إسلام ويب

نظرات في سورة القصصللشيخ : عمر الأشقر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بقصص الأمم السابقة؛ لتكون دليلاً على صدق رسالته؛ ولتكون عظةً وعبرةً لأمته، وهو تهديدٌ من الله سبحانه وتعالى لمن يكذب رسوله ويجحد رسالته، بأنه سيحصل لهم ما حصل للأمم السابقة. وما أشبه قصة محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه، بقصة موسى عليه السلام مع قومه، وسورة القصص من السور التي تبين ذلك وتوضحه.

    1.   

    اصطفاء الله للعرب بالرسالة المحمدية

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فقد شاء الله سبحانه وتعالى أن ينبثق النور بعد عصور متطاولة من الظلم والظلام في بقعة نائية من عالمنا الأرضي، فما كان الناس يفكرون يوماً أن قيادة العالم ستنبعث من قلب الجزيرة العربية؛ فالدول المتحضرة والمتمدنة كالفرس والروم والأمم التي عندها بقايا من الحق كاليهودية والنصرانية كانت تتنازع القيادة السياسية والقيادة الفكرية في العالم، ولكن الله سبحانه وتعالى له حكمة، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124]

    تكونت الأمة الإسلامية والجماعة الإسلامية والعصبة المؤمنة في قبائل وأمم متخلفة حضارياً، ليس لها رابط سياسي، وليس لها ملك يوحدها، ثم عند بدء اجتماع الكلمة لتحقيق الخير الكبير في حياة البشر لم يكن الطريق سهلاً، بل كانت هناك عقبات وصعاب في الطريق، فاحتاج المؤمنون بهذه الرسالة أن يبذلوا جهوداً مضنية في هذا السبيل، وكانوا بحاجة دائماً إلى الزاد وإلى تجارب الأمم من قبلهم، وبحاجة إلى أن يتعرفوا إلى سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه وفي عباده، وكان القرآن الكريم يتنزل؛ ليكوِّن الجماعة المؤمنة، وليمدها بالعطاء والخير، وليعرض عليها كيف يجري قدر الله في عباده.

    1.   

    اصطفاء الله سبحانه وتعالى لبني إسرائيل قبل بعثة النبي محمد

    وسأحاول أن أستعرض شيئاً ما من سورة القصص في هذا الجانب.

    فقد شاء الله سبحانه وتعالى في القديم أيضاً قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم أن يكوِّن جماعة على يد موسى عليه السلام، تحمل الحق الذي توالت الرسل في حمله، وكانت الجماعة المؤهلة لحمل المهمة جماعة مستضعفة.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.

    طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ [القصص:1-6].

    فقوله: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يستفيد منها المؤمنون في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وفي كل عصر وخاصة في هذا العصر، حيث دُمِّرَ الكيان السياسي للإسلام، وشُتِتَ المسلمون، وقبضوا في كل مكان، وورثوا أثقالاً من التقاليد بعيدة عن الإسلام، اختلط فيها الحق بالباطل، وهناك رجال من هذه الأمة يحاولون أن ينهضوا بها مرة أخرى، يحاولون أن يرفعوا عنها أغلالها وقيودها، وأن يعالجوا مشكلاتها.

    العظات والعبر المستفادة من قصة موسى وبني إسرائيل

    ونحن بحاجة إلى أن نتدبر ما يقصه الله علينا فهو يقصه لنا، وهذه القصص نحن بحاجة إليها اليوم حاجة شديدة جداً، فينبغي أن نفتح أبصارنا وبصائرنا لها، لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ، ما القضية؟ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ ، أي: أن فرعون الطاغية علا في الأرض وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ، واليوم ملوك الأرض يستعلون ويستكبرون، ولا يعترفون بتشريع الله ولا بدينه، بل ويقصون شريعة الله من الأرض، ويعذبون المؤمنين في كل مكان، فقد رفع الشيطان في وسطهم رايته.

    قوله: وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ أي: البقية الباقية من ورثة إبراهيم وإسحاق ويوسف ويعقوب، فهي الطائفة التي كانت بقية الخير في الأرض، فيها شر ولكنها بقية الخير، استعبدها فرعون ، وكان قد علم من أفواه بني إسرائيل بما تركه الأنبياء من قبل أنه سيولد في بني إسرائيل ولد ثم يبعث، ويكون هلاك فرعون على يديه، فأراد أن يستبق الأحداث، وأن يقضي على سلطانهم من قبل أن يوجدوا، فهو يضعفهم في أنفسهم؛ ثم يريد ألا يولد هذا الذي سيهلك ملكه، فـ َجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ ، فإن كان المولود أنثى أبقوها حية، وإن كان ذكراً ذبحوه بالشفرة كما تذبح الغنمة.

    قوله: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، لكن إرادة الله سبحانه وتعالى فوق كل إرادة، ونريد أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً [القصص:5]، والإمامة: تعني: القيادة، أي: قيادة البشرية إلى الخير.

    قوله: وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ أي: يرثون الأرض التي بارك الله فيها.

    قوله: وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ -أي: بقيام دولة-.

    قوله: وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:6]، فالله يريد أن يذل هؤلاء الطغاة، ويبين لهم ضعفهم.

    ثم تبدأ القصة: المنقذ لا يزال في بطن أمه جنيناً، ويولد في وقت المحنة، ولكن الله يريد أن يجعله منقذاً، فلننظر كيف يجري قدر الله، وكيف يجري تدبيره سبحانه وتعالى؟! لقد أوحى الله إلى أمه: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص:7] ولكن الجواسيس (الطابور الخامس) سيكتشفون أن هناك وليداً.

    قوله: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي [القصص:7]، فإنَّّ تدبير الله غير تدبير البشر، فلو كان أحدهم يخاف على ابنه فسيضعه في صندوق ويحفظه في حجرة ويقفل عليه، أو في زاوية من الزوايا، لكن الله قضى أنْ يرمى في البحر، وهو النيل، فإن هذا الماء يأتمر بأمر الله سبحانه وتعالى والأرض كذلك، فتدبير الله غير تدبير العباد.

    قوله: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ [القصص:7] أي: سنرجعه إليكِ وهو طفل صغير، وسنجعله رسولاً: وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7].

    حفظ الله لموسى عليه السلام من القتل

    ثم بأمر الله يجري النيل بموسى إلى قصر فرعون الطاغية الذي يبحث عن الوليد؛ ليقتله ويسفك دمه.

    قال تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8]، أي: لتكون العاقبة أن يصير لهم عدواً وحزناً، وليكون هلاكهم على يديه.

    فيأمر فرعون بذبحه، فكيف ينقذه الله سبحانه وتعالى؟! انظر إلى قدر الله كيف يجري، إذا أراد شيئاً؟!

    قالت امرأة فرعون الملكة التي لها حظوة عند زوجها الملك: لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9]، فلقد ألقى الله سبحانه وتعالى المحبة على موسى، بحيث لا يراه أحد إلا أحبه، قال تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39] فهذا الطفل الصغير يأسر قلب الملكة، فتقول: لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9]، فيجري قدر الله بإبقائه حياً بعد أن أمر الطاغية بقتله؛ لأن الملكة ما قالت لا تقتلوه إلا وفرعون يريد قتله، ثم قالت: عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص:9] فأبقي حياً، تريد أن تتبناه، ثم يصبح ابن الملك والملكة، ويتربى في بيت العز، لا يتربى في بيوت الذل ولا في بيوت المستضعفين؛ لأن القائد لا بد أن يكون شجاعاً، والله يقول: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، كيف يصنع على عين الله؟ يقدر الله له ظروفاً معينة وبيئة معينة؛ لينشأ فيها صالحاً للقيادة والريادة.

    كيفية رجوع موسى إلى أمه

    ثم كيف أعاد الله موسى إلى أمه؟ قال تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ [القصص:10]، ولو صرخت وقالت: ولدي رميته في النيل، لانكشف أمرها، ولكن الله يربط على قلبها ليتحقق قدره: إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:10]، ثم ماذا؟ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القصص:11]، أي: تتبعي أخبار الطفل وأحواله.

    قال تعالى: فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص:11] أي: كأنها غير مهتمة، وهذا من الذكاء والفطنة، حتى لا يشتبهوا بها. َقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12] يعني: توجد هنا امرأة ترضعه لكم، فأتوا بها فرضع منها ففرحوا، فبعد أن كانوا يبحثون عنه ليذبحوه صاروا يبحثون عمَّن يهبه الحياة ويبقيه حياً، ويأخذون المرأة إلى الملكة وتطلب الملكة منها أن تسكن عندها فأبت، فكانت تأتي إليه وترضعه ثم تعود إلى بيتها، وكانت تأخذ على ذلك أجرة، وأصبح موسى معززاً مكرماً؛ ولذلك أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّ من يفعل الفعل ويأخذ عليه أجراً مثل أم موسى، فله ثوابه وأجره عند الله سبحانه وتعالى.

    فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [القصص:13].

    مراحل نشأة موسى عليه السلام

    لقد نشأ الوليد في بيت الطاغية الجبار الذي يقتل الأطفال بحثاً عن هذا الطفل الصغير؛ حتى يريه الله سبحانه وتعالى ضآلته وحقارته، وقلة علمه وبصيرته وفهمه، ويتربى موسى على الشجاعة والعزة والكرامة، والوقوف أمام كبار المجرمين الذين كانوا أعواناً لفرعون، وهذا إذا لم يتوافر في القائد، فإنه لا يستطيع أنْ يربي أمة، وإذا كان قائد الدولة أو الجيش ذليلاً مهاناً، فإنه لا يستطيع أن يربي أمة ولا يستطيع أن يخرجها إلى العزة والكرامة.

    قال تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [القصص:14]، وهذه هي فترة التكوين والتربية للقائد؛ لأن الإنسان إذا تربى على النعيم والترف المستمر، فإنه لا يستطيع مواجهة الصعوبات، فلا بد أن يتعود على الخشونة والشدة فيقدر الله قدره، فلابد لموسى أيضاً من مرحلة ثانية ليصنع على عين الله: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39].

    قصة قتل موسى للقبطي

    قال سبحانه: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ [القصص:15] أي: أن موسى كان يتشيع لبني إسرائيل؛ لأنه واحد منهم في الحقيقة، وكذلك أمه التي أرضعته منهم، فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص:15]، وكان رجلاً جلداً قوياً فيه شدة؛ لأن مجرد وكزة خفيفة منه صرعت الرجل، فسقط ميتاً، قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ [القصص:15]، وهنا نلمح صفة من صفات القائد المسلم الذي يؤهل لمهمة عظيمة جداً، فالرسل أسوة لنا وقدوة: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، فهو قال لما قتله: هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ثم إنه توجه إلى الله يطلب منه المغفرة: قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:16-18]، وفرعون لن يسكت؛ لأنه قتل واحداً من قومه، وهي ليست مسألة سهلة.

    قوله: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ [القصص:18] أي: أن الذي كان يقاتل بالأمس، أحدث مشاحرة مع قبطي آخر، وقال: يا موسى! أدركني، قال: إنك لغوي مبين.

    فلما أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [القصص:19].

    قصة خروج موسى من مصر إلى مدين فراراً من بطش فرعون

    قال تعالى: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ [القصص:20]، والملأ في القرآن تعني: علية القوم، من الوزراء، والأمراء، والحاشية، الذين لهم الأمر والنهي، يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ [القصص:20] أي: سيصدرون قرار القتل قريباً، وقد يكون الناس في طريقهم إليك، فماذا يفعل؟ هل يرجع إلى البيت يودع أمه وأقرباءه ويأخذ حاجته، ويرتب ملابسه ويأخذ له نقوداً؟ لا، بل يخرج من المدينة مباشرة، فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:21] قاَل رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:21]، وهنا صفة واضحة ظهرت في موسى، خاصة في هذه الآيات، ألا وهي: الاتصال الوثيق بالله سبحانه وتعالى، ويخرج موسى متوجهاً تلقاء مدين ويقول: عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [القصص:22]، يخرج موسى طريداً ليس معه شيء، ولا يعرف أحداً في المدينة وليس معه نقود، وليس له مركب ولا طعام، فلما ورد ماء مدين وجد أمة من الناس يسقون، فهذا الذي فرَّ من فرعون يصبح له بين لحظة وأخرى بيت وزوجة وعمل، فقد وجد امرأتين تذودان تنتظران الرعاة الغلاظ الشداد الذين يسقون أغنامهم، ثم تقومان هما بالسقي، فيسألهما موسى بكل شهامة ومروءة: مَا خَطْبُكُمَا ولم يقل: أنا رجل غريب، والغريب ليس له دخل في هذه القضايا، لا بل لا بد أن يتفاعل المسلم مع الحياة دائماً باستمرار، قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ [القصص:23]، أي: ليس لنا أحد، وأبونا شيخ كبير، فأخذتْ موسى الرأفة وسقى لهما، وكان رجلاً شديداًً واستطاع أن يسقي أغنامهما وحده، ثم ذهب إلى ظل شجرة وقال: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24]، وما كادت الفتاتان تغيبان حتى رأى واحدة منهما راجعة وقالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25]، فلما جاء وقص عليه خبره وقصته مع فرعون وقومه، قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25] أي: أن القوم الظالمين ليس لهم سلطان على هذه الديار.

    قال تعالى: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ استأجره [القصص:26]؛ فهاتان فتاتان ترعيان الغنم وتسقيانها باستمرار، وقد تعبتا، وكان موسى قوياً أميناً ينبغي أن يُستأجر، وصفة العامل أن يكون قوياً أميناً، وكل بحسبه، فالمحاسب قوي في معرفة المحاسبة وأصولها، والمهندس أمينٌ وقوي في صنعته؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لهدَّم العمارة، والمدرس إذا لم يكن أميناً وقوياً فكيف يدرس الطلاب ويفهمون منه؟! فهي قالت: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، فإذا بالشيخ يعرض عليه العرض ويقول: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [القصص:27]، فكون الشيخ يعرض على موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه ويسكنه معه في البيت ويشغله فهو أمر جيد، لكن مقارنة مع ما كان فيه من النعيم فهو أمر صعب، لكن الحكمة تقتضي أن يتفهم القائد الحياة بمختلف أشكالها وألوانها.

    خروج موسى بأهله إلى مصر واصطفاء الله له بالنبوة

    في هاتين المرحلتين: مرحلة النعمة والرخاء، ومرحلة الشدة والبلاء صنع الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام، قال تعالى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ [القصص:29] وأراد الرجوع إلى موطنه ضل في صحراء سيناء قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا أي: -انتظروا- إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [القصص:29]، وكانت الرسالة، وذلك أنه عندما جاء إلى النار ناداه الله سبحانه وتعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ [القصص:30-31] وهذه أدلة وبراهين أن الذي يكلمه هو الله سبحانه وتعالى، ولكي تصحبه هذه الأدلة إلى المرسل إليهم.

    فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ [القصص:31-32]، تلمع مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [القصص:32] أي: من غير أذى، وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [القصص:32].

    فالداعية الذي يريد أن يدعو الناس ينبغي له أن يعرف المهمة التي يتحملها، ويحملها إلى البشرية، وينبغي أن يوقن بهذه المهمة، فموسى عرف مباشرة ما هي مهمته، ولذلك ينبغي لنا أن نعرف عندما ندعو الناس كيف نصلهم بالله سبحانه وتعالى، وكيف نجعل قلوبهم متصلة بالله جل وعلا، وينبغي أن نعطيهم من الأدلة والبراهين على صدق المهمة وصدق الرسالة ما تطمئن به قلوبهم، ثم بعد ذلك نرسلهم ليتحملوا الأمانة.

    أمر الله لموسى بالذهاب إلى فرعون وقومه

    لقد أمر الله سبحانه وتعالى موسى بعد ذلك أن يذهب إلى فرعون وقومه، والدعوة تحتاج إلى نوعية خاصة من الرجال، وهناك مشكلات قد يدركها الإنسان قبل أن يدخل في المعمعة والميدان، ولذلك قال موسى: رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا [القصص:33]، أي: إن ذهبت إليهم فسيقتلونني، وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي [القصص:34]، فقد يحتاج الإنسان إلى أعوان على الحق، خاصة عندما يكون طريداً وحيداً، هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:62]، أي: وأيدك بالمؤمنين، فلا بد من أعوان يتحملون مع المرء دعوته، حتى الرسل يطلبون هذا، قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا [القصص:35]، أي: إذا رأوا الآيات فسيفزعون وسيخافون، ولن يستطيعوا قتلكما، فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ [القصص:35].

    بدء الصراع بين الحق والباطل

    ولما جاء موسى بآيات الله البينات إلى فرعون وقومه قالوا: هذا سحر مفترى وردوا الحق، وحصل صراعٌ بين موسى ومعه المؤمنون وبين فرعون وقومه، فقال الله سبحانه وتعالى مبيناً إعراض فرعون وطغيانه: وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [القصص:37]، فماذا كان رد فرعون؟ َقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وانظروا إلى تجرؤ فرعون وطغيانه، فهو لم يكتف بهذا، بل قال: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا [غافر:36]، أي: بناءً عالياً مرتفعاً، لماذا؟ قال: لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [القصص:38]، أي: يريد أن يطلع إلى السماء؛ استخفافاً بقومه وتضليلاً لهم، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ [القصص:38] والتضليل من صفات الحكام الظلمة؛ فالحكام الظلمة تجدهم يتلاعبون بالألفاظ؛ ليغطوا على عقول الناس حتى لا يفقهوا الحقيقة، ولا يفهموها.

    قال تعالى: وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ [القصص:39-40]، أهلكهم الله سبحانه، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص:41-42].

    وهكذا جرى قدر الله سبحانه وتعالى في تكوين القائد، وفي تحمله الدعوة، وفي مواجهته للطغاة الظلمة، وفي إهلاكه للظالمين، وهذا دائماً يتكرر في كل عصر وجيل.

    1.   

    العاقبة للمؤمنين في الدنيا والآخرة

    وقد كانت الفئة التي تتلى عليها هذه الآيات مطلع الدعوة في مكة فئة مستضعفة، تعذب وتجلد، وتقتل بعض النساء، ويهرب بعض الرجال مهاجراً إلى الحبشة، ويحاصرون في شعب أبي طالب ثلاث سنين، حتى أكلوا أوراق الأشجار، والجلود والميتة، فالله تعالى يتلو عليهم هذه الآيات؛ ليحقق سبحانه وتعالى مشيئته بالتمكين لهم؛ وذلك بأن هيأ لهم بلدة تقبلهم وتؤويهم وتنصرهم، وتتكون الدولة وتتكون الأمة، فيحكمون الجزيرة العربية، ويدخل الناس في دين الله أفواجاً، وينطلقون إلى الدول الكبرى في عصرهم كفارس والروم، والتي تمثل في عصرنا روسيا وأمريكا، فيزعزعوا بنيانها، ويجتاح المسلمون المعمورة في ذلك الوقت، والمسلمون اليوم -وهم تواقون لرفع الراية من جديد- يجب عليهم أن يقرءوا القرآن ويعلموا أن لله قدراً، وأن الباطل لا يمكن أن يستمر دائماً؛ لأنه يخالف سنة الله سبحانه وتعالى؛ ويخالف الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة ولكن يريد منا أن نعمل بالأسباب؛ ليحقق الله سبحانه وتعالى بنا الخير، ويحمل هذا الخير الرجال، ويأتي من بعدهم ليواصلوا هذه المسيرة.

    فإنما أنزل الله هذا النور ليستمر وليبقى إلى أن تقوم الساعة، وقد يضعف المسلمون حيناً وقد يقعون حيناً، ولكن الحق باق دائم إلى ما شاء الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    بيان صدق النبي صلى الله عليه وسلم والهدف من إرساله

    وهناك تعقيب من الله سبحانه وتعالى على الآيات التي ذكرت قصة موسى، فيه بيان أن هذا القرآن من عند الله، وأن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم مرسل من عند ربه، فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلمُ بهذه المعلومات الدقيقة عن موسى؛ لأنه كان في صحراء الجزيرة العربية، وكان لا يقرأ ولا يكتب، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي أخبره بأشياء دقيقة لم تكن موجودة في التوراة، والموجود منها خليط من الحق والباطل، وهذا بلا شك دليل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ودليل على صدق القرآن، قال تعالى: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:44-46]، فالهدف من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، ومن إنزال القرآن، لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ فمهمتنا -أيها الإخوة- إقامة حجة الله على عباده، ثم قال تعالى: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [القصص:47]، فإن مهمتنا الأولى: اتباع الرسل، وتبليغ رسالاتهم للعباد؛ لإقامة حجة الله عليهم، لا أن ندخل الإيمان في القلوب، فذلك لله، ولذلك يقول تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56]، والهداية نوعان: هداية نملكها، وهداية لا نملكها، فالهداية التي بمعنى: الإرشاد والتوجيه والبيان والوعظ وإقامة الحجة هي التي نملكها؛ لأنها سبب للهداية، والهداية التي لا نملكها: هي إدخال الإيمان في القلوب؛ لأن ذلك لله وحده سبحانه وتعالى.

    ولذلك يقول سبحانه لنبيه: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر:23] وقال سبحانه: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272]، أي: لا تستطيع أن تدخل الإيمان في قلوبهم، ثم يقول: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52]، يعني: فأنت تهدي بالدلالة والبيان والإرشاد والتوجيه وإقامة الحجة، وقال سبحانه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، فيوم القيامة لا يقول الله لرسله: لماذا لم تدخلوا الإيمان في قلب فلان؟ ولكن سيقول لهم: لماذا لم تبلغوا فلاناً ولم تقيموا عليه الحجة؟

    قال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص:59] فقامت الحجة.

    1.   

    حقيقة الدنيا

    1.   

    تبرؤ الرؤساء من أتباعهم يوم القيامة وتحسر المتبوعين

    ثم يعرض الله سبحانه وتعالى علينا مشهداً يحرك القلوب، ويجعل الناس يتفكرون في مصيرهم يوم القيامة، فينادي منادي الله سبحانه وتعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ، أي: هؤلاء الذين أشركوا وعبدوا أمثال فرعون واتخذوا من دون الله أنداداً، وحكموا بغير شريعة الله فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص:62]، أين هم؟

    اليوم الرسول صلى الله عليه وسلم لا يزال ينادي في سنته: هلموا أيها الناس! إلى الله، وروسيا تقول: تعالوا إلينا، فعندي الحرية والحضارة والمدنية والكفاية، وأمريكا تقول: تعالوا إلينا، والقومية والاشتراكية تنادي، وكل هؤلاء يديرون ظهورهم للإسلام، لكن هؤلاء كلهم سيناديهم ربهم يوم القيامة: أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [القصص:62-63] من شياطين الجن والإنس والطواغيت الذين كانوا دعاة شر مثل فرعون في الحياة الدنيا: رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا [القصص:63] أي: هؤلاء كانوا تابعين لنا وطائعين لنا، ونحن الذين أضللناهم، وكم ستكون حسرة الضالين حين يسمعون الذين أضلوهم يقولون هذا الكلام: نحن أضللناكم وضيعناكم؟! أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [القصص:63].

    وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ [القصص:64] أي: نادوهم فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:64-65] أي: أرسلت لكم رسلاً من عندي يهدونكم إلى الصراط المستقيم ويدعونكم إلى توحيدي، فماذا أجبتم المرسلين؟ قال تعالى: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ * فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ * وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص:66-68].

    1.   

    دعوة إلى التفكر في ملكوت السماوات والأرض

    1.   

    أنموذج بشري جديد من أهل الكفر والعناد

    وقبل نهاية هذه السورة يعرض علينا ربنا أنموذجاً بشرياً جديداً غير أنموذج فرعون، ولكنه كان من أتباع فرعون ومثل هذا النموذج نراه أيضاً في مجتمعاتنا وحياتنا، قال تعالى: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ [القصص:76]، ترك أمته ورسوله واختار الطاغية ومنهجه، بعد أن أنعم الله عليه، والله يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فقد أعطى سليمان الملك وهو نبي، وأعطى فرعون الملك وهو طاغية، وحرم أناساً صالحين؛ لأن الله يعطي الدنيا من أحب ومن لا يحب.

    قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص:76] أي: أن مفاتيح الكنوز تحتاج إلى مجموعة من الناس ليحملوها، إذ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص:76] أي: يا قارون لا تفرح؛ فإن هذا الشيء عرض زائل لا يدوم، ولا يعني هذا أن نترك الدنيا للكفار، ولكن كما قال: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77]، أي: قدم لآخرتك، واستعمل هذا المال في طاعة الله، واستمتع به، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:77-78]، أي: ملكت ذلك بجهدي، وهذا النموذج متكرر في زماننا فمثل فرعون ، وقارون ، وصاحب الجنتين المذكور في سورة الكهف، نماذج كثيرة نراها ونشاهدها باستمرار في واقع الحياة، والإنسان الذي يتدبر القرآن بتمعن يرى هذا النموذج دائماً في واقعنا، كذلك ما جاء في قوله تعالى: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا [الأحقاف:17]، وهذه نماذج لأصناف من البشر نجدهم دائماً وباستمرار، ويحدثنا الله عنهم لنتبين صفاتهم.

    قال تعالى: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79] وهذه فتنة، فقد نسي ضعفاء الإيمان أن هذا المتاع سيزول ويفنى فتمنوا مثله، ولكن المؤمنين الثابتين الصادقين الذين عرفوا حقيقة الدنيا قالوا: وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [القصص:80]، ويقول الله في سورة الزخرف: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا [الزخرف:33-35]، أي: لو كان الناس كلهم كفاراً، لأعطينا كل كافر في الدنيا بيوتاً مزخرفة ومزينة بالذهب والفضة؛ لنبين لهم هوان الدنيا عندنا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) ولذلك فلن ينال الكفار في الآخرة فيها شربة ماء، قال تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [الأعراف:50]، فإبراهيم عليه السلام يتبرأ من أبيه يوم القيامة، وذلك حين يلقى أباه وعلى وجهه القترة والغبرة، فيقول: يا إبراهيم! إني كنت أعصيك وإني اليوم لا أعصيك، فيقول: أي رب! ألم تعدني ألا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: انظر إلى ما وراءك، فإذا هو بذيخ متلطخ -أي: قد مسخ ضبعاً ثم يسحب بقوائمه ويلقى في النار.

    قال تعالى: خَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأن اللهَ [القصص:81-82]، فيتعجبوا.

    وقد كانت هذه القصص وهذه المعاني زاداً للمسلمين في بداية الدعوة، وزاداً للمسلمين على مر التاريخ، تثبتهم، وتقيم الموازين في نفوسهم، وتهديهم للتي هي أقوم، فهي غذاؤهم ونورهم، وما يزال المؤمنون يثبتون بهذه المعاني ويتدارسونها ويتبينونها.

    1.   

    الأسئلة

    حقيقة قتل موسى للقبطي وحكم قتل الكافر

    السؤال: قد عرفنا قتل موسى للرجل، فهل نفهم من هذا أنه لو قتلنا كافراً من غير قصد في ديارنا الإسلامية يغفر الله لنا، حتى ولو لم ندفع الدية لأهله؟

    الجواب: أولاً: لم يتعمد موسى قتل الرجل، وإنما وكزه ليدافع عن الذي من شيعته؛ فقضى عليه من غير قصد، فيعتبر هذا من القتل الخطأ وليس من القتل العمد.

    ثانياً: يجب علينا أن نفرق في الحكم الشرعي بين الكافر المقاتل المحارب، وبين الكافر المهادن وأهل الذمة، فالمحارب لو دخل ديارنا خلسة، فإننا نقتله؛ لأنه ليس له ذمة، أما المهادن وأهل ذمتنا فلا بد من دفع الدية له؛ لأنه لا يقتل مسلم بكافر على الصحيح؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يقتل مسلم بكافر)، ولكن عليه عقوبة شديدة، والرسول صلى الله عليه وسلم تهدد من قتل ذمياً وعليه نصف دية.

    معنى الإله لغة واصطلاحاً

    السؤال: ما معنى الإله في مصطلح اللغة والمصطلح الديني؟

    الجواب: الإله في اللغة وفي الدين هو الإله المعبود؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، قال تعالى: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] أي: معبودٍ غيري، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84]، يعني: معبود أهل السماء ومعبود أهل الأرض، فهو الإله المعبود، وكلمة (لا إله إلا الله) تعني: ليس من إله يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى، ومن الممكن أن تكون الشجرة معبوداً، والجدار معبوداً، والإنسان معبوداً فأي شيء يُعبد من دون الله فهو إله معبود.

    لكن هناك إله حق وإله باطل، وليس من إله حق إلا الله سبحانه وتعالى، ومن الآلهة التي تعبد من دون الله: الأصنام، فاللات صنم، وأصل اللات: رجل صالح كان يلت السويق للحاج ويطعمهم، وكان بالطائف، وفي مرة من المرات جاء الحجيج، وانقطع السمن، فلت لهم السويق بالماء، فصار أطيب مما كان؛ كرامة من الله سبحانه وتعالى، فلما مات عكفوا على قبره واتخذوا له صنماً.

    وأما العزى: فهي شجرة، وأما ود وسواع ويغوث فهم رجال صالحون، كان قوم نوح يعبدونهم، فهذه كلها آلهة.

    وقد ذُكر في زمن الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله أنه كان هناك نخلة، وكانت المرأة تأتي هذه النخلة وتقول لها: يا فحل الفحول! أنا أريد منك زوجاً قبل الحول، ومن لم يأتها زوج تأتي إلى النخلة وتحتضنها وتعتقد أنها ستيسر لها أمر الزواج.

    ولم يزل إلى اليوم أناس يعبدون الأموات والقبور ويستغيثون بهم ويستعينون بهم إلى يومنا هذا، فنقول: إن كل ما يدعى ويستعان ويستغاث به ويسأل فهو آلهة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007969751

    عدد مرات الحفظ

    720799365