إسلام ويب

مقصورة ابن دريد [8]للشيخ : عبد العزيز بن علي الحربي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للغة العربية معان كثيرة جداً، ولها كذلك اشتقاقات، والاشتقاقات على أنواع، منها: الاشتقاق الأكبر، ومنها: الاشتقاق الأوسط، ومنها: الاشتقاق الأصغر، ولدراسة هذه الاشتقاقات طريق مختصر في معرفة فقه اللغة العربية ودلالات ألفاظها، وأول من صنف في هذا الباب: هو صاحب هذه المنظومة (ابن دريد).

    1.   

    شرح قول الناظم: (يغشى صلى الحرب بخديه إذا...)

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه،

    وبعد:

    قال رحمه الله: [ يغشى صلى الحرب بخديه إذا كان لظى الحرب كريه المصطلى ].

    هذا البيت متعلق بالأبيات التي قبلها، وفيه وصف لذلك الشجاع الذي ذكره في قوله:

    (يحملن كل شمري باسل شهم الجنان خائض غمر الوغى)

    ومن صفاته أنه:

    (يغشى صلى الحرب بخديه إذا كان لظى الحرب كريه المصطلى)

    وهذا وصف له بالشجاعة والإقدام؛ لأنه يقبل على الحرب، ويدخل في المعركة بوجهه، ولا يدخلها بجنبه كما يدخل الذي يخشى من ضربات الأعداء، وإنما يغشاها بوجهه غشية الرجل الشجاع المقدام.

    وكلمة يغشى -كما تقدم- مادتها الغين والشين وحرف العلة، والغين فيها معنى: التغطية، والشين فيها معنى: الانتشار، فإذا جاء هذان الحرفان متعاقبان في كلمة فاعلم أن هذا المعنى فيه شيء من التغطية على شيء، وشيء من الانتشار ولا بد أن يكون موجوداً في هذا اللفظ، بغض النظر عن الحرف الثالث ماذا يكون، قد يكون ألفاً، أو قد يكون ميماً، أو قد يكون حرفاً آخر، وهذا المعنى ملازم لهذا اللفظ، والمسألة فيها شيء من التوسع والمجاز والتشبيه، فهو كأنه يتخيل أنه شخص كبير وشبح كبير كالجبل، فإذا دخل غطى على أشياء، وهذا من قوته وقوة أثره في المعركة.

    الاشتقاق وأول من ألف فيه

    و(صلى): هذه المادة واوية معناها: حر، أي: يغشى حر الحرب ونار الحرب، والحرب معروفة وهي مؤنثة، ومادة الحاء والراء والباء تدل على السعة في جميع تقلباتها، وهو ما نسميه بالاشتقاق، فهنالك اشتقاق أصغر واشتقاق أكبر واشتقاق بينهما وهو المسمى: بالاشتقاق الأوسط.

    ودراسة الاشتقاق تختصر لك الطريق في فقه اللغة ومعرفتها ومعرفة دلالات الألفاظ، فإن اللغة العربية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فيها من التناغم والتناسب ما ليس في أي لغة أخرى، فتجد أن الحرف الذي وضع بجانب حرف آخر ما وضع إلا من أجل معنى من المعاني، فإذا اجتمع معه في كلمة أخرى ولو كان بتصرفات أخرى فإنه يدل على شيء من هذا المعنى، فكلمة: حرب لو قلبتها - وتقليبها يكون على أنحاء ستة - تجد أن فيها هذا المعنى، فلو قلت: حرب، أو قلت: بحر، ففيه معنى السعة، وكذلك رحب مكان رحب، ورُحب، كما تقول: على الرحب والسعة، أو على الرَحب والسعة، فهو فيه معنى السعة بدليل كلمة السعة بعد قولك: الرحب، وبرح كذلك.

    وكذلك حينما تأتي الكلمة وفيها حاء وباء وراء في قولك: حِبْر، وحَبْر، فالحِبر هو: المداد؛ لأنه إذا وضع على شيء انتشر، وكذلك الرجل العالم يقال له: حِبر، ويقال له: حَبر، والأفصح الكسر والأشهر الفتح، يقول ابن مالك في المثلث:

    وعالم حَبر وأيضاً حِبر وليس في المداد إلا الكسر

    وهذا المعنى -الذي هو معنى السعة- موجود في جميع تقليبات هذه اللفظة.

    أول من صنف في الاشتقاق هو ابن دريد صاحب هذه المنظومة أو هذه القصيدة، وله كتاب مطبوع اسمه: الاشتقاق، ولكنه لم يؤصل فيه التأصيل الذي أصله بعد ذلك ابن جني، وقبله شيخه أبو علي الفارسي، وأبو علي الفارسي كان يشير إليه إشارات، وتلقفها منه ابن جني هذا الفيلسوف اللغوي، ووسع هذه الدائرة، ولكنه وسعها وتكلف في طريقته في التوسع تكلفات ليست مقبولة.

    وابن فارس أيضاً ممن بنى كثيراً من المعاني على الاشتقاق، وهو من هذه المدرسة، واللغويون الذين اشتغلوا بالاشتقاق وفلسفة الكلمات ومعانيها ودلالتها قليلون.

    ومن علماء الفقه والشريعة الذين خاضوا في هذا العلم وأحسنوا الخوض فيه: ابن تيمية؛ فإنه كثيراً ما يذكر الاشتقاق الكبير، وما من إنسان يدخل في هذا الباب إلا ويدعي دعوات لا تكون مقبولةً في كثير من الأحيان، ومن جملة ما قال ابن تيمية في الفتاوى: أن كلمة السجن مأخوذة من مادة الجيم والنون، فهو ردها إلى الاشتقاق الأكبر، وقال: إن فيها معنى التغطية؛ لأن مادة الجنون والجنين والجن والجنة والجنان الذي هو القلب فيها معنى الستر، ولكن هذا المعنى هنا اتفاقي؛ لأن أصل المادة ليست جيمًا ونونًا، بل هي: سين وجيم ونون، فعلى كل حال الاشتقاق الأكبر: هو الذي يصدق فيه بعض الأحيان، ولا يصدق فيه بعض الأحيان.

    الاشتقاق الأكبر

    والاشتقاق الأكبر ما هو ضابطه؟ ضابطه: أن يكون في الكلمة حرفان أو أكثر وهذان الحرفان فأكثر يكونان أيضاً في كلمة أخرى وهكذا، ويكون ذلك بتقديم أو بتأخير أو بنفس الترتيب، ولكن يأتي حرف آخر دخيل بينهما أو بعدهما، مثال ذلك: كلمة نبأ، فالكلمات التي هي مبدوءة بنون وباء وحرف آخر، هي: نبأ ونبذ ونبع ونظر ونبز ونبض ونزع ونبق ونبه ونبو ومنه النبي والنبوة، وهذه كلمات كلها فيها معنى انبثاق شيء أو خروجه أو ظهوره أو بروزه، والاشتقاق الأكبر صادق عليها، فإذا أردت أن تمثل بالاشتقاق الأكبر بمثل هذا فإنك سوف تجده ظاهراً بيناً ومطرداً في هذه الألفاظ، وأحياناً لا يمكن كذلك.

    الاشتقاق الأوسط

    أما الاشتقاق الأوسط فهو في مثل هذه الكلمة التي هي حرف، وهنا يقل أن تختلف المعاني، أحياناً تكون هناك كلمة نفرت وخرجت من هذا المعنى، والسبب في ذلك قد يكون اختلاف الواضع الذي وضع هذه اللفظة، فقد تكون قبيلة أخرى غير التي وضعت هذه اللفظة لهذا المعنى، ولم يكن في ذهن الواضع هذا المعنى وهذا الاشتقاق، يعني: كلمة حرب، وكلمة فسر، الفاء والسين والراء، وكلمة ترك، وكلمة ستر وفسر يتفقان في المعنى، وفرس بتكلف، ورفس بتكلف بعيد.. وهكذا، هذا هو الاشتقاق الأوسط، إذاً: يكون في الكلمة أو في الكلمات التي تكون حروفها واحدة إلا أنها مختلفة في الترتيب، أما في الاشتقاق الأكبر: فالحروف لا تكون واحدة وإنما تتفق في جزء من الكلمة، وتختلف بعد ذلك في الحرف الثالث أو الرابع إلى آخره.

    الاشتقاق الأصغر

    والاشتقاق الأصغر كما تقول: ضرب من الضرب، وهذا أمر معروف، وللغويين مباحث طويلة قديمة في مسألة الاشتقاق من أصله، بعضهم ينكر الاشتقاق، ولكن الذي ينكر الاشتقاق سوف يقع في مضايق كثيرة، ولا يجيب عن أسئلة كثيرة، فأحياناً تكون الكلمة ثنائية، وأحياناً تكون الكلمة ثلاثية، والكلمات الثنائية قل أن يكون فيها شيء من الاشتقاق؛ لأنها تكون في الأدوات وفي الحروف، وأحياناً يكون هناك خلط بين الحروف أو الأدوات والكلمات، أو كلمة جامدة وكلمة مشتقة مثل: مِن ومَن، وكثيراً ما يكون الاشتقاق بهذه الأنواع التي ذكرتها فيما كان له أحرف ثلاثة، هذا هو الذي يكون فيه الاشتقاق وتقلباته، وهي تكون على ستة أنحاء، فإذا كانت الكلمة رباعية نحو: عقرب فإنها سوف تصل إلى أربعة وعشرين لفظاً، لكن تجد أكثرها مهملة، وإذا بحثت في كلمة عقرب سوف تجد كلمات يسيرة؛ لأنه ليس هناك قعرب، ولا نقعب، ولا ربقع.. إلى آخره، فإذا كانت الكلمة خماسية فسوف تجدها في تقليباتها أكثر من مائة وعشرين كلمة، ولكن تجدها في الغالب مهملة، فكلمة: سفرجل لو قلبتها لا تجد لها كلمة أخرى، إنما هذا أمر افتراضي.

    يقول: (يغشى صلى الحرب بخديه)، وفي رواية: (بحديه)، أحياناً لا يكون هناك رواية لكنه تصحيف، والتصحيف يقبل هنا المعنى فقط، فيروى بحديه أي: بحدي سيفه، أو بخديه وهذا أبلغ في المعنى، يعني: أنه يدخل بوجهه.

    ( إذا كان لظى الحرب كريه المصطلى )، وهذا موقف لا يستطيع كثير من الناس أن يغشاه، ولكن هذا لشجاعته وقوته وإقدامه دخل في هذه المعركة بهذه الصورة، وأهل فلسطين يضربون مثلاً شريفاً ورائعاً في الشجاعة والقوة والإقدام، نسأل الله أن ينصرهم وأن يخذل عدوهم.

    وجه تسمية الحرب حرباً

    يقول: (يغشى صلى الحرب بخديه إذا كان لظى الحرب كريه المصطلى)

    قلت: إن الحرب مؤنثه وهذا هو الغالب، وقد تذكر، وسميت بذلك؛ لأنها تحرب المال والأنفس، أي: تذهب بها، قال طرفة:

    يجبر المحروب فينا ماله ببناء وسوام وخدم

    (المحروب: المسلوب).

    و(لظى الحرب) أي: اتقادها واشتعالها، و(كريه) خبر كان أي: مبغوض، يقول: يدخل ذلك الشجاع في الحرب المشتعلة بسيفه في الوقت الذي يكون فيه حر الحرب كريهاً لا يطيقه إلا من كان مثله، وهذا على رواية: بحديه، وبوجهه إذا كان بخديه.

    1.   

    شرح قول الناظم: (لو مثل الحتف له قرناً لما...)

    ثم قال رحمه الله بعد ذلك:

    [ لو مثل الحتف له قرناً لما صدته عنه هيبة ولا انثنى ]

    سوف يصفه بأوصاف كثيرة جداً بعضها من باب التبليغ، وبعضها من باب الإغراق، وبعضها من باب المبالغة المذمومة الذي هو من الغلو، وسوف يأتينا إن شاء الله أمثلة لذلك.

    يقول: (لو مثل)، (لو) أصح ما قيل فيها: أنها حرف امتناع لامتناع، أي: يمتنع الشيء لامتناع شيء آخر، تقول: لو ذاكرت لنجحت، يعني: امتنع النجاح لامتناع المذاكرة، وهذا هو أقوى وأشهر المعاني لكلمة (لو) التي فيها معركة كبيرة، ويقول السيوطي في الكوكب الساطع:

    والمعربون والذي في الفن شاع بأنها حرف امتناع لامتناع

    وهي بخلاف لولا فإنها حرف امتناع لوجود.

    الاتصاف بالشجاعة والإقدام

    (لو مثل الحتف له قرناً لما صدته عنه هيبة ولا انثنى)

    يقول: إن الهلاك أو الموت لو مثل في شخص وكان أمامه كالعمود (لما صدته عنه هيبة ولا انثنى)، أي: ما رجع ولا خاف ولا جبن؛ لأنه إنسان مقدام، فهو لا يخاف الموت، فمن طلب الموت وهبت له الحياة، فهو لا يخشى الموت ولا يخشى الهلاك، يقول: (لو مثل الحتف)، والحتف قلبها أيضاً تجد فيها ما شغلنا بالك به قبل قليل، و(القرن): هو الضد للخصم، و(صدته) أي: منعته، وفي اللغة العربية: صد يصِد ويصُد، وهي تأتي لازمة وتأتي متعدية، حينما تكون لازمة يقال: صد يصِد ويصُد، بمعنى: أنه أعرض وضج، إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف:57]، وفي قراءة: (يصُدون) أي: يضجون، وأما التي تكون متعدية فإنها تكون بالضم فقط، صد يصد أصلها يصدد وتلك يصدِد، وصده بمعنى: منعه، وهي هنا متعدية، و:

    علامة الفعل المتعدي أن تصل ها غير مصدر به نحو عمل

    فهنا اتصلت به الهاء فهو متعدي.

    معنى كلمة هيبة

    (لما صدته عنه هيبة)، يقال في اللغة العربية: هابه بمعنى: خافه، وفلان هياب أي: كثير الخوف، وفلان غير هياب أي: لا يخاف، (غير هياب ولا وجل)، ومن الكلمات التي تستعمل في الخطابات الآن مثلاً: نهيب بفلان أو نهيب بالطلاب من أهاب، لكن صاحب القاموس لم يذكرها بهذا المعنى، واستدرك عليه الزبيدي في التاج هذا المعنى، أما أهاب فموجود في اللغة بمعنى: زجر، وأهاب بالخيل أي: زجرها، ثم توسع في هذا المعنى، فذكر من المعاني التي هي من باب المجاز فمثلاً: أهاب الرجل بأخيه أي: إذا دعاه وحذره، فعندما يقال: نحن نهيب بفلان أو نهيب بكم أي: نحن ندعوكم مع تخويف وإنذار وتحذير، فالمعنيان اثنان في واحد.

    (ولا انثنى) بمعنى: رجع، يقال: قفل ورجع وانثنى وكر بمعنى واحد.

    يقول: لو صور له الموت والهلاك خصماً أمامه لبرز إليه ولما منعه ذلك هيبة، ولا رجع عن عزمه وقتاله.

    1.   

    شرح قول الناظم: (ولو حمى المقدار عنه مهجة...)

    ثم قال رحمه الله بعد ذلك:

    [ ولو حمى المقدار عنه مهجةً لرامها أو يستبيح ما حمى ]

    المبالغة في الكلام إلى حد الكذب وخلو القرآن منها

    بدأ الآن يبالغ، وسيأتي بعد ذلك أنه يبالغ مبالغةً أكبر من هذه المبالغة إلى أن يخرج إلى حد الاستحالة، وهذا شيء لا يمكن أن يتصور، لا في العقل ولا في العادة، يقول هنا: (ولو حمى المقدار)، هذا كذب، لكن أعذب الشعر أكذبه؛ لأن كلام الإنسان أحياناً لو كان صحيحاً يكون ممجوجاً، فإذا بالغ الإنسان فيه وأغرق فيه وزاد، وجاء بأشياء مكذوبة فإنه يكون أملح عند الناس وأكثر تأثيراً؛ لأنه من باب السحر، وهكذا في أكثر شعر الشعراء.

    ولم يكمل كلام اجتمع فيه الصدق مع قوة التأثير والبلاغة -غاية البلاغة في كل ألفاظه- إلا في القرآن وفي كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لكن القرآن هو في أعلى ذرى الإعجاز، فالكلام له طرفان: أعلى، وهو حد الإعجاز وما يقرب منه، وأسفل: وهو إذا ما غير الكلام عنه إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات، فمن الصدق ما هو ممزوج، يعني: لو قال هذا القائل من قبل:

    الليل ليل والنهار نهار والبغل بغل والحمار حمار

    والديك ديك والدجاجة مثله وكلاهما طير له منقار

    هذا كلام حسن وصحيح، فهو لم يكذب في شيء لكنه كلام إنسان أحمق، لكن لو قال:

    ألف السقم جسمه والأنين وبراه الهوى فما يستبين

    لا تراه الظنون إلا ظنيناً وهو أخفى من أن تراه الظنون

    قيل: إن هذا من أمتع الشعر وأعذبه، وهو كذب، ولكن فيه شيء من التحليق على المعاني، والتجاوز أيضاً في المقصود، فكان له أثر.

    أقسام الغلو في الكلام

    ولذلك يقولون: إن الغلو في الكلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تبليغ، وإغراء، وغلو، والتبليغ أن يكون الشيء ممكن في العقل والعادة، ولكن فيه بعد، فقول امرئ القيس:

    فعادى عداءً بين ثور ونعجة دراكاً ولم ينضح بماء فيغسل

    يقول: إن هذا الفرس -وهو يتكلم عن الفرس- أدرك ثوراً ونعجة، ومكث يلاحق الثور والنعجة ملاحقة كثيرة جداً، ومع ذلك لم يسل منه ما سال منهما من العرق، هل هذا ممكن في العقل وفي العادة؟ ممكن، لكن فيه بعد؛ وهذا يعود إلى الجو.

    وأحياناً يكون الشيء ممكن في العقل، ولكنه في العادة غير ممكن، كما قال الشاعر:

    ونكرم جارنا ما دام فينا ونتبعه الكرامة حيث مالا

    معنى البيت واضح، يعني: هل يمكن أن يتبعه الكرامة حيث مالا؟ هل يمكن أن يكرم جاره حيثما حل وحيثما سار في كل مكان لم تجرِ العادة بأنه يتابع جاره في كل مكان ويستطيع أن يكرمه في كل مكان ذهب إليه، وهذا غير موجود في العادة، ولكنه ممكن في العقل، فلو أن واحدًا سخر نفسه ووظفها لهذا الأمر لأمكن، وأبعد من ذلك ما ليس بممكن لا في العقل ولا في العادة، كما قال ذلك الشاعر وقد كذب فيما قال:

    وأخفت أهل الشرك حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق

    وكيف يكون هذا؟ يقول: إنه أخاف أهل الشرك حتى إن النطف التي لم تخلق تخافه، وهذا كذب صراح، والقرآن ليس فيه من هذا شيء، وكقوله الشاعر:

    لم يحك نائلك السحاب وإنما حمت به فصبيبها الرحضاء

    هذا أيضاً كذب؛ لأنه في العادة أن الممدوح يشبه بالسحاب لأن هذا نوع من الكرم، يعني: هذا رجل كريم فهو يمدحه، وهو لو قال: إن هذا السحاب حينما أمطر وسال منه الودق إنما كان هذا كرماً منه، لو قال هذا لكان هذا مقبولاً نوعاً ما، لكنه قال أبعد من ذلك، قال: إن هذا المطر الذي نزل من السحاب هو في الحقيقة لن يتشبه بك، ولكنه أصابته الغيرة من كرمك، فهذا إنما هو عرق من جراء الرحضاء والحمى، وإنما حمت به فصبيبها الرحضاء.. إلى آخره، والكلام في هذا كثير.

    يقول:

    (ولو حمى المقدار عنه مهجةً)

    المهجة هي: الدم أو الروح أو دم القلب، هذا معنى المهجة، وفي اللغة: مهج جاريته أي: جامعها، ومهج أمه أيضاً أي: رضعها، هذا كله في اللغة العربية، (ولو حمى المقدار)، ما هو المقدار؟ القدر، يقال: القدر والمقدار، (ولو حمى المقدار عنه مهجةً لرامها) لقصدها أو طلبها، (أو يستبيح ما حمى)، (أو) أنتم درستم (أو) هذه التي يأتي بعدها الفعل المضارع ويكون هناك (أن) مضمرة بعدها؛ لأنه قال ابن مالك:

    كذاك بعد أو إذا يصلح في موضعها أو إلا أن خفي

    هذا البيت يقرأ من آخره بيت ابن مالك أن خفي بعد أو إذا يصلح في موضعها، فالمعنى هنا: لرامها إلا أن يستبيح ما حمى، (ولو حمى)، المقدار عنه مهجةً لطلبها، فالظاهر أنها بمعنى: إلى أن يستبيح ما حمى؛ لأنها تأتي بمعنى: إلا أن أو إلى أن، يقول: ولو منع القدر من هذا الفارس نفساً من الإهلاك لطلب هلاكها وجهد في ذلك إلى أن يستبيح ما حماه القدر منه.

    1.   

    شرح قول الناظم: (تغدو المنايا طائعات أمره...)

    ثم قال رحمه الله بعد ذلك:

    [ تغدو المنايا طائعات أمره ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى ]

    وهذا أكذب من البيت الذي قبله، يقول: إن المنايا أصبحت طوع أمره، يعني يقول لفلان: كن ميتاً فيكون ميتاً، وهذا لا يكون إلا لله، فقد خلع عليه ما لا يجوز أن يخلع على البشر، يقول: (تغدو المنايا طائعات أمره)، غدا: بعضهم يجعلها من أخوات كان وأنها بمعنى: أصبح، غدا: إذا ذهبت الغدو، ولذلك طائعات ما إعرابها؟ خبر.

    معاني المنايا ووزنها

    (تغدو المنايا طائعات أمره ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى)

    المنايا، مادتها الميم والنون وحرف العلة، وهذه، المادة في اللغة العربية في باب الاشتقاق تدل على التقدير حيثما جاءت، وقد اتفق الراغب الأصبهاني وابن فارس في تأصيل هذه الكلمة ومعناها، فالمني والمنية والمنى والمنوان تعني: عسلاً وتمراً يقول: المنى؛ لأنها هي من المقادير، وهذه فيها معنى التقدير، والمنية: هي من القدر بلا شك، والمنو كذلك، والمنايا: جمع منية، ومنية على وزن فعيلة، وتمنى أيضاً كذلك؛ لأن المتمني في أمله يقدر أن يحصل شيء، أن يحصل كذا وأن يحصل كذا التمني داخل أيضاً كذلك في هذا المعنى، تمنى فلان تمنياً وأمنية، لكن أمنية ما وزنها يا وجه النهار؟ أمنية على وزن أفعولة، وأصلها: أمنوية.

    قاعدة قلب الواو ياء مع الإدغام إذا اجتمعت بالياء وسبقت بسكون

    هناك قاعدة ذكرتها وهي أنه لا يوجد في اللغة العربية وزن أفعية ولا أفعلة، فالحاصل: أن فيها إعلال، كما تسمع في قول ابن مالك: إذا اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فإننا نقلب الواو ياءً وندغم الياء في الياء سواء تقدمت الواو أو الياء، وهذه قاعدة مشهورة ومهمة، مثل: سيد؛ لأنها من ساد يسود، وهذه المادة أصلها واو وليس أصلها ياءً كما يظن بعضهم، ولذلك جاء في بعض الأحاديث التي ادعاها بعضهم: (لا تسيدوني في الصلاة)، اللغوي هنا يستطيع أن يعرف أن هذا الحديث -من غير بحث في الإسناد- ليس بصحيح بهذا اللفظ؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لقال: لا تسودوني في الصلاة، لا يقال: لا تسيد فلانًا؛ لأنه لا بد من الرجوع إلى الأصل الذي هو الواو في مثل هذا، فالمادة واوية، وميت كذلك، وأمنية كذلك، ومنية كذلك، والقاعدة هذه في بيتين:

    إن يسكن السابق من واو ويا واتصلا ومن عروض عريا

    فياءً الواو اقلبن مدغما

    هذا معنى قولنا: تقلب الواو ياءً، وتدغم الياء في الياء.

    ثم قال:

    وشذ معطىً غير ما قدر رسما

    يعني: شذ ما أعطي غير ما قد ذكر من قبل، وأن بعض الكلمات شاذة، والقواعد النحوية كثير منها شاذ، كما قالوا: عوى الكلب، الأصل في المصدر على هذه القاعدة أن نقول: عوى الكلب عية، ومصدر المرة عية، لكن لم يسمع هذا إنما سمع عوية، واجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، يعني: سبقت الواو بالسكون ومع ذلك لم يحصل هناك قلب.

    وكذلك إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [يوسف:43]، (للرؤيا) في قراءة (للرويا تعبرون)، هذه جاءت على العكس، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، ولم تقلب، ومن ذلك رجاء بن حيوة.. وهكذا.

    المنايا جمع منية وأصلها منوية فأبدلت الواو ياءً وأدغمت في الياء الأخرى إلى آخره، والمنى: القدر، قال الشاعر:

    لعمرو أبي زيد لقد ساقه المنى إلى جدث يوزى له بالأهاضب.

    المنى: القدر، يوزى: يحاط، الجدث بمعنى: القبر، والقبر هو الرمس والجدث، ولهذا من السب الشائع على ألسنة الناس: لعن الجدث، ولا يدرون ما الجدث، إنما يلعنون فقط، وهم يلعنون القبر، وهو من باب القلب، أحياناً تقلب الثاء فاء، وأحياناً الفاء تاء في أول الكلمة حتى أنهم في: وَفُومِهَا [البقرة:61] في سورة البقرة قالوا: هي لغة في الثوم، وفي لغة: فم في ثم؛ لأن الحرفين يخرجان من الشفه، الفاء تخرج من الشفة السفلى مع أطراف الثنايا العليا، والثاء قريبة من الشفه فهي تخرج من ظهر طرف اللسان مع أطراف الثنايا العليا، فالمخرج متقارب.

    وكذلك الرمس والضريح واللحد وهو: الشق في وسط القبر، يقال: لحد وألحد، والجبانة المقبَرة والمقبِرة، يقال: قبرته، إذا دفنته، وأقبرته: صيرت له قبراً يدفن فيه، أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21]، والكفن: لباس الميت، والخال: ثوب يوضع عليه ثم يستر به، والخال من الألفاظ المشتركة التي لها معان كثيرة.

    والنعش السرير، والجنازة وهي النعش، أو هي الميت على النعش، وقيل: الجنازة وهي النعش بكسر الجيم، والميت من فوقه إذا كانت بالفتح، فالفتحة حركة فوقية لما كان فوق، والكسرة حركة سفلية لما كان أسفل، قال هذا بعضهم، إذاً: الجنازة هي النعش بكسر الجيم، والميت من فوقه إذا كانت بالفتحة وهي حركة من فوق، وكل شيء جنزته فقد سترته، والبيت الذي بعد ذلك هو شاهد للمنى:

    ولا تقولن لشيء سوف أفعله حتى تبين ما يمني لك الماني

    بمعنى القدر، يعني: لا تفعل شيئاً حتى يظهر لك ما يرشدك إلى فعله أو عدم فعله، حتى تبين أصله.

    قاعدة حذف إحدى التاءين من أول الكلمة

    فتتبين بالتاءين، لكن إذا اجتمعت التاءان في كلمة يكون هناك ثقل في النطق؛ ولذلك يتتعتع الإنسان حينما ينطق به، ولذلك العرب أحياناً تحذف إحدى التاءين، وأحياناً تدغم التاء في التاء، وفي قراءة يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ [هود:105]، وفي قراءة: (يوم يأتي لا تتكلم)، أصلها تاءان، فحذفنا إحدى التاءين منها تخفيفاً، كذلك قوله: نَارًا تَلَظَّى [الليل:14] أصلها: (تتلظى)، فحذفت إحدى التاءين منها تخفيفاً، والذي أثبت التاء أثبتها لكن بالإدغام؛ لأن الإدغام تخفيف، فقال: (( نَارًا تَلَظَّى ))، وَلا تَنَازَعُوا [الأنفال:46].

    (يوم يأتي لا تكلم)، التاءات معروفة للبزي يعرفها القراء.

    يقول ابن مالك:

    وما بتاءين ابتدي قد يقتصر فيه على تا كتبين العبر

    وفي معنى هذا البيت: (تغدو المنايا طائعات أمره)، يقول: تصبح المنايا في قبضة يده، إن شاء قضى عليها الموت، وإن شاء أرسلها إلى أجل، وهذا كله من المبالغة المذمومة.

    فهناك حينما قال: (أليةً باليعملات يرتمي) قال بعد ذلك: (بذاك) أي: أقسم بذاك ألية، ثم قال: أقسم بذاك أم بالخيل، ثم أضرب عن هذا القسم بقسم آخر، وقل: بل، وهي تأتي للإضراب وأحياناً إضراب بعد إضراب بعد إضراب، فهو إما أن يكون تفنناً في الأسلوب، أو إما أن يكون الإضراب للاضطراب الذي حصل في نفس المتكلم، يعني: كان العرب مضطربين في شأن القرآن، وفي شأن النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك حكى الله قولهم: بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ [الأنبياء:5]، هذا يدل على تخبيطهم وتخليطهم فيه، لا يدرون ما الأمر، فمرةً يقولون كذا، ومرةً يقولون كذا، وتارةً كذا، وآونة كذا، وطوراً كذا إلى آخره.

    1.   

    شرح قول الناظم: (بل قسماً بالشم من يعرب هل...)

    قال رحمه الله:

    [ بل قسماً بالشم من يعرب هل لمقسم من بعد هذا منتهى ]

    معاني القسم

    فهنا يقول: (بل قسماً)، قال ابن فارس، مادة القاف والسين والميم لها أصلان، وهي: القسامة التي هي: الجمال، فلان فيه قسامة يعني: وسامة وجمال، والمادة الأخرى: القِسْم والقَسَم، والقِسم هو جزء من الشيء، إذاً عندنا لفظة تدل على الوسامة، ومعنىً آخر يدل على جزء من الشيء، ومن ذلك القسم، وقال: إن أصله من القسامة؛ لأن القسامة أيمان تقسم على أولياء المقتول، فهم يحلفون بأن الذي قتله هو فلان أو أولئك يحلفون بأنه.. تعرفون القسامة.

    لكن الراغب الأصبهاني ردها إلى شيء واحد، وجعلها من باب التجزئة، وأنها تدل على جزء من الشيء، فالقسامة هي الجمال، وكأن كل عضو من أعضاء الجسم أخذ قسمه وحظه من الجمال والحسن، وعلى هذا أصل هذه الكلمة، وإن كان هو لا يؤصل، لكن من مجموع كلامه تستطيع أن تستخرج بعد ذلك ما يريد، وما يرمي إليه، أما ابن فارس فإنه يؤصل فيقول: الكلمة لها أصلان أو أصل أو ثلاثة أو أربعة.

    ذكر الخلاف في أول من تكلم بالعربية

    قال: (بل قسماً بالشم) جمع شم، وقد مر بكم معنى الشم والأشم، (من يعرب): هو ابن قحطان، هذا قاله ابن دريد نفسه: بأن يعرب بن قحطان سمي يعرباً؛ لأنه هو أول من أعرب فعدل عن السريانية إلى العربية، ونطق بها، وهو كان يتكلم بالعربية، وأبناء يعرب بن قحطان هم العرب العاربة كما يقولون وفي ذلك خلاف، والمستعربة هم: أبناء إسماعيل، يقال: أول من تكلم باللغة العربية هو يعرب، وقالوا: أول من تكلم باللغة العربية هو إسماعيل، فاضطرب القولان، فجمعوا بينهما بأن هذا أول من تكلم، وهذا أول من طورها، لكن الذي تكلم بها على لغة أفصحية وعلى طريقة حجازية هو: إسماعيل، وهو طورها يعني تكلم بها بأسلوب آخر، فهذا تكلم بها وهذا تكلم بها، وهو في الصحيحين، وهو ما جاء بها من عنده إنما تلقاها وتعلمها من جرهم.

    قال:

    (بل قسماً بالشم من يعرب هل لمقسم من بعد هذا منتهى)

    هو حينما أقسم بالنوق وأقسم بعد ذلك بالخيل أقسم ها هنا بالشم من يعرب، تنقل في القسم من الإبل إلى الخيل إلى الناس، فقال: بل أقسم قسماً بالرجال الشم الذين هم من يعرب بن قحطان، هل يكفيكم هذا القسم؟ هل تريدون قسماً أكبر من هذا القسم؟ سأل هذا السؤال فقال: هل لمقسم من بعد هذا منتهى؟ فإنه فيما يظن أنه أقسم بأكبر قسم فليس بعد هذا القسم قسم؛ لأن إليه المنتهى.

    (بل): للإضراب، وهي تأتي لإبطال ما قبلها، وتارةً لغير الإبطال، بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ [الأنبياء:5] هذا للإضراب، ولإبطاله نحو: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ [المؤمنون:70]، أبطل الكلام السابق فقال: بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ [المؤمنون:70]، يقول هنا: بل أقسم بأهل الشمم والشرف الذين هم من يعرب بن يشجب بن قحطان، وهذا غاية ما يقسم به، فهل هنالك قسم فوق هذا؟.

    1.   

    شرح قول الناظم: (هم الألى إن فاخروا قال العلى...)

    ثم قال رحمه الله بعد ذلك:

    [ هم الألى إن فاخروا قال العلا بفي امرئ فاخركم عفر البرى ]

    وفي بعض النسخ: فخروا، يقال: فخر وفاخر، فاخر فيها معنى المكاثرة، والبرى: التراب، والعفر: أيضاً كذلك التراب، ويقال: وجه الأرض؛ لأنه أحياناً قد يضاف الشيء إلى نفسه، والألى معناها: الذين، والعلى: جمع علياء وهي الخصال المحمودة، يقول في هذا البيت: إن هؤلاء الذين أقسم بهم إنهم إن فاخروا غيرهم قالت الخصال المحمودة التي في العادة هي محل الفخر، ومحل الذكر الحسن -وكأن لها لساناً وشفتين، ونطقت بأفصح لسان، وناجت بأعلى صوت-: (بفي امرئ فاخركم) أفضل الناس وأعظم الناس وأكبر الناس.

    ولكنه قال: (فاخركم عفر البرى)، يعني: خير من على وجه الأرض، العفر: هو التراب، وقد قال في المثلث: وترب الأرض عفر وعفر، بالفتح وبالسكون، ثم استطرد في هذه المادة؛ لأن المثلث كما تعلمون يأتي بالكلمات المثلثة، ويأتي أحياناً بمعاني لهذه اللفظة إذا جاءت مثلاً بالفتح، ولها معان أخرى جاء بها.

    (واسم شجاع للدهاء عِفر)، ووصف الرجل الشجاع الداعية والدهاء هذا ليس بصفة مدح على كل حال، بل هو شيء آخر غير العقل وغير الذكاء؛ لأن الدهاء فيه مكر وكيد وحيل وقد تكون شرعية أو مباحة وأحياناً غير مباحة، ولذلك لا يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم داهية.

    واسم شجاع للدهاء عفر وأعفر والجمع ضد عفر

    يعني: أعفر وعفر هذا يقال: ظبي أعفر، وجمعه عفر وأعفر، شبيهة بالنوم بالتراب، أظب جمع ظبي، يقول: هم الذين إن فاخروا غيرهم قالت الخصال الحميدة التي يفخر بها، وتكلمت بلسان له حرف وصوت: فاخركم خير من على العفراء، وهي: الأرض.

    1.   

    شرح قول الناظم: (هم الألى أجروا ينابيع الندى...)

    ثم قال بعد ذلك:

    [ هم الألى أجروا ينابيع الندى هاميةً لمن عرا أو اعتفى ]

    هم الألى أي: هم الذين اجروا ينابيع الندى أي: ينابيع الكرم، يعني: هم أجروا الندى ينابيعاً تخرج في الأرض وتسيل، وهذا لكرمهم، والينبوع في الأصل: المكان الذي يخرج منه الماء، وهذه المادة موجودة في القرآن فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ [الزمر:21]، ومفرد ينابيع: ينبوع كما جاء في سورة الإسراء يَنْبُوعًا [الإسراء:90]، نبع يقول ابن فارس: كلمتان: الينبوع الذي ذكرناه، وهناك شجر اسمه نبع فقط، وليس هنالك شيء آخر، وكما ذكرت لكم أن الكلمات التي فيها نون وباء، وحرف ثالث مثل: نبع، نبغ فلان، ونبر تأتي بمعنى: ارتفع وانتفخ، ونبأ من النبوة وهو المكان المرتفع، والنبي كذلك، ونبأ.. إلى آخره، فالكلمات التي سمعتموها كلها من هذا الباب، فهو يصف هؤلاء بال ندى وبالكرم.

    (وهاميةً) بمعنى: سائلة، بمعنى: أن الينابيع تراها سائلة لمن عرى أو اعتفى، أو لمن كان فقيراً، وكان محتاجاً ويسأل الناس، فهو يصف هؤلاء بأنهم قوم كرام، وبلغ من نداهم وكرمهم وسخائهم وعطائهم أنهم أجروا الكرم الذي اتصفوا به ينابيع في الأرض، وأصبحت هذه الينابيع سائلة، ولها أودية تسيل بقدرها، لمن؟ للسائل والمحروم، وابن مالك له في الندى أيضاً في المثلث هذان البيتان:

    لجمع القوم وأمهم ندى

    تقول: ندى هذا فعل، ندى القوم بمعنى: أنه جمعهم، وأيضاً إذا قصدهم، يقول: فلان ندى القوم أي: قصدهم.

    وارتفع الصوت به الكسر ندى

    معروف بالقصر والكسر

    وابتل أيضاً وندى من الندى ثلث وأسنده إلى الوهاب

    النَدى والنُدى والنِدى، وهذا اللفظ مثلث وهو بمعنى: الكرم، وأسند هذا الكرم إلى الوهاب، والوهاب هو الذي يعطي، فقد يكون قصد بذلك كل من يهب، وقد يكون قصد بذلك الله سبحانه وتعالى.

    (عرى) بمعنى: تعرض للعطاء، و(اعتفى) بمعنى: سأل، يقول: هم الذين جعلوا الكرم كالينابيع التي تجري في الأرض سيالةً، ينهل منها المعترون والسائلون.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    معنى كلمة استئناف واستعمالها في العَوْد

    السؤال: ما معنى كلمة استئناف وهل يصح استعمالها في العودة؟

    الجواب: نعم، وقد مرت بنا هنا في قوله:

    (واستأنفت سبعاً وسبعاً بعدها والسبع ما بين العقاب والصوى)

    الاستئناف يعني: أن تطلب أول الشيء ثم ترجع مرة أخرى.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011280610

    عدد مرات الحفظ

    722121671