ولكن شكرا الله سبحانه تبارك وتعالى على النعم، وسليمان شكر الله عز وجل على النعمة عليه وعلى والديه، قال تعالى: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15] .

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315050

    عدد مرات الحفظ

    723597562