إسلام ويب

فقه الأسرة - الحقوق المشروطةللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فرض الله على المسلم والمسلمة القيام بالحقوق والواجبات، والوفاء بالعهود والعقود، ومن أعظم تلك العقود عقد الزواج، حيث يشترط فيه الزوج أو الزوجة شروطاً مختلفة، وهذه الشروط لا تخلو من أن تكون شروطاً شرعية ينبغي الوفاء بها، أو شروطاً غير شرعية لا ينبغي الالتزام ولا الوفاء بها، وعلى المسلم أن يتفقه في هذه الشروط ليعرف ما يحل منها وما يحرم.

    1.   

    أقسام شروط النكاح

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فإن الله تعالى فرض على المسلم القيام بالحقوق والواجبات، والوفاء بالعهود، قال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، فكل ما بين المسلم والمسلم من عهدٍ وعقدٍ وشرطٍ فإنه يجب الوفاء به، إذا التزم به الطرفان أو التزم به أَحدهما، ولذلك عظّم الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أمور الشروط، حتى ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بالوفاء بها، والقيام بحقوقها، خاصةً إذا كانت هذه الشروط في عقد النكاح والزواج، فإذا وقع الزواج والنكاح، وكان هناك شروطٌ بين الزوجين، فإن الله عز وجل حمّل كل واحدٍ منهما الوفاء بما عليه من شرط.

    ولا يجوز للمسلم أن ينكث العهد ويُخلِف الوعد ولا يفي بشرط إلا إذا كان مضطراً، وأذن له الطرف الثاني، كما سيأتي إن شاء الله تفصيله.

    فالأصل أنه ليست من شيمة المسلم أن يضيع الشروط التي التزم بها، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: (مقاطع الحقوق عند الشروط) أي: أن الله سبحانه وتعالى جعل على كل إنسانٍ التزم بالشرط، جعل عليه حقاً أن يوفي بذلك الشرط، فإذا وفى بالشرط فقد أدى الحق كاملاً إلى أهله، ومن عادة الناس في عقود الزواج والأنكحة، أنه تقع بينهم شروط، فيشترط ولي المرأة على الزوج شروطاً، ويشترط الزوج على زوجته شروطاً، وحينئذٍ يرد السؤال عن موقف الشرع من هذه الشروط: ما الذي أذن الله به، فيفعل ويلزم الوفاء به؟ وما الذي نهى الله عنه، فلا يجوز اشتراطه، ولا يجوز الالتزام به؟

    ومن هنا كان من الأهمية بمكان أن يعتنى عند بيان حقوق الزواج، ببيان الشروط؛ لأن الشرط نوعٌ من الحق، فإذا كانت الحقوق يلزم الوفاء بها، كذلك الشروط يلزم الوفاء بها، ومن هنا قال العلماء: إن الحقوق في الزواج منها ما هو شرعي، جعله الله عز وجل في أصل العقد، ومن لوازم العقد ومقتضياته، ومنها ما هو جعلي، بمعنى: أنه جعله الزوجان أو واحد منهما، فهذا الذي جُعل من الطرفين، أو من أحدهما، هو محل حديثنا اليوم، وهو الذي سنبين موقف الشرع منه، فالشروط في النكاح تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: شروطٌ شرعية، ينبغي الوفاء بها، ويلزم الطرفان أن يقوما بحقوقها.

    القسم الثاني: شروطٌ غير شرعية، وهي الشروط المحرمة.

    شروط شرعية يلزم الوفاء بها

    أما الشروط الشرعية: فهي تنقسم إلى أقسام، فمنها ما هو من لوازم عقد النكاح، والمراد بهذا النوع من الشروط: أن يشترط ولي المرأة أو المرأة أو الزوج، أمراً هو من لوازم عقد النكاح، ومن أشهر هذه الشروط: أن يشترط ولي المرأة على الزوج، أن يمسك بمعروف، أو يسرح بإحسان، وهذا الذي يسميه العلماء بالميثاق الغليظ، قال الحسن البصري وطاوس بن كيسان ، وقتادة والضحاك -رحمة الله على الجميع- في تفسير قوله تعالى: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:21]، قالوا الميثاق الغليظ: إمساكٌ بمعروف، أو تسريحٌ بإحسان، فتلك هي العصمة التي أمر الله عز وجل أن يقوم النكاح بها، فهذا الشرط لو اشترطه ولي الزوجة، أو اشترطته الزوجة على زوجها، شرطٌ شرعي هو من مقتضيات عقد النكاح، قال بعض العلماء: كان السلف إذا زوجوا أو أنكحوا الغير اشترطوا عليه وقالوا: إمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان، وفي حكم هذا الشرط أو مثله، ما يقوله العامة اليوم، يقول ولي المرأة: زوجتك على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أي: زوجتك بنتي أو أختي على أن تلتزم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عِشرتها، والقيام بحقوقها، ورعايتها.

    قال العلماء: إذا اشتُرط هذا الشرط؛ وجب الوفاء به، ولزم الزوج أن يقوم بتحقيقه وأدائه على وجهه، فإذا أضر بالمرأة ناله الإثم والعياذ بالله من وجهين، فلو أنه عاشر المرأة ولم يشترط وليها عليه الإمساك بالمعروف والتسريح بإحسان أثم من وجهٍ واحد، وهو تضييع حق الله، مع ما للمرأة من المظلمة، لكن إذا أُخذ عليه هذا العهد في عقد النكاح أثم من وجهين، والعياذ بالله:

    أولاً: تضييع حق الله الذي ذكرناه.

    وثانياً: أن عليه عهداً لم يوف به، ونقض العهود من شيمة أهل النفاق، ومن صنيع أهل النار -والعياذ بالله- كما ذكر الله أوصافهم في كتابه، ولذلك قال العلماء إن هذا الشرط وإن اعتاده الناس وألفوه لكنه عظيم، ولذلك وصفه الله بكونه ميثاقاً غليظاً، فإذا اشترط ولي المرأة أو اشترطت المرأة الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، فهو شرطٌ شرعي، ومن مقتضيات عقد النكاح.

    كذلك أيضاً من الشروط المشروعة التي يلزم الوفاء بها: أن يتضمن الشرط جلب مصلحةٍ أو درء مفسدة، لا يعارض كل منهما شرع الله، فتشترط المرأة أو يشترط الزوج مصلحةً دينيةً أو دنيوية، ويشترط ولي المرأة مصلحةً دينية أو دنيوية، وهذه المصلحة التي يشترطها كل منهما لا تتعارض مع الشرع، بل قد تتفق معه، فالمصلحة تنقسم إلى قسمين: إما أن يشترط مصلحةً دينية، وإما أن يشترط مصلحةً دنيوية.

    قد يشترط ولي المرأة مصلحةً دينية، كأن تقول موليته له: اشترط أن يكون زوجي ديناً، أو عالماً، أو طالب علمٍ، أو حافظاً لكتاب الله، أو خطيباً، أو إماماً، أو نحو ذلك من الأوصاف التي هي كمالٌ في الدين، وكمالٌ في الطاعة والالتزام، فهذا شرطٌ ديني، والرجل أيضاً يشترطه على المرأة، فيقول لوليها: أشترط أن تكون حافظة لكتاب الله، أو تكون طالبة علم، أو نحو ذلك مما هو من كمالات الدين.

    هذا الشرط وهو اشتراط المصلحة الدينية الكاملة، أفضل شرط وأحب شرطٍ إلى الله عز وجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) فخاطب الزوج أن يبحث عن صاحبة الدين، وخاطب أولياء المرأة فقال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه)فهذا الشرط وهو اشتراط المصلحة الدينية الكاملة، هو أفضل الشروط، وأحبها إلى الله عز وجل.

    أما المصلحة الدنيوية المحضة، مثل أن يشترط الرجل أو تشترط المرأة مالاً أو مصلحةً مالية، كأن يشترط ولي المرأة أن يكون الزوج تاجراً، أو موظفاً، أو له مهنة معينة، فهذه مصالح دنيوية.

    فإذا اشترط الزوجان، أو اشترط أحدهما مثل هذه الشروط التي لا تخالف شرع الله في جلب المصالح فإنه يجب الوفاء بها، وحينئذٍ يلزم ولي المرأة ما التزمه من الشرط في العقد، وعلى هذا فلو دخل على المرأة، فلم يجدها حافظةً لكتاب الله، كان له الخيار، أي: أن له خيار الفسخ؛ لأن المسلمين على شروطهم، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (المسلمون على شروطهم)، وفائدة الاشتراط، ثبوت الخيار.

    كذلك أيضاً يشترط درء المفسدة عن نفسه، فيشترط ألا تكون فيها مفسدة دينية، كأن لا تكون فاسقة، وتشترط المرأة على وليها أن يشترط على الزوج ألا يكون فاسقاً، وقد تشترط درء مفسدةٍ دنيوية، كأن لا يكون عصبياً، أو مريضاً في نفسه، أو بدنه، أو نحو ذلك من العاهات التي تشترط عدم وجودها في الزوج، أو يشترطها الزوج ألا توجد في المرأة. مثل هذه الشروط التي تجلب بها المصالح وتدرأ بها المفاسد وتكون موافقة للشرع، يلزم الوفاء بها، وعلى ولي المرأة أن يوفي بها للزوج، وعلى الزوج أن يوفي بها لولي المرأة، لكن اختلف العلماء في شروطٍ فيها جلب مصالح أو درء مفاسد يشترطها أحد المتعاقدين على الآخر، هل هي من النوع الأول، أو من النوع الثاني.

    ومن أشهر ما اختلفوا فيه أن تشترط المرأة على زوجها ألا يخرجها عن والديها، ألا يخرجها من مدينتها، أو ألا يسافر بها، أو تشترط عليه ألا يتزوج عليها، أو ألا تكون عنده زوجة، فمثل هذه الشروط اختلف العلماء رحمهم الله فيها، هل هي مشروعة؟ أو ليست بمشروعة؟ وسيأتي الكلام عليها في القسم الثالث من الشروط.

    شروط محرمة لا يلزم الوفاء بها

    بالنسبة للقسم الثاني من الشروط، وهي الشروط المحرمة، فإن منها ما يفسد عقد النكاح، ومن أمثلته: أن يشترط الزوج تأقيت عقد النكاح، فيقول: أتزوجها شهراً، أو أتزوجها سنةً، أو أتزوجها نصف عام، فهذا نكاح المتعة، ويوجب فساد العقد من أصله.

    ومما يوجب فساد العقد ويخالف الشرع أن يشترط البدل، فيقول: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك، أو زوجتك أختي على أن تزوجني بنتك أو أختك، فهذا نكاح البدل والشغار، وهو نكاح فاسد.

    فهذان النوعان عارضا الشرع، أما الأول فنكاح المتعة، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه نهى عن نكاح المتعة)، ونكاح المتعة: هو النكاح المؤقت بزمانٍ معين، كأن يجعله إلى سنة أو إلى شهر أو إلى شهور يحدد أمدها، واختلف العلماء لو أنه تزوج المرأة وفي نيته أن يطلقها، أو جاء إلى بلدٍ ينوي الإقامة مدة، وأراد أن يتزوج ثم يسافر، وهذا كما يسميه العلماء بزواج الرّكاض، والرّكاض: هو الرجل الذي لا يستقر في أرض، كأصحاب التجارات ينزلون في الأمصار، يطلبون أرزاقاً، يتأقّت جلوسهم فيها بحسب تلك الأرزاق، فيطول مقامهم ويقصر على حسب مصالحهم، فهم غير مستقرين، فهذا النوع من النكاح وهو أن يتزوج المرأة وفي نيته أن يطلقها، لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يخبر المرأة بنيته، أو يخبر ولي المرأة بالنية، ويتفقان على أنه يريدها لسنة، أو يريدها مدة دراسته، أو مدة إقامته في المدينة، ثم بعد ذلك يطلق، فهذا نكاح متعة، وهو محرم بالإجماع.

    الحالة الثانية: لكن إذا لم يُخبِر، وتزوج المرأة وفي نيته أنه إذا اقتضت مصلحته خرج من المدينة، وأنه يطلق، فللعلماء فيه وجهان، أصحهما: أن النكاح صحيح، وأنه لا حرج عليه في ذلك؛ لعموم الأدلة؛ ولأن النهي عن التأقيت الظاهر، وأما الباطن فلم يرد فيه نهيٌ يدل على تحريمه؛ ولأن فعل السلف وما كانوا عليه مشهورٌ، أنهم كانوا يرتحلون لطلب العلم وللتجارة، وكان الرجل ينزل المصر والقرية مدة تجارته، فيتزوج بها، ثم يترك أهله ويسافر إلى بلدٍ آخر، فقالوا: إنه لا حرج عليه في ذلك، واختار هذا القول جمعٌ من المحققين، وأفتى به شيخ الإسلام رحمة الله عليه، وهو الصحيح كما ذكرنا، ولما فيه من درء كثيرٍ من المفاسد، فإن الرجل تكون عنده المرأة ضعيفة لا تطيق السفر، وقد لا ترضى بالخروج معه، ويسافر إلى بلادٍ عديدة، فيتعرض فيها إلى فتنة، وقد يسافر إلى بلد يلزم عليه المكوث والجلوس فيه، فإذا قلنا له: لا تتزوج وأنت عندك نية الطلاق، فإنه لا يأمن الوقوع في الحرام، ومصلحته تلزمه بالبقاء في هذا البلد، ولذلك كان من شرع الله التيسير على نحو هذا، خاصةً إذا عمّت به البلوى، كما هو الحال في زماننا، ولكن مع هذا قال العلماء: إنما أجزنا نكاح مثل هذا؛ لأنه ربما غير نيته وصلحت له المرأة فأخذها معه، وهذا لا شك أنه قولٌ وجيه، وأن عموم الأدلة الدالة على جواز النكاح تقتضي صحته؛ ولأن الحكم في الشرع على الظاهر، وهذا لم يظهر للمرأة ولا للولي ما يريده.

    أما بالنسبة للنوع الثاني من الشروط التي توجب فساد العقد، فقال العلماء: أن يكون هناك شرطٌ يخالف شرع الله عز وجل من كل وجه، كأن يشترط ما ذكرناه أولاً أنه يؤقِّت بالمدة، أو يكون نكاح البدل وهو نكاح الشغار. نكاح الشغار إذا اشترط وقال: أزوجك بنتي على أن تزوجني بنتك، فهذا لا يجوز، سواءً وُجِد مهر أو لم يوجد مهر، وبعض العلماء يقول: إذا وجد مهر، جاز النكاح. وهو مرويٌ عن نافع الراوي للحديث عن ابن عمر أنه إذا كان بينهما مهرٌ فلا بأس، والصحيح أن نكاح الشغار يحرم مطلقاً، والعلة في ذلك أنه إذا تزوج المرأة في مقابل المرأة، بمجرد أن يسمع أن المرأة الثانية ظُلمت سيظلم التي تحته، فإذا ضر هذا بامرأته، ضر هذا بامرأته، وإذا آذى هذا الأخت، آذى هذا أخته، فأصبح نكاحاً مفضياً إلى الظلم، ولذلك قال العلماء: إنه تدخله المحاباة، حتى لربما زوّج البنت الصغيرة لشيخٍ كبير، أو لمن لا صلاح في دينه ولا استقامة له، ويحابيه في ذلك لمصلحة نفسه، ولذلك قالوا: لا يجوز هذا النوع من النكاح، لما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن نكاح الشغار.

    هناك نوعٌ ثانٍ من الشروط محرم، ولكنه لا يوجب فساد النكاح، وإنما يُلغى الشرط ويصحح العقد، ومن أمثلة ذلك: إذا تزوج المرأة واشترط الزوج أو اشترطت المرأة أن يكون المهر بشيءٍ محرمٍ شرعاً، كأن يكون المهر خمراً أو لحم خنزيرٍ أو نحو ذلك من المحرمات، فإنه يُصحّح بمهر المثل، فيُنظر إلى مثل مهر المرأة، ويُصحّح العقد به؛ لأن الأصل صحة العقد وبقاؤه، ومتى ما كان ممكناً أن نصحح العقد، فإننا نصححه؛ لأن القاعدة أن الإعمال أولى من الإهمال.

    عرفنا الآن أن الشروط المحرمة منها ما يوجب فساد عقد النكاح كالمتعة والشغار، ومنها ما يوجب فساد المُسمَّى وهو المهر، ويصحح بمهر المثل.

    هناك نوعٌ ثالث من الشروط يسقط ويبطل، وبعض العلماء يقول: يبطل ويبطل العقد معه، وبعضهم يقول: يبطل ويبقى العقد صحيحاً، ومن أمثلة ذلك: أن يتزوج المرأة ويشترط أن لا نفقة لها وألا يسكنها، فإن النفقة حقٌ من مقتضيات عقد النكاح، فإذا قال: أتزوجك بشرط أن لا أنفق عليك، فإنه ليس من حقه ذلك، وقد عارض شرع الله عز وجل، فيفسد هذا الشرط في قول طائفة من العلماء ويُصحح العقد، وقال بعض العلماء: يفسد العقد، والصحيح أنه يفسد الشرط دون العقد، فيبقى العقد صحيحاً، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كل شرطٍ ليس في كتاب الله، فهو باطل)، وهذا يدل على أنه شرطٌ باطل، والنكاح بأصله صحيح.

    وهنا مسألة وهي: أنه يتزوج المرأة ويشترط أن يكون له جزء من راتبها، أو يكون له مسمَّىً من الراتب، فهذا النوع من الشروط فيه نظر، والأصل يقتضي عدم جوازه، وذلك لما يأتي:

    أولاً: أنه يخالف مقتضى الفطرة، حيث أن الرجل هو الذي ينفق على المرأة، فإذا بالمرأة هي التي تنفق عليه، والله تعالى يقول: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، ولذلك قال العلماء: الأصل أن ينفق الرجل على المرأة، فإذا اشترط عليها أنها تنفق عليه، فهذا شرطٌ فاسد، وليس له حقٌ في هذا الشرط.

    ثانياً: أنه يُعتبر من الظلم، وأكل المال بالباطل، والله تعالى يقول: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، فإن المال إذا دُفع، لا يُستحق إلا في مقابل، وكونه زوجاً للمرأة، لا يقتضي معاوضة بالمال، وكونه يقول: هي تعمل، وهي موظفة، وتضر بمصالحي، نقول: أنت بالخيار بين أمرين: إما أن ترضى بالإضرار بمصالحك التي في بيتك، وتسمح لها بالعمل، وإما أن تبقيها في البيت وتترك العمل. أما أن تأخذ من مالها بدون وجه حق، فليس هناك ما يبرر هذا، ولو قيل: إن المرأة تحتاج إلى رعاية أولادها، نقول: من حقك أن تمنعها من العمل، وأن تبقى لرعاية أولادها، ونص العلماء على أن من حق الزوج أن يلزم زوجته البقاء في البيت، لأنه الأصل، وأنه إذا سمح لها بعملها فلا إشكال، فإذا لم تطب نفسه، وألزمها أن تبقى؛ فمن حقه ذلك، لكن لو كان عنده أطفال، وكانت تعمل، وأرادت العمل، فقال لها: ائتي بمن يقوم على الأطفال، من خادمةٍ أو نحوها، وتكون نفقة الخادمة عليك، فلا بأس، قالوا: لأنها في الأصل مطالبة بخدمة أولادها، فإذا كانت تريد أن توجد من يقوم مقامها في خدمة الولد، وهي الخادمة مع أمن الفتنة، والمحافظة على ما يجب أن يُحافظ عليه، فإنه حينئذٍ لا بأس، وليس الزوج آخذاً لهذا القدر من الراتب بدون حق، إنما أخذه من جهة كونها مطالبة برعاية الأولاد، وحيث أن عملها يحول بينها وبين الرعاية، فجاءت بمن يحفظ أولادها، أو يحفظ البيت من كنسٍ وتنظيفٍ وطبخ في حال غيابها، وحاجة زوجها، فحينئذٍ لا إشكال؛ لأن المعاوضة قائمة، ولا يعتبر من أكل المال بالباطل. أما أن يقول لها هكذا: لي نصف راتبك، أو لي ربع راتبك، أو نحو ذلك، فليس هناك وجه للمعاوضة، وهو داخل في أكل المال بالباطل.

    يقول العلماء: أكل المال بالباطل: أن يأخذ المال وليس في مقابله ما يوجب الأخذ، فكونه زوجاً ليس مما يوجب أخذ المال، ولو قلنا: من حقه أن يأخذ من راتبها بحكم الزوجية، لكان من حقه أن يأخذ من إرثها، وما تأخذه من والدها، وما يكون لها من الهبات؛ لأن هذا كله خارج من أصلٍ واحد، وهو مقام الزوجية، ولكن إذا اعتذر بضياع حقوقه، أو ضياع حاجته في داخل بيته من رعاية لأولاده، أو رعاية لطعامه وشرابه فنقول: تُقِم المرأة من يخدم، ويقوم بتلك الرعاية، ويكون ذلك على الوجه المعروف، ولا يأخذ من الراتب أصلاً. هذا بالنسبة لمسألة اشتراط النفقة، والمقصود أنه لا يجوز أن يشترط الرجل على المرأة أن تنفق عليه، وإذا حصل هذا الشرط، فإنه باطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل) وإن كان مائة شرط.

    شروط اختلف فيها العلماء

    القسم الثالث: فهي الشروط التي اختلف العلماء فيها: هل هي مشروعة أم ليست بمشروعة؟

    قالوا: من أمثلتها أن تشترط المرأة ألا تخرج من بيتها، أو ألا تخرج من عند أهلها، أو ألا يسافر بها.

    ألا تخرج من بيتها: امرأة تريد أن تبقى عند أهلها وفي بيت أبيها فتتزوج وتكون في داخل بيته، أو تشترط عليه ألا يبعدها عن والديها، كأن تشترط أن تسكن في الحي الذي فيه والداها، أو ألا يخرجها من مدينتها، كأن يكون من مدينةٍ أخرى، وتخشى أن يسافر بها إلى مدينته، فقال: أشترط أن تبقى بنتي ولا تسافر. أو تشترط ألا تسافر معه، كأن يكون رجل صاحب تجارة وتخاف من السفر معه، فقالت: اشترط ألا أخرج معك في سفر. فمثل هذه الشروط اختلف العلماء فيها، وهي تنقسم في الأصل إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون هناك مبرر للشرط، بأن توجد حاجة ضرورية أو حاجة ملحة لولي المرأة أو للمرأة لكي تشترط هذا الشرط، من أمثلة ذلك: أن يكون للمرأة والدان، وهذان الوالدان ضعيفان، أو أحدهما مريض، ويحتاجان إلى رعاية وعناية البنت، وهي تريد أن تكون بجوار أبيها وأمها من أجل البر وحفظ حقيهما، خاصةً إذا لم يوجد أحد، فهي مضطرة ومحتاجة لمثل هذا الشرط، فحينئذٍ مثل هذا الشرط ينبغي للزوج أن يعينها عليه، وهو مأجور، والله يبارك للزوج في زوجته، إذا أعانها على طاعة الله وبالأخص بر الوالدين، فحينئذٍ يحاول أن يعينها على هذا الشرط، وهو شرطٌ له وجهه.

    لكن إذا اشترط ولي المرأة ألا تخرج من بيته، وألا تسافر عنه، أيضاً له حالتان: إما أن يشترط لسبب، كأن يرى البنت صغيرةً في السن أو طائشة، ويريدها أن تكون قريبة منه، ويخشى أن سافر بها الزوج والزوج متساهل أن تقع بنته في فتنة أو حرام، أو يخشى أن يسافر بها الزوج إلى أهله وبينه وبين أهله عداوة أو نحو ذلك، فإن وجد ما يُبرر ذلك من ولي المرأة، كان شرطاً شرعياً، ومن حقه أن يشترط التأقيت، فيشترط إلى سنٍ معين، وإلى حدٍ معين، فيقول: أشترط ألا تخرج بنتي من المدينة إلى أن تبلغ عشرين سنة خوفاً من الضرر عليها، فهذا شرط يقصد به دفع الضرر، قال بعض العلماء: من حق الولي أن يشترط ذلك، لأنه شرطٌ في مصلحة الزوج والزوجة، وفيه إقامةٌ لطاعة الله عز وجل، وحفظ الله عن الحرام.

    القسم الثاني: إذا كان هذا الشرط فيه شيءٌُ من الفضول، كأن تشترط ألا تخرج من بيت أبيها، أو لا تخرج من جوار والديها، وليست هناك حاجة من الوالدين، أو تشترط ألا تخرج من مدينتها، وليس هناك ما يبرر هذا الشرط، أو تشترط ألا يتزوج عليها، أو ألا تكون عنده زوجة، فهذا النوع من الشروط للعلماء فيه قولان:

    القول الأول يقول: إنه شرطٌ لازمٌ وصحيح، ويجب على الزوج أن يفي به، وأنها إذا قالت له: أشترط ألا تتزوج علي مثلاً، وأراد أن يتزوج عليها في أي يومٍ بعد عقد النكاح، فإن من حقها أن تطالب بشرطها، وحينئذٍ يكون الفسخ، أي: ينفسخ النكاح، هذا بناءً على أنه شرط بينه وبينها، وبهذا القول قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وسعد بن أبي وقاص ومعاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص رضي الله عن الجميع. أربعةٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يرون شرعية مثل هذا الشرط، وكان بعض التابعين يفتي به، فهو قول شريح القاضي المشهور، وقال به عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، وهو مذهب الحنابلة أنها إذا اشترطت ألا تخرج من مدينتها، أو ألا يسافر بها، أو ألا يتزوج عليها، أو ألا تكون عنده زوجة من قبل، أن هذا الشرط صحيح، وخالف هؤلاء جمهور العلماء سلفاً وخلفاً، فقالوا: ليس من حقها هذا الشرط، وإذا وقع هذا الشرط، فإنه شرطٌ باطل، وممن قال بهذا القول: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو راويةٌ أخرى عن عمر بن الخطاب ، كانوا يقولون إذا اشترطت فإن هذا الشرط لاغٍ. رُفع إلى عمر بن الخطاب امرأة اشترطت على بعلها، واشترط أهلها ألا تخرج معه، فلما اشترطت هذا الشرط، قال عمر رضي الله عنه: (المرأة مع زوجها) أي: يخرج بها إلى حيث شاء وأثر عن علي رضي الله عنه وأرضاه، أنه رفعت إليه قضيةٌ في اشترطت امرأةٍ مثل هذا الشرط، فقال رضي الله عنه: (سبق شرط الله شرطها) أي: أن الله عز وجل جعل الرجل قائماً على المرأة، وهذا الشرط جاء تبع، فلا تأثير له؛ لأن الأصل أن تكون تبعاً لبعلها وزوجها، وهكذا بالنسبة إذا اشترطت ألا يتزوج عليها، فإن الله فصّل هذا الأمر، وأحله وأباحه.

    والذين قالوا: إنه يجب الوفاء بهذا الشرط، وهم أصحاب القول الأول احتجوا بأدلة، أولها: قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط، ما استحللتم به الفروج)، قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، جعل الشرط في عقد النكاح أحق ما يفي به المسلم، فقال: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط، ما استحللتم به الفروج) وهذا قد استحل فرج امرأته بشرط، وهو أن لا يسافر بها، واستحله بشرط ألا يتزوج عليها، واستحله بشرط ألا تكون عنده امرأة، فإذا كان الأمر على خلاف ذلك؛ كان من حق المرأة أن تطالب بفسخ النكاح وتمتنع، وقالوا أيضاً: إن المرأة قد تشترط هذه الشروط، كأن تكون شديدة الغيرة، فتخشى أن تضيع حق بعلها، فمن حقها أن تشترط هذا، ويجب على الزوج أن يفي.

    والذين قالوا: إن هذا الشرط باطل احتجوا بما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل)، قالوا: إن قوله: (كل شرطٍ ليس في كتاب الله)، يوجب علينا في الشروط أن نعرضها على شرع الله، فما كان منها يحرم الحلال أو يحل الحرام، فإننا نرده، ولا عبرة به، وهو باطل، فنظرنا فيها وهي تقول: لا تتزوج علي، وأشترط ألا تكون عندك زوجة سابقة، فإذا بها تحرم عليه ما أحل الله، ووجدناه خلاف شرع الله عز وجل، وخلاف دين الله، فانطبق عليه قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل)، كذلك أيضاً وجدناها إذا قالت له: ألا تكون عنده زوجة، فإن الأصل أن الرجل له أن يتزوج قبل هذه المرأة وله أن يتزوج بعدها، وله أن يجمع بين أكثر من واحدة، ما دام في الحد الذي حده الشرع، فإذا جاءت تقول له: بشرط ألا تكون عندك زوجة؛ فقد منعته من زوجته الأولى، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتُكفِئ ما في إنائها)، قالوا: هذا عام، فإذا قلنا بجواز الشرط، فكأنه حينئذٍ سيقدم على تطليق الأولى، وإدخال الثانية، وهذا هو الذي حرمه الله ورسوله، فنحن إذا جئنا ننظر في الشروط، ينبغي أن نتقيد فيها بما ورد في الشرع، فليس في شرع الله تحريم الزوجة الثانية، وليس في شرع الله عز وجل أن يبقى الرجل منحصراً مع زوجته في مكانٍ معين، بل إن الذي في شرع الله حِل ذلك كله وإباحته، وبناءً عليه قالوا: إن هذا الشرط باطل، ونبقى على عموم قوله: (كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل)، ثم قالوا: أنتم تستدلون بقوله: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط)، قوله: (أحق ) يدل على أن الشرط في ذاته حق وليس بباطل، فإذا كان الشرط في ذاته باطل فليس بحقٍ، ولا بأحق، وحينئذٍ يكون قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط)، أي: الذي وافق شرع الله، واتفق مع هدي الإسلام في الزواج، فإذا جاءت المرأة تشترط شيئاً خلاف ذلك، فإنه يُلغى شرطها، ولا يعتد به، وهذا القول هو أولى القولين بالصواب وأنه لا عبرة بمثل هذا الشرط؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قضاء الله أحق وشرط الله أوثق).

    وعليه نرى أن عموم قوله: (كل شرطٍ ليس في كتاب الله)، شاملاً لهذه المسألة التي معنا، وليس من حق المرأة أن تشترط ألا تكون هناك سابقة ولا لاحقة، بل إن أصحاب القول الأول يوافقون أصحاب القول الثاني، ويقولون: لو أراد أن يكتب العقد، أو يعقد على امرأة، فقال ولي المرأة: أشترط، وأهل الزوجة يعلمون أن عنده زوجة سابقة، فقالوا له: نشترط عليك أن تطلق الأولى، فإن هذا بالإجماع حرام ولا يجوز.

    وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، عند أحمد في مسنده رحمه الله: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن ينكح الرجل بطلاق الأخرى). أي: أن ينكح المرأة على أن يطلق التي قبلها، وعلى هذا فإننا نرى أن الشرع من حيث هو لا يقرُ مثل هذا ولا يجيزه، ثم انظر رحمك الله، إذا قلنا: إن من حق المرأة أن تشترط ألا تكون هناك سابقة، وألا تكون هناك لاحقة، فدخل الرجل عليها، ورضي بهذا الشرط، فإذا بالمرأة تغير جمالها، أو ذهب ما يعينه على العفة منها، إذا به يبقى وهو يخشى على نفسه الفتنة، فتنجب له الأطفال، فيبقى حائراً، إن جاء يتزوج الثانية؛ فإن الأولى ستبين منه، وإن جاء يبقى معها، لا يأمن الوقوع في الحرام، ولذلك هذا الشرط آثاره ونتائجه التي تترتب عليه فيه أضرار عظيمة، والرجل إذا لزمه هذا الشرط، معنى ذلك أن المرأة يكون لها الخيار، وحينئذٍ إذا أراد أن يتزوج عليها الثانية، يكون من حقها أن تفسخ النكاح، وتقول: أطالب بحقي، فتنفسخ بطلقة لا رجعة له عليها.

    وحينئذٍ إذا كان الأمر كذلك، سيتشتت أطفاله، وقد لا يرضى بشتات أطفاله، لأن الله أخبر أن الله عز وجل علق القلوب، وجبل النفوس على حب الولد، الولد مجبنةٌ مبخلة.

    كان الصحابي إذا أراد الهجرة، يريد أن يهاجر من مكة إلى المدينة، تعلق به ولده فامتنع من الهجرة، من فتنة الولد، فهذا الرجل إذا تزوج ولزمه هذا الشرط، وقلنا يلزمه، وهو يعلم أنه امرأته ستتطلّق منه، وأولاده سيضيعون، كيف سيقدم على الثانية؟ فيبقى بين نارين، وبين أمرين أحلاهما مر، فإما أن يبقى مع المرأة ويقع في الحرام، وإما أن يبين ما بينه وبينها فيتشتت أطفاله، ويكون في ذلك من المفاسد ما الله به عليم. وعلى هذا فإن أصح القولين: قول الجمهور: أن هذا الشرط لا يُعتد به، ولا يلزم الوفاء به، لأنه شرطٌ يعارض شرع الله.

    هذه الشروط التي ذكرناها، الشروط المشروعة والممنوعة.. أولاً ينبغي للمسلم أن يلتزم بما أمر الله به، وألا يشترط إلا ما فيه صلاح دينه ودنياه وآخرته.

    وعلى ولي المرأة أيضاً أن يشترط ما فيه صلاح امرأته في الدين والدنيا والآخرة؛ لأن الولي إنما نصِّب من أجل النظر في المصلحة، ولا ينبغي على ولي المرأة ولا على الزوج أن يتخذ من الشروط وسيلة للإضرار؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار).

    فلا ينبغي أن يتخذ كلٌُ منهم الشروط وسيلة للإضرار بالآخر، بل ينبغي أن تكون الشروط معينة على طاعة الله، ومعينة على الوصول إلى ما يُرجى من النكاح على الوجه الذي أذن الله به، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم إلغاء الزوجة شرطاً اشترطه والدها في عقد الزواج وفيه مصلحة دنيوية

    السؤال: أثابكم الله فضيلة الشيخ، وبارك الله فيكم، وبما قلتم، ونفع الله بكم الجميع.. هذا سائلٌ يقول: هل للزوجة أن تلغي شرطاً اشترطه والدها، وهو من الشروط التي فيها مصلحة دنيوية؟

    الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    فإن الولي، وهو والدها، إذا اشترط على الزوج شرطاً دنيوياً، وفيه مصلحة للمرأة، فإنه من العقوق أن تلغي هذا الشرط، ولذلك من برها لوالدها؛ لأنه إنما اشترط هذا لمصلحتها، وعليه فإنها تلتزم بما اشترطه والدها، والزوج ملزم بما اشترطه عليه الوالد، لأن الولاية في النكاح ما جعلت إلا من أجل المصلحة، ولما جعل الله عز وجل النكاح بالولي، دل على أنه يؤخذ بقول الولي، وبما يكون منه، خاصةً إذا راعى المصلحة، فالأصل أنه يُلزم بالوفاء في هذا الشرط، ولكن لو رضيت المرأة أن تتنازل عن بعض الحقوق في الشرط واصطلحت مع زوجها على ذلك، فلا بأس، لا بأس أن يكون بينهما صلحاً، أن يكون بينهما الصلح والاتفاق على حسب ما يريانه من المصلحة لاستقامة حياتهم الزوجية، والله تعالى أعلم.

    حكم إنفاق الزوج على زوجته وهو لم يدخل بها

    السؤال: أثابكم الله، فضيلة الشيخ.. رجلٌ تزوج، ولم يدخل بزوجته، ويقوم ولي الزوجة بالنفقة عليها بدلاً عن الزوج، لأنه يسكن بعيداً من بلده، وهذا الأمر بناءً على طلب ولي المرأة، فهل هذا الأمر جائز؟

    الجواب: النفقة على الزوجة لا تستحق إلا إذا كانت مدخولاً بها، أما المرأة غير المدخول بها، فإنه يُنظر.. إن مكن ولي المرأة الزوج من الدخول، وامتنع الزوج من الدخول، لزمته النفقة؛ لأنها لما مكنته من نفسها، صارت كأنها مدخول بها، ولذلك الأجير، إذا مكن نفسه من رب العمل ولم يطالبه بالعمل، وبقي معه المدة المتفقة عليها لزمته الأجرة، ولو لم يعمل، وهكذا المرأة.

    وعلى هذا قال العلماء: إنه إذا كانت غير مدخول بها، وأذن أولياؤها بالدخول ولم يدخل، لزمته النفقة.

    وعلى هذا إذا لزمته النفقة، فإنه يجب عليه أن ينفق عليها بالمعروف، وكونه يترك نفقتها لوليها، هذا ليس بالمستحسن ولا بالمنبغِي، إذا كان رضي الولي بذلك، فإن الأفضل والأكمل أنه يلي نفقة أهله، أما إذا رضي وليها أن ينفق عليها، وأن يقوم عليها، فلا بأس، هذا من باب الصلح والرضا، لكن الواجب عليه في الأصل أن يقوم بنفقتها، فإن تبرع وليها بالنفقة عليها، فجزاه الله خيراً، وإذا رضي الزوج بذلك، ورضيت به المرأة فلا بأس، هذا كله من الصلح، والصلح خير، والله تعالى أعلم.

    حكم أخذ ولي المرأة شيئاً من المال فوق المهر

    السؤال: أثابكم الله، فضيلة الشيخ.. ما حكم عقد النكاح الذي يشترط فيه ولي المرأة شيئاً من المال له، يأخذه فوق مهر المرأة؟

    الجواب: هذا يسمى الحباء، ومسألة الحباء أجازها جمعٌ من السلف، وقالوا: أنه لا بأس أن يشترط أبو المرأة الولي، بشرط أن يكون أباً، وأما غيره فلا، والجد في حكمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن أحق ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم)، قالوا: فطريقة الأكل لهذا كانت عن طريق البنت، وهي من ولده، فإذا رضي الزوج أن يعطيه الحباء بطيبة نفس وبرضا خاطر، قالوا: لا بأس، أما إذا أدى إلى ظلم المرأة، وتهرب الأزواج منها، أو الإضرار بها في المستقبل، فلا يجوز.

    أما إذا كان حباءً بالمعروف، واشترط لنفسه شيئاً معقولاً، كأن يكون مثلاً مهر المرأة في المعروف عشرة آلاف ريال، وهو رجلٌ مديون، وعليه دين، فسأل أن يكون له خمسة آلاف، عشرة للمرأة، وخمسةٌ له، فقال جمع من العلماء: لا بأس ولا حرج في ذلك، خاصةً إذا وجد ما يوجبه، والله تعالى أعلم.

    حكم تقبيل يد الوالد

    السؤال: أثابكم الله، فضيلة الشيخ.. ما حكم تقبيل يد الوالد؟

    الجواب: تقبيل يد الوالد فيه حديث أم المؤمنين عائشة في قيام فاطمة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ دخل عليها وقبلت يده، وأجلسته مكانها.. وقال العلماء: لا بأس بتقبيل يد الوالد، ويد العالم، إذا كان ممن له حق وبلاءٌ في الدين، ولكن إذا خشي منه الفتنة، وأصبح الناس يفعلون ذلك على سبيل فيه تنطع وتكلُّف، فيقفل بابه سداً للذريعة، وإلا فالأصل فيه الجواز إذا أُمنت فيه الفتنة، وهكذا تقبيل جبهة العالم، إذا قُصد بها وجه الله، أما إذا خاف الإنسان الفتنة، ورأى أنه حدث أو صغير السن، ويخشى منه الفتنة، فالأفضل أن يتورع عن ذلك ما أمكنه، والله تعالى أعلم.

    حكم الوفاء بوصية زوجتي بالحج عنها

    السؤال: أثابكم الله، فضيلة الشيخ.. هذا سائلٌ يقول: توفيت زوجتي، وقبل وفاتها، أوصت أهلها أن أَحج عنها، فهل يجب علي أن أوفي بوصيتها؟

    الجواب: الله المستعان، يقول الله تعالى: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237]، كان صلى الله عليه وآله وسلم يذبح الشاة، ويبعث بها إلى صويحبات خديجة ، أعز عندك أن تحج عن امرأتك، وتبعث لها خيراً من عملك، جعله الله عز وجل من الحي للميت، حُج عنها، وهذا أمر لا بأس به، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أذن بالحج عن الميت، كما في الحديث الصحيح عن ابن عباس أنه لما سمع الرجل وهو يطوف: لبيك عن شبرمة، قال: ما شبرمة؟ قال: أخي أو ابن عمٍ لي، مات ولم يحج، فأذن بالحج عن الغير، إن وُجد موجبه، كأن يكون لم يحج، ورخص جمعٌ من العلماء في الحج عن الميت نافلة، خاصةً إذا أوصى أو كان له حقٌ أراد به البر، والله تعالى أعلم.

    حكم اتباع الجنائز للمعتكف

    السؤال: أثابكم الله، فضيلة الشيخ.. هل يجوز للمعتكف اتباع الجنائز حتى تدفن؟

    الجواب: إذا أراد أن يبطل اعتكافه يخرج يشيع الجنازة.. المعتكف معتكفٌ بالمسجد، لا يجوز له الخروج، حتى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء عنه أنه لو مر على مريض، لم يعرج عليه، لم يمض إلى غرفته، ولا إلى مكانه يسأل عنه. المعتكف ملزم بالمسجد، ولا يجوز له أن يخرج إلا من حاجةٍ ضرورية، وهي البول والغائط، ورخص العلماء في خروجه عند شدة الجوع، أو لطعامٍ إذا لم يتيسر له بلوغه، بمعنى أنه لم يجد طعاماً في مسجده، وإذا خرج لقضاء الحاجة، قالوا: لا يجوز أن يذهب لمكانٍ أبعد متى ما أمكنه أن يقضي حاجته في الأقرب.

    وإما اتباع الجنائز، فإنها نوافل ومستحبات، والاعتكاف إذا كان نذراً يصبح واجباً، وإذا التزم الإنسان به، فإنه لا يخرج من معتكفه، إلا لما لا بد منه كما ذكرنا من قضاء الحاجة، أو الطعام إذا لم يتيسر له الطعام في المسجد، أما لو خرج لاتباع جنازة فإنهم نصوا على أنه يبطل اعتكافه، وهكذا لو خرج لأي أمر غير الأمر الضروري، فإنه يُحكم ببطلان اعتكافه، والله تعالى أعلم.

    حكم قضاء ما فات من الصيام والصلاة في سن المراهقة

    السؤال: أثابكم الله، فضيلة الشيخ.. هذا سائلٌ يقول: بعض الناس لا يميزون بين الحرام والحلال وذلك في سن المراهقة، فأحياناً يصلي ويترك، وأحياناً يصوم ويفطر في رمضان، ماذا يفعل ذلك الرجل إن تاب لله توبةً نصوحاً، هل يقضيها أم تكفيه التوبة؟ وكيف القضاء وهو لا يحصي الفوائت من الصلوات؟

    الجواب: ورد في السؤال كانوا يضيعون الصلوات، وكانوا يضيعون الصيام، يصومون ويفطرون، ولا يعلمون الأمد، فهم على حالتين: إما أن يكونوا دون البلوغ، أو بعد البلوغ، فإن كانوا قبل البلوغ فلا يلزمهم القضاء، وهذا قول جماهير العلماء، وهناك قولٌ ضعيف أن الصبي إذا ميز، يُكلّف بالصوم، ولكنه قولٌ مرجوح، لأنه معارضٍ لما ثبت في حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة)، وذكر منهم (الصبي حتى يحتلم)، وفي هذه الحالة إذا كانوا دون البلوغ لا يلزمهم القضاء.

    أما إذا بلغوا فإنه حينئذٍ يلزمهم قضاء ما فاتهم من الأيام، ونقول لهم: قدروا هذه الأيام، فإن عجزوا عن التقدير، نظروا إلى السنوات التي كانوا فيها بعد بلوغهم وقبل أن يلتزموا بالصلاة والصيام، ويؤدوه على وجهه، فمثلاً لو كان التزامه بالصيام في سن السابع عشر، وكان بلوغه في الخامس عشر، فمعنى ذلك أن عليه شهران، فنقول: هل كنت تفطر كل الشهر أو بعض الشهر أو أغلب الشهر؟ فإن قال: كنت أفطر كل الشهر، لزمه قضاء شهرين، وإن قال: لا أستطيع تمييز العدد ولكن يغلب على ظني أن كل شهر كنت أفطر بعضه، نقول: هل هو أكثر أو أقله أو وسط؟ فإن قال: أكثره، فحينئذٍ يلزمه أن يصوم أكثر من خمسة عشر يوماً، يصوم سبعة عشر يوماً، ثمانية عشر يوماً، الذي هو الأكثر، وأما إذا قال: ما أظن أنها تكون أكثر الشهر، ولكني كنت أضيع اليوم واليومين والثلاثة والأربعة، نقول: صم بمقدار ما يغلب على ظنك أنه يفي مما هو دون النصف، فيصوم مثلاً عشرة أيام، أو يصوم أحد عشر يوماً، اثنا عشر يوماً، فيصوم بقدر ما يغلب على ظنه أنه يفي بقدر الواجب عليه، والله تعالى أعلم.

    حكم امتناع الولد عن إعطاء والده من ماله الخاص

    السؤال: أثابكم الله، فضيلة الشيخ.. هذا سائلٌ يقول: هل يعدُّ امتناع الولد عن إعطاء والده من المال الذي يجمعه لحاجة ضرورية، خاصةً إذا كان والده ليس في حاجةٍ ضرورية، وإنما لإيجاد كماليات؟ هل يعد هذا من العقوق؟

    الجواب: إذا كان الوالد يسأل الولد المال، فإن الله عز وجل يبتلي الولد بهذا السؤال، وإذا أراد الولد أن يبارك الله له في ماله، وأن يبارك له في حاله، فليبر والديه، وليعلم أن الدنيا أهون من أن تكون أعز عليه من والده، وأن لوالده من الفضل والإحسان والبر ما لا يستطيع أن يكافأ إلا بالدعاء، وسؤال الله عز وجل أن يرد جميله وفضله عليه، فالدنيا أهون من أن تكون أعز عليك من والدك ووالدتك، بل على الولد أن يبادر، والله عز وجل يبتلي كل مؤمن على قدر ماله، فإذا كمل التزامه وطاعته لله عز وجل، ابتلاه بمثل هذه المواقف.

    ذكروا عن رجلٍ أنه كان من أبر الناس بوالده، جمع مالاً من أجل الزواج، فجمع اثني عشر ألفاً وهو في أشد ما يكون حاجةً إليها، يقول: ففوجئت في يوم من الأيام وإذا بالوالد في ضائقة، وجاءه من يسأله ديناً عليه، فاحتاج الوالد للمال، قال: فترددت أن أعطيه المال الذي عندي، أنظر إلى حاجتي للزواج، وأنظر إلى حاجته، وأتذكر ما في البر من الخير، وأتذكر ما أنتهي إليه لو أعطيته هذا المال، حتى وفق الله فقمت وأخذت الاثني عشر ألفاً، وجئت إليه ووضعت المال بين يديه، فلما وضعته بين يديه، قال: لا آخذه، فقلت له: والله لتأخذنه. قال: فأقسمت عليه أنه يأخذه، والله يعلم أني في أشد ما أكون حاجة إليه، قال: فلما وضعته بين يديه، وحلفت عليه أن يأخذه، ورأى مني الرضا، دمعت عيناه، وبكى وقال: أسأل الله عز وجل أن يفتح لك أبواب الخير، أو دعوة نحوها.. يقول: فشاء الله عز وجل أنني ما مضى أسبوع إلا وأنا أدعا في وليمة لصديقٍ لي، فجئت إلى هذا الصديق على غداء، فجاء وإذا برجلٍ تاجر عنده يسأله أثناء حديثهم وهم على الطعام، يقول له: هل تعرف إنساناً ديناً أميناً يحفظ لي مالي هنا في المدينة، فقال له: لا أعرف لك خيراً من هذا الرجل، قال: فوكّله على بعض أعماله، فكانت أول صفقة له قيمتها مائةٌ وعشرون ألفاً، فرد الله له عشرة أضعاف ما بذل، مع ما له من الرضا من الله، ومع ما فاز به من محبة الله عز وجل، يقول: فهو في رغد من العيش وفي غنى، فليبشر البار بكل خير عند التضحية، لمّا تكون أحوج ما تكون إلى المال، وأحوج ما تكون تأتي إلى الراحة والدعة، وتقف أمام بر الوالد أو الوالدة، أو حاجتهما، فهناك يكمل البر، وتنام العين وتقر بإرضاء الله عز وجل، وبرضا الوالدين.

    فالشاب الصالح الموفق، لا يجلس يدقق في مثل هذه الأمور، لا تنظر إليها مسألة يجب أو لا يجب، يجوز أو لا يجوز، انظر إلى إنك مبتلى قبل كل شيء، ولو أن الله حاسبنا بما نعمل، لكان الإنسان من الهالكين، ولكن الله يوجب للعبد مثل هذه المواقف، التي يُضحي فيها، فإن ضحى ووفَّى لله، وفَّى الله له، ولعل الله أن يفتح له بها باب خيرٍ في الدين والدنيا والآخرة.

    وكان بعض الأخيار لا يسأله والده شيئاً إلا أعطاه، حتى لربما يشتري الأرض بالألوف، فيأتيه والده يقول: اكتبها باسمي، والله لا يتراجع، ومع ذلك في غنى ويسار ورضا، حتى أرضا والده بالأموال، فمات والده وعنده الأموال الكثيرة، والابن عنده أضعافها، ثم ورث والده، ففاز بخير الدنيا والآخرة، فخير ما يُوصى به بعد الإيمان بالله وتوحيده بر الوالدين، ومن بر والديه بشِّره بكل خيرٍ في دينه ودنياه وآخرته، لن يقرع باباً من الخير إلا فتحه الله في وجهه، ولا سلك سبيل برٍ إلا يسره الله له، ولذلك ينبغي للمسلم ألا يدقق في مثل هذه الأمور، واعلم رحمك الله أنه أفضل ما يكون من نفسك أن تنتظر الساعة التي يحتاج فيها والدك، بل قال بعض العلماء: أفضل ما يكون البر أن تنظر إلى حاجة والدك قبل أن يسألك، وتأتيه وتعطيه قبل أن يسألك، حتى كان بعض السلف ذُكر عنه أنه كان لا تأتيه نعمة إلا عرض على والديه أن يأخذها قبل أن يأتي بها إلى بيته.

    أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الرضا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وصلى الله على محمد وآله وسلم، وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015531721

    عدد مرات الحفظ

    723670856