إسلام ويب

الإيمان أساس تماسك الأمةللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن ما نراه اليوم من نكبات ومصائب وذل واستضعاف لنا إنما هو من عند أنفسنا، وذلك أننا ضيعنا أسباب النصر والعز والتمكين، فابتلانا الله بضدها. فإذا أردنا أن يغير الله الحال فعلينا أن نغير ما بأنفسنا، وأن نأخذ بأسباب ذلك من تحقيق الإيمان، وتحقيق الأخوة الإيمانية، ونبذ الفرقة والخلاف؛ فإن في الجماعة قوة وعزة، وفي التفرق ضعفاً وهزيمة.

    1.   

    الأمر بالائتلاف والنهي عن التفرق والاختلاف

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن سر اتحاد المسلمين والتئامهم وعدم فرقتهم هو إيمانهم الذي يدعوهم إلى ذلك؛ فإن الله سبحانه وتعالى جعل المبدأ العقدي أساساً للعمل كله، وجعل الاتحاد والالتئام جارياً على هذا المبدأ، فقال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[الشورى:13] ، فالمبدأ الأول ( أن أقيموا الدين ) والمبدأ الثاني: ( ولا تتفرقوا فيه ).

    وقد حذر الله سبحانه وتعالى المؤمنين من الفرقة، وبين ضررها، وأمرهم بالاجتماع على طاعته، ولذلك قال سبحانه وتعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[آل عمران:103-105].

    وبين براءة النبي صلى الله عليه وسلم من المختلفين فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ[الأنعام:159] .

    وجعل الفرقة والخلاف مظهراً من مظاهر الشرك في قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ[الروم:30-32].

    وجعل الفرقة نوعاً من أنواع العذاب، فقال تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ[الأنعام:65] .

    وحذر من الأضرار الوخيمة المترتبة عليه فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[الأنفال:45-46].

    وفي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أخرجها البخاري في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).

    1.   

    الحقوق المترتبة على الأخوة

    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ما يترتب على هذا التآخي في الله من الحقوق فقال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله ولا يكذبه، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره ثلاثاً-، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على السلم حرام دمه وماله وعرضه).

    وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بعض الحقوق التي يغفل عنها كثير من الناس فقال: ( المسلم، أخو المسلم لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله، ولا يكذبه ) هذه الحقوق كلها منطلقة من هذا المبدأ العقدي، وهو قوامها وبه التئامها، ولا يمكن أن تتراجع هذه الحقوق إلا بنقص في المبدأ الذي هو الأصل.

    فإذا انتقص الإيمان حصلت القطيعة بين الناس، ولهذا قال الله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ[محمد:22-23]، وأولى الأرحام بالصلة رحم الدين؛ لأنه الذي يقطع ما سواه وهو مستمر في الدنيا، مستمر يوم القيامة، فلا يقطعه في الدنيا الظلم والبغي؛ لقول الله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[الحجرات:9-10].

    وهو مستمر كذلك يوم القيامة؛ لقول الله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ[الحجر:47] ، فهذا الإخاء الديني مستمر يوم القيامة في جنات النعيم، لا يقطعه أي سبب من أسباب الدنيا، ولا ينقطع يوم القيامة عندما تنقطع الأنساب، ولذلك قال الله تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ[المؤمنون:101] ، ومع هذا قال: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا[مريم:85-86].

    فالمؤمنون يحشرون وفدا، ومن المعلوم أن الوفد كلمته على لسان رجل واحد، وأنه يتعاون في سيره ويشترك في رواحله وزاده، ومهمته واحدة.

    أما الذين كفروا فإنهم يساقون إلى النار ورداً، نسأل الله السلامة والعافية.

    والورد ليس بينه أي تآلف ولا تآخ ولا تراحم ولا ترابط، بل هو يساق سوقاً كما تساق غرائب الإبل.

    إن هذا الإخاء له حقوق كثيرة يلزم الوفاء بها والحفاظ عليها، ومن أعظمها أن يتذكر المسلمون أنهم أمة واحدة، وذلك يقتضي منهم التناصر، وأن لا يخذل بعضهم بعضا، والتآخي مهما كانت الظروف.

    وقد أخرج البخاري في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوما، قلنا يا رسول الله! أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالما؟ قال: تمنعه أو تحجزه عن ظلمه، فإن ذلك نصره).

    إن هذه الأمة تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم مجتمعة القلوب متآلفة فيما بينها، ولذلك حققت المعجزات وفتحت أصقاع البلاد، واستمرت على النهج النبوي زماناً طويلا، ثم بعد ذلك بدأ الخلال، لكن بقي قوامها وأصل ما يجمعها، فاستمرت على ذلك النهج المجتمع زماناً طويلاً مع ما حصل من الخلل في بعض الجوانب الأخرى، إلى أن وصلت إلى الزمان الذي نحن فيه، وهو زمان القطيعة المطلقة، حيث أصبح كل صقع من المسلمين يظن أهله أنهم أمة مستقلة، وأن لهم ذمة خاصة، وأنهم يمكن أن يراعوا مصالحهم مع أعدائهم ويعلنوا الحرب والسلم دون الرجوع إلى بقية الأمة! وهذا مناف لثوابت الشرع؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والمسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)، وقال: (وذمة المسلمين واحدة)، وقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وقال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).

    إن الجسد ما دام متماسكاً لابد أن يحافظ على هذه الخاصية التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أصيب أي إصبع من أصابعه بنكبة أو شوكة تألم لها القلب، وأحس بها الرأس والجوارح كلها.

    لكن عندما تتقطع الآراب والأوصال فذلك مؤذن بالزوال؛ لأنه مقتض لموت الجسد، فإذا قطع الرأس وقطعت الأعضاء كلها فذلك مؤذن بموت الجسد كله، فلا يقع الإحساس بما يأتي بعد ذلك.

    1.   

    بداية أدواء الأمة

    من هنا كانت أدواء الأمة في غايتها ومبدأها منطلقة من التقاطع والتناحر، فكلما اجتمعت هذه الأمة واتفقت على مبدأ من المبادئ وأزالت ما بينها من عمل الشيطان وعمل أوليائه وجنوده كلما استقام دينها، ولذلك فإن من أعظم وظائف هذه الأمة وأهمها الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ولا يمكن أن يتم الجهاد إلا باتفاق الكلمة؛ لأن الفرادى لا يمكن أن يقفوا في وجه الموج السائر الطاغي، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً[التوبة:36] ، فكما يقاتل المشركون كافة لابد أن نقاتلهم كافة، ولابد أن يهتم بذلك جميع أفراد الأمة.

    وهذا الجهاد وحده هو الذي ضمن الله لمن التزم به الهداية إلى نهجه القويم، فقد قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا[العنكبوت:69] ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ[محمد:4-6].

    إن الأمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تعرف طريق الحق برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه معصوم، فما دام بين ظهرانيهم لن يضلوا وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ[الحجرات:7] ، لكن بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتاج الأمة إلى علم للهداية، وإلى إرشاد على طريق الحق، وإلى مناصب تعرف بها المحجة التي تركها عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكل ذلك لا يتحقق إلا بالجهاد في سبيل الله، فإن حققت الأمة الجهاد في سبيل الله ضمن الله لها الهداية إلى طريقه المرضي عنده، وإن تركت الجهاد في سبيل الله وتخاذلت فيما بينها وتقاتلت سلط الله عليها أعداءها، وكان ذلك نقصاً في دينها وإيمانها بالله.

    ولذلك أخرج أبو داود في السنن و أحمد في المسند وغيرهما من حديث عطاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم).

    وقد علم من منطوق الحديث أن الدين الذي يطلب الرجوع إليه حينئذ وبه ترفع الغمة عن الأمة هو الجهاد المتروك؛ لأنه قال: ( وتركتم الجهاد ).

    والدين اسم يطلق على كل ما يدان الله به، ويطلق على بعضه أيضاً، فلذلك قال: (وتركتم الجهاد)، ثم قال بعدها: (حتى ترجعوا إلى دينكم) أي: إلى ما تركتم من دينكم، وهو الجهاد في سبيل الله، فهو دين يتعبد الله به.

    إن وحدة هذه الأمة لا يمكن أن تقاس إلا عند حصول الأزمات والنكبات، وهذه الأزمات والنكبات قد تعهد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا تشمل الأمة كلها، فإنه صلى الله عليه وسلم (سأل الله لأمته ثلاثاً: سأل الله أن لا يأخذهم بالسنين فأجاب دعوته، وسأله أن لا يسلط عليهم عدواً يستأصل شأفتهم. فأجابه لذلك، وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فلم يجبه لذلك).

    فلا يمكن أن يتسلط عدو واحد على الأمة كلها حتى يستحوذ على بيضتها ويزيل كيانها، فهذا مستحيل قد تعهد الله بمنعه، لكن يمتحن الله هذه الأمة بتسليط الأعداء على أطرافها، فهذه الأرض تنقص من أطرافها، فالله سبحانه وتعالى بين أن ذلك من أشراط الساعة، وبين أنه يأتي الأرض ينقصها من أطرافها، وذلك امتحان للأمة، فإذا تحرك فيها روح الإيمان ونوره عادت إلى منهجها الرباني القويم، وتمسكت بدينها وتماسكت فيما بينها، ونصرت المظلوم منها على ظالمه، ووقفت في وجه الطغيان من أي جهة كان مصدره، وحينئذ لابد أن يكتب الله لها النصر والتمكين.

    لكن من المؤسف أن هذا الحال المنشود المطلوب أحوج ما تكون إليه الأمة في مثل زماننا هذا عندما تكالب أعداء الله على هذه الأمة، فأتوا البلاد من أطرافها، واستضعفوا الشعوب وأذلوها، وكان ذلك بالكيد المدبر المبيت وكان أمراً قد أبرم بليل.

    1.   

    تمزق الأمة سبب ضعفها

    فأول ما بدأت به هذه الأمة من النقص والاستضعاف أن جُعلت أمماً وكيانات متباينة، ثم بعد ذلك جعل لكل قطعة منها من يقودها على غير منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعطل طاقتها أن توجه في خدمة الأمة، فكم هي الجيوش الإسلامية؟! كم يملك المسلمون من أنواع السلاح والأموال؟! كم هي وسائل الضغط التي يملكها المسلمون؟! إن هذا من الأمور التي لا تحصى.

    ولو رجع إلى الناتج القومي في البلاد كلها لوجد أرفع مستوى للناس في النتاج القومي في بلاد المسلمين، ولو رجع إلى الثروات الطبيعية في الأرض لوجد أغلبها في بلاد المسلمين، فإذا نظرت إلى المعادن كالنفط والغاز والذهب والماس وغير ذلك من المعادن فغالبها وجمهورها في البلاد الإسلامية، وإذا رجعت إلى المياة الصالحة للشرب ستجد كثيراً منها في البلاد الإسلامية، وإذا رجعت إلى السهول الصالحة للزراعة ستجد جمهورها في البلاد الإسلامية، وإذا رجعت إلى الطاقات الحية والعوامل الشبابية التي تجيد مختلف التخصصات ستجد غالبها في البلاد الإسلامية، وإذا رجعت إلى الموقع الاستراتيجي في العالم تجارياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً ستجد الأمة الإسلامية في قلبه، ومع هذا هي آخر الأمم! وقد رضيت بالذل والهوان والتخلف، وما ذلك إلا بفعل ساستها وقادتها عندما تراجعوا عن مسئوليتهم ومهماتهم، وانشغلوا بالملاهي والطرب واللعب وضيعوا أمانة الله في أعناقهم، وعطلوا طاقات الأمة، وصرفوا الجيوش -التي كان من اللازم أن تصرف لنصرة دين الله- إلى تذليل شعوبهم وإهانة أبنائهم وإذلالهم، فحينئذ قبع هؤلاء على عروش الأمة، وأمسكوا بأزمتها، فتراجع أداء هذه الأمة وأصبحت في مؤخرة الأمم؛ لأن الأمم الأخرى تقاد بقيادات -على الأقل- تهتم بأمتها وتسعى للنبل فيها، وتجد مراقبة جادة فيها.

    1.   

    سوء أحوال قادة الأمة

    أقول بكل مرارة وأسف: إن الذين يقودون البلاد الإسلامية أغلبهم لا يراعون إلا بعض مصالحهم الخاصة، ولو كانوا يراعون مصالح أنفسهم لأصلحوا ما بهم، ولأحسنوا علاقتهم بالله سبحانه وتعالى، ولأدوا الحق الذي عليهم.

    فالذين يظنون أنهم يرعون مصالحهم الخاصة كاذبون في تصورهم؛ إذ لو كانوا يرعون مصالحهم الخاصة لنأوا بأنفسهم عن نار الله وعذابه، لكنهم إنما يراعون بعض الأمور العاجلة في هذه الحياة الزائلة، ويظنون بذلك أنهم يراعون مصالحهم، وهذا غير الواقع تماماً.

    والجيوش المدججة التي تدربت وتربت وتعلمت، واشتريت لها أنواع الأسلحة من أموال هذه الشعوب المسكينة لا تبذل قوتها وطاقتها وسلاحها إلا في ظهور الشعوب المسكينة المتخلفة الذليلة.

    وحالها قريب من حال الذي يقول فيه الشاعر:

    أسد عليّ وفي الحروب نعامة ربداء تنفر من صفير الصافر

    هلا كررت على في الوغا أم كان قلبك بين جنبي طائر

    إن هذا الحال آن الأوان لزواله، فآن الأوان أن تراجع الأمة مسيرتها، وأن يهتم قادتها بتوحد المسلمين، وبإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، وأن يعلموا أنهم جميعاً أكلوا يوم أكل الثور الأبيض.

    وأن كل ما يحافظون عليه من المصالح الزائلة قد ذهب جميعاً بذهاب مصالح أي صقع من أصقاع هذه الأرض الإسلامية.

    ولذلك فإن الذين هم بمنأىً عن الحرب في فلسطين وفي أفغانستان وفي الشيشان وفي غيرها من الأماكن الملتهبة، وهم في أمن وأمان بحسب الظاهر، ويتصرفون في كثير من خيرات البلاد، ويملكون الأموال الطائلة قد رأوا أن أموالهم ومدخراتهم وكل ما كانوا يزمرونه من الأموال في بلاد الغرب قد أصبح نهبة لهذه الحروب، فما يقاتل به إخوانهم يحسب عليهم هم.

    فالحرب في أفغانستان تكلف يومياً ملياراً ونصفاً -على الأقل- من الدولارات، وهذا كله محسوب على من؟ على ممتلكات البلاد الإسلامية وعلى مدخراتها لدى أمريكا، وعلى استثماراتها في تلك البلاد.

    فإن الأمريكيين عقدوا من العهود مع عدد من البلدان الإسلامية ما يقتضي أن تشارك البلاد الإسلامية في تغطية نفقات الحروب التي تدخلها الولايات المتحدة الأمريكية.

    ففي بعض بلدان الخليج وقع العهد مكتوماً، ولكنه انتشر وعرف فيما بعد على أن الحفاظ على أمن الخليج وعلى أمن تلك الدول بذاتها يقتضي أن تشارك تلك البلدان في نفقات كل حرب تدخلها أمريكا بمبلغ كبير، ولذلك تسمع الآن تذمر اليابان من الحصة التي جعلت عليها من تمويل الحرب في أفغانستان، ولا تجد تذمراً في كثير من البلدان الخليجية التي أصبحت مدينة بعد أن كانت دائنة، وأصبحت معدودة الآن في البلاد التي بدأ التأخر والتراجع في تطورها الاقتصادي، كل ذلك بسب تلك الاتفاقيات المجحفة التي أقدم عليها أصحابها وهم لا ينظرون إلى مصالح الأمة.

    فالذي يوقع على مثل هذا العقد لا يمكن أن يكون ذلك الوقت مفكراً بمصالح أمته، بل إنما يفكر بمصلحة كرسيه العاجل في الدنيا فقط.

    وهذا الحال ليس مختصاً ببعض بلدان الخليج، بل هو أيضاً في البلدان الأخرى كلها، فبلاد المغرب العربي كل يوم تقدم على كثير من الاتفاقيات المجحفة التي فيها استغلال لخيرات هذه البلاد ونهب لها في مقابل وعود بالتمويل أو قروض ربوية، أو مقابل ما يسمونه بالتعاون الأمني الذي لا يكون إلا عصاً على رؤوس الشعوب.

    فالذي تقدمه أمريكا والبلدان الغربية لبلاد المغرب العربي أغلبه مجرد معلومات أمنية عن شعوبها المستضعفة الذليلة المهينة التي لا يخاف منها أن تفعل أي شيء، لكن تلك المعلومات تباع بأثمان غالية.

    1.   

    موت ضمير الإحساس في كثير من الشعوب

    كذلك فإن عدم شعور المسلمين شعوباً وجماعات بما يصيب إخوانهم مظهر سافر من مظهر هذا الانقطاع، إن أغلب المسلمين اليوم لا يشعرون بالحرب المقامة على المسلمين، ولا يحددون موقعهم من الإعراب، هل هم من العمد أو من الفضلات في هذه الحرب؟ وأين موقعهم منها؟

    بل لا يهتمون أصلاً بحال إخوانهم الذين تجمعهم وإياهم رابطة (لا إله إلا الله)، ويتفقون معهم في المبادئ والمناهي، وما يصل إليهم لابد أن يتعداهم إلى من سواهم.

    إن كثيراً من الشعوب المسلمة قد مات ضميرها، فلم تعد تتحرك ولا تحس بأي شيء، وهذا الحال يذكرنا بوقت التجهيل الذي ساد قبل الاستعمار، عندما شاع الجهل في البلاد الإسلامية وأقبلت على ظلمات الجهل، فكان ذلك سبب الوهن الذي أصابها، وسبب غزو المستعمر الذي جابها، فإنما كان ذلك نتيجة جهل الشعوب بحقائقها، وانفصام عراها فيما بينها، فقد كان الناس إذ ذاك في وقت مجيء الاستعمار لا يحس أهل دولة منهم أو أتباع السلطان منهم بآلام سكان البلدان الأخرى.

    فعندما أراد الفرنسيون احتلال الجزائر ودخلوها بجيوشهم وقواتهم في عام ثلاثين وثمانمائة وألف من الميلاد كان (البايات) في تونس عوناً للفرنسيين، وكان السلطان عبد العزيز في المغرب عوناً للفرنسيين.

    وقد استفتى الأمير عبد القادر علماء المسلمين إذ ذاك فيما يفعله ملك المغرب من إمداد النصارى بالمؤن والعتاد، ومن قطعه العون عن المجاهدين ومحاصرتهم، استفتى الأمير عبد القادر علماء المسلمين في هذا الفعل فأفتى كثير منهم بأنه ولاء صريح للكفار، وعليه فيعتبر ناقضاً من نواقض الإسلام.

    إن ذلك الحال الذي عاشوه إذ ذاك بسبب الجهل حصل نظيره اليوم، لا بسبب الجهل فحسب، بل بسبب المؤامرة الإعلامية التي تروج بين الشعوب المسلمة، فالإعلام يبرر هذه الحروب، ويظهرها في صورة حروب مقدسة، وأنها رد لعدوان ومحاربة للإرهاب وقضاء على المتطرفين، وأن فيها خيراً لأهل الأرض، ويخدعون الشعوب المسكينة غير الواعية بهذه المبادئ الزائفة، فيتصور الناس صحتها ويطبلون وراءها ويصفقون لها، وأقلهم حالاً الذي يسكت فلا تكون له مشاركة.

    1.   

    وجوب استيقاظ الأمة من سباتها

    إن هذا الحال حال مزر بهذه الأمة، لا يليق بها بحال من الأحوال، ولا يمكن أن يستمر أبدا، فلابد أن تستيقظ الأمة من غفلتها، وأن تحس بأن كيانها مهدد، وأن مقدساتها قد داسها اليهود، وأن خيراتها قد نهبها النصارى، وأن الإعلام الماكر يروج لكل ذلك، وأن كثيراً من حكامها يواطئون أعداءها، وبقيتهم على الأقل هم في حياد بسبب السبات والغفلة، فليس لهم أية عناية بهذه الأمة ولا بمصالحها العامة، حتى يدخل عليهم في بيوتهم كحال ملوك الطوائف في الأندلس، فكان الفونسو ملك النصارى يستعين ببعض ملوك الطوائف على بعض، فاستعان بحاكم إشبيلية على حاكم طليطلة، فلما سقطت طليطلة استعان بحاكم قرطبة على حاكم إشبيلية، وهكذا بالتدريج حتى قضى عليهم بالكلية.

    إن هذا الواقع يعيده التاريخ ويكرره، فاليوم قد أصبح كثير من حكام المسلمين حراساً لليهود ومصالحهم، فيمنعون حدودهم من أن يدخل إليها السلاح، ويمنعون الشعوب المتحمسة التي تريد الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله من الوصول إلى ذلك، بل يمنعون كل من عبر عن رفضه لهذا الظلم السافر، وأنت تسمع عن المسيرة الضخمة التي خرجت في باريس في قلب أوربا، والمسيرة التي سبقتها في ألمانيا تنديداً وإنكاراً لما يفعله اليهود المغتصبون في فلسطين، فهل سمعت أن أحداً ضرب فيها أو أوذي بأي نوع من الأذى؟!

    بينما لو سمعت عن أية مسيرة في البلاد الإسلامية العربية فستجد الكسر والطعن والنهب وأنواع الأذى، لا لأي سبب غير أن هذه الشعوب لا تستحق أن تعبر عن رأيها، ولا أن تباشر أي عمل تفهم منه أو تشم منه رائحة العزة والكرامة.

    إن هذا النوع من التطرف هو الذي يولد التطرف، فالمسيرات السلمية التي لا تفسد البنى التحتية، ولا تكسر السيارات ولا البيوت، ولا تتعرض للمارة، ولا تفسد في الأرض بعد إصلاحها، وإنما تعبر عن إنكار المنكر بالوجه الذي يبلغ ويسمع هذه المسيرات مأذون بها، وهي حق للتعبير عن رفض ذلك الظلم وإنكاره، ولا يمكن أن ينكر المنكر العام الذي تقوم به الأمم بكاملها إلا إذا أنكرت الأمم بكاملها.

    فإنكار الأفراد لمنكر الأمم لا يؤثر، وإنما يؤثر إنكار الأمم لمنكر الأمم، فإذا كان اليهود والنصارى قد فعلوا هذا المنكر الكبير فلابد أن يعبر المسلمون -أمة- عن إنكار هذا المنكر الكبير، وهذا مما لا يتم الواجب المطلق إلا به، فمن المعلوم أن إنكار المنكر واجب، وأنه لا يتم اليوم إنكار المنكر الجماعي إلا بالاستنكار الجماعي.

    لكن مع ذلك نجد كثيراً من البلدان الإسلامية يقمع فيها مثل هذا النوع من التعبير والإنكار، وهم يعلمون أن تلك المسيرات والمظاهرات لن تمس الأمن ولن تخل به، ولن تتعرض للنظام، ولن تتعرض للمصالح، بل لا تخشى منها السفارات الغربية أو السفارات اليهودية أو غيرها، وليس من هدف المسيرات إزالة تلك السفارات، وإنما هدفها الإعلان عن إنكار المنكر فقط.

    إن هذا النوع حصل في كثير من البلدان الإسلامية مع الأسف، وكان سبباً للفوضى ولإغلاق الطرق وتكسير زجاج المنازل والسيارات، والعبث الذي لا يليق بالشعوب المسلمة، وكل هذا الأمر مخالف للشرع ولا يقره أحد، لكن من أين جاء؟ وما هي بدايته؟!

    إنما كان من قبل الرفض للمسيرات السلمية، فبماذا تتضرر حكومة من الحكومات الإسلامية لو قاد رئيسها مسيرة للرفض، وخرج هو وأعضاء حكومته والشعب وراءهم يقودون مسيرة لتفيد المنكر، وللإعلان عن براءتهم -على الأقل- مما يفعله اليهود في فلسطين واستنكارهم له؟! بماذا تتأثر حكومة لو أقدمت على ذلك؟! أليس هذا سيزيدها عزة ومكانة؟! أليس سيزيدها محبة في نفوس شعبها وفي نفوس الشعوب المسلمة؟! لكن المشكلة هي أن التفكير مستورد.

    فالحكومات تستورد التفكير، يأتيها الفكر مغلفاً من الخارج كما تستورد المواد الغذائية وغير ذلك.

    1.   

    واجب الحكام تجاه قضايا الأمة

    إن هذه الأمة لابد أن يأتي الوقت الذي تحس فيه بأنها أمة واحدة.

    ولابد أن يأتي الوقت الذي تتحرك فيه لإزالة ظلم المظلومين من أفرادها، وإن أولى الناس بقيادة ذلك هم حكام الأمة، فهم أولى الناس بأن يتقدموا وأن لا يخافوا، فهم الذين بأيديهم السلاح، وبأيديهم المال، وتطيعهم الجيوش، وإن ذلك -والله- لا ينقص من أعمارهم ولا من أرزقاهم ولا من مكانتهم شيئا، بل إنه يزيدها.

    فهل سمعت أن أحداً في التاريخ أعلن الجهاد في سبيل الله فندم على ذلك؟ لا يمكن أن يقع هذا أبداً، بل إن الله تعهد بالهداية لمن سلك هذا الطريق، أليس جديراً بحكامنا جميعاً عندما اجتمعوا في بيروت أن يعلنوا براءتهم من اليهود، وأن يقطعوا علاقتهم بهم جملة وتفصيلا، وأن يعلنوا الجهاد في سبيل لإعلاء كلمة الله، لا مثل الحروب السابقة التي كانت تحت رايات أخرى غير خالصة.

    أليس جديراً بهم على الأقل أن يدعموا هذا الشعب الفقير؟ وأن يمدوا إخوانهم بالمال، وأن يمدوهم بالسلاح، وأن يتكفلوا بالأيتام والأيامى والعجزة.

    أليسوا يشاهدون على شاشة التلفزيون الجرحى الذين تنزف دماؤهم حتى يموتوا في الشارع ولا أحد يرثي لهم؟!

    أليسوا يشاهدون الأسر التي تنطلق في سياراتها فتحطمها عليها الدبابات في الشوارع؟!

    أليسوا يشاهدون سيارة الإسعاف تستغل ويخرج طاقمها، وتستغل هي لحرب الشعب الأعزل؟!

    أليسوا يشاهدون إخوانهم وزملاءهم يحاصرون في بيوت ضيقة، ويرجمون بالقذائف والصواريخ؟!

    إن ذلك كله صحيح، لكن العجب أن لا تتحرج ضمائر هؤلاء؟! ومتى تتحرك؟!

    إن بيت المقدس الآن عرضة للتحطيم والهدم، واليهود قد خططوا لذلك، ولم يرد في الوحي ما يمنع حصول ذلك، ولاشك أن كثيراً من ضمائر المسلمين يحركها هدم بيت المقدس، لكن قتل امرئ واحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ظلماً عدواناً أعظم عند الله من هدم بيت المقدس.

    إن ما يحصل كل يوم هو أعظم من هدم بيت المقدس، ولذلك يجب على المسلمين جمعياً أن يستشعروا مسئوليتهم عن مقدسات هذه الأمة وعن شعوبها المسكينة الضعيفة، وأن يقدموا ما يجدونه لله، فهم يقرؤون قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[التوبة:111] .

    فهذه الآية من قرأها ولم يقم بحقها فإنها تلعنه على لسانه، (رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه).

    إن الذي يقرأ آيات الجهاد، ويقرأ الأحاديث الحاضة على نصرة المسلمين، ولا يتحرك ضميره فهو ميت لم يعد به إيمان؛ لأن الإيمان نور رباني وروح من عند الله تحركه مثل هذه المشاهد، فإذا اختل شيء منه دل ذلك على إن الإنسان قد سلب منه إيمانه وفارقه، نسأل الله السلامة والعافية.

    1.   

    المسلمون أسرة واحدة يجب عليها التناصر

    إن ما كنا نقوله من النصح الموجه إلى حكام المسلمين نظيره أيضاً موجه إلى شعوب المسلمين، فإنهم جميعاً مخاطبون بهذا الخطاب، وعليهم أن يبذلوا ما يستطيعون لإخوانهم، وأقل ما يستطيعونه التوعية والإحساس بواقع إخوانهم، والشعور بذلك، فلاشك أن أي أحد لو كان والده أو أمه أو أخوه يعاني من أشد الألم ويصرخ في المستشفى لا يمكن أن يجد راحة بال ولا استقراراً وهو يسمع ذلك الصراخ من أحب الناس إليه وأقربهم إليه، أفلا نؤمن بأن الذين يصرخون الآن ويعانون هم من إخواننا؟

    إننا جميعاً أسرة واحدة، وإن ما يشكوه فرد واحد من أفراد هذه الأسرة لابد أن يشكوه كل الأفراد، إن ذلك مقتضى الإيمان.

    إن هذا الحال الحاصل لا يمكن أن يقر عليه بوجه من الوجوه، فلذلك لابد من العناية بتقصي الأخبار والعناية بالصدق في نقلها، والعناية بتوعية المسلمين بها، والعناية بأداء حقوق هذه الأمة، وأداء حقوق أولئك المستضعفين إليهم، وأن يقوم كل إنسان بما يستطيعه، فأين الذين يريدون أن يكونوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة في الجنة كهاتين -أي: الأصبع الوسطى والسبابة-؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين).

    إنهم يتامى كثر ينتظرون من يؤويهم، وأيامى كثر كذلك ينتظرن من يقدم لهن أية مساعدة، وشيوخ ركع قد أذلوا وأهينوا، كل أولئك من إخواننا المؤمنين الذين نسمع صراخهم ونداءهم في كل الوسائل التي ندخرها في بيوتنا، وهم سيطالبون بين يدي الله بحقوقهم.

    والمؤسف أن هذا إذا تجاوز هذا المدى فسيصل إلينا أيضاً، فهو سيل جارف امتحننا بحصوله في الآفاق، وإذا لم تنجح في الامتحان فسيصل إلينا في بيوتنا، فهل لدينا عهد من الله أن لا يصيبنا مثل ما أصاب أولئك القوم؟!

    إن كل بلد من البلدان الإسلامية هو عرضة لأن يصيبه ما أصاب أولئك، فإذا لم يقم أهله بالحق الذي عليهم حقت عليهم كلمة الله، وتحقق عليهم ذلك الوعد الذي لا يخلف.

    إننا جميعاً إذا أحسسنا بمسئوليتنا فلابد أن يكون لنا أثر، فهذه الأعداد الهائلة من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إذا عبرت عن رفضها لهذا الواقع، وأدت ما تستطيعه ولو بقدر ضئيل، وإذا لم يقدم المسلمون إلا عشر معشار ما يملكونه ويستطيعونه فإن ذلك كاف لإنقاذ فلسطين ومن عليها.

    وعلينا أن نعلم أن اليهود إنما كانوا شرذمة يسيرة قليلة قد كتب الله عليهم الذلة والهوان وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ[البقرة:61] ، ومع ذلك اجتمعت كلمتهم فاستطاعوا أن يقيموا دولتهم، وأن ينتصروا لأمجادهم، وأن يحققوا أهدافهم.

    ونحن -معاشر المسلمين- أهل العزة والكرامة، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى كتب العزة لنا، لكن شرط ذلك بانتهاج منهجه الذي ارتضى لنا.

    ونحن -كذلك- أعداد كثيرة لن نهزم عن قلة، ونحن -كذلك- أهل طاقات جبارة، ومع هذا فتلك الشرذمة القليلة المهزومة التي كتب الله عليها الذلة والصغار، وتأذن لها إلى يوم القيامة من يسومها سوء العذاب، مع ذلك تفعل فينا الأفاعيل! فإلى متى سيستمر هذا الوضع؟! إنه لابد من التعبير عن رفض هذا الحال، وأن يكون ذلك بلسان الأفعال لا بلسان المقال.

    1.   

    استشعار الأمة كونها جسداً واحداً بداية الطريق

    لابد أن يكون بهذه الأمة حراك، ولابد أن تلتقي عليه من المحيط إلى المحيط، بل إلى ما وراء ذلك، فهذه الأمة ليست محصورة في البلدان الإسلامية كما يتصوره كثير من الناس، بل قد بلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار.

    فالمسلمون في الولايات المتحدة الأمريكية يبلغون أحد عشر مليوناً.

    والمسلمون في فرنسا يزيدون على خمسة ملايين.

    والمسلمون في بريطانيا أربعة وثمانمائة ألف تقريباً.

    والمسلمون في ألمانيا قريب من ذلك العدد.

    وهؤلاء ليسوا كالشعوب المستذلة المستضعفة، بل أكثرهم مهندسون وأطباء وموظفون كبار، وكثير منهم يعملون في التخصصات النادرة وفي الأبحاث الذرية النووية وغيرها.

    لكن الذي ينقص هؤلاء جميعاً هو أن يستشعروا مسئوليتهم، وأن يقوموا بالحق الذي عليهم لله سبحانه وتعالى، وأن يؤدوا حق هذه الأمة، وأن يقوموا به.

    إن استشعار كون هذه الأمة جسداً واحدا إذا حصل فهو النقطة الأولى وهو بداية الطريق، إذا أحس الإنسان أنه لا ينتمي لدولة صغيرة ضعيفة قليلة الموارد فقيرة، وإنما ينتمي لأمة بهذه الكثافة والضخامة، لأمة ذات تاريخ عريق، ليس كتاريخ الدويلات التي تبدأ من استقلالها أو استغلالها الزائف غير الصحيح.

    هذه الأمة تاريخها بدأ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، وما زال تاريخها يشهد البطولات، وإلى يومنا هذا ما زال المضحون من أبنائها يبذلون أنفسهم لله سبحانه وتعالى، ويجاهدون في سبيله، فشعور الإنسان بانتمائه لهذه الأمة العظيمة التي هي خير أمة أخرجت للناس هو بداية استمراره على طريق الحق وسلوكه لهذا الطريق وسعيه لأن يكون له الأثر البارز في إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه.

    أما ما دام الإنسان قابعاً في منطقة يسيرة قليلة، وينظر إلى نفسه أنه من أهل تلك الدولة -فقط- ولا يهمه ما وراء حدوده فهذا المسكين الذي لا يزيد إلا تحجراً، ولا يزيد إلا غفلة واستضعافاً، وسيكون بذلك ذليلاً إلى نهاية حياته، يعيش ذليلاً ويموت ذليلا، والحق ينتظره يوم القيامة.

    فكل ما يمكن أن يقال فيما يتعلق باتحاد هذه الأمة واجتماع كلمتها قد قيل، وواقع هذه الأمة لا يزداد إلا ثبوراً يوماً بعد يوم.

    ولكن الأمل بعد نعمة الله سبحانه وتعالى وفضله هو في أولئك الأفذاذ من أبناء هذه الأمة، الذين لا تحدهم حدود، ولا يحجزهم مكان، ولا تتعلق أعمالهم إلا بالجنان، وهم يتعلقون بما عند الله الواحد الأحد، ولا يخافون إلا الله عز وجل، وينطلقون في مسيرتهم لإعلاء كلمة الله، فأولئك هم جيل النصر والتمكين، وهم الجيل الذي يكتب الله له ميراث الأرض ومن عليها، وقد قال الله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ[الأنبياء:105-106].

    وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[النور:55] .

    1.   

    إن النصر مع الصبر ولا يكون إلا بعد ابتلاء

    إن علينا أن لا ننهزم لمشاهدة هذا الذل والاستضعاف، وأن نعلم أن هذا حال من الأحوال وطور من الأطوار مرت به الأمم من قبلنا، وقد قال الله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ[آل عمران:142] ، وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ[البقرة:214] .

    إن هذا الحال من المبشرات المؤذنة باقتراب النصر، فلا يحول بيننا وبين النصر إلا أن نتجه إلى الله بقلوب سليمة، وأن نستشعر التكليف الذي جعل علينا، وأن نؤدي الحق، فمجرد بذلنا لما نستطيعه كاف في الوصول إلى الأهداف، ولذلك قال الله تعالى: قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ[المائدة:23] ، فبمجرد دخول الباب يحصل النصر من عند الله؛ لأن النصر لا تجلبه الوسائل والمعدات والأدوات، فلو كان كذلك لحصل النصر للاتحاد السوفيتي، إنما النصر من عند الله، ولا يكون إلا بذلك.

    ولهذا فإنما عودنا الله على النصر عند الرجوع إليه، وعند الامتثال لأوامره والاجتناب لنواهيه، وعودنا كذلك أن النصر دائماً مع الصبر، ولا يكون إلا بعد الابتلاء، وأن الذين ينصرون غالباً إنما هم فئة قليلة مستذلة ينظر إليها أهل الأرض جميعاً بنظرة ازدراء، ثم يكون لها التمكين والنصر، ولذلك أنزل الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[الأنفال:26] .

    فبعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه يختفون في دار الأرقم على الصفاء، نصرهم الله سبحانه وتعالى في مواطن كثيرة وأعلى كلمته وأعز دينه.

    والذين كانوا يحاصرون في الشِّعب ولا يجد أحدهم ما يقوم به قوته، ويربطون الحجارة على بطونهم من الجوع لم يعد أحد منهم بعد ذلك إلا والياً على مصر من الأمصار، كما قال عتبة بن غزوان رضي الله عنه: لقد رأيتنا في الشعب وما منا أحد إلا ويعصب الحجر على بطنه من الجوع، ثم والله الذي لا إله غيره لقد رأيت أولئك النفر وما منهم أحد إلا وهو وال على مصر من الأمصار.

    إن أولئك صدقوا ما عاهدوا الله عليه فوفى الله لهم بعهده وحقق لهم سنته، فعندما غيروا ما بأنفسهم غير الله ما بهم، فتحقق لهم ذلك بعد صبر يسير، كان صبرهم في الشعب ثلاث سنوات، ولكنهم ما لانوا وما ذلوا وما هانوا، واستمروا على الصمود على الحق، ولم يتراجعوا من أجل الضغوط والأذى، فحقق الله لهم المراد، وضرب لهم أمثلة كثيرة سبقت، فإن الله تعالى يقول: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ[آل عمران:146-148].

    إن أولئك الذين آتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة هم الذين لم يذلوا ولم يستكينوا ولم يهونوا، بل صمدوا وصبروا واستقاموا على منهج الله، ولم يستجيبوا للضغوط ولا للأذى، بل تعدوا ذلك وتحدوه انتصروا عليه.

    تذكر الحال الذي كان بها بلال عندما بطح على الرمضاء ووضع على ظهره الحجر المحمى على النار، وهو يقول: أحد أحد.

    وكذلك حال آل ياسر إذ ذاك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بهم وهم يعذبون بالسلاسل ويجرون في الرمضاء فيقول: (صبراً -آل ياسر- فإن موعدكم الجنة).

    إن أولئك الذين صمدوا وصبروا هم الذين آتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، وأثرهم ما زال بارزاً واضحاً للأيام، فما علينا إلا أن نسلك الطريق وعلى الله البلاغ.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007957952

    عدد مرات الحفظ

    720429034