إسلام ويب

تفسير سورة سبأ [1 - 2]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله سبحانه وتعالى يستحق الحمد والثناء الجميل لما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، والأفعال العظيمة، فهو مالك لما في السماوات والأرض وما بينهما، وهو واسع العلم، يعلم كل شيء يلج في الأرض أو يعرج منها، يعلم قدره ومستقره ومآله، وكذلك يعلم ما يعرج في السماوات من ملائكة وأعمال وما ينزل منها من ملائكة وغيث مدرار.

    1.   

    مقدمة بين يدي سورة سبأ

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    هذه السورة الرابعة والثلاثون من كتاب الله سبحانه وتعالى، وهي من السور المكية التي من خصائصها: التذكير بتوحيد الله سبحانه وتعالى، والتذكير بالبعث والنشور والكلام عن اليوم الآخر وما يكون فيه، والتذكير بآيات الله سبحانه التي أنزلها على نبيه صلوات الله وسلامه عليه وما فيها من حكم ومواعظ.

    كذلك فيها إثبات علم الله عز وجل المحيط، وأسباب صدق النبي صلوات الله وسلامه عليه فيما يخبر به من كتاب الله سبحانه وتعالى، ويشهد له بذلك الذين أوتوا العلم سواء من أهل الكتاب أو من المؤمنين الذين دخلوا في هذا الدين العظيم.

    كذلك يضرب الله عز وجل فيها الأمثال للناس لعلهم يتذكرون بما ذكر الله سبحانه وتعالى فيها من أسماء.

    هذه السورة في ترتيب المصحف هي الرابعة والثلاثون، وبحسب النزول ذكروا أنها نزلت بعد سورة الإسراء، فقد ذكر الله سبحانه في سورة الإسراء أن المشركين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم آيات فقال عنهم: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا [الإسراء:90-91].

    أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [الإسراء:92] فقالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فرد الله سبحانه تبارك وتعالى عليهم في هذه السورة فقال: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ [سبأ:9] يعني: إن نشأ فعلنا بهم هذا الشيء الذي يطلبون على وجه الاستبعاد أنه لا يكون، ويظنون أنه لا يقدر عليه الصلاة والسلام، ويكذبونه ويجحدون بآيات الله عز وجل.

    وربنا يخبر أنه أخر عنهم ذلك حلماً ورحمة، لعل هؤلاء يتوبون إلى الله سبحانه وتعالى.

    وهي على ترتيب النزول السورة الثامنة والخمسون من كتاب الله عز وجل، وعدد آياتها أربع وخمسون عند جمهور من عد هذه السورة، وفي مصحف أهل الشام خمس وخمسون آية، وليس الخلاف في زيادة الآيات ونقصانها إنما الخلاف في موضع الوقف، فالعد الشامي اعتبر قول الله سبحانه وتعالى: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ [سبأ:15] آية، أما باقي القراء فأكملوا الآية على أنها آية واحدة وليست آيتين، وهكذا في كل ما جاء فيه خلاف في عد الآيات فهو في موضع الوقف وهل هو رأس آية أم لا؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ...)

    هذه السورة العظيمة بدأها الله سبحانه وتعالى بحمد نفسه فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سبأ:1] بدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة بالحمد، وليست السورة الوحيدة التي بدأها بذلك، فقد بدأ الفاتحة بحمد نفسه فقال: الحمد لله رب العالمين.

    وفي سورة الأنعام قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1].

    وفي سورة الكهف: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا [الكهف:1].

    وفي سورة فاطر: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [فاطر:1] فهذه خمس سور في كتاب الله عز وجل بدأها بحمد نفسه، وكلها نزلت في مكة حين كان الكفار يدعون إلى كتاب الله فلا يستجيبون، ويذكرون بحكم الله سبحانه وأحكام الله، وما في كتابه من آيات ويعظهم النبي صلى الله عليه وسلم فلا يحمدون ربهم ولا يشكرون، فقال: (الحمد لله) فحمد نفسه وهو مستغني عن حمد الخلق.

    هذه السورة اسمها سورة سبأ، وتسمى السورة عادة إما بشيء يذكر فيها، أو بما جاء في أولها، أو نحو ذلك.

    فسميت بسورة سبأ باعتبار ذكر سبأ فيها، لكن من سبأ هذا؟ جاء في حديث عند الترمذي عن فروة بن مسيك المرادي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: (يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم) يقول: إن قومي من بني مراد فيهم المسلمون، وفيهم الكفار فهل يجمع المسلمين ويقاتل بهم الكفار فقوله: (ألا أقاتل من أدبر من قومي) يعني: أعرض عن الإسلام.

    وقال: (بمن أقبل منهم) يعني: إلى دين الله عز وجل.

    قال: (فأذن لي في قتالهم) أي: وافقه النبي صلى الله عليه وسلم وأذن له في قتال الكفار.

    قال: (وأمّرني) أي: جعلني أميراً.

    قال: (فلما خرجت من عنده سأل عني: ما فعل الغطيفي ؟ فأخبر أني قد سرت) يعني: سار من أجل أن يجمع قومه المؤمنين؛ ليقاتلوا الكفار.

    قال الرجل: (فأرسل في أثري فردني فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال: ادع القوم) يعني: قبل أن تبدأ بالقتال ادعهم إلى دين الله سبحانه وتعالى.

    قال: (فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك) وهذا من رحمة النبي صلوات الله وسلامه عليه ألاَّ تتعجل في القتال، إذ ليس هو الغرض، وإنما القتال حتى يدخل الناس في دين الله سبحانه وتعالى، فالكفار قد يمنعون الناس من دخول دين الله فلا يصلح معهم إلا القتال.

    ولكن لعل المناسب لقومك الدعوة بالرفق؛ لذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه) والذي لم يسلم؟ قال صلى الله عليه وسلم: (فلا تعجل حتى أحدث إليك) قال الرجل: (وأنزل في سبأ ما أنزل) يعني: نزلت سورة سبأ ونزل فيها ما نزل.

    وسورة سبأ عند جماهير المفسرين سورة مكية وهو الراجح وإن كان هذا الحديث يدل على نزولها في المدينة؛ لأن الرجل جاء النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع من الهجرة.

    لكن الراجح أن الرجل يخبر عن سماعه وليس عن إنزال هذه السورة، يعني: كأنه سمعها في هذا الوقت من النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: (فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ؟) أي: هل سبأ أرض أم امرأة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس بأرض ولا مرأة ولكنه رجل ولد له عشرة من العرب) يعني: كان أبا عشر قبائل من العرب قال: (فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة) تيامن: اتجه يميناً، وتشاءم: اتجه شمالاً، يعني: ذهب إلى أرض اليمن ستة، وإلى أرض الشام أربعة من أولاد سبأ، قال: (فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة) يعني: أربع قبائل من القبائل الموجودة في بلاد الشام وهي لخم وغسان وجذام وعاملة فهؤلاء من أولاد سبأ، فيكون أبا لعشر قبائل من العرب.

    قال: (وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكنده ومذحج وأنمار) فهؤلاء الذين ذهبوا إلى بلاد اليمن فهو أبوهم.

    فقال الرجل: (وما أنمار؟ قال: الذين منهم خثعم وبجيلة) فبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن سبأ ليست أرضاً ولا امرأةً اسمها سبأ، ولكنه رجل أبو عشر قبائل من العرب جعل الله عز وجل في أولاده آية وعبرة كما سيأتي.

    وهذه السورة كعادة السور المكية فيها ذكر قصص القرآن للعظة والعبرة.

    فذكر لنا كيف أنه مكن لداود عليه الصلاة والسلام وآتى داود من عنده علماً، وكيف سخر لسليمان عليه السلام الريح، وكيف مات سليمان وقد سخر الله له الجن، وزعمت الجن أنها تعلم الغيب وكذبوا في ذلك، فلما مات سليمان لم يعرفوا موته، وظلوا مسخرين خائفين من سليمان وقد مات عليه الصلاة والسلام، وكان واقفاً على عصاه فترة طويلة وهم لا يعلمون موته.

    ثم أرسل الله عز وجل الأرضة تأكل عصاه فسقط سليمان فعلموا أنه كان ميتاً وتبين للجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.

    فهذه حكمة من الله عز وجل أن يري عباده من آياته أنه يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، وهو علام الغيوب سبحانه كما ذكر لنا في أول هذه السورة.

    كذلك ذكر قصة سبأ وكيف أغناهم الله وأعطاهم. وانظر إلى سليمان عليه الصلاة والسلام، وإلى سبأ وقصته:

    سليمان آتاه الله عز وجل العلم، وآتاه الملك والنبوة؛ فحمد الله سبحانه وتعالى وسخر له ربه ما يشاء فما ازداد إلا حمداً لله وشكراً وتواضعاً له سبحانه.

    أما قوم سبأ فأعطاهم الله عز وجل الجنات وأعطاهم العيون والبساتين والثمار حتى إنهم ليخرجون من أرضهم مسافرين إلى أرض أخرى، فيمر المسافر بقرية بعد أخرى فيجد عندهم طعامه وشرابه والدلالة على الطريق، وهذا من فضل الله عز وجل العظيم عليهم.

    فسليمان حمد الله سبحانه وأمر العباد بطاعة ربه، وهؤلاء كفروا وجحدوا نعمة الله ووصل بهم الأمر إلى البطر والغرور حتى قالوا: ربنا باعد بين أسفارنا، يعني نحن نريد سفراً نتعب فيه ونشقى فيه لكي نحس أنا قد سافرنا، فلما عصوا ربهم سبحانه وتعالى أرسل عليهم سيل العرم فدمر هذا كله، ولم يبق لهم من الجنات والبساتين شيئاً، وأبدلهم بالجنات أشجاراً ذوات أكل خمط مر وأثل وشيء من سدر قليل، قال سبحانه: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ:17] فلما كفروا ربهم سبحانه استحقوا ذلك وهي إشارة إلى هؤلاء الكفار إن أسلمتم فاقتديتم بسليمان وبنبينا صلوات الله وسلامه عليه كان لكم الخير من الله سبحانه وتعالى، وإذا أعرضتم فكنتم كقوم سبأ كانت عليكم العقوبة، ولن تعجزوا الله سبحانه وتعالى.

    معنى قوله: (الحمد لله)

    بدأ الله عز وجل السورة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ [سبأ:1]، الألف واللام للجنس يعني: جنس الحمد وكل الحمد له سبحانه وتعالى، فهو الذي يستحق الحمد على أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله العظيمة الجميلة.

    والحمد بمعنى: الثناء الجميل على الله سبحانه لكماله وجلاله وجماله.

    كذلك الحمد يدخل تحته الشكر؛ لأنك تحمده سبحانه لأنه يستحق، وتحمده لأنه يعطي وينعم.

    فالحمد أعم من الشكر وأخص منه، فالحمد له سبحانه وتعالى والشكر يكون له ولغيره، فهو الذي يستحق الحمد على ما فيه من صفات جليلة وعظيمة وجميلة، وعلى ما أعطى خلقه من نعم.

    قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ اللام في (لله) للملك، يعني: الله يستحق هذا الحمد ويملكه وحده.

    ثم قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات.

    يبين استحقاقه سبحانه للحمد بأنه هو الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض فيكون الحمد له وحده. أما غيره فلا يملك شيئاً إلا عرضاً من الدنيا وليس ملكاً حقيقاً، وكل مخلوق يملكه الله عز وجل شيئاً يغتر بهذا الشيء، وذلك ليس ملكاً أبدياً، فإذا جاءت الوفاة انتقل إلى غيره، فكان مستخلفاً في الأرض، ويخلف الناس بعضهم بعضاً في هذه الأموال.

    قال سبحانه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أي: السماوات وما فوقها وما تحويها، والأرض وما فوقها وما تحتها وما فيها وكل ما بينهما يملكه الله سبحانه وتعالى.

    قال سبحانه: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَة [سبأ:1] هذا من التفنن الجميل في كتاب الله عز وجل، فلم يكرر الحمد لله بنفس الصيغة، فلم يقل: الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، والحمد لله الذي له ما في الآخرة، ولكن أتى بصيغة أخرى هي في موضعها غاية في الجمال، وتأمل في معناها، فالله سبحانه يستحق الحمد في الدنيا وفي الآخرة: في الدنيا قد يحمد المخلوق ربه سبحانه، وقد يثني على غيره كأن يكون إنسان أعطاه شيئاً فيشكره عليه ويحمده على ما فيه من صفات جميلة مثلاً.

    ولكن إذا جاءت الآخرة فلا يحمد أحداً، ولا يذكر أحد أحداً، فكل إنسان يقول: نفسي نفسي.

    قال تعالى: (وله الحمد) فقدم الجار والمجرور على الاسم للاختصاص، أي: أن هذا الحمد في الآخرة ليس له ولغيره بل له وحده لا شريك له، فيعرف الجميع المسلمون والكفار، الإنس والجان أنه وحده سبحانه الذي يستحق الحمد وأنه وحده الإله الذي لا شريك له.

    له الحمد في الآخرة فأهل الجنة يقولون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء.

    كذلك إذا دخلوا الجنة كان آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

    وكلما أنعم عليهم بنعمة كان آخر ما يفرغون من نعمه العظيمة يقولون: الحمد لله رب العالمين.

    معنى قوله: (الحكيم الخبير)

    قال تعالى: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سبأ:1] هذان اسمان من أسماء الله الحسنى عظيمان، وكل أسمائه عظيمة سبحانه، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) أي: لله عز وجل من الأسماء تسعة وتسعون اسماً اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة، وليس ذلك كل أسمائه سبحانه، بل له أسماء كثيرة، ولذلك جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فله أسماء عظيمة كثيرة جليلة، ومن ضمن هذه الأسماء ما جاء في كتابه سبحانه تبارك وتعالى تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة.

    وأحصاها بمعنى: حفظها وفهم معانيها ودعا الله عز وجل وسأله بمقتضى ما يعرف من أسمائه سبحانه، ففي كل نازلة تنزل بالعبد يسأل الله عز وجل بالاسم المناسب لهذه النازلة، فإذا أخطأ سأل ربه سبحانه أن يغفر له فهو الغفور، وسأله أن يعفو عنه فهو العفو، وإذا وقع في ضيق سأل ربه أن يفرج عنه ذلك فهو الرحيم الحنان المنان سبحانه، وهو الكريم فيطلب منه أن يرزقه ويعطيه من كرمه وفضله.

    والمقصود أن يستعمل أسماء الله عز وجل في كل مناسبة ما يليق بها من أسماء الله عز وجل، وهذا من معاني من أحصاها دخل الجنة.

    فذكر اسماً من أسمائه وهو الحكيم، أي: ذو الحكمة، فلا يخرج شيء عن علمه وحكمته، قدر كل شيء بعلمه، وكل شيء في موضعه بحكمته سبحانه وتعالى.

    وهو الحكيم لا يدخل في نظام كونه خلل ولا فساد.

    وهو الحكيم الذي كمل في حكمته، والحكيم صيغة مبالغة من الحكم فهو الحاكم والحكيم الذي يمضي حكمه ولا معقب لحكمه سبحانه.

    ومن معاني الحكيم: المحكم اسم فاعل، أي: المتقن الذي يحكم كل شيء يقوله أو يفعله، فهذا القرآن كتاب حكيم أحكمه الله تبارك وتعالى وأتقن فيه كل شيء، والكون أتقن الله صنعه فهو المحكم لكونه لا شيء يخرج عن حكمته.

    وأصل الحَكَمة الحديدة التي توضع في فم الفرس لشد اللجام فيها، ويقاد بها، فكأن الحكمة تقود صاحبها إلى ما يريده الله سبحانه وتعالى، ولا يخرج الشيء عن إرادة الله أبداً، فهو الحكيم الحاكم المحكم سبحانه وتعالى في صنعه.

    والحكيم أيضاً: المانع من الفساد الذي لا يدخل في تدبيره خلل، ولا في صنعه زلل.

    والخبير: اسم آخر من أسماء الله عز وجل يدل على علم الله سبحانه، فالعليم يدخل تحت الخبير، ويدخل تحته أنه الشهيد الذي هو علينا رقيب سبحانه وتعالى، والعلم أعم من الخبرة، فالله يعلم كل شيء، فإذا اختص العلم ببواطن الأشياء فهي الخبرة، فإذا اختص علم الله تعالى بما يبطنه الخلق فهو سبحانه الخبير، وإذا اختص علمه بما يظهره الإنسان فهو الشهيد سبحانه، وإذا اختص ذلك بأن يجازيه عليه فهو الرقيب سبحانه.

    فالكل عائد إلى صفة العلم منه سبحانه وتعالى، وهو الحكيم الخبير الذي يعلم مصالح الأشياء ومضارها ولا تخفى عليه عواقب الأمور وبواديها والذي لا يقع في تدبيره سبحانه وتعالى خلل ولا زلل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها ...)

    قال الله تعالى: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ [سبأ:2]، الله هو الحكيم الخبير الذي يعلم العلم الشامل المحيط ما يلج في الأرض، وقد كان الكفار يظنون أن الله عز وجل لا يعلم ما يسرونه، واجتمع ثلاثة نفر عند الكعبة في يوم من الأيام ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي عظيمة شحوم بطونهم، قليلة أفهام عقولهم، فقال بعض هؤلاء الحمقاء لبعض: أترون الله يعلم ما نقول؟ فرد بعضهم: نظن أنه إذا أعلنا سمعنا، وإذا أسررنا لم يسمعنا!

    يقولون ذلك من غبائهم وعدم تفكيرهم فقاسوا الخالق على المخلوق، فظنوا أن الله لا يعلم إلا ما يجهرون به أما ما يسرون فإنه لا يعلمه، فقال رجل: إن كان يعلم ما نعلن؛ فهو يعلم ما نسر. قال الله عز وجل يرد على هؤلاء وأمثالهم: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ [سبأ:2] الولوج: الدخول والتغيب، يقال: ولج في الشيء بمعنى: دخل وغاب فيه، فما يلج في الأرض أي: ينزل بداخلها ويختفي فيها فالله سبحانه تبارك وتعالى يعلمه.

    قال الله: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا أي: ما يخرج منها يعلمه أيضاً.

    وقال: وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59] أي: يعلم ما يسقط من الأشجار من ورق، ومصير هذا الورق أين يذهب، هل يأكله إنسان أو حيوان أو أنه يتحلل ويغوص في باطن الأرض فينتفع به ما بداخل الأرض من دواب أو ينتفع به النبات بعد ذلك؟

    فالله يعلم الحبة حين تسقط من السنبلة على الأرض هل تنزرع أم تكون رزقاً لنملة في الأرض أم تكون رزقاً لإنسان أو حيوان؟

    والله يعلم ما يلج في الأرض من أشياء فتختفي بداخلها من أجساد ومن زروع وثمار ونحو ذلك.

    وما يخرج من الأرض من أشجار وثمار ومعادن وغير ذلك.

    ويعلم ما ينزل من السماء وما يعرج فيها من ملائكة تنزل من السماء، ومن مطر ينزل منها، ومن بلاء ينزل على العباد وقضاء وقدر، ويعلم ما يعرج إلى السماء من الملائكة (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وفي صلاة العصر، فإذا صعد الذين باتوا فيكم إلى ربهم، سألهم ربهم سبحانه: كيف وجدتم عبادي؟ قالوا: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون) .

    معنى قوله: (الرحيم الغفور)

    قال تعالى: وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ [سبأ:2] هذان اسمان من أسماء الله الحسنى العظيمة، فالرحيم: ذو الرحمة العظيمة البالغة التي لا نظير له فيها. فالرحمن الرحيم صيغتا مبالغة، فالرحمن عظيم الرحمة، والرحيم عظيم الرحمة، لكن ما هو الفرق بينها؟ ذكر الله أنه كان بالمؤمنين رحيماً فكأنه يخص برحمته المؤمنين، والرحمن ذو الرحمة العظيمة البالغة التي تكون لجميع خلقه، فرحمته وسعت كل شيء سبحانه وتعالى.

    وفي الدنيا جزء من رحمة رب العالمين سبحانه بها يرحم الإنسان أخاه، ويرحم الحيوان الحيوان، وترفع الدابة حافرها عن ولدها؛ لئلا تؤذيه.

    قال تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43] فيرحم المؤمنين يوم القيامة، ويدخلهم الجنة بفضله وبرحمته سبحانه.

    والغفور: اسم آخر من أسماء الله عز وجل، وقد جاء في القرآن الغفور والغفار وغافر الذنب. فالغفور والغفار من صيغ المبالغة فهو عظيم المغفرة، وأصل الغفر: الستر والتغطية، فكأنه سمي بذلك لأنه يستر الذنوب ويمحوها ولا يفضح عباده المؤمنين، فيستر زلاتهم ويغفر لهم ذنوبهم.

    فالغفور: الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وأصلها التغطية، ومنها المغفر: وهو حلقات من حديد يلبسها المقاتل حتى لا تؤثر فيه ضربات السيوف فيستتر تحتها.

    وقد قال الله تعالى في عباد الرحمن: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70] فلا يغفر فقط، لكن أيضاً من رحمته أنه قد يقلب السيئة التي وقع فيها العبد إلى حسنة؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن المؤمن يدنيه الله عز وجل في كنفه يوم القيامة ثم يأمر الملائكة أن يروه صحائف ذنوبه ويستر عنه ذنوباً كثيرة ويريه أشياء صغيرة من ذنوبه) فيقر بها ويخاف أن يريه الذنوب الأخرى التي فعلها، والله بكرمه يستره ويريه بعض ذنوبه ويقول: (قد سترناها عليك في الدنيا واليوم أغفرها لك) ثم يقول: (وسأبدلها لك حسنات) أي: مكان كل ذنب مما غفرناه سنبدله حسنات.

    فينظر العبد في صحيفته ويتذكر الذنوب الأخرى ويقول: (يا رب! هناك ذنوب لا أراها هنا، فضحك النبي صلوات الله وسلامه عليه) لما نظر العبد لرحمة الله سبحانه فتطاول إلى أعظم مما رحمه الله سبحانه، فطلب منه أن يبدل الذنوب التي سترها وغفرها حسنات والله على كل شيء قدير .

    نسأل الله بفضله ورحمته أن يغفر لنا ويتجاوز عنا إنه هو الغفور الرحيم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016574828

    عدد مرات الحفظ

    723828133