إسلام ويب

تفسير سورة الطورللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أقسم الله عز وجل بعظيم مخلوقاته على وقوع العذاب على الكافرين، بسبب عنادهم وطغيانهم وتكذيبهم، وعلى العكس فإن الله وعد المتقين بجنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولكن هذه الجنة تحتاج إلى صدق وصلاة وتسبيح وصبر في الدعوة إلى الله ومجاهدة الكافرين.

    1.   

    قسم الله بعظيم مخلوقاته

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

    كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بسورة الطور في صلواته، وكان كثيراً ما يقرأ بها في صلاة المغرب، قال جبير بن مطعم رضي الله عنه: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، حتى بلغ قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:35] فكاد قلبي أن يتصدع. وفي رواية: كاد قلبي أن يطير)، وكان آنذاك مشركاً.

    يقول الله سبحانه وتعالى فيها: وَالطُّورِ [الطور:1]، الواو للقسم، فيقسم الله سبحانه وتعالى بالطور، وقد تقدم أن الله سبحانه له أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته، أما نحن فليس لنا أن نقسم بجبل ولا بشجر ولا بحجر ولا بأب ولا بنبي ولا بأخ، ولا بأي شيء إلا بالله أو بأسمائه أو بصفاته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، لكن لربنا أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته، فأقسم الله سبحانه وتعالى بالطور.

    معنى الطور

    الطور على رأي جمهور المفسرين: هو جبل، والمراد به طور سيناء الذي كلم الله سبحانه وتعالى عنده نبيه موسى صلى الله عليه وسلم.

    وقد قال فريق من العلماء: إن الجبل إذا كان عليه نبات أطلق عليه الطور، فالطور على هذا القول: اسم لكل جبل ينبت، والذي لا ينبت يطلق عليه جبل.

    لكن المعني بالطور هنا على رأي جمهور المفسرين هو طور سيناء، وقد قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا [القصص:46] أي: نادينا نبينا موسى عليه السلام.

    تفاوت مخلوقات الله

    الله يقسم بالطور، وكما تقدم فإن الله سبحانه وتعالى يقسم بعظيم مخلوقاته، فيقسم بالشمس، وبالقمر، وبالنجم، وبالسماء، وبالأرض، ويقسم في الجملة بعظيم المخلوقات، ولا تكاد ترى قسماً بالذباب ولا بالبعوض ولا بنحو ذلك، وإن كان الكل من خلق الله، لكن خلق الله سبحانه وتعالى يتفاوت في العظمة، كما قال سبحانه: لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [غافر:57].

    فالخلق يتفاوت، وكذلك القرآن وهو كتاب الله يتفاوت في الفضل، فسورة الفاتحة هي أعظم سورة في الكتاب العزيز، وآية الكرسي هي سيدة القرآن الكريم، فكل هذا الأمر فيه لله يتصرف فيه كيف يشاء سبحانه وتعالى.

    والجبال المذكورة في كتاب الله منها الطور، كما في هذه الآية، ومنها الجودي، كما قال الله سبحانه وتعالى: وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود:44]، ومن الجبال المذكورة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جبل أحد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحد جبل يحبنا ونحبه)، ومنها جبل يقال له: جمدان، مر به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (سيروا هذا جمدان، سبق المفردون، قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات).

    فالجبال تتفاوت فيما بينها في الفضل، كما أن سائر الخلائق بينها تفاوت في الفضل، وكما قدمنا أن الله سبحانه وتعالى فضل بعض البلاد على بعض، فأم القرى مكة ليست كالمنصورة مثلاً، وفضل بعض المساجد على بعض، فالمسجد الحرام يفوق غيره من المساجد في الفضل، وهذا فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [المائدة:54].

    فأقسم الله سبحانه وتعالى هنا بالطور.

    المراد بالكتاب المسطور

    قال الله تعالى: وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ [الطور:2] (المسطور): هو المسطر المكتوب، وما المراد بالكتاب المسطور؟

    من أهل العلم من قال: إنه الكتاب الذي كتبت فيه مقادير الخلائق، كما قال تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر:52-53]، على أحد الأقوال في تأويلها، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة).

    ومن العلماء من قال: إن الكتاب المسطور هو القرآن الكريم.

    ومنهم من قال: إن الكتاب المسطور هو الكتاب الذي تكتب فيه أعمالنا الآن وتسطر، وتنشر يوم القيامة، كما قال تعالى: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا [الإسراء:13].

    معنى الرق المنشور

    قال تعالى: فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [الطور:3] الرق: هو الجلد أو الورق الذي يكتب فيه، أو هو الرقاع التي يكتب فيها، فكل ما كتب فيه يطلق عليه الرق، سواء كان ورق شجر، أو ورقاً أبيض كالذي بين أيدينا، أو جلداً، أو أي شيء يكتب عليه يسمى رقاً، والرق المنشور الذي ينشر يوم القيامة، أي: يفتح، كما قال الله سبحانه: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ [التكوير:10].

    موضع البيت المعمور

    قال تعالى: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ [الطور:4]، هو بيت في السماء السابعة أو فوق السماء السابعة على الراجح من أقوال العلماء، وهو قول الجمهور، كان الخليل إبراهيم عليه السلام مسنداً ظهره إليه، وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحال أثناء المعراج، فكان الخليل عليه الصلاة والسلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وهو بيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون.

    المقصود بالسقف المرفوع

    قال تعالى: وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ [الطور:5]، المراد به السماء، كما قال تعالى في كتابه الكريم: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء:32]، فالسقف المرفوع: هو السماء التي رفعها الله سبحانه.

    قال تعالى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [الطور:6] للعلماء فيه أقوال، تقدم كثير منها عند قوله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ [الانفطار:3]، فمن الأقوال التي فيها: امتلأت وفاضت فاختلط عذبها بمالحها.

    ومن الأقوال: أن (البحر المسجور) هو المتأجج ناراً، وهكذا يكون يوم القيامة، تشتعل البحار ناراً على ما قاله فريق كبير من العلماء.

    1.   

    وقوع عذاب الله للكافرين

    أقسم الله سبحانه وتعالى بهذه الأشياء على شيء واحد تكرر القسم عليه في عدة سور ألا وهو: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ [الطور:7]، فأقسم الله بهذه الأشياء على هذا الشيء، وتكرر هذا الشيء المقسم عليه في عدة آيات من سور الكتاب العزيز، إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا [الطور:7-9] أي: تتحرك السماء تحركاً، وتضطرب اضطراباً، يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا [الطور:9-10] تزاح عن أماكنها وتسير، كما قال سبحانه: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:3].

    معنى الوعيد بالويل

    قال تعالى: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور:11] في هذا الوقت: الويل للمكذبين، والويل المراد به العذاب الشديد، وقد وردت جملة من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في إسناد كل منها مقال، وفحواها: أن الويل وادٍ في جهنم تستغيث منه جهنم، وتستجير جهنم من حره، لكن الأسانيد فيها مقال، فمن العلماء من حسنها أو صححها بمجموعها، ومنهم من أبقاها في حيز الضعف، وقال: إن الويل المراد به التوعد بالعذاب الشديد، فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور:11]، أي بالعذاب الشديد في يوم الدين.

    دخول الكافرين النار بسبب كفرهم بالله

    قال تعالى: الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور:12-13] أي: يدفعون إليها دفعاً، هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ [الطور:14-15] كلام يقال لهم على سبيل التعيير والتوبيخ، اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا [الطور:16] فإن الصبر لا فائدة فيه آنذاك؛ وعدم الصبر لا فائدة فيه آنذاك، لأن العذاب واقع لا محالة، فالصبر على العذاب قد يخفف العذاب في الدنيا، واحتساب الأذى في سبيل الله قد يخفف العذاب في الدنيا، والتجلد قد يخفف العذاب، أما في الآخرة فليس كذلك، فصور التخفيف التي بها يخفف العذاب في الدنيا لا تنفع بشيء في الآخرة.

    فمن صور تخفيف العذاب في الدنيا: الاشتراك في المصائب، إذا اُبتليت تأملت، فإذا رأيت بلاء غيرك أعظم من بلائك هان عليك بلاؤك، أما في الآخرة فلا ينفع هذا الاشتراك، كما قال الله سبحانه: وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف:39]، كذلك الصبر قد يخفف العذاب في الدنيا ولكنه لا يخففه في الآخرة، قال أهل الكفر: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21]، وهنا يقول سبحانه: اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ [الطور:16] أي: يستوي عليكم، الصبر وعدمه، إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور:16]أي: إنما تجزون جزاء كسبكم، وجزاء عملكم.

    1.   

    حال المتقين في الآخرة

    قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ [الطور:17-18] ( فاكهين ) أي: منعمين مسرورين بما آتاهم ربهم، وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ [الطور:18-20] صفوفهم متقابلة، كما قال سبحانه: إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

    وصف الحور العين في الجنة

    وقوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ [الطور:20] من العلماء من قال: إن المراد بالتزويج هنا الاقتران، أي: جعلنا لكل منهم قرينة وهي من الحور العين، ومنهم من قال: إن التزويج هنا بمعنى الإنكاح، ولكن التزويج أعم من الإنكاح، فالله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [الحجر:88] أي: أصنافاً. قال سبحانه: وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ [الطور:20] الحورية هي: التي تكون عينها شديدة البياض، وحدقتها شديدة السواد، فالحور تطلق على شدة البياض، ومنه قال فريق من أهل العلم: سبب تسمية الحواريين بذلك، لشدة بياض ثيابهم، وقال الشاعر:

    فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا تبكين إلا الكلاب النوابح

    فقوله: (فقل للحواريات) أي: للجواري البيضاء، فالحواري هو شديد البياض، فالحورية هي: شديدة بياض العين، شديدة سوادها كذلك.

    ما يتبع الميت من حسنات بسبب الذرية الصالحة

    قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21] أفادت هذه الآية شيئاً وهو: أن الشخص قد يستفيد بكسب غيره أحياناً.

    قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21] أي: إذا كان الأب صالحاً وبلغ درجة عالية في الجنة، وابنه مؤمناً، ولكن هذا الابن قصر ولم يبلغ منزلة أبيه في الجنة، فإكراماً من الله سبحانه وتعالى للآباء، وتفضلاً منه سبحانه وتعالى على الأبناء، يلحق الأبناء بالآباء، ولا يلت الآباء من أجورهم شيئاً، أي: ولا ينقص الآباء من أجرهم شيئاً، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21]، أي: للدرجات العُلى، فأفادت الآية ما أفادته غيرها أن الابن ينتفع بصلاح الأب، فقد قال الله سبحانه وتعالى: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف:82]، فالابن الصالح ينتفع بسعي أبيه، وكذلك الأب ينتفع بسعي ولده كذلك.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ومنها: ولد صالح يدعو له)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما حسنه بعض أهل العلم: (إن الرجل ترفع درجته يوم القيامة، فيقول: يا رب! أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك) ، وحديث: (يقول الله يوم القيامة لملائكته: أدخلوا هؤلاء الصغار الجنة، فيمتنع الصغار عن دخول الجنة، فيقول الله سبحانه: ما لي أراهم واقفين -أي: ممتنعين مترددين- فيقولون: يا ربنا! لا ندخلها حتى يدخلها آباؤنا وتدخلها أمهاتنا، فيقول الله سبحانه: أدخلوا معهم آباءهم وأمهاتهم)، فالولد الصالح ينتفع بصلاح أبيه، والأب ينتفع بصلاح الولد.

    إذاً: قوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39]، فيه استثناءات وإضافات، وله إيضاحات، فقد ينتفع الرجل بسعي غيره، فإن الرجل قد يحج عن الآخر فينتفع بحجه، والرجل قد يتصدق عن الآخر فينتفع بصدقته، والرجل قد يدعو للآخر فينتفع بدعائه، والرجل قد يسدد الدين عن الآخر فيجزئ سداد الدين عنه، والرجل قد يشفع في الآخر فتقبل شفاعته فيه، وقد أورد بعض أهل العلم ما يقارب سبعة وعشرين وجهاً لاستفادة الشخص بسعي غيره، كلها بأدلة من الكتاب والسنة.

    يقول سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ [الطور:21] ما المراد بالذرية؟ هل الذرية المراد بها الأبناء فحسب أم المراد بها التسلسل؟ أحياناً يذكر الذرية ويراد بها أبناء الشخص فحسب، ذريتك هم أبناؤك، وأحياناً تمتد الذرية إلى أحفاد أحفاد الأحفاد، كما قال الله لنا: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [الإسراء:3]، وبيننا وبينهم قرون كثيرة، فقوله سبحانه: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ [الطور:21]، هل المراد بها الذرية المتسلسلة إلى قيام الساعة أو المراد بالذرية الأبناء؟

    الظاهر أنه الثاني، والله سبحانه وتعالى أعلم، وإلا لاستوى أهل الصلاح كلهم في الفضل يوم القيامة، إذ كلهم يرجعون إلى المحمولين مع نوح، والمحمولون مع نوح عليه السلام في درجة عالية من الجنة، فلو قلنا بتسلسل الذرية إلى الأحفاد وأحفاد الأحفاد لاشترك الجميع في المنزلة، ولكن الذي يبدو ويظهر أن المراد بالذرية هنا هم الأولاد، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    قال تعالى: وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور:21] (وما ألتناهم) أي: وما أنقصناهم، بل كلٌ مرتهن بعمله وبكسبه.

    طعام وشراب أهل الجنة

    وقال تعالى: وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا [الطور:22-23] (كأساً) أي: كأس خمر، وإذا أطلق الكأس فالمراد به: كأس الخمر في الكتاب العزيز، يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ [الطور:23]، فخمر الدنيا تجلب اللغو لشاربها، فشارب خمر الدنيا يهذي ويلغو، وكذلك يرتكب الآثام، ويقول الفحش والمنكر من القول، أما خمر الآخرة فلا يصاحبها لغو ولا إثم، وكذلك لا يصاحبها الصداع كما قال تعالى: لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ [الواقعة:19].

    فقوله سبحانه: يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا [الطور:23] (فيها) بمعنى: معها، أي: لا يصاحب خمر الآخرة، ( لغو ) كخمر الدنيا، ولا يصاحبها إثم كذلك، فالجنة كما قال الله عنها: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا [الواقعة:25-26].

    قال تعالى: يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ [الطور:23]، وليس المراد بالتنازع المعروف في الدنيا، إنما المراد بالتنازع هنا -والله أعلم- التناول؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71].

    قال تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ [الطور:24] ( غلمان ) أي: خدم، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ [الطور:24] أي: من الخدم الذين يخدمونهم، كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ [الطور:24] من شدة البياض الذي هم فيه، كما قال الله سبحانه وتعالى في آية أخرى:لُؤْلُؤًا مَنثُورًا [الإنسان:19] من كثرتهم كأنهم لؤلؤ رش في الجنة من شدة البياض، وكثرة الخدم.

    قال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الطور:25] أي: أقبل أهل الجنة بعضهم إلى بعض كلٌ يسأل الآخر ويكلم الآخر، فالمراد بالتساؤل هنا التخاطب والتحادث.

    الخوف من عذاب الله من أسباب دخول الجنة

    قال سبحانه: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] أي: كنا في حياتنا الدنيا في أهلنا خائفين، ومن أهل العلم من قال: هنا مقدر محذوف، وتقديره: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الطور:25] قال بعض العلماء: أقبل كلٌ منهم على الآخر يسأله ويقول له: أتدري متى غفر لنا؟ غفر لنا يوم أن جلسنا بمجلس كذا وكذا نستغفر الله، غفر لنا يوم أن كنا نحن وأنت في مكان كذا وكذا ودعونا الله، غفر لنا يوم سرنا في طريق كذا وكذا وأمطنا الأذى عن الطريق، غفر لنا يوم أن اتبعنا الجنازة، أو يوم أن عدنا مرضى، فكلٌ يذكر الآخر بالوقت الذي غفر له فيه، هذا قول، لكن صريح الآيات لا يعارضه، ولكنه أقوى منه في المأخذ، والله أعلم.

    قال تعالى: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] ( قبل ) أي: في حياتنا الدنيا، ( في أهلنا ) أي: في وسط أهلنا، ( مشفقين ) أي: خائفين من عذاب الله، فهذا الشعور ينبغي أن ينتاب المؤمن، ألا وهو الخوف من عذاب الله سبحانه، شعور يجب أن ينتاب المؤمن في حياته الدنيا.

    هاهم أهل الإيمان يقولون: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:26-27] و(السموم) هو الحر الشديد، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:28] و( البر ) قال بعض العلماء: المراد به اللطيف، فجمعوا بين خصلتين، إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] ( مشفقين ) أي: خائفين، ومع ذلك: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ [الطور:28] أي: كانوا يدعون ربهم مع خوف وإشفاق، كما قال سبحانه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].

    فعلى المسلم أن يوطن نفسه على هذه الأحوال، ألا وهي: دعاء الله سبحانه وتعالى مع الخوف والشفقة من عذابه، فهذا هو حال أهل الإيمان، وقد دلت عليه عشرات النصوص من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب على المسلم أن يدعو ربه دعاء الخائف من عذابه الراجي رحمة ربه.

    1.   

    دعوة النبي عليه الصلاة والسلام لقومه وتكذيبهم له

    قال تعالى: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطور:29]، قد تقدم حكم التذكير ومحل التذكير، فقوله تعالى: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ [الطور:29] أي: بحمد ربك، وهي جملة اعتراضية، فذكر فما أنت -بحمد الله- بكاهن ولا مجنون، كما قيل لـعلي : كيف حال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أصبح -بحمد الله- بارئاً. فجملة: (بحمد الله) اعتراضية يصلح السياق بدون ذكرها، وتفهم من سياقات أخرى، فيجوز أن تقول: أصبح بارئاً، لكن إضافة بحمد لله لرد الفضل إلى الله سبحانه، فكذلك قوله تعالى: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ [الطور:29] أي: بفضل الله عليك لست بكاهن ولا بمجنون، كما قال في سورة القلم: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ [القلم:1-2] أي: بحمد الله لست بكاهن، وبحمد الله لست بمجنون.

    قال سبحانه: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطور:29] (الكاهن) هو الذي يدعي علم الغيب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتى كاهناً أو عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)، وقد ورد بلفظ: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، وهذا الأخير تكلم فيه بعض العلماء، قال سبحانه: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ [الطور:29] أي: كما يصفك هؤلاء الواصفون.

    اتهام النبي بأنه شاعر

    قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور:30]، قالوا: كاهن، وقالوا: مجنون، و(أم) هنا بمعنى: بل، أي: بل يقولون: شاعر نتربص به ريب المنون، و(نتربص) أي: ننتظر، و(ريب المنون) أي: مصائب الدهر، فكأنهم يقولون: انتظروا فسيموت محمد عن قريب، وتستريحون من محمد ومن شره! هكذا يقولون، (نتربص به ريب المنون) أي: ننتظر به مصائب الدهر التي تحل به، كما قال شاعر كان مولعاً بامرأة قد تزوجت:

    تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوماً أو يموت حليلها

    فقوله: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور:30] أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به حوادث الدهر تحل به، وكما قال سبحانه وتعالى معقباً على مقالتهم وعلى ظنهم السيئ الرديء: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:34]، وكما قال الشاعر:

    فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا

    فالموت سيأتي الجميع.

    قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِر [الطور:30] أي: بل يقولون شاعر، نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا [الطور:30-31] أي: انتظروا، فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطور:31] أي: من المنتظرين.

    طغيان المشركين

    قال سبحانه: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا [الطور:32] أي: هل عقولهم وصلت بهم إلى هذا الحد وحملتهم على أن يقولوا هذا القول؟ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الطور:32] أي: تجاوزوا الحد في الظلم والطغيان، أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ [الطور:33] أي: قاله واختلقه من عند نفسه، بَل لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور:23-34]، وكل هذه الآيات فيها تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له.

    تحدي الله للمشركين أن يأتوا بآية مثل القرآن

    قال تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور:34]، قال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه وتعالى تحدى المشركين بأنواع من التحديات، وتحداهم أن يأتوا بحديث مثل هذا القرآن فلم يأتوا، فتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فلم يأتوا، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فلم يأتوا، وتحداهم أن يأتوا بآية من مثله فلم يأتوا، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور:34].

    ولما طفق مسيلمة الكذاب يختلق الاختلاقات، ويكذب على الله، ويدعي قرآناً نزل عليه من عند الله، فطفق يقول: يا ضفدعة بنت ضفدعين، نقي كما تنقين، نصفكِ في الماء ونصفكِ في الطين، لا الماء تعكرين، ولا الشارب تمنعين، كذبه أقرب أصحابه إليه، فقالوا: نشهد على قفاك أنه قفا كذاب على الله سبحانه، أين هذا من قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى:1-4]؟ كذلك لما طفق يكذب ويقول: والعاجنات عجناً، فالخابزات خبزاً، فالآكلات أكلاً، إن قريشاً قوم يعتدون! كذبه أحب أصحابه إليه وأقرب أصحابه إليه، ووسم بسمة لا تفارقه إلى يوم الدين ألا وهي سمة: مسيلمة الكذاب والعياذ بالله من الكذب على الله.

    بيان الحجج العقلية في الرد على المشركين

    قال الله سبحانه وتعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ [الطور:35-36] أي: لا يصدقون، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ [الطور:37] يرزقون من شاءوا ويمنعون من شاءوا، أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور:37]، فخزائن الله لا يملكها أحد إلا هو سبحانه، كما قال سبحانه: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:21]، وكما قال تعالى: قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا [الإسراء:100]، وكما قال سبحانه: وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ [المنافقون:7] فخزائن كل شيء بيده، فمن ثم سل الله من خزائنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يد الله ملأى سحاء الليل والنهار -أي: تصب الخير بالليل والنهار- أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض! فإنه لم يغض ما في يمينه شيئاً -أي: لم ينقص ما في يمينه شيئاً- وبيده الأخرى الميزان يرفع ويخفض)، فالخزائن كلها بيد الله، فإن شئت الثراء فسل الله الثراء، وإن شئت الغنى فسل الله الغنى، فخزائن كل شيء بيديه، ولا ينبغي أبداً أن يفارقك هذا الظن، ويبتعد عنك هذا اليقين، وأن يزول عنك هذا التصور، بل عليك دائماً أن توقن أن خزائن كل شيء بيديه، وكل أنواع الفتوحات من عنده سبحانه وتعالى، من الأرزاق والأموال والأفهام والأخلاق والكلمات الطيبة، وكل شيء خزائنه عند الله سبحانه وتعالى.

    قال الله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ [الطور:37] يتحكمون في الخلق، ويرزقون من شاءوا ويمنعون من شاءوا، أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور:37] أم هم المغالبون على الدنيا يذلون من شاءوا ويهينون من شاءوا ويعزون من شاءوا؟ لا ، بل الله هو الذي يعز، وهو الذي يذل، وهو الذي يرفع، وهو الذي يخفض، وهو الذي يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، هذا ذو منصب الآن وفي الغد وضيع، هذا ذو جاه الآن وفي الغد ذليل حقير -والعياذ بالله-، فالأيام يصرفها ربنا كيف يشاء، ويداولها سبحانه كيف يشاء، يعز ويذل، ويقبض ويبسط، يميت ويحيي سبحانه وتعالى.

    قال سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور:37] على الكون وعلى الحياة وعلى الخلق، أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ [الطور:38] أي: هل لهم سلم يصعدون عليه، ويستمعون إلى ما يدور في الملأ الأعلى، وينقلون الوحي إلى الناس به؟ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ [الطور:38] أي: مدعي هذا الاستماعبِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [الطور:38] أي: بحجة بينة موضحة للذي قال وزعم.

    قال تعالى: أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ [الطور:39] فقد كان أهل الكفر يدعون لله البنات، ومنهم من يقول: إن الملائكة إناث، وأنها بنات لله سبحانه، وهناك طائفة تقول: البنات في الجملة بنات الله، وطائفة تقول: إن الملائكة إناث، وهؤلاء الإناث هم بنات لله سبحانه، قال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف:19]، وكان هذا اعتقاد قبيلة خزاعة من المشركين، كانت تعتقد هذا المعتقد الرديء.

    عدم سؤال النبي لقومه أجراً

    قال تعالى: أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ [الطور:40] أفادت الآية الكريمة أن الداعي إلى الله عليه أن يكون حراً طليقاً، غير خاضع للناس، وغير طالب لأموالهم، فلا تذهب تحاضر -أيها الأخ الداعي إلى الله- في مكان، وتمتد عينك إلى أهل الثراء أصحاب المسجد الذي أنت فيه، ولا أصحاب المكان الذي أنت فيه، بل عليك أن تكون عزيزاً بما آتاك الله من تُقى، وبما آتاك الله سبحانه وتعالى من علم، أما إذا استشرفت نفسك أُهنت لما في أيدهم، وزهدوا فيما عندك من العلم، وحملوا هموم مجيئك، في كل مرة يرتبون لك هدية ومالاً فحينئذٍ تهون عندهم ويسأموك، وبعد أن كانوا يجلونك ويوقرونك يزهدون فيك وفي علمك؛ بل ويتكلمون أمامك ومن خلفك -والعياذ بالله-.

    فلذلك على الأخ الداعي أن يجعل العلم فوق كل شيء بعد تقوى الله سبحانه وتعالى، ولا تمتد عينه إلى ما متع به أزواجاً منهم، فالمال زائل، والعلم الذي يُبتغى به وجه الله باقٍ، وقد قال الله سبحانه لنبيه: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114] ولم يقل له: وقل رب زدني مالاً، بل قال في شأن المال: فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة:38]، وقال: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [البقرة:269].

    فعلى إخواننا الدعاة إلى الله أن ينزهوا أنفسهم من أخذ المال مع إعداد أنفسهم علمياً كذلك، وإلا سقطت هيبتهم، وذهب وقارهم، وداسهم الناس بالأقدام والعياذ بالله!

    قال الله سبحانه: أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا [الطور:40] أي: تطلب منهم أجراً على البلاغ، فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ [الطور:40] أي: خائفون من غرامة يؤدونها إليك، أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ [الطور:41-42] أي: يكيدون يا محمد وأهل الإسلام، فإذا كانوا يكيدون بك وبأصحابك فاعلم تمام العلم وأيقن تمام اليقين أن الذين كفروا هم المكيدون، كما قال سبحانه: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]، وكما قال سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14]، قال الله سبحانه وتعالى كذلك: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:50]، وقال سبحانه: وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:81]، ألا فليعلم كل من يكيد بالإسلام أن الله سبحانه وتعالى يكيد به، وكل من يخطط لأذى المسلمين فالله سبحانه وتعالى يدبر له ويحكم له خططاً، فالله سبحانه وتعالى هو الحفيظ لأوليائه، وهو متولي الصالحين.

    تكذيب المشركين بالآيات

    قال سبحانه: أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا [الطور:43-44] إن يرى هؤلاء الكفار العذاب نازلاً عليهم من السماء، قد تقطع عليهم وسقط قطعاً قطعاً؛ لكذبوا أيضاً مع مجيء هذه الآيات، وقالوا: سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44] أي: متراكم بعضه فوق بعض! فيرون العذاب نازلاً ولكنهم يلحدون كذلك، كما يفعل أهل الإلحاد والعلمنة في هذا الزمان، يرون الزلازل من تحت أرجلهم، ويقولون: هزات أرضية! هكذا أهل الكفر دائماً، وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ [الطور:44] أي: قطعاً من السماء متساقطة عليهم بالعذاب يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44] ولا يقرون أنه عذاب من عند الله سبحانه وتعالى، فهكذا أهل الإلحاد الذين يجحدون اليوم الآخر وينكرون عذاب الله فإنهم يصرفون العذاب إلى اصطلاحات سموها هم وآباؤهم.

    قال تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور:44] أي: أن الآيات لا تنفعهم بشيء، كما قال الله جل ذكره في كتابه الكريم: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:96-97].

    قال تعالى: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [الطور:45-46]، وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الطور:47] أي: إن للذين ظلموا عذاباً في الحياة الدنيا أقل من عذاب الآخرة، وما هو العذاب في الحياة الدنيا الذي ذكره الله بقوله: عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ [الطور:47]؟

    قال فريق من العلماء: هو ما أصابهم يوم بدر، وقال آخرون: هو ما أصابهم من جوع لما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: (اللهم! اجعلها عليهم سنين كسني يوسف).

    قال سبحانه: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ [الطور:47] أي: قبل عذاب يوم القيامة، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الطور:47].

    1.   

    الاستعانة على الشدائد بالصبر والصلاة

    وقال تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور:48] هذه الآية تصبِّر النبي صلى الله عليه وسلم أيما تصبير، وتطمئنه غاية الاطمئنان، وقوله تعالى: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48] قال فريق من أهل العلم: على مرأى منا، فنحن نراك ونرى ما يصيبك، ونحن نحفظك، ونحن مطلعون عليك، فما يحدث لك ليس بغائب عنا، وليس بخافٍ علينا، فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48] أي: بحفظنا، وليس المراد بهذا التأويل نفي صفة العين لله، وإنما إثباتها مع بيان آثارها، كقول الرجل للآخر في الحياة الدنيا: ولدك في عيني، أي: اطمئن على ولدك فهو بإذن الله في حفظي بعد الله سبحانه، فأنا أرعاه وأحيطه بالنصح وبالتوجيه، فالله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48].

    وقوله: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور:48] للعلماء في تفسير قوله تعالى: حِينَ تَقُومُ [الطور:48] أقوال، منها:

    حين تقوم إلى الصلاة، فإذا قمت إلى الصلاة فاستفتح الصلاة كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستفتح: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك).

    ومن العلماء من قال: حين تقوم من المجلس، قل: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    ومن العلماء من قال: حين تقوم من نومك صل لله سبحانه وتعالى، فالآية فيها: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [الطور:48].

    والآية أفادت شيئاً أفادته غيرها من الآيات وهو: أنه يستعان على الشدائد والمصائب بالصبر والصلاة، وهذا الأصل قد أُكد عليه في عدة آيات وأحاديث، فيستعان على المصائب والشدائد والبلايا بشيئين: بالصبر وبالصلاة، وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الطور:48] أي: لقضاء ربك، اصبر على قضاء ربك، فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [الطور:48]، قال فريق من أهل العلم: أي صل، وهذا المعنى مذكور في قوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [الحجر:97] فما العلاج؟ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:98-99] أي: اصبر على عبادة ربك حتى يأتيك اليقين.

    وهذا المعنى كذلك في قوله تعالى: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا [طه:130]، ومن الآيات ما هو أصرح كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153]، وقال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] وقد فعل ذلك سلفنا الصالح رحمهم الله، فكان ابن عباس في سفر له، فلما أتاه خبر أخيه قثم بن العباس ، فقيل له: إن أخاك قد مات، فتنحى عن الركب وقام يصلي، فقيل له: لماذا تصلي وقد بلغك خبر موت أخيك؟ قال: إن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:153]، وقال الله: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45].

    فهذا أصل أُكد عليه في آيات كثيرة، ولما دخلت سارة عليها السلام على الجبار قام الخليل إبراهيم عليه السلام يصلي، فحينئذٍ إذا كان ذلك كذلك فليثبت الشخص مع هذا الأصل، وليداوم عليه عند الشدائد، فهو سلاحه، وهو معينه بإذن الله، ألا وهو الاستعانة بالصبر وبالصلاة، قال الله سبحانه وتعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الطور:48] أي: اصبر لقضاء ربك، فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48] نحن نتولاك ونرعاك.

    قال تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ [الطور:48-49] أي: فصل له في الليل، كما قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، وقال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [الطور:49]، من العلماء من قال: إن المراد بإدبار النجوم: الوقت الذي أدبرت فيه النجوم، وسيأتي بعده النهار.

    ومنهم من حمل ذلك على ركعتي الفجر؛ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها).

    ومنهم من حمله على صلاة الفجر؛ لقوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78].

    ومن العلماء من حمله على ركعات قبل الفجر، عندما توشك النجوم على الإدبار؛ لأن الله قال: وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [الطور:49] أي: عقب ذهاب النجوم، والكل محتمل، وله وجه من الصحة، والله أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم منع المرأة من الذهاب إلى المسجد وحضور الدروس والمحاضرات

    السؤال: رجل عندما رأى زوجته المتنقبة تلبس زيها كاملاً، ولكن البيشة رقيقة على العينين بحيث تظهر عيناها وجزءاً من الوجه، وكان زوجها قد حذرها في مشوار الذهاب أن يُرى منها ذلك عند الإياب، ولما لم تستجب ناسية أو منشغلة عزم على ألا تخرج أسبوعاً لتستمع للعلم الشرعي خلال يومي الثلاثاء والجمعة تأديباً لها حتى لا تكرر هذا الأمر، فهل الزوج محق أم مخطئ؟

    الجواب: الزوج اجتهد في تقدير العقوبة على الزوجة، لكن نراه جانب الصواب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فهو إن كان يقرها على خروجها لطلب العلم الشرعي أو يقرها على خروجها للمساجد لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وقد ذكر أن عدم استجابتها للنسيان أو للانشغال، فجدير بمن شعر أن أخاه قد نسي أن يلتمس له العذر، فإن الله سبحانه رفع عن الناسي وعن المخطئ القلم، (رفع القلم عن ثلاثة)، ولما قال أهل الإيمان: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] قال الله سبحانه: (قد فعلت).

    فهو أخطأ من وجهين -فيما أرى والله أعلم- وإلا فهو مجتهد، أخذته الغيرة -جزاه الله خيراً- لكن الخطأ أنه آخذ الناس، مؤاخذة الناس لا ينبغي أن يتشدد فيها الشخص، والثاني أنه عاقب بعقوبة النبي صلى الله عليه وسلم ضيف فيها الباب وقال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) . والله سبحانه وتعالى أعلم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007966820

    عدد مرات الحفظ

    720767888