إسلام ويب

علم البلاغة [9]للشيخ : عبد العزيز بن علي الحربي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يتبع المسند إليه ببعض التوابع لأغراض بلاغية؛ كالكشف عن المعنى في الوصف، وكالتقرير ودفع عدم التجوز أو السهو في التوكيد، وهكذا الإيضاح في عطف البيان، أو زيادة التقرير في البدل، وبحسب ما تدل عليه حروف العطف في عطف النسق. وكما أن لتعريف المسند إليه أغراضاً فإن لتنكيره أيضاً أغراضاً لا تخفى.

    1.   

    الأغراض من إتباع المسند إليه بالتوابع

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان، والصلاة والسلام على خير من نطق بالضاد، الذي أعطي جوامع الكلم، القائل: (إن من البيان لسحراً)، صلى الله عليه وآله وسلم.

    أما بعد:

    درس بعد ذلك صاحب التلخيص المسند إليه إذا كان متبوعاً، ودرس هذا في التوابع، والتوابع أنتم تعرفونها، التوابع يعني الأشياء التي تتبع الألفاظ المتقدمة في الإعراب، وهي: النعت والتوكيد والعطف والبدل؛ كما قال ابن مالك:

    تتبع في الإعراب الأسماء الأول نعت، وتوكيد، وعطف، وبدل

    الغرض من الإتباع بالوصف

    الموصوف: فبدأ بالوصف؛ فقال: يوصف لكون الوصف مبيناً للمسند إليه كاشفاً عن معناه، يعني الوصف يؤتى به من أجل البيان، والكشف عن المعنى المراد حينما نصف إنساناً، فحينما نقول: زيد عندنا، فزيد عندنا: مبتدأ وخبر، لكن أريد أن أكشف زيدًا هذا، وأن أصفه وأن أوضحه أكثر، فأوضح ذلك بوصف، فأقول: زيد العالم، أو زيد المقرئ، أو القارئ، وفرق بين القارئ والمقرئ، أو تقول: زيد الجاهل أو التاجر.. إلخ، فهذا يكشف الموصوف ويوضحه؛ لأنه كان قبل ذلك غير موضّح، ومثل له عندكم في التلخيص بقوله: الجسم الطويل العريض العميق يحتاج إلى فراغ يشغَله، الجسم الطويل العريض العميق، الجسم هذا هو الموصوف، والطويل العريض العميق أوصاف، و(يحتاج) هذا هو الخبر، يحتاج إلى فراغ يشغله، (الجسم يحتاج إلى فراغ يشغله) هذا هو أصل الكلام، ولكنه وصفه بهذه الأوصاف، وكل وصف كشف لنا فيه معنىً، فعندما قال: الطويل تصورنا هذا الموصوف، وانكشف لنا معنىً من المعاني، وعندما قال العريض أيضاً كذلك، وعندما قال: العميق أيضاً كذلك.

    هو جاء بهذه الأوصاف وقال: الطويل العريض العميق؛ لزيادة الإيضاح والبيان، وإلا فكل جسم ولو كان ذرة يحتاج إلى فراغ يشغله، فأنت تعطي الوصف المناسب للمعنى المناسب، هذا واضح.

    ثم قال في التلخيص: ونحوه في الكشف قوله:

    الأَلمعيّ الذي يَظُنُّ بك الظنَّ كأن قد رأى وقد سَمِعا

    الألمعي في اللغة العربية هو من كان حديد القلب حديد اللسان، ذكي القلب، وأيضاً كذلك لسانه يعبر عنه بحده، يعبر عن مقصود قلبه، يقال: الألمعي، واليلمعي، بالياء، وأصل الكلام: الألمعي كأن قد رأى وقد سمع، ولكنه وصفه بهذا الوصف، (الذي يظن بك الظن) كأن قد رأى وقد سمع، وأن ظنه يصدق، فإذا وقع في قلبه خاطر ظني لإنسان أو لشيء فإنه يكون كأنما رآه أو كأنما سمعه، وحضر ذلك المشهد الذي تعلق به الظن، هكذا يقول؛ لأن من الناس من يرجم بالغيب وظنه وحدسه يكون مخالفاً في الغالب، لكن هذا يقول: إنه لا يخالف، وإنما يصدق، ولكن ليس بصحيح، ليس هنالك من ظنه يصدق صدقاً مطرداً، أبداً، بل يكون الظن كذبًا كثيراً ، وهذا الكثير هو الظن السيء، فإذا وقع للإنسان في قلبه ظن سيء بقرائن، أو انقذف في قلبه من غير قرائن فلا عليه حينئذ، لكن لا يجوز له أن يطبق ما يتعلق بهذا الظن، هذا معنى قول الشافعي: (سوء الظن من الحلم؟) يعني سوء الظن فيه ما يكون هناك قرائن تدل على ذلك، لكنه لا يجوز أن يعامل بعد ذلك من ساء به ظنه على مقتضى ما ظنه، لا يجوز له ذلك، وإنما يجعله وسيلة إلى أن يصل بعد ذلك إلى ما يؤيده من الواقع.

    ويحكى أن الأصمعي سئل عن الألمعي، ما هو الألمعي؟ فأنشد هذا البيت ولم يجب:

    الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمع

    يعني الألمعي هو الذي يصدق ظنه.

    وقال في التلخيص: أو مخصصاً، يكون مخصصاً لماذا؟ للموصوف، نحو زيد التاجر عندنا، نحن عندنا زيود، زيد وزيد وزيد، ولكن أحد الثلاثة تاجر، والآخر جاهل وفقير، والرابع عالم مثلاً، فأنت قلت: التاجر، وهذا أفادك تخصيصاً وتمييزاً، وكقولك أيضاً: خالد العالم ذهب.

    وقد يكون كذلك للمدح أو الذم، نحو: جاءني زيد العالم أو جاءني زيد الجاهل، هنالك فرق دقيق بين هذا المثال والمثال السابق، فعندما قلت في المثال الأول: جاءني زيد التاجر، وهنا: جاءني زيد العالم، فالأول مخصص والثاني للمدح، لماذا؟ قال لك: حينما يكون للمدح لا تأتي بصفة المدح إلا بعد أن يتعين في ذهن السامع وفي قلب المخاطب من هو زيد، فإذا قلت: جاءني زيد ، خلاص عرفه، إذا قلت هذا الكلام وكان فيه كفاية في أن يعرف المخاطب من هو زيد ثم جاءت الصفة بعد ذلك فإنها تكون حينئذ إن كانت مدحاً للمدح وإن كانت ذماً للذم، وأما حين لا يعرف، والمسألة مبهمة بالنسبة له، وهو لا يدري من زيد، فوصفته بعد ذلك بوصف، فإن هذا الوصف لا يفيد المدح ولا يفيد الذم، ولكنه يفد التخصيص؛ فهو إلى الآن يحتاج إلى مدح، تقول: زيد التاجر كريم، وتأتي بعد ذلك بالوصف خبراً، فالمخاطب لم يميز من هو زيد، فحينما وصفته بما يخصصه ميزه.

    ولهذا ماذا قال عندكم في التلخيص؟ قال: أو مدحاً أو ذماً نحو: جاءني زيد العالم أو الجاهل، حيث يتعين الموصوف قبل ذكره، يعني حينما يتعين الموصوف قبل أن تذكر الوصف حينئذ يكون للمدح أو الذم، أما إن لم يتعين فلا، وفي القرآن: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ[التوبة:128]، الرسول معروف، وجاء الوصف بعد ذلك: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ[التوبة:128]، هذا بالنسبة للوصف.

    وقال البرقوقي عندكم في التلخيص: (وقد يكون الوصف لبيان المقصود وتفسيره)، واستدل على ذلك بما قاله الزمخشري عند قوله سبحانه وتعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ[الأنعام:38]، ((وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ))، (في الأرض) هذا وصف، وبعد ذلك: وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ[الأنعام:38]، (يطير بجناحيه) هذا وصف.

    وهنا قلنا: (من دابة في الأرض) يعني كائنة في الأرض، هذه صفة، ولماذا قال: (في الأرض) والدواب في الأرض، وقال: (يطير بجناحيه) وكل الطيور تطير بجناحيها؟ قال الزمخشري: إن ذلك لزيادة التعميم والإحاطة، بحيث لا يصح أن يستثني الذهن أي شيء من تلك الدواب، ولا من تلك الطيور؛ كأنه قال: وما من دابة قط، في الأرضين السبع، ولا طائر يطير بجناحيه في جو السماء، إلا أمم أمثالكم، وفيه زيادة تعميم وتأكيد.

    من غير ذلك، غير المسند إليه، وهو متعلق بالوصف، كقوله سبحانه: وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ[النحل:51]، فنهاهم أن يتخذوا إلهين، ووصف ذلك باثنين، لفظ (اثنين) هذا وصف حيثما جاء، كذلك واحد وصف حيثما جاء، وليس بتوكيد؛ فقال: لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ[النحل:51]، أي مع الله؛ لأنه لو كان إلهين، أي إلهين؟ وهم قد أشركوا مع الله غيره، فنهاهم أن يتخذوا إلهاً مع الله، هذا هو المراد، ألا ترى أنه قال بعد ذلك: إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ[النحل:51]، أيضاً وصفه بأنه واحد، ولو قال: (إنما هو إله) لكان القصد إثبات أنه إله، إثبات الألوهية مجردة، لكنه حينما وصفه بواحد وصفه بالوحدانية، وحينما يكون الوصف مجرداً عن الموصوف في (إله واحد) فإنه يعطي معنىً آخر.

    الغرض من الإتباع بالتوكيد

    التوكيد: يقال: التوكيد، ويقال: التأكيد، في اللغة العربية، والذي جاء في القرآن الكريم: التوكيد، توكيد يعني بالواو، كما قال تعالى: بَعْدَ تَوْكِيدِهَا[النحل:91]، التوكيد كما قال في التلخيص: توكيد المسند إليه يكون للتقرير، التقرير دائماً المقصود به تثبيت الأمر وتثبيت المعنى حتى يتقرر في ذهن السامع وفي قلبه، هذا هو التقرير، عندما تقول محمد محمد حضر، هذا تقرير، تقرر الموضوع.

    وقد يكون لدفع عدم التجوز أو السهو، التوكيد يأتي لدفع عدم التجوز، يعني حتى لا يظن أن المتكلم تجوز في كلامه، يعني كان كلامه من باب المجاز أو كان فيه سهو؛ فعندما يقول الإنسان: قطع الأمير يد السارق، لك أن تفهم أن الذي قطع يد السارق هو الأمير نفسه وباشر ذلك، ولك أن تفهم أن ذلك كان بأمره، كما تقول: بنى الأمير المدينة، هذا الأمر نعرفه، لكن حينما تقول: قطع الأمير نفسه يد السارق، ذهب المعنى الآخر الذي هو من باب المجاز، ولا يمكن أن يصح أبداً أن يكون المعنى أن غيره هو الذي قطع، ولا يكون هذا الكلام من باب المجاز، فهذا كلام فارغ، ليس له أساس في اللغة العربية، يرده البلاغيون واللغويون، على حد سواء.

    وكذلك دفع السهو، يعني دفع توهم السهو، ربما يظن المخاطب أنك سهوت فتأكد ذلك، حتى عندما قلت: محمد محمد حضر، أيضاً كذلك، وفي: حضر زيد نفسه كذلك.

    وأحياناً يكون لدفع توهم عدم الشمول، أحياناً العبارة تحتمل الشمول، وتحتمل عدم الشمول بأن تحتمل الكثرة، فحينما تقول: جاء القوم، يمكن واحد يأتي ويقول: المراد معظم القوم، وليس كل القوم، وهذا كلام صحيح، ونحن عندنا شيء في المنطق هو مبني على اللغة، هناك كل وهناك كلية، هناك حكم على الجميع، وهنالك حكم على المجموع، فالمراد في مثل: جاء القوم، يمكن أن يكون المراد كل القوم، يعني القوم كلهم، ويحتمل أن يكون المراد أكثر القوم، يعني مجموع القوم، تخلف منهم واحد اثنان ثلاثة.. بحسب عددهم، إذا كانوا عدداً كثيراً، أو تخلف منهم عدد قليل فلك أن تقول: جاء القوم؛ ولهذا إذا كان الإنسان ينتظر مجموعة من الناس، ثم بعد ذلك - وهو لا يعرف عددهم - جاءوا فقال: جاء القوم، وكان منهم من قد غاب كان كلامه صحيحًا، ولا يسأل بعد ذلك إذا غاب أحد: لماذا قلت جاء القوم؟ لأنه سوف يقول: أنا لم أقل: كلهم!

    فيأتي هذا اللفظ الذي هو اللفظ المؤكِد لدفع هذا الاحتمال، حتى لا يتوهم عدم الشمول، فتقول: جاء القوم كلهم، فإذا أردت أن تزيد تأكيداً قلت: كلهم أجمعون، وإذا أردت أن تزيد تأكيداً قلت: كلهم أجمعون أكتعون، وإذا زدت قلت: كلهم أجمعون أكتعون أبتعون، وإذا أردت أن تزيد قلت: كلهم أجمعون أكتعون أبتعون أبصعون، وإذا أردت أن تزيد قلت: من أولهم إلى آخرهم.. إلى آخر الكلام، ولكن اللغة العربية مبنية على الاختصار، فلا داعي إلى هذا الكلام الطويل.

    و(كل) هذه كما تعلمون تكون للتأسيس وتكون للتوكيد، أحياناً تكون للتأسيس كما لو أضيفت إلى النكرات، كقولك مثلاً: كل إنسان قائم، كل إنسان هالك، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ[القصص:88]، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ[آل عمران:185]، هذه (كل) تكون في أول الكلام وتكون للتأسيس، والتأسيس يعني أن تكون هي الأصل، وأحياناً تكون للتوكيد فتكون تابعة وليست أصلاً، نحو الأمثلة التي سمعتموها، ونحو: فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ[الحجر:30]، وإذا جئت بالتوكيد مع ذلك يصح أن تستثني، وإذا لم تستثن وكنت قد قصدت كل فرد من الأفراد بذلك التوكيد، فإن كلامك ليس بصحيح إذا كان هناك أناس قد خرجوا من هذا اللفظ، فلابد: إما أن تستثني، وإما أن تترك الكلام على ما هو عليه، وحينئذ لا يجوز أن يكون قد تخلف عن هذا المعنى أحد، وإن تخلف كلامك خطأ، فهي إذا كانت تبعاً للمعارف تكون للتوكيد، وإذا كانت مضافة إلى النكرات تكون للتأسيس.

    الغرض من الإتباع بعطف البيان والبدل

    أ‌) عطف البيان: وقد يكون التابع للمسند إليه عطف بيان، يعني يكون موضحاً بعطف البيان، مثّل له في التلخيص بعد أن قال: وأما البيان فلإيضاحه باسم مختص به، أن توضحه باسم يختص به، ومثل له بهذا المثال: قدم صديقك خالد، هذا المخاطب له جملة من الأصدقاء، له عدد من الأصدقاء، صديقه خالد وصديقه زيد وعمرو ومحمد.. فلو قلت: قدم صديقك، إلى الآن لم يتضح فنحتاج إلى ما يوضحه باسم مختص به، هذا معنى قوله: فلإيضاحه باسم مختص به، فنحتاج إلى أن نوضحه بالاسم الذي يخصه حتى يعرف المخاطب، ولو قلت: قدم صديقك، فتقول: خالد، وتنتهي المشكلة، ويكون هذا من باب عطف البيان، وعطف البيان مثل البدل، والبدل سوف يأتينا، عندنا قاعدة في النحو: (كل شيء صح أن يكون عطف بيان صح أن يكون بدلاً، إلا في مسائل قليلة).

    ب‌) البدل من المسند إليه: قد يكون لزيادة التقرير، نحو: جاءني زيد أخوك، وقد عرفتم ما هو التقرير، التقرير يعني تثبيت المعنى، وتقرير المعنى؛ فأخوك هذا فيه تقرير لزيد، وكذلك: وجاء القوم أكثرهم، حينما قال: جاء القوم يحتمل أن يكون كلهم ويحتمل أكثرهم، فعندما قال: أكثرهم عرفنا المراد، كذلك: سلب عمرو ثوبه، أيضاً كذلك.

    ويأتي أيضاً للإيضاح بعد الإجمال، كقول النابغة الجعدي:

    بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

    بلغنا السماء مجدنا وجدودنا، مجدنا هنا بدل اشتمال من (نا) لكن بدل ماذا؟؛ لأن البدل يكون مطابقاً ويكون بعضاً ويكون كلاً ويكون للاشتمال ويكون للغلط، وبعضهم يقول: إنه يكون بدل كل من بعض، يعني بالعكس، ومثلوا لذلك بقول الله سبحانه: جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ[المائدة:97]، وزاد البعض ما جاء بالكل، والأصل هو أن يكون بدلًا في الأصل، أو الأكثر، أصل يريد به الأكثر؛ فقوله: مجدنا وجدودنا، هذا بدل اشتمال، كأنه قال: بلغ السماء مجدنا وجدودنا؛ لأن البدل يصح أن يكون مكان المبدل منه، كما في: جاءني زيد أخوك، يصح أن تقول: جاءني أخوك، لكن ينقص شيء من المعنى.

    الغرض من الإتباع بعطف النسق

    وأما العطف أيضاً فيكون أيضاً معطوفاً عليه المسند إليه، وهذا أمر سهل، وهين، يعني ما يتعلق بالعطف أمر سهل، ما الذي يكشفه؟ الذي يكشفه حروف العطف؛ لأن حروف العطف مختلفة ومتفاوتة:

    منها ما يفيد مطلق الجمع.

    ومنها ما يفيد الترتيب مع التعقيب مباشرة.

    ومنها ما يكون مفيداً للترتيب ولكن مع المهلة.

    ومنها ما يكون مفيداً للاستدراك.

    ومنها ما يكون مفيداً للإضراب، وهكذا.

    فعلى حسب ما يريد المتكلم، وهذا أمر معروف، ويكون طبعاً الغرض منه في البلاغة التفصيل، والاختصار، فعندما تقول: جاءني زيد وعمرو، فهذا فيه تفصيل، بدلًا من أن تقول مثلاً: جاءني الزيدان، وتغلب أحد الاثنين على الآخر، أو تقول: جاءني الرجلان أو تقول: جاءني زيد وجاءني عمرو، قد تقول هذا الكلام وتقول: جاءني زيد وعمرو، وحتى أيضاً كذلك حينما تأتي بالفاء حينما تقول: جاءني زيد فعمرو، بدلًا من أن تقول: جاءني زيد وجاء بعده مباشرة عمرو قل: فـعمرو، وتنتهي المشكلة، وكذلك في (ثم) تفيد الترتيب وتفيد التراخي أيضاً، هذا هو أصل معناها.

    ولكن هنالك معاني بلاغية لكثير من الواوات وكثير من حروف العطف، أحياناً الحرف يخرج عن أصله أو أحياناً يشير إلى معنى، مع العلم أن من حروف العطف (أو)، سواء كانت للتقسيم أو كانت للتخيير أو كانت للشك أو كانت بمعنى الواو فهي في كل ذلك عاطفة، يقول علماء التفسير: إن قوله سبحانه: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ[الصافات:147]، هنالك من قال: (أو) بمعنى (بل) لماذا لم يقل: بل؟ فقالوا: لأن الزيادة يسيرة جداً، حتى إن العاد إذا عدهم يصل إلى الآخر ويشك، ربما يقول: أخطأت، يعني الزيادة واحد أو اثنان، هذا عدد محل للشك، في مسألة الزيادة، فقال: ((أَوْ يَزِيدُونَ))، لهذا المعنى.

    ويكون أحياناً للإبهام، وهذا يكون في الخطاب وفي المناظرة، و مثاله قوله تعالى: ((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ))، حينما يكون المقام مقام إنهاء للكلام والجدل تقول: وإنا أو إياك على صواب أو على غير صواب، هنا: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى[سبأ:24]، نحن ندري من هو على هدى، لكن الأسلوب جاء بهذا، فقالوا: إن المعنى للإبهام، وهذا من الإنصاف والعدل، ألا ترى أنه قال بعده: قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ[سبأ:25]، هذا غاية الإنصاف، فإنه نسب الإجرام إلى نفسه ونسبه إلى أصحاب الحق، وقال عنهم: (ولا تسألون عما تعملون)، وكان الأصل أن يقول: لا تسألون عما عملنا ولا نسأل عما تجرمون، أو يكون الكلام: (قل لا تسألون عما عملنا ولا تسألون عما تعملون) فتكون المسألة سواء، ولكنه مبالغة في الإنصاف والعدل قال: قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا[سبأ:25]، على حسب دعواكم أنتم، وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ[سبأ:25].

    الواو هي أول حروف العطف، والذي يدرس القرآن يجد أيضاً كذلك حينما تخرج عن الأصل أو تبرز معنىً من المعاني التي تلفت الذهن والنظر، قل: تَلفت، ولا تقل: تُلفت، لا تقل: هذا أمر مُلفت؛ فهذا خطأ في اللغة العربية؛ لأن هذا فيه عدم تفريق بين الثلاثي والرباعي؛ من لفتك هو لافت، أمر لافت، لا أمر ملفت، وسمعت من ينعى على الذين لا يراعون الثلاثي والرباعي، يعني لا يراعون اللغة العربية في كلامهم، فقال: المشكلة أنهم يلحنون في كلامهم، يُلحنون، فقال له قائل: لأنهم لا يفرقون بين الثلاثي والرباعي، هنا لأنهم يَلحنون، لا يُلحنون، هناك فرق بين لَحن وألحن.

    هنالك واو تسمى واو الثمانية، واو الثمانية مرت بكم في القرآن، جاءت في أربعة أو خمسة مواضع، هذه جمعها بعضهم، وهي قوله سبحانه: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ[التوبة:112]، وقوله سبحانه وتعالى: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا[التحريم:5]، وقوله سبحانه: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ[الكهف:22]، وقوله سبحانه: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ[الحاقة:7]، وهذه نسيت أن أذكرها أنا في كتاب وجه النهار، ومما ألحق بذلك قوله سبحانه: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا[الزمر:73]، وقال في الأولى: ((فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)).

    فمن العلماء من درس هذه المسألة لا على أنها الواو التي يسمونها واو الثمانية، بل بحث لها عن مسميات أخرى، ومنهم من قال: إنها واو الثمانية، وبعضهم قال: إنها من اللطائف وليست من المعارف، وبيان ذلك أن العرب ينتهي العدد عندها إلى سبعة، العدد من حيث الكثرة والقلة ينتهي إلى سبعة، ثم بعد ذلك تأتي بالعدد الثامن فإذا جئت به عطفته بالواو، وأنا الذي أفهم أنه إذا ذكر عددان أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة وجئت بآخر شيء فإنك تأتي بالواو فتقول: عندي كذا كذا كذا وكذا، مثلاً، فتأتي بالواو لتقيم الكلام به، للإشارة إلى أن هذا آخر الأعداد، فقالوا: إن هذه الواو جاءت لأن اللفظ كان هو الثامن، إما أن يكون لفظاً وإما أن يكون عدداً، فعدداً هذا في سورة التوبة وفي سورة التحريم، ولفظاً في سورة الحاقة وفي سورة الكهف، ألا ترى أنه قال: ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ[الكهف:22]، و: خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ[الكهف:22]، ولكنه عندما جاء بلفظ (الثامن) قال: وَثَامِنُهُمْ[الكهف:22].

    لكن الذي يحتاج إلى شيء من التأمل آية الزمر، فإنها إذا كانت واو الثمانية فإنها تشير إلى معنىً بعيد، وهو أن الفعل في (فتحت) في سياق الكلام عن الكافرين، جاء من غير واو، وجاء بواو في سياق الكلام عن النبيين، وأنه يتكلم عن الجنة، والجنة أبوابها ثمانية، وجاء بالواو كأنه قال: (وفتحت أبوابها الثمانية).

    وأما من يأتي ويقول: إن هذه الواو زائدة، وهذا الحرف زائد، فهذا شطب عليه! الزيادة هكذا من غير معنى ليست موجودة في القرآن، ولا توجد في كلام العربي الفصيح، لكن إذا قلت: إنه زائد من باب أنه يمكن الاستغناء عنه، يمكن الاستغناء عنه، هذا معروف، يمكن أن تستغني عنه، لكنك لا يمكنك أن تستغني عن المعنى الذي ذهب مع ذلك الحرف أو تلك الكلمة، لأنه أحياناً يقولون: الكلمة كلها زائدة، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[الشورى:11]، مثله زائدة، أو الكاف زائدة، الكاف ليست زائدة و مثل ليست زائدة، وهذه لها معنى وهذه لها معنى، ولماذا جيء بها؟ لتقوية اللفظ، فهذا أمر من درسه وصل إليه، لكنهم يتساهلون في ذلك -يعني العلماء- حتى الذين لا يقولون بالزيادة المطلقة قد يتساهلون بمعنى أنه الكلام لفظاً يمكن أن يستغني عن هذا الحرف أو عن تلك الكلمة ويستقم الكلام، لكنه على المعنى الدقيق لا يمكن أبداً، لابد أن يكون قد نقص من المعنى شيء.

    في الآية السابقة: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ[الأنعام:38]، تجد في التفاسير (من) زائدة، يعني: (وما دابة) فمثل هذا غير صحيح، هي ليست زائدة، بل لها معنى هنا، والمعنى حينما تقول: (من دابة) ما جاء من أحد، أقوى من قولك: ما جاءني أحد، (من أحد) هذا أبلغ؛ لأن (من) للابتداء، وإذا كانت للابتداء فالمعنى: لم يأتني أحد ممن يمكن أن يقال عنه: أحد، ابتداءً من أول واحد، من أي شيء يصدق عليه أنه أحد،لم يأتني أحد، أو (وما من دابة) ليس هنالك من دابة يصدق عليها هذا اللفظ أو هذا الاسم، إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ[الأنعام:38]، وهكذا.

    1.   

    الغرض من تنكير المسند إليه

    بقي بعد ذلك أيضاً من أحوال المسند إليه: حاله إذا كان منكّراً، التنكير هو الأصل، والمعرفة بعد ذلك، قال عندكم في التلخيص: وأما تنكيره فللإفراد، ومثل له بقول ربنا سبحانه: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ يَسْعَى[القصص:20]، يعني رجل واحد، هذا اللفظ دل على ذلك، وهذه الصيغة التي جاءت منكّرة دلّت على فرد واحد.

    وقال تعالى في سورة يس: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى[يس:20]، وهنالك فرق بينهما؛ فهذا في قوله سبحانه: ((وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى))، فيه إثبات لمجيء ذلك الرجل من أقصى المدينة، وليس فيه إخبار عنه أنه من أهل أقصى المدينة، وإنما فيه أنه قد يكون من الذين يسكنون في وسط المدينة، ولكنه حين جاء، جاء من أقصى المدينة، وأما الآية التي في سورة القصص ففيها إثبات أنه من أقصى المدينة، وهو من أصحاب تلك الِمحلة التي يسكنها الناس، في أقصى المدينة، فهذا الرجل من أقصى المدينة، وجاء يسعى، ((وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ يَسْعَى)).

    وقد يكون أيضاً كذلك للنوعيّة،؛ يعني لإثبات النوع، من أي نوع هو، أو لنوعية مطلقة، ومثل لذلك بقوله سبحانه: ((وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ))، خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ[البقرة:7]، هاهنا وقف تام، أحسن من الوصل، وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[البقرة:7]، يعني نوع من الغشاوة، وليس كل الغشاوات، إنما هي نوع، ولم تحدد.

    وقد يكون أيضاً للتعظيم والتحقير، كقول الشاعر :

    له حاجب في كل أمر يشينه وليس له عن طالب العرف حاجب

    له حاجب يعني مانع، له ما يحجبه، مانع، وهو أراد هنا الأمر المعنوي، هو لم يرد الحسي، له حاجب في كل أمر يشينه: يلحق به الشين، والعيب، والشنار، والعار، فقال: له حاجب عن كل أمر يشينه، لأنه جاء حاجب مرتين، مرة للتعظيم ومرة للتقليل أو التحقير، فقال: له حاجب في كل أمر يشينه؛ يعني فيه شيء يمنعه من الشر، وليس له عن طالب العرف حاجب؛ وليس هنالك ما يمنعه من فعل الخير، هذا المعنى الواضح؛ فهل أراد هل حاجب عظيم يمنعه من الشر، وليس له عن طالب العرف حاجب ولو كان حقيراً، هل أراد هذا أم أراد هذا؟ الذي عندكم في الكتاب: له حاجب عظيم، لكن هنا نكتة، وهي أن صاحب التلخيص جرى على هذا المعنى، له حاجب عظيم يمنعه من فعل الشر، والحاجب الذي لا يمنعه، ليس له مانع أو حاجب يمنعه من فعل الخير، ليس له مانع حقير، يعني ولو كان حقيراً، هذا هو الذي أظن أنه مشى عليه عندكم في الكتاب، على حسب اللف والنشر المرتب؛ لأنه قال: التعظيم أو التحقير، ومثل له بهذا، وأنا وجدت في النسخة التي قرأتها على بعض المشايخ التعظيم في الأول والتحقير في الثاني، ولكن الأمر يحتمل؛ لأن من العلماء من عكس، وقال: بل هذا هو الأولى؛ أن المفروض هو أن الإنسان الذي فيه حصانة من نفسه وعنده نفس مطمئنة وأمارة بالخير لا بالسوء، أنها تدله وتحثه على الخير، فلا يحتاج إلى حاجب كبير، يعني مانع عظيم، لابد أن يكون هناك عوامل عظيمة وكبيرة تمنعه من الشر؛ فيكفي كثرتها ونفسه المطمئنة التي تدله على الخير، وكفى، وأما هنالك فإنه لا يحجبه حاجب عن الخير ولو كان الحاجب شيئاً عظيماً، أمثال الجبال، أنه لا يرده عن ذلك، وهذا المعنى الأقوى والأحسن، له حاجب حقير عن كل أمر يشينه، وليس له عن طالب العرف حاجب، ولو كان عظيماً.

    أيضاً يكون للتكثير، ومثّل له في التلخيص بقوله: (إن له لإبلاً، وإن له لغنماً)، يعني إن له لإبلاً كثيرة، وإن له لغنماً كثيرة، هذا مثاله، وهذا كما تقول لطالب العلم: إن له لكتباً، وإن له لأقلاماً، يعني من كثرة ما يكتب، ومن كثرة الكتب التي يطلع عليها ويقرؤها.

    وقال أيضا: إن التنكير يكون للتقليل، ومثّل له بقوله سبحانه في سورة التوبة: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ[التوبة:72]، قال: ((وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ)) الآية محتملة، لكنه جاء بهذه الآية للتمثيل على التقليل، أي: رضوان قليل من الله أكبر من كل شيء، يعني أي رضوان ولو كان قليلاً.

    وقال: إنه قد جاء للتعظيم والتكثير كقوله سبحانه: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ[فاطر:4]، قال: أي ذوو عدد كثير وآيات عظام، وهذا نفهمه من هذا التذكير: ((كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ))، رسل سبقوك، ولهم آيات كثيرة أو عظيمة، وهم أيضاً عدد كثير، رسل كثير ولا تقل: كثيرون، فهذا من لحن القول؛ لأن كثير يفيد الجمع بنفسه، لا تحتاج إلى أن تجمعه، وعندهم قاعدة (أن ما استوى فيه المذكر والمؤنث فلا يجوز جمعه جمعاً سالماً)؛ فتقول: نساء كثير ورجال كثير، لا تحتاج إلى أن تقول: كثيرون. أنت إذا قلت: كثيرون قللته، فلا تحتاج إلى هذا، كل لفظ يستوي فيه المذكر والمؤنث لا يجمع جمعاً سالماً كما تقول: رجل صبور وامرأة صبور، لا تقل: صبورون، ولكن قل: صبور، وامرأة صدوق ورجل صدوق.

    وقال أيضا في التلخيص: (ومن تنكير غيره للإفراد أو النوعية) يعني أحياناً ينكّر اللفظ، ويكون المراد به الإفراد أو النوعية، وهذا ليس في المسند إليه، في شيء آخر، فمثلاً قوله سبحانه: وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ[النور:45]، هو قال: للإفراد أو النوعية، خلق كل فرد من أفراد الدواب، من نوع من أنواع الماء، فالتنكير في (دابة) للإفراد، والتنكير في (ماء) للنوعية، ويؤول الكلام إلى هذا، والله خلق كل فرد من أفراد الدواب من نوع من أنواع الماء، ولك أن تعكس، فتقول: والله خلق كل نوع من أنواع الدواب من فرد من أفراد الماء، كل ذلك ممكن.

    قد يكون أيضاً كذلك في غير المسند إليه للتحقير كما استشهد على ذلك بقوله: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا[الجاثية:32]، أي حقيراً، والأولى أن يكون للتقليل، إن نظن إلا ظناً قليلاً.

    ومما يفيد النوعية أيضاً في المسند إليه لا في شيء آخر قول الشاعر:

    لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها

    دواء هذا مسند إليه؛ لأنه مبتدأ مؤخر، يعني نوع من أنواع الأدوية، دواء نوعي، دواء معين.

    وهذا كلام حسن صحيح، فليس للحماقة دواء، منذ أن خلق الله بني آدم إلى الآن لم يستطيعوا أن يجدوا دواء للحُمق؛ لأنه كالداء المعنوي، والحمق نسبي في الناس، وكل كافر أحمق ولو كان ذكياً، فإن الذكاء لا يتعارض مع الحمق، فالعقل شيء والذكاء شيء آخر، والعقل حده التمييز، إذا كان الإنسان يميز بين الأشياء، بين حسنها وقبيحها ولا شك أنها متفاوتة في ذلك والناس يتفاوتون في فهم هذه الأمور، والتمييز بينها؛ ولهذا يقولون يوم القيامة: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ[الملك:10]، لأن الذكاء هذا أمر آخر، والدهاء أيضاً أمر آخر، قد يكون الإنسان داهية ولكنه لا يكون عاقلاً، ويكون الإنسان ذكياً ولا يكون عاقلاً، ويكون الإنسان عاقلاً وفيه شيء من الذكاء، لا يكون على درجة كبيرة من الذكاء.

    وبعض الناس يقول: إن أكثر الناس فيهم من هذا الداء -الذي هو الحمق- شيء، ولولا هذا الداء لفسدت الأرض، وذلك أن مثل هذا الأمر المقابل للعقل يحدث توازناً بين الناس وفي المجتمع، وإلا لو كان الإنسان على درجة كاملة من العقل وكذلك كل من حوله فإنهم لا يلجئون إلى شيء من الهزل، ولا إلى شيء مما يخالف الأصل الصحيح، وبعض المخالفات العادية المتعلقة بما يجلب الفرح والسرور ونحو ذلك يجلب لهم شيئاً من السعادة؛ ولهذا جاء في هذا بعض الأخبار، قرأت في كتاب عقلاء المجانين أخباراً أوردها النيسابوري، وهي إسرائيلية، ولكننا نأخذ منها ونحكيها، ولا نكذبها ولا نصدقها؛ فهي من أخبار بني إسرائيل، ومن تلك الأخبار: أن الله خلق بني آدم على جانب من الحمق، ولولا ذلك لما كانوا سعداء، وهذا لا يطبّق على كل أحد، ولكنه في بعض الناس وفي كثير من العباقرة -وهم عباقرة- زوايا من الحمق، لا تظهر إلا في المدلهمات وعند الخطب الجلل، حينما يكون الإنسان في مأزق من المآزق أو مدلهمة من المدلهمات، والأشياء التي تلجئه إلى أن يتصرف بعض التصرفات؛ كالعجلة فهي من أنواع الحمق، وكثرة الضحك، وهذا مما يدل على الحمق، وسرعة الغضب، وهذا مما يدل على الحمق، وتجدون هذا في كثير من الناس على اختلاف أنواعهم، وهذا عارض من القول، فالغرض متعلق بالمسند إليه لا بالحمق، وإنما هو شاهد.

    هناك سؤال يقول: ما الفرق بين النكرة واسم الجنس؟

    والجواب: هناك فرق كبير بين اسم الجنس والنكرة، اسم الجنس هذا من الأعلام، ويعتبر من المعارف، فليس هنالك فروق دقيقة بين النكرة واسم الجنس؛ لأن الفروق كبيرة وواضحة؛ فهذا نكرة وهذا اسم جنس، وإنما يسأل سؤالاً آخر: ما الفرق بين علم الجنس واسم الجنس؟ وهذه مسألة طويلة، شائكة شائقة، وهل عبارة الجنس من عبارات المنطقيين، أو اللغويين، يعني هذه عبارة مشتركة، يستعملها البلاغيون، ويستعملها النحويون، ويستعملها المنطقيون، وكل يستعملها في أصله، المنطقيون لا يستعملون الجنس في اللام، ولا يبحثون في اللامات، إنما البحث عندهم في الكليات، الجنس والفصل والنوع والخاص، ويبحثون اللفظ بغض النظر عن كونه فيه (أل) أو ليس فيه (أل)، هم لا يبحثون في اللامات وإنما يبحثون في الألفاظ ومعناها؛ فمنها ما هو واسع الدائرة في المعنى؛ كالجنس حينما يضيق بعد ذلك فيكون الشيء نوعاً، ثم بعد ذلك فصلاً، وهكذا، وقد يكون جوهراً، وقد يكون غير جوهر، هذا هو الذي يدرسونه في المنطق.

    1.   

    الغرض من الفصل بين المسند إليه وما بعده

    تكلم بعد ذلك على الفصل، الفصل يعني بين المسند إليه وما بعده، فقال: (وأما فصله فلتخصيصه بالمسند)، فمثلاً قوله سبحانه: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ[التوبة:104]، (أن الله هو يقبل التوبة) قبول التوبة هذا خاص بالله، قصرت المسند على المسند إليه، قصرت التوبة على الله، خصصت التوبة لله، كلمة (هو) هي التي أفادت هذا، يعني هو وحده لا غيره، يعني هذا مثل نفي للمشاركة ونفي للشك، (هو يقبل التوبة).

    وقد يكون أحياناً العكس، يعني قصر المسند إليه على المسند، كأن تقول: العلم هو الخشية، أنت الآن قصرت العلم على الخشية كأنك صورت العلم وكأنه لا يكون إلا إذا كان معه خشية، وهذا قصر للعلم على الخشية، فقصرت المسند إليه على المسند، يعني العلم هو الخشية فقط، العلم مقصور على الخشية، فمن كان يخشى فهو عالم؛ مصداق ذلك: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[فاطر:28].

    1.   

    الأسئلة

    الموقف الصحيح من كثرة التفريعات في علم البلاغة

    السؤال: سؤال شيخنا! بالأمس أرسلت لكم سؤالاً عن التفريعات لتقديم الفاء الموحدة -طيب.. اليوم أنت كتبت كتابة جيدة وبالأمس لم تكتب كتابة جيدة- وتأخير العين المهملة، فصحفتموها -أحسن الله إليك!- ثم شنعتم على سؤالي -غفر الله لك- والسؤال مرة أخرى: ألا ترون، حفظكم الله! - التفريعات، وتحتها خطان! - الكثيرة المتتابعة في هذا العلم -علم البلاغة- مما يعقدها، ويذهب رونقها، ويشتت الذهن عن فهمها ودرك الغاية منها -وكتب استفهاماً وتعجبين- حيث إن التفريعات وتقسيمات الفرع المسند إليه الذي هو فرع عن علم المعاني -أنت الآن تفرع! تفرع!- وذلك العلم أحد فروع البلاغة الثلاثة تبلغ قرابة تسعين تقسيماً وتزيد.. إذا قلت: وتزيد لا تقل: قرابة، قل: تسعين وتزيد، لكي لا يكون في الكلام شيء.

    الجواب: قلنا: هذا الأمر يعود إليكم، هل نحن.. هناك في التفريعات تنقسم إلى قسمين: هنالك تفرعات لا تزيدك إلا تعقيداً ولا تنفعك علماً ولا فهماً، ولا تجلي لك المعاني التي تدرس، إنما تزيدك غموضاً على غموض، وفي ذلك صعوبة أيضاً في الشرح وفي التفهيم، فهذا النوع هو المذموم.

    أما إذا كانت التفريعات، والتفريعات هذه لابد منها، وضرورية، وأنت تريد أن تدرس القرآن، وفي أغلب المسائل التي نأتي بها نمثل بآيات من القرآن الكريم، فأنت الآن بعد معرفتك لهذا العلم الذي هو مبني على معرفة علم النحو، وأنت تدرسه الآن معنا أو يدعوك إلى دراسته أو قد درسته من قبل، كل هذا يخرجك بعد ذلك مفسراً، تستطيع أن تفسر القرآن الكريم، ولا تحتاج بعد ذلك إلا إلى مطالعة التفسير بالمأثور، وما يتعلق بأسباب النزول، واصطلاح المعنى الذي تفهم به التركيب القرآني الكريم.

    فلا أظن أن في ذلك تفريعات كثيرة، لكن هي لأنها غريبة على الطلاب، وما درسوا هذا العلم بهذه الطريقة، وكل غريب ولو قلت فروعه فإن النفوس غالبا لا ترغب فيه، فاحمل نفسك على ما تكره في هذا الأمر حتى تحبه، فإذا أحببته بعد ذلك وتشربت من هذا العلم فإنك سوف تقبله، وتنقلب إلى أهلك مسروراً إن شاء الله.

    توضيح معنى: الخبر بمعنى الإنشاء في قوله تعالى: (ومن دخله كان آمناً)

    السؤال: وهذا يقول: يا شيخ! لم أفهم قولك في الآية: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا[آل عمران:97]، لماذا خبر بمعنى الإنشاء؟ رجاءً التوضيح أكثر، وجزاك الله خيراً!

    الجواب: هذا واضح وأوضحه، وسوف نوضحه إن شاء الله في الإنشاء، الأصل في الخبر أن يراد به الخبر، يعني الإخبار، الفائدة -فائدة الخبر- أولى من فائدة، على ضوء ما عرفنا من قبل، ولكن أحياناً يأتي الخبر ويراد به الأمر، يعني كأنه يصور أن المخاطب قد امتثل، فهو الآن يمثل هذا الأمر، حتى صار خبراً من الأخبار، فمثلاً قوله سبحانه: وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ[البقرة:228]، لا يوجد أمر هنا، هذا فيه إخبار بأن المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء.

    وقوله بعد ذلك: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ[البقرة:233]، الوالدات يرضعن أولادهن، هذا خبر، إخبار بأن الوالدات يرضعن أولادهن، لكن الجميع فهم من هذين الخبرين الأمر، ولكنه خرج عن الأصل، وهو أقوى، الخروج عن الأصل أقوى، ودل على الأمر أمور أخرى، ولكن هو تصوير للمخاطب بأنه قد امتثل أو يدعوه إلى شرعة الامتثال، وهنا المعنى: أيتها المطلقات تربصن بأنفسكن ثلاثة قروء، أيتها الوالدات أرضعن أولادكن.

    أيضاً كذلك هنا: ((وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا))، نحن ما الذي يجعلنا أحياناً نقول: إن الكلام خرج عن ظاهره، إنه خرج عن أصله؟ دليل آخر أو الواقع، كل هذ الأشياء من الصواحب، الله سبحانه وتعالى حينما قال: ((وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا))، هو يخاطب أناساً مكلفين، ويعرفون أن المسجد الحرام يحتاج إلى تأمين، وأنه إذا لم يؤمن فإنه سوف يدخله الخائف، يدخله الإنسان ويكون خائفاً وربما اعتدي عليه، لو ترك هكذا، هذا الواقع وهذا الحس، أو هذه اللوازم التي نعرفها هي التي جعلتنا نقول: إن المراد من هذ اللفظ الذي جاء في صورة الخبر، المراد منه الأمر، المراد منه الإنشاء، المراد منه الطلب، أمنوا من دخل المسجد الحرام.

    وإلا فإنه لو كان الخبر على ظاهره خبراً، فإن معناه أن هذا الخبر - والعياذ بالله - ليس بصادق، وأنه خبر كاذب، لكن المتكلم هنا هو الله، فهو الذي قال: ((وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا))، فلابد إذا من معنى واحد وهو: أمنوا من دخل المسجد الحرام، فإذا قال: أمنوا، وجاء الواقع بعد ذلك وخالف هذا فإننا لا نقول: إن هذا الكلام ليس بصحيح؛ لأنك لا تقول في الإنشاء لمن قال لك: هل زيد قام؟ لا تقول له: أنت صادق أو كاذب، من قال لك: لا تفعل، تقول له: أنت صادق أو كاذب، من قال لك: افعل، تقول له: أنت صادق أو كاذب، والإنشاء هو ما لا يصح أن تقول لقائله: أنت صادق أو كاذب.

    أما الخبر فهو الذي يحتمل الصدق والكذب، والإنشاء لا يحتمل الصدق ولا الكذب، فلا نقول بعد ذلك إن الواقع يصدق أو يكذب؛ لأن المراد به الأمر، لا نقول: إن الواقع يصدق أو يكذب إلا إذا كان الخبر جارياً على أصله، فهو خبر مدرج، هذا هو معنى قولهم: إن الطلب قد يأتي في صورة الخبر، أو إن الخبر قد يأتي ويكون المراد منه الإنشاء، أو إن الكلام يأتي على صورة خبر والمراد منه الطلب، الطلب هو الإنشاء، الطلب استدعاء شيء غير حاصل وقت الطلب.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3009974274

    عدد مرات الحفظ

    721838211