إسلام ويب

الألفة بين الزوجينللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من المهم في الحياة الزوجية دوام الألفة بين الزوجين، وذلك يكون بعدة أمور، منها: الشعور بالأمانة والمسئولية، مع وجود الرحمة والرفق بينهما، وأن يعي كل من الزوجين رسالته على الوجه الصحيح، يضاف إلى ذلك المحافظة على العهود التي بينهما، ثم أن يؤدي كل من الزوجين للآخر حقه، مع الغض عن الإساءة والتقصير الذي يقع.

    1.   

    الوصية الأولى: الشعور بالأمانة والمسئولية

    الحمد لله الذي خلق الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الجلال وله الأسماء الحسنى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده رسوله الذي اصطفي واجتبي، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أولي النهى، وعلى جميع من سار على نهجهم واقتفى.

    أما بعد :

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله العظيم الكريم في بداية هذا المجلس المبارك أن يبارك لأهل هذا الزواج في زواجهم.

    اللهم بارك لكلا الزوجين في زواجهما، اللهم بارك لهما وعليهما، واجمع بينهما في خير، اللهم ارزقهما الذرية الصالحة التي تقر بها الأعين.

    أيها الأحبة في الله: هذا الموضوع -موضوع الألفة الزوجية- موضوع عظيم، يحتاجه أهل الإسلام؛ لكي يعي المسلم عظيم هذه الرسالة النبوية، وهذه الشعيرة المحمدية التي بعثه الله عز وجل بها رحمة للعالمين، ونعمة لخلقه إذا اتبعوه أجمعين.

    إن الحياة الزوجية تبتدئ رسالتها من أول لحظة يعقد فيها الإنسان على المرأة، حيث يحس فيها أنه قد تحمل المسئولية أمام الله، وأنه قد وضع في عنقه أمانة عظيمة يقف بها بين يدي الله جل جلاله.

    إذا كتب عقد القران فمعنى ذلك أنها مسئولية وأمانة بين يدي الرحمن، فلذلك يحس الإنسان أنها حياة مبنية على أسس وواجبات شرعية، فليست هي اللذة والشهوة وقضاء الوطر، ولكنها مبادئ كريمة، وأسس عظيمة أرساها كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكي يسير المسلم في حياته الزوجية السيرة الحميدة، فيبني للأمة بيتاً يقوم على طاعة الله، وأسرة تحيا لمحبة الله ومرضاة الله.

    ففي هذه اللحظة الأولى يصبح الإنسان بسببها مسئولاً عن بيت كامل، وعن امرأة، إما أن تكون له طريقاً إلى الرحمة أو طريقاً إلى العذاب، فكم من عقود عقدت انتهت بأصحابها إلى محبة الله ومرضاة الله، وكم من زواجات انتهت بأهلها إلى الجنات والمرضاة، تلك القلوب التي دخلت بيوت الزوجية، وهي تحس برسالة ربها، وتعظيم الأمانة الملقاة على عاتقها، فقامت بواجباتها خير قيام، فربت الأسرة على محبة الله، ومرضاة الله، ودخلت الزوجة على زوجها لكي يقودها إلى رحمة الله، ولكي تقوده إلى مرضاة الله وعفوه.

    هذه الرسالة العظيمة التي رحمنا الله عز وجل بها، فحصنت بها الفروج، ودلت بها على منهج العفاف والكفاف، هي منهج النبي صلى لله عليه وسلم، ومنهج الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

    وفي كتاب الله عز وجل، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم مناهج ربانية، وسيرٌ نبوية، تقود المسلم إلى الحياة الزوجية السعيدة.

    فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أساساً عظيماً ينبغي لكل زوج بعد أن يدخل بيت الزوجية أن يحسه ويستشعره.

    فأول شعور تحس به: الأمانة، وثاني شعور يرثه الإنسان بعد الشعور بالأمانة: أن يكون خير الأزواج لزوجه، ولذلك كم فاضل الله بين الأزواج، فكم من زوج خير بر كريم حليم رحيم أحبه الله بلطفه لأهله، وعطفه وشفقته على زوجه وولده، وكم من قلوب رحيمة بنت بيوت الزوجية على المحبة والمودة والرحمة فرحمها الله بتلك الرحمة، ولذلك صدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (خيركم خيركم لأهله) كما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

    خيركم أي: أعظمكم مقاماً عند الله، وأرفعكم قدراً عند الله، من كان خيراً على أهله، ومن كان رحمة لزوجته ولم يكن عذاباً عليها، ومن كان نعمة لها لا نقمة عليها، ومن كان حكيماً حليماً رحيماً يغزو قلب تلك المؤمنة بالمحبة فتهابه حباً لا كرهاً، وتهابه رغبة لا رهبة ولا أذى ولا إضراراً.

    ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم له تسع نسوة، ما اشتكت واحدة منهن يوماً من الأيام منه صلوات الله وسلامه عليه، تسع نسوة على محبة له وصفاء، وعلى إجلال له وكرامة ووفاء.

    1.   

    الوصية الثانية: الرحمة والرفق

    الوصية الثانية بعد الشعور بالأمانة والمسئولية بين يدي الله عن الزوجة وعن هذا البيت: أن يكون الإنسان براً رحيماً، وقد وصانا النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الوصية التي أخبر أنها الخير، وأنها الرحمة والبر، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه).

    فإذا وقفت -رحمك الله- أي موقف مع زوجتك، وأي موقف مع أولادك وأهلك، فأنت بين طريقين: إما طريق رحمة ورفق، وإما طريق عنت وشدة وأذية وإضرار، فإذا وقفت أمام أي موقف فاعلم أنك مخير بين السبيلين، وأن أمامك هذين الداعيين، فاختر أحبهما إلى الله الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه زين ورحمة: (إن الرفق ما كان في شيء إلا زانة، ولا نزع من شيء إلا شانه).

    فتقاد بيوت المسلمين وتقاد نساء المؤمنين بالرفق، ولا يقدن بالعنف والأذية والقسر والإكراه، إلا ما أمر الله عز وجل به، ولذلك بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما فيه أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته -إن ذهبت تقومه بالقوة والعنف كسرته ففسدت عليك المرأة، وإن ذهبت باللين والرفق فقد أبقيتها على عوج- فاستمتعوا بهن على عوج) إن أبقيتها استمتعت بها على عوج.

    ولذلك بعض الناس أو بعض الرجال يشمت بالمرأة، ويقول: أنتِ خلقت من ضلع أعوج، لا والله لم يكن ذلك قصد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن قصده من هذه الأحاديث أن نشمت بنساء المؤمنين، لا والله! وحاشاه! فالإسلام أرفع من هذا كله، ولكن المقصود أن يقول لك: إن الذي أمامك يصعب أن تقصره على أمر، فخذه باللين، وخذه بالرحمة وخذه بالمحبة والوفاء، وهذا مجرب.

    فإن الرجل إذا وفقه الله إلى الكلمة الحليمة الحنونة والمعاملة اللطيفة، ملك قلب المرأة، واستطاع أن يستمتع بها مع هذا العوج، فهذه وصية نبوية، أن نأخذ بالرفق في البيوت الزوجية، وأن يكون المسلم في معاشرته مع أهله، يقيم بيته على الرفق، وعلى الحنان والعطف ما أمكن.

    وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا في مواقف عديدة منها:

    حين أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن فضل الرجل على المرأة، وأخبر أن المرأة ناقصة عقل ودين، لكن ليس معنى هذا أن الإنسان يتخذ من هذا الحديث شماتةً للمرأة، بل كأنه يقول لك: إن الله خلقها على النقص -ولله الحكمة البالغة- فإن هذا النقص فيه لين ورحمة، جبر الله به خشونة الرجل.

    فتصور لو أن المرأة كانت كاملة العقل مع كامل العقل، كيف تكون الحياة؟ يقول لها: اذهبي، فتقول: لا أذهب، فيأتيها بعذر فتأتيه بثلاثة أعذار؛ لأن عقلها كعقله، ولكن الله حليم أنقصها في العقل، وجعلها نصف الرجل، وأعطى الرجل القوة، وأعطاها الحنان، وأعطاها اللين والرحمة لكي يكمل هذا نقص هذا، ويجبر هذا كسر هذا، فإذا جاء الابن في موقف يحتاج إلى اللين مال إلى أمه، وإذا جاء إلى موقف يحتاج إلى الشدة مال إلى أبيه، فسبحان الحكيم الخبير! سبحان من هذا خلقه، وهذا تدبيره وأمره!

    فليعلم أن بيوت الزوجية، وأن نساء المؤمنين يقدن بالرحمة والعفاف والكرامة، أبلغ من أن يقدن بالشدة والعنف.

    1.   

    الوصية الثالثة: أن يعي كل من الزوجين رسالته

    الوصية الثالثة: ينبغي أن يعي الرجل وتعي المرأة، كل منهما رسالته في البيت، فإن الله أعطى الرجل خصائص لم يعطها المرأة، وأعطى المرأة خصائص لم يعطها الرجل، ولا يمكن للبيوت أن تقوم إلا بما قلناه: أن يقوم الرجل برسالته، ويهيئ لزوجته ما أمر الله عز وجل من تهيئته، وتقوم المرأة برسالتها في البيت، حتى تهيئ لذلك الرجل المؤمن الصالح بيته على خير ما تهيأ عليه بيوت المسلمين.

    وبما أن الرجل مطالب باللين مع المرأة، فكذلك هي مطالبة بأن تكون تحت الرجل، وهذه المطالبة -كونها أسفل من الرجل- كرامة للمرأة، فإن المرأة إذا شعرت أن القوامة للرجل، وأن بيتها لها تدير أبناءها وترضع صغيرها وتحفظ عورة زوجها، وتحفظ بيته وأسرته، وتربيهم على الأخلاق الكريمة، كمَّل الله عز وجل ما نقص من بيت الزوجية.

    وكما أن الرجل مطالب بالرحمة على الزوجة، كذلك الزوجة مطالبة بأن تعي مكانة الزوج، وحق الزوج عليها.

    ولا ينبغي للرجل أن يتدخل في أمور المرأة، ولا ينبغي للمرأة أن تتدخل في أمور الرجل، فليس من العشرة بالمعروف التي أوصانا الله عز وجل بها أن يكون الرجل فضولياً إذا دخل البيت، فيتدخل في كل صغير وكبير، ويناقش في كل جليل وحقير حتى يدخل في أمور الزوجية التي لا يفقهها ولا يفهمها، بل هذا من الخطأ الذي لا ينبغي للإنسان المسلم العاقل أن يكون عليه.

    ينبغي للرجل أن يكون عنده عزوف عن الأمور التي لا تليق به، فالمرأة راعية في بيت زوجها، كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) ما معنى راعية؟ معناه أن لها حقاً أن تتفقد أمور البيت، وأن يكون لها حق النظر في شئون البيت وأموره في الحدود الشرعية، فليس من حق الرجل أن يتدخل في كل أمورها، سواء كان صغيراً أو كبيراً.

    كذلك المرأة ليس من حقها أن تخرج من نطاق بيتها؛ لكي تسأل زوجها عن كل ساعة قضاها خارج البيت، وتتدخل في كل صغيرٍ وكبيرٍ من شأنه، حتى تسأله عن الضيف الذي دخل وخرج، فهذه من الأمور التي يمقتها الله عز وجل قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله كره لنا قيل وقال وكثرة السؤال) فكثرة السؤال من فضول الكلام الذي ينبغي للمسلم أن يبتعد عنه، بل هو مكروه، بل قد يكون ذلك مما يوجب الحرج.

    فقد يستاء الرجل من تدخل زوجته، فإن بعض الرجال يكون فيه لين ورقة إلى درجة تقوى معها الزوجة، فتتدخل في شئونه الخاصة.

    فلتتق الله المرأة المسلمة، ولتحفظ لزوجها كرامته، ولتحفظ لزوجها رجولته، ولا تتدخل في هذه الأمور.

    فإذا أعطى كل واحد من الزوجين حق الآخر، وقدر كل منهم للآخر قدره، فإن الله يحفظ بيوت المسلمين.

    ولتتصور المرأة مكانة الزوج حينما تعطيه حقه وهو خارج البيت، وليتصور الرجل حينما يدخل بيته، وقد أعطى رسالة البيت للمرأة تربي صغيرها، وترضع طفلها، وتقوم على ما يكون فيه الخير من شأن بيتها، كيف تكون البيوت؟

    الرجل إذا دخل البيت ولم يتدخل في الشئون الخاصة، وأخذ يعين زوجته على تربية أولادها، وإدارة شئون بيتها قويت نفس المرأة وحمدت من زوجها ما كان منه.

    1.   

    الوصية الرابعة: حفظ العهد بين الزوجين

    الوصية الرابعة التي يوصى بها كلا الزوجين: حفظ العهد، فإن حفظ العهد من الإيمان، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من الإيمان، وقد فعل ذلك عليه صلوات الله وسلامه، فكان حتى بعد وفاة خديجة حافظاً لعهدها صلوات الله وسلامه عليه، حينما دخلت عليه هالة أخت خديجة فقام يجر رداءه صلوات الله وسلامه عليه.

    وما ذكر خديجة إلا وأثنى عليها, فكانت عائشة رضي الله عنها، تغار حتى أنها قالت: (أليس قد أبدلك الله خيراً منها؟ فقال: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي وكفر بي الناس، وأعطتني ومنعني الناس) سبحان الله! زوجة ميتة ومع ذلك يحفظ حقها صلوات الله وسلامه عليه، فمن شيمة أهل الإيمان أنهم يحفظون حقوق الزوجات.

    فحفظ الحق هو الذي يصلح الله به البيوت، ويكون في كل صغير وكبير من أمور الزوجية، حتى عندما تدخل البيت، وتراها قد هيأت لك طعامك، فقلت لها: جزاك الله كل خير .. بارك الله فيك .. لا شلت يمين منك .. أي كلمة طيبة، يقول الله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83].

    أيها الإخوة: هذه أمور قد تكون يسيرة، لكن نذكركم بها؛ لأن الله يأجر عليها، تراها في تعب ونصب، فتأتيها في الظهيرة والقائلة وأنت عليك الهموم والغموم فتضع بين يديك الطعام لكي تذكرك معروفها، فتقول من شيمتك ووفائك لها: جزاك الله كل خير .. لا شلت يمينكِ .. حفظكِ الله .. نِعم ما صنعتِ .. كلمة يسيرة أوصانا الله بها، فقال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] الله أكبر.. وقولوا للناس! كيف بالأهل والزوجات؟!

    فالله أمرنا أن نقول الكلام الطيب، وأن نبوح بالكلام الطيب، لكن تصور لو جئتها بعد تعبها ونصبها، وقد صنعت لك الطعام وغسلت لك الثياب، فقلت لها: ما الذي صنعت؟ هذا الطعام فيه كذا وكذا، وأخذت تعيب طعامها، كيف يكون حالها؟ كيف يكون حال هذه المرأة الضعيفة التي سخرها الله لك، وقد كان الإنسان عزباً يغسل ثوبه ويطبخ طعامه، ثم قيظ الله له امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تهيئ له طعامه، فيقابل هذا المعروف بالإساءة؟!!

    ولذلك ثبت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ما عاب طعاماً وضع بين يديه صلوات الله وسلامه عليه (ما عاب طعاماً قط) صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يدل على أن الحياة الزوجية لا بد أن تقوم على الصبر، إن وجدت شيئاً طيباً أثنيت ومدحت، وإن وجدت شيئاً غير طيب غضضت وسترت، فإن غضضت عنها، فقد يغض الله عز وجل عنك يوم يقوم الأشهاد، وإن غفرت لها يغفر الله لك يوم يقوم الأشهاد، مع أنك قوي وهي ضعيفة، وتستطيع أن تؤدبها وتستطيع أن تؤذيها، لكن ترفع يديك وتقول: يا رب! إني أخاف منك، وإني قد أعرضت عن خطئها لوجهك، فكم يكون لك عند الله عز وجل من الأجر، فهذه من الأمور المهمة: أن يكون كلا الزوجين حافظاً للعهد.

    وكما نقول هذا للزوج نقوله للزوجة؛ هذه أمور قد تكون تافهة، لكنها مهمة جداً، فكم من مشاكل زوجية بسبب كلمات خرجت من الألسن في مثل هذه المواقف الحساسة، يأتي الزوج من التعب والنصب لكي تقابله المرأة في ذلك التعب والنصب فتناقشه عن أمر من الأمور، أو تريد أن تصل معه إلى حل قضية من القضايا التي تحتاج إلى راحة ودعة واستفراغ للذهن.

    فهذه من الأخطاء التي يقع فيها كثير من النساء -أصلحهن الله- فينبغي أن تعلم المرأة أن الله يحاسبها عن زوجها، وأن الله سيوقفها بين يديه، لكي يحاسبها على كل ما فيه أذى لزوجها.

    وإن باتت وزوجها عليها غضبان، باتت الملائكة تلعنها من عظيم حق الزوج عليها.

    كوني كبعض النساء الصالحات التي إذا أحست من غضب زوجها عليها بقيت عند قدمه تسأله أن يعفو عنها، كل ذلك خوفاً من أن يغضب الله عز وجل، أو يبيت الذي في السماء ساخطاً عليها.

    فالمرأة المؤمنة تخاف الله، والمرأة المؤمنة قلبها رقيق، فمن شيمة أهل الإيمان أن قلوبهم رقيقة، وأن قلوبهم لا تتحمل ما فيه سخط الله عز وجل وغضبه، فهذا أمر مهم ينبغي للمرأة المؤمنة أن تعطيه حقه، وأن تقدر للزوج قدره.

    ومن الأخطاء الشائعة من النساء خاصة، إذا عظم الأمر فكان الرجل كبير السن، ذي شيبة مسلم: تهزأ به أمام أطفاله، أو تسخر به أمام أولاده، وكم من امرأة فعلت ذلك في مشيبها فأحبط الله به عمل شبابها، وكم من امرأة سودت صحائف أعمالها بعد أن بيضتها بالأعمال الصالحة، صبرت على زوجها حتى بلغ المشيب والكبر فأهانته وآذته، فختم لها بخاتمة السوء في حياتها الزوجية والعياذ بالله.

    وكم من امرأة كانت على أذية لزوجها، وبُعدٍ عن تقديره وإجلاله في بادئ أمرها، فلما شاب ورق عظمه، وابيض شعره، حفظت حقه ووداده، فغفر الله لها سيئات العمر التي مضت.

    فينبغي للمرأة أن تخاف الله، وأن تراقب الله خاصة في الكبر.

    وكذلك الزوج ينبغي عليه أن يرعى حق الله في الزوجة، وأن يحفظ حقها وعهدها خاصة في الكبر، فمن العيب القبيح أن تجد الرجل ذي الشيبة يجلس مع أطفاله وامرأته على كبر ومشيب، فيستهزئ بامرأته أو يسخر منها، أو يسميها باسم فيه سخرية، فإن هذا مما لا يرضي الله عز وجل، فإن السخرية والاستهزاء ليست من شيمة أهل الإيمان، فإن الله لا يحب سفاسف الأمور، ولكن يحب معاليها.

    إذا شاب شعرك، ورق عظمك، وشاب شعرها ورق عظمها، فليس هناك إلا ختم الأعمال بالصالحات، وذكر الله عز وجل بالمرضاة التي توجب المحبة من الله ورفعة الدرجات، ليس بعد المشيب والكبر إلا الأخلاق الفاضلة، والسكينة والوقار التي يتربى عليها أبناء المسلمين، هذه أمور ينبغي أن نتواصى بها، وأن يشد بعضنا أزر بعض، وأن نتقي الله عز وجل في هذه البيوت، وأن نختم حياة الزوجية بمرضاة الله جل جلاله.

    1.   

    الوصية الخامسة: أن يؤدي كلا الزوجين للآخر حقه

    الوصية الخامسة التي يوصى بها في رعاية الحياة الزوجية: أن يؤدي كلا الزوجين للآخر حقه، وذلك في الحقوق التي أمر الله بها ومنها:

    - حق المبيت: يؤديه على الوجه الذي يرضي الله عز وجل، فلا يعرض أهله للحرام.

    - حق النفقة: ينبغي للزوج أن يعطي الزوجة حقها في النفقة على الوجه الذي يرضي الله بالمعروف: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7] فمن كان ضيق اليد ينفق على قدر ضيق يده، ومن كان واسع اليد ينفق على سعة يده، ما لم يبلغ الإسراف في إنفاقه، فيكرم زوجته ويعطيها المال الذي يحس أنه يجبر خاطرها به.

    ولذلك يتصور الإنسان لو أنه أعطى زوجته نفقة، وجاء في يوم من الأيام وزوجته على غفلة، وقال لها: هذا المال هدية مني لكِ، أنتِ لكِ عليَّ معروف كثير، أنتِ لكِ عليَّ فضل -المرأة لها فضل أين ما كان، الله عز وجل يقول بعد الطلاق: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237] الله أكبر! حتى بعد الطلاق! فكيف إذا كان الإنسان يعاشر زوجته؟!- فيجبر خاطرها..

    - حق التجمل: فبعض النساء صالحات قانتات عابدات، لكنها تهمل التجمل لزوجها، وهذه قضية ينبغي طرحها، فإن الله أعطى حقاً للزوج كما أعطاه للمرأة: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:228].

    فصلاح المرأة لنفسها، أما الزوج فله حق ينبغي أن تظهر له ما يرغبه فيها، ويكسر عينه عن غيرها، أما أن تبقى صالحة عابدة مهملة لحق زوجها فهذا مما لم يأذن الله عز وجل به، فإن حق الزوج فرض، والنوافل والعبادات طاعة وقربة ليست بواجبة، ولا يتقرب إلى الله بشيء أحب إليه مما افترضه عليه، فأول ما تفكر فيه المرأة الصالحة التي تريد الصلاح بعينه أن تكسر عين زوجها، وذلك بما أمر الله به من التهيؤ للزوج.

    وكذلك الزوج، فبعض الرجال على صلاحه وعلى ديانته واستقامته -لكن صلاحه لنفسه- يهمل حق التجمل للمرأة.

    أيها الإخوة: دين الإسلام عظيم، حتى في أمور الزوجية، ليس من الحياء أن الإنسان ينكف عنها؛ لأنها حقوق وشرف لك أن تبين هذه الحقوق، وأن تدل عليها؛ لأن بيوت المسلمين تهدم عندما تضيع هذه الحقوق.

    ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن جلس ذات مرة مع أصحابه وجاء بالمرآة فجعل يكتحل ويسرح شعره، ويقول: [أتجمل لها، أحب أن أتجمل لأهلي كما أحب أن يتجملوا لي] وهو حبر الأمة وترجمان القرآن.

    وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما يدخل بيت الزوجية ماذا كان يفعل؟! تقول عائشة : (كان يبدأ بالسواك) حتى لا يشم أهله منه الرائحة الخبيثة صلوات الله وسلامه عليه.

    فدين الإسلام دين طهارة، ودين سمو، ودين عفة، فهذه الأمور ينبغي العناية بها.

    المرأة الصالحة صلاحها لنفسها، لكن ينبغي عليها أن تؤدي حق زوجها، وأن تسعى في كل شيء يغض نظره عن الحرام، ولذلك أباح العلماء الاستمتاع بالمرأة، ونصوا على ذلك من خلال نصوص الكتاب والسنة، لئلا يتعرض الزوج للحرام ولا تتعرض المرأة للحرام، هذه أمور ينبغي التنبه لها.

    - حق الزواج ينبغي إعطاؤه على الوجه الذي يرضي الله، فكثرة السهر والتفريط في الفراش، هذه أمور ينبغي الحذر منها والبعد عنها وتقوى الله عز وجل فيها، فكم من فراش فسد بضياع حقه، وكم من امرأة تعرضت للحرام بغفلة زوجها عنها، وكم من زوج تعرض للحرام والنظرة المسمومة بغفلة زوجته عنه، فهذه أمور ينبغي التنبه لها.

    - حق الترويح: أن يحاول الإنسان أن يجعل للزوجة وقتاً للترويح وذهاب ما بها من ضيق، فالمرأة بشر ضعيف إذا جلست بين الأربع الجدران طيلة العام لا شك أنها في يوم من الأيام ستسأم.

    فإذا أكرمك الله عز وجل بامرأة صالحة قانتة عابدة بعيدة عن الأسواق، بعيدة عن الخروج والتبرج، فليكن من وفائك وشيمتك وعهدك أن تأخذها يوماً في الأسبوع أو يوماً في الشهر، لتروح عنها فتزور أقاربها.

    أعرف أناساً من أهل العلم والفضل بل من العلماء كانوا يأخذون أهليهم مرة في الشهر، أو المرة أو المرتين في السنة، يخرجون بأقربائهم.

    وبعض الأزواج لا يخرج زوجته إلا إذا طلبت، وبعض الأزواج قد لا يخرجها حتى لو طلبت، ومن المؤسف أن بعض الزوجات تقول لزوجها: أريد أن أزور عمتي، فيقول لها: ماذا عمتك؟ لا. اقعدي في البيت، وإذا قالت له: أريد أن أزور أمي، قال: لا. ماذا أمك؟ كل قليل تذهبين إلى أمك؟ -وقد تكون لها عن أمها شهوراً- سبحان الله! تسألك صلة رحم أمر الله بها أن توصل.

    كانت هذه المرأة الصالحة تنتظر منك في يوم من الأيام أن تأتي إليها وتقول: يا زوجتي! طال العهد بك ولم تزوري أمك، وأمك لها عليك حق فاذهبي إليها، لو عرضت عليها كيف يكون وقع ذلك في قلبها؟ والله لو أن الزوج ابتدأ زوجته بمثل هذه الأخلاق لملك قلبها.

    فإن الزوجة لو جئت في يوم من الأيام تقول لها: أمك لها عليَّ حق، ولها عليكِ حق، وأبيك له عليَّ حق، وله عليكِ حق، فلنذهب لزيارتهما، كيف يقع ذلك في قلبها؟ ولو أنها يوماً من الأيام قالت لك: يا فلان! والدك له عليّّ حق، ووالدتك لها عليَّ حق، أريد أن أزورهم، كيف يقع هذا في قلبك؟ يقع موقعاً كبيراً، فبمثل هذه الأخلاق وبمثل هذه الأمور يكون الترويح وتكون الصلة التي أمر الله بها.

    أيضاً تكون بركة لك؛ لأن المرأة الصالحة التي تصل أمها وأباها وتصل قرابتها مباركة؛ لأن صلة الرحم بركة: (من أحب أن ينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه، وأن يزاد له في عمره، فليصل رحمه).

    فإذا وفقك الله بامرأة تبحث عن قرابتها وتصلهم، فكن أول من يعينها على طاعة الله ومرضاته، فصلة الرحم من الأمور التي ينبغي أن يتواصى بها.

    تصور لو أنك في يوم من الأيام جئت إلى والد الزوجة أو والدة الزوجة، وقلت: أريد منكم أن تأتوا عندنا، وتذبح لهم شاة تقصد بها وجه الله، وتقصد بها صلة الرحم، كم يكون لك فيها من الأجر؟ فوالد الزوجة له حق كبير عليك، فقد اختارك ورضِيَكَ من بين الناس لابنته، أو رضِيَك لأخته، هذا شيء ليس بالسهل ولا تستطيع أن تكافئه إلا بالدعاء، فكن خير زوج لأبي زوجتك: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ [النساء:1] فصلهم وبرهم ولو مرة في العام.

    هل أحد يتصور زوجاً على ديانة واستقامة لم يدع أهل زوجته إلى طعام في بيته يوماً من الأيام؟! ينتظرهم يزورونه، وقد يحرجونه، فيجلسون إلى ساعات متأخرة!

    والله إن بعض الزوجات تقول: إن أبي وأمي يأتيان ويجلسان إلى ساعة متأخرة في الليل، وينصرفان من عندي بدون عشاء! النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه).

    لما أراد علي أن يتزوج فاطمة قام عليه الصلاة والسلام خطيباً، فذكر أبا العاص - زوج زينب وأبا أمامة- رضي الله عنه وأرضاه فأثنى عليه خيراً، وسبب ثناء النبي صلى الله عليه وسلم عليه، أنه لما أخذ أسيراً يوم بدر ، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقه من الأسر، قال: أطلقك من الأسر لكن تبعث لي زينب ، فمضى إلى مكة ووفى للنبي صلى الله عليه وسلم فبعث له ابنته زينب ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم حافظاً لهذا العهد، فأثنى عليه خيراً.

    فبيوت الزوجية لا بد أن تقام على مثل هذه المعاملة، أن تكون خير زوج لابنة من زوجك، وخاصة إذا كان الشخص ملتزماً أو ينتسب إلى الهداية، فإنه محل نظرة إجلال، ولذلك تجد بعض الرجال يقول: فلان يفعل بي كذا، وقد يكون الزوج الثاني غير ملتزم يفعل أشد منه، ولكن يقول لك: هذا ملتزم، هذا مهتدٍ، كيف يفعل هكذا؟ إذا كان الإنسان على استقامة ينبغي أن يكون خير الأزواج لوالد زوجته.

    فهذه أمور مما يوصى بها، فإن العناية بالأرحام تحقيق لما أمر الله عز وجل به، فهذا من صلة الرحم، ومن إدخال السرور على الأهل، وقد يدخل الإنسان السرور على زوجته فيكون قربة بينه وبين الله، ولذلك يقول العلماء: "العادات تنقلب عبادات بالنية". فإن إدخال السرور على أهل الزوجة عادة، لكنها تنقلب عبادة باحتساب الأجر عند الله.

    فكن -أخي- ذلك الرجل، كن ممن يدخل السرور على المرأة، كما أنك تحب أن تدخل السرور على نفسك، فأدخل السرور على نساء المؤمنين، وكن وفياً كريماً.

    1.   

    الوصية السادسة: الغض عن الإساءة

    الوصية السادسة: من الأمور التي يوصى بها للألفة في الزواج: الغض عن الإساءة:

    فإن الله عز وجل يتجاوز عن عباده، فقد ثبت في الحديث الصحيح: (أن رجلاً كان يدين الناس المال، وكان يقول لوكلائه: إذا وجدتم معسراً فتجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عني، فلقي الله عز وجل فقال الله: نحن أحق بالتجاوز منك، تجاوزوا عن عبدي).

    فينبغي لك -أيها الإنسان- أن تتجاوز عن أهلك، فإن أحق من تعفو عن زلته، وتغفر خطيئته زوجتك، والمرأة أحق من تغفر له هو زوجها؛ لأن الإنسان بشر، والبشر قد يزل لسانه وقد تزل يده، فإذا كنت حليماً رحيماً ترحم من أخطأ وتعفو عنه لوجه الله، وجب لك الخير، وكم من كربات فرجها الله عن أناس عاملوا الناس باليسر، وعاملوهم بالغض عن الإساءة، ولذلك ورد في الحديث: (أنه ينادي منادِ الله يوم القيامة، في ذلك اليوم العصيب الرهيب: من كان أجره على الله فليأته -أي: من كان له دين على الله في الأجر فليأته- تقول الملائكة: ومن هذا الذي أجره على الله؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: فلا يقوم إلا من عفا عن ذنب) لأنه عفا عن ذنب لوجه الله، فإذا عفوت عن أقرب الناس إليك، وهم أهلك عفا الله عنك، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).

    والله ما ترى عينك إنساناً يرحم الناس إلا وجدته مرحوماً، وما ترى إنساناً يعفو عن زلات الناس ويتسع صدره لأخطاء الناس، إلا وجدته أكثر الناس انشراحاً، وأكثر الناس طمأنينة، وتجد لطف الله عز وجل به في نفسه وفي أهله، وحيثما توجه يجد من الله لطفاً، إن الله يرحم من عباده الرحماء، ويحب من عباده الرحماء، فإذا جئت في يوم من الأيام على زلة وخطيئة للمرأة تستطيع أن تؤذيها، وتستطيع أن تضيق عليها، وتستطيع أن تربيها، وإذا بك تتذكر قدرتك عليها، ثم تتذكر قدرة الله عليك، وتتذكر أنها كما أخطأت أنك أخطأت في الله أكثر مما أخطأت، وأنك إن رحمتها رحمك الله، فقلت في نفسك: عفوت عنها، وأنت تريد ما عند الله عز وجل، فنعم والله ما صنعت.

    وكم من أزواج أفضوا إلى ما يلقونه من قبل بعثهم ونشورهم في القبور، ولا زالت النساء يذكرن تلك القلوب الرحيمة بكل خير.

    وأذكر ذات مرة أنه اتصلت إحدى النساء تسأل عن خطأ أخطأته في حق زوجها، فتقول: إني أخطأت في حق زوجي، ولكن تقول: أشهد لله أنني ما رأيت أوسع صدراً منه، رحم الله مجالسته، ما استسمحته إلا سامحني، ولا رأى مني زلة وقلت له: اغفرها لي إلا غفرها لي، وقعدت تبكي ما استطاعت أن تكمل السؤال؛ لأن ذلك الزوج أسر قلبها بالمعروف، وجدته رحيماً حليماً حنوناً.

    فلعلك أن تكون مثله، بل لعلك أن تكون خيراً منه، إن الهداية والاستقامة تكسر القلوب لله، والمهتدي دائماً تجده رقيق القلب، تجده حليماً رحيماً، لذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم قلوب أهل الجنة: (إن من أهل الجنة من يدخل الجنة قلوبهم كأفئدة الطير) من الرقة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.

    تصور أخي! لو أن الزوجة أخطأت فجئت وأقمت الدنيا وأقعدتها وسببت وشتمت، ما الذي تريده؟ هل هذا يصلح؟ هل هذا يقوم؟ قد تزداد المرأة تعنتاً، وقد تزداد -أيضاً- إصراراً على الخطأ، فيشاء الله في يوم من الأيام أن يتسلط عليها الشيطان بالغفلة فتقع في نفس الخطأ، وقد يحدث طلاق والعياذ بالله.

    لأنك تأتي في وقت الغضب، وتقول: ربيتها وضربتها وآذيتها وتفعل هذا؟! معنى هذا أنها تكرهك، فيأتي الشيطان عليك فيستزلك بالكلمة التي تهدم البيت كله والعياذ بالله.

    لكنك إذا أخذت الأمور بالسهولة والحلم والرحمة، ووسع قلبك أخطاء الناس، وقلت: كما أن لهم أخطاء فلي أخطاء، فلعل الله أن يغفر لي كما غفرت لعباده، فقد يرجع لك من الله خير.

    وإنه لمن المحزن أن تجد الواحد منا من أحلم ما يكون وأرحم ما يكون بالناس؛ لكنه إذا دخل بيته يحاسب عن كل صغيرة وكبيرة، وهذا موجود، فالله الله أن تضيق على أمة من إماء الله، فيضيق الله عليك في الدنيا والآخرة.

    وإني أعرف أناساً يحاسبون الناس على كل صغيرة وكبيرة، والله يعاملهم بمثل ما يعاملون الناس، تأتيهم أمور سهلة ويعسرها الله عليهم: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن:60] .. جَزَاءً وِفَاقاً [النبأ:26] .. وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:33].

    ذكروا عن أحد الخلفاء أن رجلاً أخطأ في حقه، فجيء بهذا الرجل المخطئ، فقال الخليفة لجلسائه: ما تقولون؟ قالوا: اضرب عنقه، وإذا برجل حكيم جالس في آخر المجلس، قال له: ما تقول يا فلان؟ قال: أما إنك لو قتلته فإن غيرك كثير قد قتل، ولكن إن عفوت فغيرك قليل فاعف رحمك الله، فعفا عنه وغفر.

    فلذلك العفو والمغفرة خير وبر، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حكمة عظيمة، يقول صلى الله عليه وسلم: (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا) هذا الحديث نظرت فيه وإذا به عندما تنظر إلى الواقع تجده من أبلغ ما يكون من الكلام؛ لأنك إذا أتيت تعفو يأتيك الشيطان، ويقول لك: إذا عفوت أهانتك المرأة، وركبت على رأسك، وفعلت بك، وفعلت بك، فأصبح العفو عن الناس سلطان الشيطان على القلوب، فهو يصور أنه ذلة، فكذب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الظن، فقال: (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا).

    فلذلك عندما يأتيك الشيطان ويقول لك: إذا عفوت ركبت عليك المرأة، كما تقول العامة، تقول: لا. أنت تقول هذا، ولكن الله يقول على لسان رسوله: إننا نزداد عزاً.

    ولذلك انظر عندما تعفو عن خطيئة المرأة، تكسر عينها أمامك، وتحس أنك ملكت قلبها بالمعروف، ولعلك أن تأتي يوماً من الأيام، وأنت ضجيع اللحد والبلى، وتذكر منك هذه الحسنة فتدمع عينها وتذكرك بدعوة صالحة، فإن الله يجزي على الإحسان إحسانا، هذه من الأمور التي ينبغي أن يتواصى بها كلا الزوجين.

    كما أن الزوج ينبغي أن يعفو، فكذلك الزوجة لا تتابع زوجها في كل خطأ، وبعض الزوجات يخطئن التصرف في بعض الأمور، فتجدها بمجرد ما تحصل الغلطة تشيعها في كل مكان، وتذهب إلى أبيها وأمها وأخيها وأختها، بل قد تشيعها عند القرابة، وعند الجيران، وعند الأجانب والأغراب عنها، وهذه من الأخطاء الشائعة الذائعة التي ينبغي أن نتقيها، وأن يتقيها إماء الله، وأن يبتعدن عنها.

    فينبغي للمرأة أن يتسع صدرها، وأن تحس أن عورة زوجها عورة لها، وأن تغفر هذه الزلة، وأن تعفو عن هذه الخطيئة، ولا تكون حريصة على محاسبة زوجها في كل صغيرة وكبيرة، وكما قلنا للزوج في فضل العفو، نقول كذلك للزوجة.

    وكم من نساء صالحات تجدهن يُضطهدن ويُظلمن ويؤذين، والله يعلم ما خرجت منهن كلمة إلى أقرب الناس إليها فضلاً عن أبعد الناس عنها، وأعرف بعض النساء يتصلن عليَّ في بعض المشكلات، وتقول: والله يا شيخ! ما أحد علم بهذه إلا أنت، من صبرها وتحملها، وتمر عليها السنوات وهي صابرة متحملة لوجه الله جل جلاله، فبيض الله وجوههن، وأسأل الله أن يكثر في المجتمع من هذه الأمثال.

    المرأة إذا زينها الله بالصبر وسعة الصدر باحتمال أذية زوجها وتقصير زوجها، فإن الله يعوضها خيراً، وكم رفع الله من درجات، وكفَّر من خطيئات لنساء صبرن على البلايا، وما تزال المرأة تؤذى وتؤذى حتى يرفع الله درجتها بهذه الأذية، وتبتلى حتى يرفع الله درجتها بهذا البلاء، ولعل الله في يوم من الأيام أن يعوض صبرها خيراً.

    ولذلك قل أن تجد امرأة تصبر على أذية زوجها إلا جعل الله العاقبة لها خيراً، والغالب في الزوج أن ينقم عليها في آخر حياتها، وهذا له نظائر ووجدت له حوادث، فلذلك نوصى المرأة المسلمة بالصبر والتحمل، إن الله هو الذي يعلم بلاءها، وهو الذي يعلم شكواها.

    ولذلك لا يفرج همها أحد سواه جل جلاله مقلب القلوب، فلعل زوجها يكون قاسي القلب عليها سنين، وفي طرفة العين يقلب الله عز وجل قلبه حناناً وشفقة عليها، فلا تشتكي إلا إلى الله، ولا تعول في تفريج كربها وهمها وغمها إلا إلى الله، وأيما امرأة آذاها زوجها وأهانها واضطهدها، فلتعلم أن لها نصيراً من الله.

    1.   

    نصيحة لأقارب الزوجة

    ينبغي في هذا الباب أن نوصي قرابة الزوجة بتسوية الزوجات، فمثلاً لو جاءتك الأخت تشتكي يوماً من الأيام، أو جاءتك البنت تشتكي زوجها في يوم من الأيام، فينبغي أن يكون الإنسان حكيماً حليماً رحيماً، يوسع صدر الزوجة، ويقول لها: إنه زوجك اتقي الله يا فلانة!

    الأخت والبنت إذا جاءت تشتكي ووجدت من أبيها وأخيها الكلمة الطيبة التي تثبتها غالباً أنها ترضى، ولعل الله أن يجمع شملهم بك، لكن بمجرد أنها تأتي تشتكي وتقول: فعل بي وفعل، وتأتي تغتاب زوجها ولعل الزوج مظلوماً بهذا الكلام، فينبغي أن يصبر الإنسان وأن يتحمل.

    أذكر رجلاً من أهل الفضل يحكي لي قصة غريبة لأبي زوجته، يقول: إنه ذات يوم كان رجلاً كريماً رحمة الله عليه، كان من حفاظ القرآن ومن أهل الفضل والأعيان في بلده، كنت أعرفه بالكرم، وقلَّ أن يجلس على غدائه إلا والفقراء عليه، وقلَّ أن يأتي رمضان بساعة الإفطار إلا تجده في الحرم يبحث عن الضعفاء والفقراء حتى يأخذهم إلى بيته -رحمة الله عليه، وأسكنه فسيح جناته- فكان رحيماً بالضعفاء، فجاء يوماً من الأيام ودخل على زوجته لأجل الطعام فوجد الطعام قليلاً، فغضب عليها وضربها حتى كسر يدها من شدة الغضب -كان شديد الغضب وكما يقولون بالعامية: حار، من شدة الحرارة والغضب كسر يدها- فخرجت في الظهيرة تشتكي إلى أبيها، فلما جاءت إلى البيت لم يكن أبوها موجوداً فجلست عند أمها، وجلست تشتكي، فلما دخل أبوها البيت قال: من هذه؟ قالوا: فلانة جاءت تشتكي، فأخذ عصاه وضربها، وما سمع منها شكوى، فقال لها: قومي، لا بيت لك إلا بيت الزوج، فقامت في الظهيرة، تمسك ولدها باليد الثانية، واليد الأولى مكسورة من زوجها، كلما تعبت دفعها من ورائها، يقول الزوج: فما شعرت إلا والباب يقرع بشدة، فهو يقرعه بالعصا، وقد كان يمشى على عصا يتوكأ عليها، فلما قرعه بشدة، يقول: دخلني الرعب أن عمي فلاناً قد جاء، يقول: وتوقعت أنه سيضربني، يقول: فلما فتحت الباب وإذا بالمرأة ومعها طفلها -أكبر أبنائه- قد دفعها إلى داخل البيت، فقال لي: خذ زوجتك، يقول: ما استطعت أن أرفع بصري في وجهه من الخجل، وعدت أنا وزوجتي على خير ما يرام، وما عادت لذلك الفعل بعدها.

    ويذكرون عن رجل كان من الصالحين، ومن العباد الأخيار جاءته ابنته تشتكي من زوجها، وتذكر عيوبه، فلم يجبها بشيء، فباتت عنده الليلة الأولى، فلما أصبح جلس يبكي أمامها كالطفل، فقالت له: ما بك يا أبتِ؟! قال لها: -وكانوا في بادية وليسوا في مدينة- إبريق الماء الذي أتوضأ به انكسر بالأمس، فقالت: أحضر إبريقاً آخر، فقال: إبريقي يرى عورتي ولا يحق أن أحضر إبريقاً عليه.

    حفظ الحق بجماد، كأنه يقول لها: ما حفظتِ حق زوجك، وأنا حفظت حق جماد، فانكسرت عينها وأخذت عباءتها ورجعت إلى بيت زوجها، فهذا من أمور التربية.

    ويخبرون عن رجل آخر أنه جاءته ابنته تشتكي من زوجها، فقال لها: أنت في كرامة وعزة، فقال لزوجته: إياك أن تغسلي الثياب، وإياك أن تطبخي الطعام، وفي اليوم الأول قال لابنته: نريد أن نأكل من يدك فطبخت، وقال لها: نريد أن تغسلي لنا الثياب بيدك الطيبة فغسلت، وفي اليوم الثاني عمل معها كما عمل في اليوم الأول وكذلك في اليوم الثالث، في اليوم الرابع فرت البنت إلى بيت زوجها.

    لو أن الرجل ذهب -بمجرد ما جاءته ابنته تصيح- إلى زوجها وجلس يسبه ويشتمه، ثم يقال الكلام الذي لا ينبغي أن يقال، وتفضح العورات، ونشتكي ونفعل بك وأنت ما فيك خير، هذا كلام أهل السفلة، وكلام الذين لا خلاق لهم، أما أهل العقل والحكمة، فإنهم يعالجون الأمور بالتي هي أحسن، ويجمعون ولا يفرقون، ويؤلفون ولا يباعدون.

    نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، ونسأله تعالى أن يمن علينا وعليكم بالبيوت التي ترضينا عنه، ويهبنا وإياكم قولاً سديداً وعملاً صالحاً رشيداً.

    وأختم هذه الكلمة بما بدأنا به: اللهم بارك لأهل هذا الجمع في جمعهم، اللهم بارك لكلا الزوجين في زواجهما، اللهم بارك لهما وعليهما واجمع بينهما في خير، وارزقهما ذرية صالحة تقر بها الأعين.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245771

    عدد مرات الحفظ

    723972874