إسلام ويب

رسالة عاجلة إلى الشبابللشيخ : عبد اللطيف الغامدي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ حفظه الله في هذه المحاضرة موجهاً خطابه إلى الشباب، وذلك في إطار موضوعين رئيسيين، أولهما: مراقبة الله سبحانه وتعالى والخوف منه، مع بيان أن أكثر الناس يخافون من العباد أكثر من خوفهم من رب العباد. وثانيهما: بر الوالدين والحث على طاعتهما، وتجنب إغضابهما حذراً من الدعاء، مورداًُ خلال ذلك صوراً من عقوق الوالدين وبرهما.

    1.   

    الحث على مراقبة الله

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

    وأسعد الله هذه الوجوه الطيبة المباركة بكل خير، وأسأل الله بمنه وكرمه وجوده وفضله وبره وإحسانه وتوفيقه وامتنانه، كما جمعني وإياكم في هذا المكان المبارك على طاعة من طاعاته أن يجمعني وإياكم في الدنيا على ما يرضيه، ثم يجمعني وإياكم في الآخرة، في حياة أبدية سرمدية فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55].. عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

    والحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وله الحمد بعد الرضا.

    وأصلي وأسلم على خير معلم، خير خلق الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه، واقتفى بأثره، واستن بسنته، واهتدى بهداه.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فيا أيها الأحبة الكرام: والله إني لفي غاية السعادة والفرح، والغبطة والبهجة بلقياكم جميعاً في هذا المكان الطيب المبارك، ونسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا المكان وما يقع فيه، وما يحصل فيه من خير في ميزان مَن كان سبباً فيه وعوناً عليه.

    وإني لأشكر الله تبارك وتعالى أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً، على ما امتن به علينا من هذا اللقاء، ثم إني لأتوجه بالشكر بعد ذلك لأحبتي القائمين على هذا المخيم.

    فنسأل الله جل وعلا أن يسدد على الخير خطاهم، وأن يكتب هذا في ميزان حسناتهم، وأن يشكر لكم سعيكم أنتم يوم شرفتمونا بالمجيء إلينا، واستماع (قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    فنسأل الله الإخلاص لنا ولكم، والقبول لما نقول ولما نفعل.

    دعوني -أيها الأحبة- أبشركم ببشرى من حبيـبي وحبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم، بشرى غالية على قلب كل مسلم، وكل مؤمن، وكل من يجلس مثل هذا المجلس، فهو القائل صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: (حقت محبتي للمتحابين فِيَّ، وحقت محبتي للمتجالسين فِيَّ، وحقت محبتي للمتباذلين فِيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فِيَّ).

    ما للعباد عليه حق واجبٌ     كلا ولا سعي لديه ضائعُ

    إن عُذِّبوا فبِعَدْله، أو نُعِّموا     فبِفَضْله وهو الكريم الواسعُ

    فحيَّهلاً بهذه النعمة العظيمة؛ نعمة المحبة في الله تبارك وتعالى، وهي من أوثق عرى الإيمان، فإني لأُشْهِد الله جل وعلا على محبتكم جميعاً، على ما تحملون من إيمان، وعلى ما تفعلون من خير وطاعة.

    ونسأل الله جل وعلا أن يظلني وإياكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، يوم يُكْرِم سبحانه وتعالى المتحابين فيه ومن أجله، فيجلسهم سبحانه وتعالى على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، في مقام عظيم، يغبطهم عليه الأنبياء والشهداء، وليسو بأنبياء ولا شهداء، وإنما قومٌ تحابوا على طاعة الله، وتعاونوا على ما يقربهم منه سبحانه وتعالى.

    أيها الأحباب الكرام: تأملوا معي هذا الموقف، وتصوروه أمامكم!

    شاب من الشباب يمشي للأمام، وفجأة يستدير للخلف فيسير القهقرى، ينظر لليمين، ثم يعقبها بنظرة خاطفة سريعة فينظر للشمال، قلبه يخفق بقوة، أوصاله ترتعش، أطرافه تنتفض، حبات من العرق تنداح من على وجنته، ينظر للأمام، وينظر للخلف، وينظر لليمين، وينظر للشمال، والعجيب أنه لم ينظر إلى السماء.

    شاب من الشباب يهم بفعل معصية، يكاد أن يقع في خطيئة، تكاد تزل قدمه فيما يغضب ربه سبحانه وتعالى عليه.

    إذاً: لماذا هذه النظرات السريعة الخاطفة الوجلة، إنه يخشى، مِمَّن؟ يخشى من المخلوقين، يخاف من الرقباء، يخاف أن يراه الناس فيحاسبونه ويعاقبونه على ما يفعل، سبحان الله! فأين هو عن الله؟! أين هو عمن يعلم السر وأخفى؟! أين هو عمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟! أين هو عن الله السميع البصير العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء سبحانه وبحمده؟!

    مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7]، في البر، في البحر، في الجو، في أي مكان، بين الجدران، بين الحيطان، الرحمن سبحانه وتعالى معهم بعلمه واطلاعه سبحانه وتعالى، يسمع قولهم، ويرى فعلهم، ويعلم جل وعلا ما تكن صدورهم، وما تخفي قلوبهم.

    فأين نحن؟! أين نحن أيها الشباب عن مراقبة رب الأرباب سبحانه وتعالى عندما نفعل المعاصي! وعندما نجترح الخطايا! وعندما نفعل الذنوب؟! أين نحن عن مراقبة علام الغيوب سبحانه وتعالى؟!

    إذا ما خلوت الدهر يوماً بريبةٍ     والنفسُ داعية إلى الطغيانِ

    فاستحي من نظر الإله وقـل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

    وهو الله خالق الظلام وخالق النور سبحانه وتعالى، لا يخفى عليه شيء، لا في الليل ولا في النهار، لا في السر ولا في الجهار سبحانه وتعالى، سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:10]، كلهم عند الله سواسية، فهو يراهم سبحانه وتعالى، ويطلع على أقوالهم وعلى أفعالهم.

    وإن من أعظم العبادات القلبية -أيها الأحبة-: أن نستشعر مراقبة الله تبارك وتعالى، أن نعبده سبحانه وتعالى بمرتبة الإحسان، (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، الخشية لله جل وعلا، المهابة منه سبحانه وتعالى، الفَرَق منه جل وعلا، فهو القادر، والمنتقم، وهو العليم، وهو الخبير، جل في علاه سبحانه وبحمده، إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:12-14] سبحانه وتعالى.

    لحظات -أيها الأحبة- لحظات اختبار وتمحيص من الله تبارك وتعالى للعبد المسلم المؤمن، يختبر جل وعلا عندما تتصارع رغبتان في قلب العبد؛ أيعصي الرب سبحانه وتعالى، ويفعل ما تشتهيه النفس، وما يؤُزُّه إليه الشيطان، أم يراقب ربه سبحانه وتعالى؟! يخشى الله ويُقَدِّم مراد الله على مراد نفسه لحظة من لحظات الاختبار، لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2]، لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:37] سبحانه وتعالى.

    فإذا ما تذكر العبد أن الرب سبحانه وتعالى مطلع عليه، يسمع القول، ويعلم ويرى الفعل فإنه لا شك ولا ريب ستأتي هذه العبادة القلبية، وهي عبادة الخشية والرهبة منه سبحانه وتعالى.

    وما هي الثمرة لهذه الخشية أيها الأحبة؟

    يقول سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ [الملك:12] في السر، فإنه لا يتصور أن كثيراً من الناس يمكن أن يفعلوا الفواحش أمام الناس؛ لكنهم يستخفون بها، ولا يمكن أن يجاهروا بها، إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ [الملك:12] لهذا الذنب الذي كانوا يقترفونه، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12] على الخشية والإنابة، ثم يذكر سبحانه وتعالى أنه هو العليم، وهو الخبير، لِمَ؟ لأنه الخالق وهو اللطيف سبحانه وتعالى.

    قصة مالك بن دينار مع الحدّاد

    خرج مالك بن دينار رحمه الله تعالى، وهو مَن تعلمون في عبادته وعلمه وتقواه، خرج من بيته في يوم من الأيام وهو يريد أن يذهب إلى حدّاد ليصلح حديدة لديه، فدخل على حدّاد من الحدّادين فجأة، فرأى أمراً عجيباً غريباً، ما هو ذلك الأمر؟

    تعلمون -أيها الأحباب- أن الحدّادين كانوا يضعون الحديد في التنور، ثم ينفخون على الفحم حتى إذا أصبحت الحديدة حمراء كالدم القاني أخرجوها، ثم طرقوها بمطارق الحديد، وعدلوها على الشكل الذي يريدون ويشاءون.

    الأمر الغريب الذي رآه مالك بن دينار عندما دخل على ذلك الحدّاد أنه يضع الحديدة كالحدّادين في التنور، ثم ينفخ عليها حتى إذا احمرت كالدم القاني أخرجها، فعدلها بيده دون حائل، سبحان الله! كيف لبشره وجلده ويده أن تحتمل حرارة هذه النار؟! فعَلِم مالك بن دينار أن لهذا الحدّاد شأناً، فقال له: ما خبرك؟ ما قصتك؟قال: إليك عني يا إمام! فذلك بيني وبين الله جل وعلا.

    قال: أسألك بالله إلا أخبرتني بالخبر.

    قال: أوقد سألتني بالله فسأخبرك على أن تكتم علي فلا تخبر عني حتى آذن لك.

    فواعده خيراً.

    فقال الحدّاد: إنه كان لي جار صالح، وأراد أن يخرج من هذه القرية التي نحن فيها، فجاءني فقال: إنه ليس لأهلي عائل بعد الله تبارك وتعالى إلا أنت في هذه القرية، فإني لأرجو منك أن ترعاهم، وأن تقوم على شأنهم حتى أعود إليك بعد أيام.

    قال: فواعدته خيراً، وذهب، فكنت في كل يوم آتي إلى باب جاري هذا فأطرق الباب فأقول: ماذا تريدون؟

    فيقولون: نريد كذا وكذا.

    فأذهب فأشتريه لهم، ثم أضعه بجوار بابهم، ثم أطرق عليهم الباب مرة أخرى، وأذهب.

    ومرت الأيام على هذا الحال، وفي يوم من الأيام أردت أن أفعل كصنيعي في كل يوم، أردتُ أن أطرق الباب فإذا بالباب مفتوح على غير العادة، شخصت ببصري -هكذا إلى داخل الدار- فإذا بي أجد امرأة من أجمل نساء الدنيا، امرأة ما إن رأيتها حتى قذف الله جل وعلا محبتها في قلبي ...

    ومحبة شيطانية عياذاً بالله جل وعلا، نظرة خائنة من نظرات إبليس نعوذ بالله منه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المرأة عورة، فإذا ما خرجت استشرفها الشيطان) يشرفها ويجملها ويزينها في أعين الناس، وإني على يقين لو أن هذه زوجته لما نظر إليها بهذا الإعجاب، ولا بهذه النظرة المعجَبَة؛ لكن لأنها ليست له بِحِلٍّ فزينها ولبَّس عليه الشيطان، ربما لو أن هذه زوجته ماذا كان يقول لو نظر إليها؟! أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على بيوت الجيران، اللهم فأبعدها عنا؛ لكن لأنها ليست له بزوجة، وليست له بِحِل زينها الشيطان، وكما أخبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (تدبر المرأة في صورة شيطان، وتقبل في صورة شيطان).

    نظر إليها ذلك الرجل الحدّاد نظرة خائنة، والنظرة الخائنة سهمٌ من سهام إبليس، سهم مسموم، فتأملوا معي! سهمٌ، والسهم إما أن يقتل أو يجرح، ومسموم، أي: أن أيَّ احتكاك منه بالبشرة وأيَّ جرح هو قاتل، حتى لو أن الجرح هَيِّنٌ دُوْنٌ، ثم إنه من سهام أعدى أعدائنا؛ من سهام إبليس نعوذ بالله منه، ولذلك الله تبارك وتعالى يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ [النور:30] ماذا يفعلون؟ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] ما الثمرة؟ ما النتيجة؟ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30]، فإن من أعظم أسباب حفظ الفرج: حفظ البصر.

    كل الحوادث مبدؤها من النظرِ     ومستعظم النار من مستصغر الشررِ

    والمرء ما دام ذا عين يقلبها     في أعين الغِيْد محفوفاً على الخطرِ

    يسر ناظرَه ما ضر خاطرَهُ     لا مرحباً بسرور عاد بالضررِ

    ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي : (يا علي ! لا تُتْبِع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الثانية).

    و الأقرع رضي الله عنه يقول: (سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة -هذه النظرة الخاطفة السريعة- قال: فأمرني أن أصرف بصري).

    نعود إلى الحدّاد، يقول: ... شخصت ببصري فإذا بي أجد امرأة من أجمل نساء الدنيا، فأزَّني الشيطان، وحثني، ورغَّبني، وأدخلني في بيتها، ثم غلَّقت الباب من خلفي، فأُسْقِط في يد المرأة، فأرادت أن تهرب، وأن تفر، ولكن لا مخرج ولا محيص لها، قلت لها: هيْتَ لكِ، لا مفر ولا مهرب.

    فعَلِمَت أنه لن ينجيها إلا الله جل في علاه سبحانه وتعالى من هذا المأزق، ثم الحيلة، فقالت لي: اتبعني.

    قال: فتبعتُها، وأنا من أسعد الناس وأفرحهم.

    قال: فأدخلتني إلى حجرة صغيرة.

    قالت: غلِّق هذا الباب مِن خلفنا.

    قال: فغلَّقته أحكم الإغلاق.

    قالت: اغلق هذه النوافذ.

    قال: فغلَّقتها أحكم الإغلاق.

    قالت: ارخِ هذه الستور -أي: الستائر-.

    قال: فأرخيتها.

    قلت لها في لهفة: أبَقِي باب لَمْ يُغْلَق؟

    فقالت: نعم. هو باب واحد، إذا ما أغلقته فافعل ما تشاء، واصنع ما تريد.

    قلت: وما؟

    قالت: الباب الذي بيننا وبين الله، فإذا ما أغلقته فافعل ما تشاء، واصنع ما تريد.

    قال: فتذكرتُ الله، وتذكرتُ أن الله يراني في هذه اللحظة، وأنه سبحانه وتعالى مطَّلِع على مكاني.

    قال: فعاد إلِيَّ إيماني، (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، يُنْزَع الإيمان من قلبه فيكون كالظلة على رأسه فإذا ما أقلع عن ذنبه عاد إليه إيمانه.

    قال: فَلَانَ جلدي لذكر الله، واقشعرَّ قلبي من مهابة الله جل وعلا، وعلمتُ أن الله يراني، وأنه القادر على أن يحطم كياني، وهو القادر على أن يخسف بي الأرض أو يرجمني من السماء، قادر سبحانه وتعالى أن يأخذني في مكاني هذا، فأموت على هذا الصنيع، وأموت على هذا الفعل، ويا لها من سوء خاتمة!

    قال: فقلت لها: أعاهدك بالله ألا أمسك بسوء، ولقد علمتُ أنك امرأة صالحة فادعي الله لي.

    قالت: أوَلَسْتَ بجارنا الحدّاد؟

    قلت: بلى.

    قالت: أسأل الله جل وعلا أن يقيك من حر النار في الدنيا والآخرة.

    قال: فهو ما تراه يا مالك بن دينار في الدنيا، وهو ما أرجوه في الآخرة.

    لحظة من لحظات الامتحان والتمحيص والاختبار للعبد المؤمن، إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:12-14].

    لحظة قد تمر على كل شاب، وعلى أي شابة، فإذا ما أظهر العبد لله جل وعلا خشية ومراقبة وخوفاً وإنابة أبدله الله جل وعلا حلاوة للإيمان يجدها في قلبه، ثم وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    1.   

    يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله

    إذاً: أيها الأحباب! ما بالنا نرى بعضاً من شبابنا يستحون من المخلوقين، ولا يستحون من أحسن الخالقين سبحانه وتعالى؟!

    ما بالنا نسمع عن شباب يفعلون المعاصي، ويجترحون الخطايا، ويراقبون العباد، وينسون رب العباد سبحانه وتعالى؟!

    واللهِ لا يمكن لأي شاب من الشباب أن يفعل فاحشة أمام طفل صغير، ولا أمام حيوان حقير؛ لكنه -وللأسف الشديد- يفعلها ويجترحها أمام المولى الكبير سبحانه وتعالى، فـمَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [نوح:13]؟! أين المهابة من الله؟! أين الخشية منه سبحانه وتعالى؟! يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ [النساء:108]؟! هو معهم بعلمه واطلاعه سبحانه وتعالى.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى ذلك ثوبان رضي الله عنه قال: (لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً، فيجعلها الله هباءً منثوراً -أعوذ بالله! أعوذ بالله من حالهم ومآلهم!- قال ثوبان : مَن هم يا رسول الله؟ صفهم لنا، جَلِّهم لنا، ألا نكون منهم ونحن لا نعلم فقال صلى الله عليه وسلم: أما إنهم منكم -إذاً: ليسو بكفار- ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون ...) يقومون الليل، لا أقول: يقومون الليل يا إخواني على المعاكسات الهاتفية، ولا أمام القنوات الفضائية، أبداً، وإنما يقومون الليل يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [السجدة:16]؛ لكن ما المشكلة؟! ما المعظلة؟! ما المصيبة؟! ما الذي كانوا يفعلون ويصنعون؟! قال صلى الله عليه وسلم: (... أما إنهم منكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون؛ ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)، يراقبون العباد، وينسون رب العباد سبحانه وتعالى، يستخفون من المخلوقين، وينسون أحسن الخالقين جل في علاه.

    ولذلك نرى بعضاً من شبابنا في الأسواق يدورون كالرحى؛ يعاكسون بنات المسلمين، يتحرشون بهن، ويتعدون عليهن، فإذا ما جاء رجل الهيئة، أو رجل الشرطة، أو رجل عليه سيما الوقار ولَّوا الدُّبُر وفروا وهربوا، لِمَ؟ إنه دليل -أيها الأحباب- على أن في قلوبهم مهابة وخشية وحياء من المخلوقين أعظم من الله سبحانه وتعالى.

    ذلك الرجل الذي يضع السيجارة بين أصابعه، ثم يضعها بين شفتيه، ويدخن هكذا، فإذا ما جاءه رجل عليه سيما الوقار، أو رجل يستحي منه فإذا به يرمي هذه السيجارة، أو يطفئها، أو يدوس عليها بقدمه، أو يضطرب ويستحي ويخجل، سبحان الله! فأين أنت عن الله؟! أين أنت عن الله؟!

    1.   

    التحذير من الغيبة

    الرجل الذي يجلس في المجلس، فيتكلم على المسلمين، ويغتاب المؤمنين، ويجرِّح فيهم ويرى أن هذا الأمر هَيِّنٌ دُوْنٌ، وهو لا يدري أنه يجترح كبيرة من أعظم الكبائر عند الله تبارك وتعالى، ولا أدل على ذلك من هذا الحديث الصحيح، فاسمعوه مني -أيها الأحباب- وهو حديث أنس رضي الله عنه قال: (كان الناس يخدمون بعضهم بعضاً في السفر والحضر، وكان لـأبي بكر وعمر خادم في سفر، فناموا، ثم استيقظ أبو بكر وعمر وإذا بالخادم نائم، لم يصنع لهم طعاماً، فقال أحدهما لصاحبه: إن هذا لنَئُوم، وفي رواية: إن هذا ليوائم نومَ بيتكم -أي: أن هذا الخادم يحب النوم، وينام في السفر كنومه في الحضر- ثم أيقظاه، وقالا له: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقرئه منا السلام، وقل له: إن أبا بكر وعمر يستأدمانك -يعني: يطلبان منك الإدام- فذهب الخادم من فوره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، ويستأدمانك يا رسول الله! فقال صلى الله عليه وسلم له: ارجع فقل لهما: وعليكما السلام، قد ائتدمتما، فعاد الخادم من فوره إليهما، وقال لهما: يقول النبي صلى الله عليه وسلم لكما: قد ائتدمتما، ففزعا وخافا، وهرعا من فورهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله! أرسلنا إليك خادمنا وقلتَ له ما قلت، فوالله ما ائتدمنا ولا أكلنا طعاماً يا رسول الله! فقال صلى الله عليه وسلم: بل ائتدمتما، بل ائتدمتما، بل ائتدمتما، وإني لأجد لحمه بين ثناياكما، وفي رواية: وإني لأجد لحمه بين أنيابكما، فقالا: استغفر لنا يا رسول الله! قال: بل إياه فليغفر لكما) أي: اذهبا إليه واسألاه أن يغفر لكما حتى يغفر الله جل وعلا لكما.

    الشاب الذي يجلس في المجلس، ويتكلم في الناس، بل ربما تعظُم السوءة، وتكبر الخطيئة فيتكلم عن العلماء العاملين، والدعاة المخلصين، وعباد الله الصالحين، فيكون يوم القيامة في ميزان سيئاته أولئك الصالحون عياذاً بالله جل وعلا، تكلَّمَ فيهم، وطعَنَ فيهم، وبيَّنَ نقائصهم ومثالبهم، ونسيَ عيوبه، (وإن الرجل ليرى القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع منصوباً في عينه).

    تُرَى لو أن هذا الشاب تذكر أن الله سميع، وأن الله بصير، وأن الله عليم، وأن الله خبير، تُرَى هل يتكلم في الناس؟!

    لا والله، والله ما أوتينا أيها الشباب! إلا من غفلتنا عن ربنا سبحانه وتعالى، ولو أنا تذكرنا أن الله جل وعلا معنا بعِلْمِه لا يخفى عليه شيء من شأننا لما عصيناه سبحانه وتعالى.

    خلا رجل بامرأة في ظلمة الليل، لا يراهما أحد، فقال لها: وهل يرانا في هذا الليل إلا هذه الكواكب -يعني: لا مخلوق-.

    فقالت له في يقظة من إيمانها: فأين مُكَوْكِبُها؟! أين الله؟!

    إذا ما استخفينا عن المخلوقين فهل يمكن أن نستخفي عن الله سبحانه وتعالى؟!

    لا والله أيها الأحبة.

    ولذلك تقول عائشة رضي الله عنها: (سبحان من وسع سمعه الأصوات، إن كانت المجادلة خولة بنت ثعلبة لتجادل النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا في ناحية البيت ولا أدري ما تقول، فأنزل الله جل وعلا من فوق سبع سماوات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:1]).

    1.   

    شهود أعضاء الإنسان على صاحبها يوم القيامة

    أيها الأحباب! أيها الشباب! هذه قضية عظيمة لو خرجنا من هذا المجلس بها لكانت والله غنيمة عظيمة، أن نتذكر أن الله معنا، وأنه يراقبنا، وأنه سيحاسبنا، وأن مآلنا إليه، وأن مصيرنا الوقوف بين يديه سبحانه وتعالى، وأنا لو استخفينا عن الناس فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن نستخفي عن الشهود الذين سيشهدون علينا ويأتونا فيخبرونا بما فعلنا، من؟! جاري فلان؟! صديقي فلان؟! عدوي فلان؟! لا والله، بل أنا، جوارحي، أعضائي، ستأتي فتشهد علي بخير أو بشر يوم القيامة، وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت:19] حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ [فصلت:20] ماذا؟ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت:20-21].

    ولذلك يقول أنس رضي الله عنه: (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك صلى الله عليه وسلم وقال: أتدرون مِمَّ أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم يا رسول الله -ما ندري مِمَّ تضحك-، فقال صلى الله عليه وسلم: أضحك من مسائلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: ربي ألَمْ تجرني من الظلم؟ قال: بلى، قال: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني ...) أنا لا أريد الناس يشهدون علي، أنا أريد نفسي تشهد على نفسي، وكأنما يريد أن يعجز ربه سبحانه وتعالى، نسي أن الله جل وعلا أمره بين الكاف والنون، إذا أراد شيئاً قال له: كن، فيكون، وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر:50]. (... قال: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول الله له: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم الله على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق، فيُخْلى بينها وبين الكلام، فتقول العين: يا رب! أنا للحرام نظرتُ، وتقول اللسان: يا رب! أنا بالحرام نطقتُ، ويقول الأذن: يا رب! أنا للحرام سمعتُ، وتقول اليد: يا رب! أنا في الحرام بطشتُ، وتقول القدم: يا رب! أنا إلى الحرام مشيتُ، ويقول الفرج: يا رب! أنا للحرام اجترحتُ، والله يقول: وأنا للحرام سترتُ ونظرتُ، وعندما يرى ذلك العبد أن أعضاءه شهدت عليه، وأخبرت بما فعل عند ذلك يظن بالهلكة ويقول: تباً لكنَّ وسُحْقاً، فعنكُنَّ كنت أناضل)، يدعو على نفسه، وعلى أعضائه.

    هذه هي المسألة العظيمة التي أحب أن أذكر بها أحبتي في الله تبارك وتعالى، أن نتذكر مراقبة الله، وأنه عليم بأخبارنا، خبير سبحانه وتعالى بأقوالنا وأفعالنا.

    1.   

    الحث على بر الوالدين

    وإني أذكر إخواني الشباب بأعظم حق ليس لله سبحانه وتعالى، فحقوق الله عظيمة؛ لكني سأتحدث مع إخواني -بعد أن ذكَّرتُ أحبابي بمراقبة ربي سبحانه وتعالى- أذكِّرهم بأمر عظيم، كَثُرَ التقصير فيه، وهو: حقُّ أحقِّ الناس بنا من المخلوقين الأحياء وبعضهم أموات، إنه حقُّ آبائنا وأمهاتنا أيها الأحباب :-

    أتحدث عن هذه القضية وعن هذه المسألة؛ لأن الشكوى قد عَظُمَتْ، والبلية قد كَبُرَت، وقد أصبح كثير من الآباء يعانون من كثير من الأبناء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    أقول: هذا مما رأيتُ وسمعتُ وعانيتُ من أحوال بعض الشباب الذين يقصِّرون في أعظم الحقوق، حقوقِ آبائهم وأمهاتهم.

    وإن من أعظم الطاعات -أيها الأحبة- وأجَلِّ القُرُبات: بر الوالدين والإحسان إليهما، يقول النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأله عبد الله بن مسعود : (يا رسول الله! أي العمل أعظم؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قال: ثم أيُّ؟ -يعني: ماذا بعد ذلك؟- قال: بر الوالدين، قال: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله).

    فبر الوالدين -أيها الأحباب- مقدم على الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى حال كونه فرض كفاية، ولذلك عندما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا رسول الله! ائذن لي أجاهد معك، فقال: ألك أبوان؟ قال: لا يا رسول الله، لي أم، قال: الزم رجلها فثَمَّ الجنة)، فالجنة -كما يقول الناس- تحت أقدام الأمهات، وإن كان لا يصح هذا حديثاً مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، أما معناه فهو صحيح، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (الزم رجلها فثَمَّ الجنة).

    ولذلك قرن الله جل وعلا بين الأمر بعبادته سبحانه وتعالى بالأمر بالإحسان بالوالدين، وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [النساء:36].

    1.   

    صور من عقوق الوالدين وبرهما

    وكما أن بر الوالدين من أعظم الطاعات، كذلك -أيها الأحبة- عقوق الوالدين من أعظم الموبقات وأشد المهلكات، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي بكرة رضي الله عنه والحديث صحيح: (ألا أنبئكم -ليس بالكبائر، وإنما- بأكبر الكبائر؟ -فالذنوب دركات بعضها أسوأ من بعض- قالوا: بلى. يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور)، فذكر صلى الله عليه وسلم أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر عياذاً بالله جل وعلا.

    ومما يؤسَف له أن بعض الصالحين يقعون في هذه الكبيرة وهم لا يعلمون ولا يشعرون، ولذلك -أيها الأحبة- وجب التنبيه والتذكير بأعظم الطاعات وهي: طاعة بر الوالدين والإحسان إليهما.

    يقول أحد العلماء عندما سأله أحد الناس قال: ما بلغ مقدار برِّك بأبيك وأمك؟

    قال: والله ما ارتقيتُ سقيفةً أبي وأمي دوني -يعني: ما طلعت إلى الدور الثاني وأبي وأمي تحتي-.

    وماذا في هذا الأمر؟!

    والله لا تثريب عليه، ولا ضير فيه؛ لكن انظروا إلى الإيمان وإلى الاحترام، يقول: كيف أرتقي في مكان أنا أكون فيه أعلى من أبي وأمي؟!

    وبعضٌ من الشباب -أيها الأحبة- لن يصل إلى هذا الدرجة، وإنما لا يعطي والده ووالدته إلا ظهره والعياذ بالله.

    بل ربما تجد الأب جالساً في جلسة محترمة في المجلس وإذا بالابن يعطي والده ظهره.

    بل أسوأ من ذلك ربما بعض الشباب يضطجع على ظهره ويضع رجله في وجه والده، هكذا والده جالس أمامه وهو برجله هكذا ينفضها مثلما مساحات السيارات في وجه والده، وربما تجد والده يقول: يا فلان! يا فلان! يا فلان! ولا يرد عليه، ثم يصيح فيه والده: يا فلان!

    فيقول: نعم!

    فيقول: افعل كذا وكذا.

    فيقول: طيب!

    هكذا، ورجعت المساحات شغالة.

    وهكذا يعرض ويغلظ على والده عياذاً بالله جل وعلا.

    ولا ينبغي للشاب الصالح أن يمشي أمام والده إلا ليفتح له باباً، أو يزيل عنه أذىً، أو ليخدمه، أما أن يمشي أمامه وتجد الأب يمشي خلفه فهذا لا يليق أبداً، بل عندما سئل أحد العلماء: ما مقدار برك بأبيك وأمك؟

    قال: والله لو سألتموني أن أصف أبي وأمي لما استطعت -لو سألتموني: ما هي معالم وجه أبي بدقة؟ ما استطعت أن أصفها-.

    قالوا: لِمَ؟

    قال: لأني ما شخصت ببصري إليه وهو يحدثني ويأمرني.

    ماذا تفعل؟

    أُطْرِق برأسي هكذا، وقفة احترام وتأدب بين يدي الأب.

    أما بعض الشباب في هذه الأيام فإن والده يكلمه وهو ينظر في والده هكذا نظرة المغضب، يزمجر في وجه والده وكأنما هو أسد يريد أن ينقض على الفريسة، تجحظ عيناه هكذا، ويقطب جبينه في وجه والده عياذاً بالله جل وعلا، نعوذ بالله من عقوق الوالدين، نعوذ بالله من التعدي عليهما والإساءة إليهما، وربما ينظر إلى والده ليس بهذه النظرة المغضبة، وإنما بنظرة أسوأ منها، وهي نظرة الاحتقار والازدراء، والده يقف أمامه وهو هكذا يشخص البصر في والده ينظر من فوق ثم ينظر من تحت هكذا، يعني: من أنت؟! أنت لست في ميزاني بشيء! -نسأل الله أن يعافينا وإياكم- كأنما والده ليس في ميزانه بشيء، بل ربما والده يتكلم: يا فلان لا تذهب مع فلان.

    قال: أنا أعرف منك.

    ثم إذا به يجرِّح والده ويتعدى عليه، بل ربما يرفع صوته أمام والده، وأعظم من هذا وأنكى أن يرفع صوته على والده أو والدته أمام الناس، فلا تسألوا -أيها الأحبة- عن تلك المرارة، وذلك الألم والندم في قلب الأب أو قلب الأم عندما يرى ولده يتكلم عليه أو يرفع صوته عليه أمام الناس والناس يسمعون ويشاهدون.

    بل والله يا إخواني بعضٌ من الشباب ربما يستهزئ بوالده أمام الناس، تجد الأب يتكلم وابنه من خلف ظهره يفعل بعض الحركات، كأنما يقول يعني: لاحظوا! هذا الشائب ليس بِصاحٍ، أو ربما يفعل مثل هذه الحركة يعني: كذاب، هذا كله من كيسه، أو ربما يفعل بعض الحركات يحاكيه فيها حتى يضحك الناس منه وهو لا يعلم أن الناس يضحكون عليه، وأن هذا دينٌ في ذمته سيُقضى، شاء أم أبى، طال الزمن أم قَصُر.

    زين العابدين علي بن الحسين عندما قيل له: لِمَ لا تأكل مع أمك على خيوان واحد؟ -لماذا لا تأكل معها على صحن واحد؟- قال [أخاف أن تسبق عينُها عيني فتسبق يدي يدَها ما معنى هذا الكلام؟] قال: أخاف أن أمي تنظر إلى الصحن فترى فيه لقمة طيبة، فتشتهيها وأنا لا أعلم، فأمد يدي أمام والدتي فآكل هذه اللحمة، وأنا لا أعلم، أخاف أن أعقها بهذا الأمر، لا إله إلا الله! أي إيمان هذا -يا إخواني- وقر في القلوب؟!

    وانظروا إلى بعض الصنيع من بعض الشباب الآن عندما يجلس على الطعام مع أهله، تجده يبادر مباشرة على أفضل مكان على السفرة، ويجلس فيه، وهكذا يوسع المكان حتى لا يجلس بجواره أحد لا من أب ولا أم ولا أخ، ثم إذا ما نظر فوجد اللحم الطيب واللقمة الطيبة هناك بعيدة عنه في آخر الصحن ماذا يصنع؟ يشغل أهله: انظروا يميناً شِمالاً، ويدير الصحن لتكون اللقمة الطيبة عنده والرديئة عند والده ووالدته. أعوذ بالله! أعوذ بالله!

    أما علي بن الحسين فيقول: [أخاف أن تسبق عينُها عيني فتسبق يدي يدَها].

    1.   

    استجابة الله لدعاء الوالدين

    أيها الأحبة الكرام: أحذّر الشباب من عقوق الوالدين، وإن من الدعوات المستجابات كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: دعوة الوالد على ولده، ودعوة الوالدة على ولدها، وأعظم ما يستدل به على هذا حديثُ النبي صلى الله عليه وسلم الذي في صحيح مسلم وهو حديث جريج العابد .

    جريج العابد ، أنا لا أقول: الفاسق -يا إخواني- ولا الفاجر، وإنما أقول: العابد، (كان في زمانه من العُبَّاد، وكان يتعبد ربه سبحانه وتعالى في صومعة، وكان في صلاته، فَدَعَتْه والدته: يا جريج ! يا جريج ! قال: يا رب! أمي أو صلاتي؟! -هل أجيب والدتي وأذهب إليها أم أستمر في صلاتي؟- قال: فآثر أن يستمر في صلاته، فدعته للوهلة الثانية: يا جريج ! يا جريج ! قال: يا رب! أمي أو صلاتي؟ -أقطع الصلاة وأذهب إلى والدتي أم أستمر في صلاتي؟- قال: فآثر أن يستمر في صلاته، ثم دعته للوهلة الثالثة: يا جريج ! يا جريج ! قال: يا رب! أمي أو صلاتي؟ قال: فآثر أن يستمر في صلاته، فغضبت منه والدته فقالت له: لا أماتك الله حتى أراك وجوه المومسات -أي: الزانيات-- ...).

    أقول أيها الأحباب: ما أعقل أم جريج ! والله إنها لمن العاقلات، لماذا؟ عَدَّت أن النظر إلى وجوه الزانيات والفاسقات والمومسات جريمة وعقوبة، أما نحن فربما بعضُنا يشتري هذه العقوبة بماله، يشتريها بماله، ويتعب للحصول عليها لينظر إلى وجوه الزانيات عياذاً بالله جل وعلا، وهو لا يدري أنه يشتري هذه العقوبة بماله.

    قال: (... فتذاكر بنو إسرائيل عبادة جريج -وبنو إسرائيل قوم بُهْتٌ، لا يتركون الإنسان في حال سبيله-، قالوا: من لنا ببغي من بغايانا؟ -أي: زانية من زواني بني إسرائيل أجار الله السامعين- تفتنه عن دينه، فاختاروا منهم امرأة من أجملهم، وزيَّنوها وكمَّلوها وجمَّلوها ثم وعدوها بمال كثير، فذهبت إليه في صومعته، فتحرَّشت له، وتعرَّضت بين يديه، وحاولت بما أوتيت من خبث ودهاء ومكر أن يقع في حبائلها، فيقع عليها -ولكن أنَّى للعبد الذي يتذكر أن الله يراه، وأن مولاه يطلع عليه أن يفعل هذه الفاحشة أو يرتكب هذه المعصية- قال: فصَدَّ عنها، وهرب عنها، وفر منها حتى يئست، فخرجت من هذه الصومعة وهي حسيرة كسيرة تخاف أن تفقد ذلك المال -فماذا صنعت؟-، وجدت بجوار صومعته راعي غنم، فتعرَّضت لذلك الراعي فوقع بها -قليل الدين وقليل الإيمان-.

    قال: فحملت هذه المرأة، وأنجبت غلاماً، وبعد أن أنجبت غلاماً قالوا: مَن أبوه؟

    قالت: أبوه جريج العابد .

    قال: فجاء الناس إلى جريج ، فهدَّموا عليه صومعته، وقيَّدوه بالسلاسل والأغلال، ثم استاقوه واقتادوه وذهبوا به إلى واليهم، فعلم أنه وقع في ذنب، وأن الله جل وعلا عجل له عقوبته في الدنيا، وعلم علم اليقين أنه لن ينجيه إلا رب العالمين سبحانه وتعالى، فقال: ائتوني بالغلام.

    فجاءوا له بذلك الطفل الغلام الوليد، فوضعوه بين يديه، ثم وكزه بأصبعه، ووضعه في بطنه، وقال له: يا غلام! من أبوك؟

    قال: أبي فلان الفلاني الراعي.

    فنجّا الله جل وعلا جريجاً )؛ لكن بعد ماذا؟

    بعد أن استجاب الله جل وعلا دعوة أم جريج في جريج : لا أماتك الله حتى أراك وجوه المومسات.

    و جريج -أيها الأحبة- رجل عابد، وقعت عليه هذه الدعوة، فماذا أقول لشاب عاق مُتَعَدٍّ مفرط في حقوق والديه عياذاً بالله جل وعلا؟!

    لو أن والده في لحظة غضب فدعا عليه فربما والله -أيها الأحباب- يخسر الدنيا والآخرة، وذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11].

    حُدِّثْتُ عن شاب من الشباب كان يقدم أصحابَه على أبيه وأمه!

    وهذا أيضاً حال كثير من الشباب!

    فربما يقدم أصحابه على أبيه وعلى أمه!

    ربما يتحمل أخطاء أصحابه وأقرانه ولا يمكن أن يتحمل خطأ والده أو والدته إن كان ذلك خطأً!

    ربما يتغاضى عن زلات إخوانه في حقه؛ لكن لا يتحمل ذلك من أبيه وأمه!

    ربَّما يَخدم، ويذهب، ويأتي بأصحابه في سيارته، ويبذل من ماله؛ ولكن لا يقوم بِهذا إلا وهو مكره مع أبيه، ومع أمه!

    وهذا والله من علامات قرب القيامة، أن يقدَّم البعيد ويُقْصَى القريب، أن يحترم الغريب ولا يحترم القريب بل أقرب قريب الأب والأم، فنسأل الله أن يغفر لنا ما قصرنا في حق آبائنا وأمهاتنا.

    هذا الشاب جاءت أمه إليه وقالت: يا بني أريدك أن تذهب بي إلى أختي فإنها مريضة.

    قال: لن أذهب بك.

    قالت: لِمَ؟

    قال: لدي مباراة بعد قليل، مباراة مهمة، فيها فوز أو خسارة.

    وهي الحقيقة ليس فيها إلا الخسارة!

    فقالت: يا بني! خمس دقائق أذهب إلى خالتك أسلم عليها، فهي مريضة موعوكة، اذهب بي يا بني!

    وأخذت الأم تترجاه وتتوسل وتعطيه المال وتَعِدُه، سبحان الله! وكان الأولى والأوجب أن يكون هو الذي يتوسل إليها ويترجاها حتى يتشرف بخدمتها والقيام بحقها؛ ولكن انقلبت الموازين عياذاً بالله جل وعلا!

    وبعد إلحاح شديد من هذه الأم قال لها: حسناً سأذهب بك؛ لكن بشرط واحد، خمس دقائق فقط تسلمي على خالتي ثم بعد ذلك أضرب منبه السيارة -أو ما نسميه بـ(البوري)- ثلاث مرات، فإن نزلت فأهلاً وسهلاً، وإن لم تنزلي فعلى نفسكِ جنيت.

    انظروا إلى التهديد -يا إخواني- والوعيد من الابن للأم.

    فصبرت الأم وتحملت وذهبت معه، وكان في الطريق يسبُّها ويشتمها ويتعدى عليها، حتى ذهب بها إلى خالته، صعدت الأم وهو ينظر إلى ساعته، مرت الدقيقة الأولى، الدقيقة الثانية، ربما لو أنه مع أصحابه لما نظر إلى ساعته، ولكن الآن اختلف الميزان لأنه مع الأم.

    وإذا بالدقيقة تأتي على الدقيقة الخامسة، ضرب منبه السيارة ثلاث مرات، وما كان من الأم إلا أن حاولت بسرعة أن تلبس عباءاتها وتنزل، وعندما نزلت وإذا بها لا ترى إلا غبار السيارة، ذهب وولَّى، فغضبت هذه الأم منه وحُقَّ لها، فقالت له: اذهب، لا ردك الله، لا ردك الله.

    وكم من آباء يدعون على أبنائهم!

    وأنا أحذِّر الآباء من الدعاء على الأبناء، فإنها من الدعوات المستجابات، وربما توافق ساعة استجابة، فيجيب الله سبحانه وتعالى فيهلك الابن، وهذا والله ما لا يريده الأب، ولا تريده الأم.

    فذهب هذا الشاب ولعب المباراة، وفاز في المباراة مع أصحابه، ورقصوا وغنوا كفعل بعض الشباب، ثم ركبوا السيارة وفحَّطوا بها كحال بعض الشباب كذلك، وفجأة وإذا بالسيارة تنقلب، وإذا بذلك الشاب تزهق روحه وتفيض روحه إلى الله جل وعلا، وعاد في المساء إلى أمه، لم يعد إليها ليسلم عليها، ولا ليقبل رأسها ويديها، ولا ليتسامح منها، ولا ليعتذر، ولا ليتشرف بخدمتها، والقيام على مصلحتها، لا، وإنما عاد على النعش فوق أعناق الرجال لتراه والدته وتقبِّله ثم تودعه الوداع الأخير، لا لقاء إلا على عرصات يوم القيامة، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36] لِمَ؟ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37].

    1.   

    ضرورة الحذر من دعاء الوالدين والحرص على خدمتهما

    أقول أيها الأحباب: ينبغي أن نحذر من دعاء الآباء على الأبناء، وينبغي أن نحرص على خدمة الآباء، والحنو عليهم، وخدمتهم، وخصوصاً أقول: مع الأمهات؛ لأن الأم عادة امرأة مسكينة، رقيقة، فيتجبر عليها بعض ضعاف الإيمان، بعض ضُلاَّل العقول، عياذاً بالله جل وعلا، يتعدى على والدته بيده، وربما يتعدى عليها بلسانه، الأم تلك الرحيمة، الأم التي حملتك كرهاً ووضعتك كرهاً، الأم التي تحمَّلَت من أجلك ما لا يُتَحَمَّل، كم سَهَرِتْ لتِنَامَ؟! كم تَعِبَتْ لتَرْتاحَ؟! كم جاعَتْ لتَشْبَعَ؟! كم ظَمِئَتْ لتَرْتَوِي؟! كم كانت في خدمتك ورعايتك والقيام على مصلحتك؟! سبحان الله! عندما اشتد ساعدك، وقوي بدنك تشتد على والدتك؟!

    أعلمه الرماية كل يومٍ     فلما اشتد ساعده رماني

    وكم علمته نظم القوافي     فلما قال قافية هجاني

    والله إن بعضاً من الأبناء عندما يُكْرِمه مولاه سبحانه وتعالى بالصحة والعافية فيُنْمِي جسده، ويُكَبِّر بدنه، ويَمُدُّ يده وينسأ له في أجله وعمره يتعدى على والدته، فربما يقدِّم زوجته على أمه، وربما يقدم أرحامه من زوجته وأقارب زوجته على أقاربه من أمه وأبيه، وهذا والله من الخلل، وأين نحن عن صلة الرحم؟! والأب والأم أعظم الرحم أيها الأحبة.

    أغرى امرؤ يوماً غلاماً جاهلاً     بنقوده كيما ينال به الضررْ

    قال ائتني بفؤاد أمك يا فتـى     ولك الجواهرُ والدراهمُ والدررْ

    فمضى، فأخرج خنجراً في قلبها     والقلبَ أخرجه وعاد على الأثرْ

    لكنه من فرط سرعته هـوى     فتَدَحْرَج القلب المعفَّر إذ عثرْ

    ناداه قلب الأم وهو مُعَفَّرٌ     ولدي حبيـبي هل أصابك من ضررْ؟!

    هذا هو قلب الأم، وهذا هو قلب الأب!

    فأين الرحمة أيها الأبناء؟!

    رحموك وأنت صغير ألا ترحمهم وأنت كبير؟! وهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن:60]؟!

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن يخشونه في السر والعلانية، في الجلوة والخلوة،ونسأل الله تبارك وتعالى أن يملأ قلوبنا بالإيمان الصادق به،ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوزعني وإياكم شكر نعمه، وأن يجعلني وإياكم من البارين المحسنين بآبائهم وأمهاتهم أحياء وأمواتاً، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لي ولكم، ويتجاوز عني وعنكم، وأن يجمعني وإياكم على الخير والطاعة، وما يقربنا منه سبحانه وتعالى.

    والحمد لله،وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007978755

    عدد مرات الحفظ

    720841191