إسلام ويب

مقصورة ابن دريد [3]للشيخ : عبد العزيز بن علي الحربي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الملكة اللغوية قد تكون مكتسبة؛ وذلك بإدمان النظر في تراث العرب منظومة ومنثورة، وكتب اللغة ومعاجمها فيها من ذلك الشيء الكثير، على اختلافها وتنوعها، ويعتبر من أجود المنظوم في اللغة التي تضمنت جملة من الألفاظ العربية "مقصورة ابن دريد" فقد جاء بها على صورة الوصف، وكيف تقلب بين الأفراح والأتراح، وكيف أن الزمان يأتي على خلاف ما في الحسبان، ولا يخرج من ذلك إلا بالرضا بالقضاء وأخذ العبرة والاستفادة من الماضي.

    1.   

    أثر قراءة النصوص العربية في غرس الملكة اللغوية

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،

    وبعد:

    الذي يغرس الملكة اللغوية في طالب العلم هو التعود على قراءة النصوص العربية قراءةً صحيحة، لا سيما أشعار العرب، ولا يشترط أن يحفظ الإنسان ما يقرأ، لكن الشرط في ذلك أن يقرأ قراءةً صحيحة، وأن يفقه ما يقرأ، والتفكر في اللغة العربية يكون بمعرفة الأشباه والنظائر، وبمعرفة أصول الكلمات، والدلالات لها، ومعرفة ما يسمى بالمترادف، والمشترك، ومجازات اللغة، وغير ذلك.

    1.   

    أهم المصادر التي يرجع إليها الباحث في اللغة

    وحينما يريد طالب العلم أن يبحث عن معنى كلمة بحثاً مستوفىً فيه، فإنه يعود أول ما يعود إلى معجم مقاييس اللغة، هذا الكتاب الفريد لـابن فارس؛ فإنه يرد الأشياء إلى أصلها، قد يجعل للكلمة الواحدة أو اللفظ المتصرف تصريفات متنوعة أصلاً واحداً، أو أصلين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، وأقصى ما بلغه ستة، وقد نختلف معه في بعض التأصيلات؛ لأن المسألة تعود إلى الفكر، والفكر يختلف من شخص إلى شخص.

    ويعود أيضاً طالب العلم إلى كتاب المفردات للراغب الأصبهاني، فهذا كتاب عظيم، يرد الأشياء أحياناً إلى أصلها، ويأتي بمجازات اللغة، ولكنه كما تعلمون اقتصر على الألفاظ الموجودة في القرآن الكريم، وهو صاحب عقلية جبارة، ليس هنالك كتاب في المفردات مثل هذا الكتاب.

    وقد لا يجد الكلمة لا هنا ولا هنا، فيحتاج إلى أن يعود إلى كتاب أساس البلاغة للزمخشري، فإنه يأتي بمجازات اللغة كلها.

    وحينما لا يجد الإنسان اللفظ لا في هذا الكتاب، ولا في ذاك، ولا في ذلك، فإنه يعود إلى تاج العروس، فهذا الكتاب كما قيل: (كل الصيد في جوف الفرا)، فقد اشتمل على معظم ما دونته المعاجم السابقة.

    وقد تكون هناك كلمة ليست موجودة فيه؛ لأنها تنطق اليوم محرفة في هذا العصر، يعني ينطقها من يتكلم باللغة العربية بلفظ آخر، فقد تجدها في كتاب اسمه تكملة المعاجم، لمستشرق اسمه بنزي، والكتاب اثنا عشر مجلداً، وجاء بما هب ودب، قد تجد فيه الكلمة العربية، وتجد فيه الكلمة المعربة، وتجد فيه الكلمة الأعجمية التي ليست بعربية؛ لأنه لم يكن عربياً ولا يقرأ، لكنه ذهب إلى القبائل والقرى هنا في الجزيرة، إلى حائل، وإلى عرعر، وإلى جنوب الجزيرة وشمالها وطوف البلاد، وحاول أن يجمع ما سمعه من الناس، وما سبقه أيضاً من دراسة لبعض المستشرقين، فجمعها في هذا الكتاب؛ لأن هناك أحياناً بعض الكلمات يلفظها العربي، ولكنه إما أن يكون استبدل لفظةً بلفظة، أو نقص فيها أو زاد، فلم يوردها السابقون، إنما أوردوا أصلها.

    مثل كلمة أيش بك، أيش بك هذه أصلها أي شيء بك، ولكن حصل فيها هذا اللحن، وفي بعض القبائل يقولون في ليلة أمس للتامس أي: ليلة أمس، أو ليل أمس، هنا عندنا في مكة يقولون: كمان، مثل: كمان أنا درست مقصورة ابن دريد، كمان درست مقصورة فلان، كمان بمعنى كما أن، والله أعلم، قد يكون أصلها كما أن، كذلك قولهم مثلاً: فينك، فينك يعني فأينك، ولكن الهمزة يحصل فيها ما يحصل من تغيير.

    لكن القبائل العربية التي لم يدخلها ولم يرد عليها ما يغيرها عن أصلها، يعني لم يأتها أحد من غير العرب، ولم يخرج منها أحد إلى غير العرب ثم عاد إليها، لا تجدون في هذه القبائل إلا كلمات عربية صحيحة، ويصح الاستشهاد والاستدلال بها، لكن من أين لنا أنه لم يحصل ذاك، وأنها بريئة من هذا الكلام؟ لذلك بعض القبائل البعيدة لا تجد فيها لفظة إلا عربية، إلا أنه قد حصل فيها بحكم تقلب الزمان والتطور تغير أو تغيير بنقص أو بزيادة.

    تعمدت أنا ودرست بعض الألفاظ لبعض القبائل، فوجدتها لا تخرج عن اللغة العربية، لكن قد يحصل فيها التحريف، يحصل فيها تغيير وتبديل، أو تكون الكلمة عربية ولكنها استعملت في غير موضعها، العرب نطقت بها، ولكنهم استعملوها في شيء آخر، وهذا شأن العرب، فإن التوسع من هنا بدأ، كانت فيما نظن الكلمة تدل على معنىً واحد، ثم توسع فيها بعد ذلك بمقتضى التشبيه، أو أن هنالك شبهاً بين هذا الشيء وذلك الشيء الأول، الذي أطلق عليه ذلك الاسم، فسموه به، أو اشتقوا له اسماً منه، وقد يكون الوضع مختلفاً، فقبيلة أسد سموا العين الباصرة العين كما سماها أرباب القبائل الأخرى، وزادوا على ذلك أن سموا الرقيب العين مثلاً، وقبيلة أخرى سمت الشمس العين، وسموا العين الجارية عيناً.. وهكذا.

    فطالب العلم يرجع إلى هذه الكتب عند البحث الاستقصائي، فإن أراد تعجيل المنفعة بسرعة فليكن القاموس المحيط إلى جانبه دائماً؛ لأنه لا يند عنه من الكلمات إلا شيء قليل، ولكنه يجمع، قد لا يتحرى الصحة فلا يثق به في بعض الألفاظ، فتحتاج حين البحث والدقة والتحري أن تعود إلى تاج العروس؛ لينبه على خطأ في ذلك المكان، أو الاستدراك عليه.. إلى آخره، لكن هذا شيء قليل، ومعظم الطبعات في الحواشي فيها هذه التنبيهات والاستدراكات، لا سيما الطبعات التي بأربعة مجلدات.

    كيفية البحث في تاج القاموس المحيط

    ومعلوم كيف يكون الرجوع إلى القاموس كما قال بعضهم:

    إذا رمت في القاموس كشفاً للفظة فآخرها للباب والبدء للفصل

    ولا تعتبر في بدئها وأخيرها مزيداً، ولكن اعتبارك للأصل

    فحينما تبحث عن كلمة يد مثلاً، تبحث عنها في آخر القاموس؛ لأن آخرها ياء، أصلها يديّ، وحتى كلمة ابن تبحث عنها في بنوٌ نعم؛ لأنهم يدعون أو يقولون: ليس هنالك كلمة في اللغة العربية من الأفعال أو الأسماء إلا وهي مثلثة، يعني ثلاثة حروف فأكثر، أما أن تكون على حرفين فلا يوجد، فيد أصلها ثلاثة أحرف.

    وكذلك دلو؛ لأنه قد يحذف أحياناً من بعض الكلمات حرف، ويكون الحذف أحياناً كما قيل: اعتباطاً، كذا يعني مزاج، كما قالوا في كلمة حر ومعناها الفرج، قالوا: أصلها حرح، فإذا أردت أن تبحث عنها فابحث عنها في الحاء في حرح، وهذه الحاء تصرف فيها العرب، قال النحويون: حذفوها اعتباطاً من أجل أنفسهم، وعرفنا أن أصلها حرح حينما صغرنا أو جمعنا، بحثنا عن جمع هذه اللفظة فوجدنا أنها تجمع على أحراح، والجمع يرد الأشياء إلى أصلها، وحينما صغرنا قلنا: حريح، والتصغير يرد الأشياء إلى أصلها.

    أنت تعرف كيف عرفنا أن لفظ لسان يكون مؤنثاً ومذكراً، وجدوا أنه يجمع على ألسن، وهذا الجمع بهذا الوزن لا يكون إلا لمؤنث، ولكنه حينما يكون مذكراً يكون على زنة أفعلة، يعني حينما نقول في سن سنينة وفي ليل لييلة وفي يد يدي، وفي نار نويرة، وفي فار فويرة، نعرف من هذا أن هذه الألفاظ مؤنثة.

    أبيات الدرس الماضي

    يقول أبو بكر محمد بن دريد الأزدي المتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة للهجرة في بغداد، في مقصورته:

    [ يا ظبيةً أشبه شيء بالمها ترعى الخزامى بين أشجار النقا

    إما تري رأسي حاكى لونه طرة صبح تحت أذيال الدجى

    واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جزل الغضى

    فكان كالليل البهيم حل في أرجائه ضوء صباح فانجلى

    وغاض ماء شرتي دهر رمى خواطر القلب بتبريح الجوى

    وآض روض اللهو يبساً ذاويا من بعد ما قد كان مجاج الثرى

    وضرم النأي المشت جذوةً ما تأتلي تسفع أثناء الحشا

    واتخذ التسهيد عينيْ مألفاً لما جفا أجفانها طيف الكرى

    فكل ما لاقيته مغتفر في جنب ما أسأره شحط النوى

    لو لابس الصخر الأصم بعض ما يلقاه قلبي فض أصلاد الصفا

    إذا ذوي الغصن الرطيب فاعلمن أن قصاراه نفاد وتوى

    شجيت لا بل أجرضتني غصة عنودها أقتل لي من الشجى

    إن يحم عن عيني البكا تجلدي فالقلب موقوف على سبل البكا

    لو كانت الأحلام ناجتني بما ألقاه يقظان لأصماني الردى

    منزلة ما خلتها يرضى بها لنفسه ذو أرب ولا حجا

    شيم سحاب خلب بارقه وموقف بين ارتجاء ومنى

    في كل يوم منزل مستوبل يشتف ماء مهجتي أو مجتوى

    ما خلت أن الدهر يثنيني على ضراء لا يرضى بها ضب الكدى

    أرمِّق العيش على برض فإن رمت ارتشافاً رمت صعب المنتهى

    أراجع لي الدهر حولاً كاملاً إلى الذي عود أن لا يرتجى

    يا دهر إن لم تك عتبى فاتئد فإن إروادك والعتبى سوا

    رفه علي طالما أنصبتني واستبق بعض ماء غصن ملتحى

    لا تحسبن يا دهر أني جازع لنكبة تعرقني عرق المدى

    مارست من لو هوت الأفلاك من جوانب الجو عليه ما شكى

    لكنها نفثة مصدور إذا جاش لغام من نواحيها غمى ].

    1.   

    شرح قول الناظم: (منزلة ما خلتها يرضى بها...)

    قال رحمه الله:

    [ منزلة ما خلتها يرضى بها لنفسه ذو أرب ولا حجا ]

    المنزلة التي وصل إليها يقول: ما كان يظن أنه يرضى بها ذو عقل سليم، كما في الشرح، صرت إلى منزلة من الذلة والقلة والعلة لا يرضى بها صاحب عقل صحيح، ولا ذو رأي رجيح، والمنزلة معروفة.

    الفرق بين (نزل) و(أنزل)

    ومادة نزل معروفة، وتعني هبوط من علو إلى سفل، وهذه المادة موجودة في القرآن كثيراً، ولكن هناك أنزل ونزل، وتجدون نزل هذا اللفظ يكون مسنداً إلى القرآن، كما أن أنزل أيضاً يكون مسنداً إليه، وأما التوراة والإنجيل فيقال: أنزل؛ لأن نزل تقال لما كان نزوله مفرقاً منزلاً، ويقال أيضاً كذلك على المطر: الله أنزل من السماء ماءً، أو نزل من السماء؛ لأنه يكون كذلك، تارةً ينزل مرةً واحدة، وتارة يبدأ بالطل ثم يأتي الوابل بعد ذلك، يكون شديداً على مراحل، والقرآن أنزله الله جملةً واحدة، كما نزله أيضاً كذلك مفرقاً، وفي اللغة العربية يقال: ينزِل وينزِّل، وفي قوله تعالى: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ [المائدة:115]، قرئ بالتخفيف وبالتشديد، أكثر القراء قرءوا بالتخفيف.

    والنزل في اللغة العربية هذه هي الكلمة الغريبة في هذا اللفظ وهو الذي يقدم للنازل، الذي ينزل عليك ضيفاً تقدم له طعاماً، هذا الطعام يقال له: نزل، ما يعد للضيف من طعام، أو ما يعد للنازل عليك، فهذا يسمى نزلاً، وقد جاء في القرآن هذا اللفظ في حق الكافرين وفي حق المؤمنين، قال تعالى: نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:32]، وقال: هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [الواقعة:56].

    نزل هكذا على وزن أفل، فسواء كان هذا النزل الذي يقدم للضيف على سبيل الإهانة، أو على سبيل التكريم، هو في الأصل إنما يكون للضيف، الضيف يقدم له الطعام لإكرامه، والكافرون يقدم لهم الزقوم، ويقدم لهم الحميم، ويقدم لهم ما يقدم لهم، ويسمى نزلاً على سبيل التهكم بهم والتحقير.

    الفرق بين (النفس) و(الروح)

    (ما خلتها) أي: ما ظننتها، (يرضى بها)، الرضا معروف، (لنفسه)، النفس معروفة وهي الذات، وتطلق أيضاً على الروح، والروح تطلق على النفس، ولكن بعد ذلك يلتقيان في شيء، ثم بعد ذلك كل لفظة تذهب إلى معان أخر، وهذا ما نسميه بالعموم والخصوص الوجهي: يتفق الشيئان في معنى أو في معان، ثم بعد ذلك كل واحد يكون له معان أخرى، فالروح تطلق على النفس، ولكنها تطلق على معان أخرى كالروح جبريل.

    وفي القرآن لها معان معروفة، فالقرآن يسمى روحاً، والأمر كذلك، والنفس تطلق على الذات، وتطلق أيضاً على الجسد، وعلى الدم، والله وصف بها نفسه، أو أطلقها على ذاته، فقال: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران:28]، ولم تطلق الذات بمعنى النفس على المولى عز وجل في القرآن الكريم، لكن الذي ورد النفس، وفي الحديث جاء لفظ النفس بأنها (تصعد روحه، وفي رواية: نفسه)، ولهذا قال بعضهم: والنفس والروح هما شيئان، وقيل: شيء واحد، والثاني اختاره العلامة ابن القيم لما رآه من دليل قيم، وأنه ينادى صاحب الروح الطيبة: ( يا أيتها النفس المطمئنة! )، فسماها نفساً، وجاء في هذا الحديث أنها روح.

    أرِب وما تصرف منها

    (ذو أرب)، الأرب يقال: أرب فلان بكسر الراء يأرب أرباً وإربةً ومأربة، بمعنى أنه احتاج إلى الشيء، المأربة أو الأرب هي الحاجة التي تحتاج إلى حيلة، وليس كل حاجة يقال لها أرب، لكن ما احتاجت إلى أريب وإلى حيلة، واحتال الإنسان ليصل إليها؛ لأنها ليست بسهلة، ولذلك يقال للإنسان: أريب.

    وفي روضة العقلاء في مراتب الدهاء قال: إن العرب تقول عن الإنسان أول ما تقول عنه، إذا أرادت أن تصفه بالذكاء والعقل تقول: أريب، فأديب، فعاقل، فشيطان، فعبقري، إذا بلغ النهاية في الشيطنة فصار يأتي بأشياء لا يستطيع أن يأتي بها إلا العفاريت من الجن؛ لأنهم يستطيعون أن يفعلوا أشياء لا يفعلها الإنسان، إلا أن الإنسان أحياناً في مسألة الشر قد يتطور، قد يطور نفسه في التتلمذ على إبليس، حتى يصبح بعد ذلك متفوقاً على الشيطان، كما قال الشاعر:

    وكنت فتىً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي

    وفي القرآن جاء: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ [النور:31]، الإربة أي: الحاجة إلى الوطر، الحاجة إلى النكاح، التابعون هم الذين يتبعون أهل البيت، أحياناً يوجد واحد معاق، ويوجد واحد معتوه، ويوجد واحد مثلاً يقود ضرير.. إلى آخره، فمنهم من يكون له أرب في النساء، ومنهم من لا يكون، التابعون الذين ليس لهم أرب في النساء، هم هؤلاء المفسرون في هذه الآية غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ [النور:31].

    من أسماء العقل

    والحجا: هو العقل؛ لأن هذه المادة كلها معناها منع العقل؛ لأنه يمنع الإنسان من الوقوع فيما يهلكه، هذا في الأصل يمنعه، يميز له بين الخير والشر، المسلم عقله يمنعه من الوقوع في الهلكة في الدنيا وفي الآخرة، ولذلك في اصطلاح الشرع الكافر ليس بعاقل، الذكاء شيء والعقل شيء، الدهاء شيء والعقل شيء، ولذلك يقول الكافرون يوم القيامة: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10]، وفيهم دهاء، الدهاء لا يوصف به الإنسان العاقل؛ لأن فيه معنى شيء من الخبث، لذلك لا يقال: الرسول داهية مثلاً لا، فحجا معناها منع، وكذلك العقل، ومن أسماء العقل النهية، وجاءت في القرآن: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى [طه:54] جمع نهية؛ لأنها هي منتهى التمييز، يعني لأصحاب العقول، كذلك الحجر من أسماء العقل، وجاء في القرآن الكريم، قال عز وجل: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2]، بعد ذلك هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر:5]، أي لذي عقل؛ لأنه من حجر.

    معاني الحجر

    كل الألفاظ التي جاء فيها الحاء والجيم والراء بهذا الترتيب، لا بد أن يكون فيها المنع على اختلاف معانيها، فقد جاء الحجر في القرآن بمعنى المنع، ويعني الحرام، كانت عادة العرب إذا خشي إنسان على نفسه فوجد من يخافه قال له: حجراً محجوراً، والكافرون يوم القيامة يجدون الملائكة فيقولون حجراً محجوراً، يظنون أن هذا ينفعهم كما كان ينفعهم في الدنيا، ولكنه لا ينفعهم، وقال الله: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:22]، يعني منعاً ممنوعاً، يعني كأنه ينادي ويستغيث بأن يكون هنالك ما يمنعه من أن ينال منه أحد، والحجر أيضاً المكان المعروف ديار ثمود، وهناك سورة اسمها سورة الحجر، وسمي الحجر؛ لأنه من الحجارة، حجارة تحيط بتلك الأماكن، والحجارة هي أقوى شيء تمنع من التلف ومن أي شيء يصل إليها فيفسدها.

    هذا بالنسبة لما جاء في القرآن، جاء بهذه المعاني: الحجر بمعنى الحرام، وبمعنى المنع، وبمعنى العقل، وبمعنى المكان المعروف، وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ [الحجر:80]، يأتي عندنا أيضاً الحجر بمعنى مجلس الطفل، وهو ما على الفخذين، أو ما بين الفخذين، المكان الذي تجلس فيه ابنك هذا اسمه حجر، والحجر أيضاً حجر إسماعيل، والحجر الفرس الأنثى يقال لها: حجر في اللغة العربية.

    اشتمال القرآن الكريم على اللفظ الخفيف دون الثقيل

    وهنا فيما بين المعقوفتين [ والأريب العاقل بأدب حسن ]، الأريب يقال للعاقل: بأدب حسن؛ لأن هذا الأدب يحتال به لكي يصل إلى ما يريده، والحصيف من ليس فيه خلل.

    ومن أسماء العقل الحجر والحصى، الحصى هي أقوى الأشياء التي تكون في الأرض، والنهية واللب، واللب لم يأتِ في القرآن مفرداً، وذكر ذلك أبو البقاء في كتاب الكليات، وهو كتاب كبير، بعض الألفاظ لم تأت إلا مفردة، وبعض الألفاظ لم تأت إلا مجموعة. لم تأت مجموعة في القرآن؛ لأنها ثقيلة، وما جاءت مفردة؛ لأنها ثقيلة.

    إذاً: أحياناً اللفظ ولو كان مفرداً يكون فيه شيء من الثقل، ويكون الجمع أخف منه، وأحياناً العكس، من ذلك اللب جاء مجموعاً الألباب، كلمة الألباب جمع لب، والألباب أخف من كلمة لب، والعكس بالكعس، فكلمة الأرض لم تأت جمعاً في القرآن، لم تأت الأرضون ولا الأرضين، إنما جاءت الأرض، (السموات والأرض)، وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ [الزمر:67]، وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق:12]، ولكن جاء في الحديث: ( طوقه من سبع أرضين )، وجاء معناها كذلك في القرآن (ومن الأرض مثلهن) يعني: سبع أرضين، إذاً: البيت الآن معروف من حيث المفردات ومن حيث الجملة.

    فالحجر من أسماء العقل، وليس إطلاقه عليه مجازاً.

    1.   

    شرح قول الناظم: (شيم سحاب خلب بارقه...)

    ثم قال رحمه الله بعد ذلك:

    [ شيم سحاب خلب بارقه وموقف بين ارتجاء ومنى ]

    يقول: إن حاله كان كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [النور:39]، إنما كان يعيش في أوهام وفي خيالات، وحاله أيضاً كان بين أماني، والأماني ما هي إلا أضاليل لا توصل الإنسان إلى مقصوده.

    والشيم عندما تقول: شام البرق معناه: نظر إليه، فشيم هذا مصدر، تقول: شام البرق أو شام السحاب أي: نظر إليه، وفي المثلث يقول ابن مالك:

    الشيم إغماد وسل وجبل والشيم جمع أشيم اسم ما اتصل

    بجسمه شام، وتسويد الإبل بالشوم تأمن ألسن العُياب

    الشيم إغماد، حينما تغمد السيف في الجراب، وسلّ العكس، وجبل اسمه شيم، كما جاء في شعر امرؤ القيس في البيت السابق، والشيم بالكسر جمع أشيم، وهو اسم لكل ما اتصل بجسمه شام، الشامة التي تكون كالخال في جسم الإنسان، لا سيما في وجهه، وتسويد الإبل بالشيم، يقال: الإبل شيم إذا كانت سوداء؛ لأنها كالشامة والشامة سوداء،

    ومعنى (خلب) البرق الخلب الذي يطمع ويخيف، أحياناً، تجدون البرق في الجو في نواحي السماء يلمع، يظن أن من ورائه مطراً ولكن في الحقيقة لا يوجد مطر، هذا مقنع ولكنه مقلق، يسمونه برق خلب يعني كاذب، والبرق الخلب كله سواء، البارق هو اللامع.

    (وموقف بين ارتجاء ومنى)، يتكلم عن حاله بأن موقفه مجرد بين رجاء وبين منى، الأماني ما هي إلا أضاليل كما قلت لكم، والرجاء يكون في شيء يقع، وأما الأماني فإنها تكون في الأشياء البعيدة، قد تكون في المستحيلة، عندنا كلمة مُنى ومَنى ومِنى، أما منى بالكسر وينون يعني يصرف ويمنع، كالمكان الذي نعرفه، هذا المشعر منىَ ومنًى، والمَنى المنية، والمُنى جمع أمنية، ويقال أيضاً: أماني مفرد أمنية، وهناك نوع من الإبل تسميها العرب منى، هذا يعني غاية ما يتمناه الواحد منهم، والمائة من الضأن يقال لها: قنى، إذا حصل الإنسان مائة من الضأن يقال عن هذا: قنى، والمائة من المعز أو الماعز يقال لها: قنى بالكسر بكسر القاف.

    إذاً: معنى البيت واضح، هو الآن يصف حاله، طبعاً هو كان يسير في طريق الحب، ولا بد وهو يسير في طريق الحب أن يجني له أحياناً بعض الأشياء، التي تدل على أنه قد يصل إلى مقصوده، ولكنها كانت أموراً كاذبة، كانت من التضاليل كالبرق الخلب، فكان كلما سار في طريق الهوى والحب وجد أشياء تدل على أنه قد يصل إلى ما يريد، ولكنه في الحقيقة يتبين له أن هذا كله كذب، وأن أمانيه لم تنجح، والله يقول: وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ [الحديد:14] قال ذلك عن الكافرين الذين كانوا يتمنون الخلود في الدنيا، أو يتمنون أن لا يبعثوا، أو يتمنون أشياء كثيرة، فغرتهم الأماني، ولـأبي تمام بيت جميل يقول:

    من كان مرعى عزمه وهمومه روض الأماني لم يزل مهزولا

    فروض الأماني، هذا اسم كان مؤخر، لم يزل مهزولاً، إن كان الإنسان يعيش على الأماني فقط فهذا هو مرعاه، ويشبه صاحب الأماني بحيوان يرعى في روض الأماني، والأماني ما هي إلا أشياء كالسراب لا حقيقة لها، هذا سوف يرعى في وهم، حتى يهزل ويهزل إلى أن يضعف ثم يموت، كذلك من كان مرعى عزمه وهمومه روض الأماني لم يزل مهزولاً.

    ثم قال: معنى البيت الإجمالي: كل ما أملته لم يتحقق، وما هو إلا كسحاب يلمع برقه ولا مطر فيه، وموقف رجاء بعيد، وأماني غرارة من نفس أمارة.

    1.   

    شرح قول الناظم: (في كل يوم منزل مستوبل...)

    ثم قال بعد ذلك:

    [ في كل يوم منزل مستوبل يشتف ماء مهجتي أو مجتوي ]

    (في كل يوم)، في: حرف جر الظرفية، وكل عرفنا معناها، ويوم أيضاً كذلك، إلا أن اليوم يطلق على اليوم من الصباح إلى المساء، ويطلق أيضاً على اليوم والليلة، ويطلق على الزمان الطويل، أو على اليوم الذي صار فيه حدث، فنقول مثلاً: يوم حطين، هو في الحقيقة الأول، قد يكون يوم حطين أيام كثيرة جداً، ولكنه من باب إطلاق الجزء والمراد الكل، وقد يكون جزءاً من اليوم، لكنه كأن بقية ذلك اليوم لا قيمة له؛ لأن الحدث الذي استغرق ذلك الوقت هو المهم من ذلك اليوم، فألغي الباقي، يعني قد يطلق على بعض اليوم يوماً.

    (في كل يوم)، قال عز وجل: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29]، كل بالنصب منصوب على الظرفية الزمانية، لهذا عندما نقول: كلُّ عام وأنتم بخير، هذا خطأ، الصحيح كلَّ عام وأنتم بخير؛ لأن المقصود هو الزمان، ويصح كلُّ عام لكن على مقصود آخر، لكن ليس مراد المتكلم الذي يتكلم بهذا، يريدون أن تكون أنت في كل عام وأنت بخير، هذا هو الذي أرادوه، لم يريدوا العام يكون بخير وأنت بخير حتى يكون اللفظ كلُّ عام وأنتم بخير، لا، كل عام مثل (( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ))، أي: في كل عام وأنت بخير، فكل منصوب على الظرفية الزمانية.

    خذ هذه القاعدة اللغوية وهي موجودة في شرح ابن هشام منزل ومنزلة، ومكان ومكانة، ودار ودارة، وحال وحالة، وخيال وخيالة، وداب ودابة، ودم ودمة، وزوج وزوجة، وفعل وفعلة، وبياض وبياضة، وكوكب وكوكبة إلى غير ذلك، هذه ألفاظ لك أن تأتي بها بتاء أو من غير تاء، لك أن تقول: منزل أو منزلة، يمكن أحياناً أنت تضطر إلى أن تأتي بهذه اللفظة المؤنثة أو المذكرة؛ لأن البيت لا يتحمل إلا واحدة منهما، ينكسر البيت إذا جئت بلفظة أخرى، وأيضاً يفهمك أن اللغة العربية واسعة، أحياناً تجد في كلام الأقدمين هذا الكلام كله من بابة واحدة، أي من باب واحد، وكذلك الباقي، وزوج وزوجة، الأفصح للزوجة أن يقال: لها زوج، لكن هذا أيضاً صحيح، ولكنه ليس بالأفصح، الأفصح زوج، المرأة يقال: لها زوج، وهذا له بحث طويل.

    (في كل يوم منزل مستوبل يشتف) أي: يمتص ويأخذ، هنا الاشتفاف للشراب والاشتياق للطعام، اشتاق الطعام، واشتف الشراب.

    (يشتف ماء مهجتي أو مجتوى)، إذا رجعتم إلى معجم مقاييس اللغة تجدون أن اشتف هذه مادتها الشين والتاء والفاء، هو يأتي بالألفاظ المضاعفة أول شيء شف، تجدها في شف، هذا أصل يدل على رقة، شيء رقيق شفاف، لذلك الشف على وزن الكف: الشعر الرقيق.

    يشتف ماء مهجتي، المهجة: هي الروح، والمجتوى: الشيء غير المحبوب، هنا ماء مهجتي أي: ماء نفسي، يقول: في كل يوم أعيش نازلةً، ويصيبني مكروه، ويمتص من ماء حياتي، يعني: يمتص ذلك المكروه من ماء حياتي وقوتي وشبابي.

    (مستوبل) مشروحة، هنا المستوبل غير الموافق أي: سيئ العاقبة.

    1.   

    شرح قول الناظم: (ما خلت أن الدهر يثنيني على...)

    ثم قال رحمه الله بعد ذلك:

    [ ما خلت أن الدهر يثنيني على ضراء لا يرضى بها ضب الكدى ]

    (ما خلت) أي: ما ظننت، وقد تقدم الكلام في الدهر، ويثنيني الدهر الدهر هو الزمان، وبعضهم يفرق فيقول: الزمان يكون للمتحرك، والدهر يكون للساكن أي: الأشياء الساكنة، وهو تفريق ليس عليه دليل.

    معنى قوله تعالى: (أَلا إنهم يثنون ... ثيابهم)

    ويثنيني هذه مادة قرآنية، كما في القرآن الكريم: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ [هود:5]، ثنى: لفظ متعدي، ثنى يثني، تقول: ثنى الشيب بمعنى لواه، معنى الآية (( أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ))، يعني يلوون صدورهم، (( لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ))، ليستخفون من النبي صلى الله عليه وسلم، ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ [هود:5]؛ لأنهم يغطون وجوههم لئلا يراهم، أو أحياناً يستغشون ثيابهم ويكون ذلك في الليل، كناية عن أن الليل يلبسهم فيغطيهم، وبعض الناس يظن أن هذه في الكفن، (( حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ))، وليس بصحيح، بل هذه الآية تصف حالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى الذي ذكرته لكم.

    قال السيوطي: ليس هنالك إشارة إلى الكفن في القرآن إلا في موضع واحد، ذكر ذلك في كتاب الإكليل، وهو قوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة:29]، وهذه الحالة أو هذا الوصف يكون عند تكفين الميت، ويحتمل أن يكون كناية عن الشدة، أيضاً ليست الآية صريحة في الموضوع.

    (على ضراء) يعني مسألة مضرة.

    الضب وما يضرب به من الأمثال

    (لا يرضى بها ضب الكدى)، يعني: هو ما كان يظن أن الزمان سوف يلجئه إلى هذه الضائقة الشديدة، التي لا يرضى بها ذلك الحيوان الذي يصبر على اللأواء، ويصبر على الحر، ويصبر على الشدة، وهو الضب الذي يعيش بين الكدى، بين الحجارة وفي الجحور، فالضب هو الدابة المعروفة والحيوان المعروف.

    العرب تضرب به المثل في الصبر، فتقول: (أصبر من ضب)، وتضرب أيضاً به المثل في مسألة الري فتقول: (أروى من ضب)؛ لأنه لا يشرب الماء مطلقاً، يعيش مائتي سنة أو أقصر أو أقل، وهو من الحيوانات المعمرة، حتى إن ولده الصغير يبدأ سنه يخرج بعد مائة سنة، بعدها يبدأ في الحياة من جديد بعد مائة سنة، هكذا يقول الجاحظ والذين ألفوا في الحيوان؛ لأن العرب أعرف الناس بهذه الدواب، هم عاشوا معها، يقال في اللغة العربية: (أصبر من ضب)، و(أروى من ضب)، أروى من الري؛ لأنه لا يشرب، و(أحير من ضب)، هو عنده حيرة، تجده حائراً يفكر، وينسى الجحر الذي خرج منه، فيذهب ويلف، وربما بعد ذلك دخل في جحر الحية فأكلته، فلا يعمر، ويقال أيضاً: (أخدع من ضب)، هذا من جهة، فهو مع كونه كثير الحيرة هو أيضاً خداع، ويقال في المثل أيضاً: (أعقد من ذنب ضب)، له ذنب معقد، فيضرب به المثل في التعقيد، حتى لا نستغرق الكلام في الضب.

    معاني كدى وما تصرف منها

    (الكدى) اسم، جمع كدية، والكدية المكان الصلب من الأرض، الأرض الصلبة يقال لها: كدية الأرض، المكان الصلب، وهذه المادة مادة الكاف والدال والياء هي من ألفاظ القرآن، قال الله عز وجل: وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى [النجم:34]، هذا يعني أنه بخل بماله، أعطى شيئاً قليلاً ثم توقف بعد ذلك، كما أن الإنسان حينما يحفر يحفر قليلاً، ثم بعد ذلك يجد صخرةً تقف أمامه، فلا يستطيع أن يواصل الحفر، هذا أيضاً كذلك يعطي قليلاً، وبعد ذلك مباشرةً يتوقف ولا يعطي أكثر من ذلك، الشيخ أعطانا بيتاً ثميناً، الذي جاء به هذه المادة وهي كدى، تعرفون في المواضع عندنا كدي وعندنا كدى كفتى، وعندنا كداء، قال ولعله من نظمه ما أدري:

    إنك داع والحجون انفتح لما أتاهما نبينا ضحى

    والناس لا يضبطون هذه الألفاظ، ونبه على ذلك صاحب القاموس، فبعد أن جاء بالألفاظ مضبوطة قال: إن كثيراً من الناس خلطوا في ضبط هذه الألفاظ، وكدى هذ الذي عند الحجون، الحجون أيضاً بفتح الحاء، وكذا كَدى بفتح الكاف، ويقولون: افتح وادخل وضم واخرج، الكدي الذي هناك، ضم الكدى هي في أسفل مكة، وأما التي في أول مكة فهي بالفتح افتح وادخل، هذا من الألفاظ التي تضبط بمثل هذا الكلام، كما يقولون: لا تكسر القصعة، ولا تفتح الخزانة، القصعة الجفنة التي يجعل فيها الطعام، هذه بالفتح، والخزانة لا تفتحها أيضاً؛ لأنها ليست لك بكسر الخاء، كذلك كدى، هذا النظم الذكي أشار إلى معنيين على سبيل الاستخدام الذي عرفناه من قبل في مسألة الغضى والغزال والعير، والكلام الذي ذكرناه من قبل، فقال:

    إنك داع والحجون انفتح لما أتاهما نبينا ضحى

    فتحت مكة حينما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى فتح مكة، هذا معنى انفتح يعني فتح، وأراد أن يشير أيضاً إلى الفتح اللغوي؛ لأنه من فتح أيضاً الكاف مفتوحة والحاء مفتوحة، تستخدم انفتح في المعنيين، الفتح المعروف المعنوي، والفتح اللفظي، استعملا في المعنيين، هنالك موضع بالطائف يقال في القاموس: إنه يسمى كدى كفتى، تعرفونه؟ يوجد مكان اسمه كدىً كفتى، ما هو معروف.

    يقول إذاً في شرح البيت: لم أكن أتوقع أن الزمان ينوي بي، ويلجئني إلى هذه الضائقة المضرة، التي لا يرضى بأن يعيش معها الضب الذي يعيش في الجحور بين الصخور، و...

    1.   

    شرح قول الناظم: (أرمق العيش على برض فإن...)

    ثم قال رحمه الله بعد ذلك:

    [ أرمِّق العيش على برض فإن رمت ارتشافاً رمت صعب المنتهى ].

    (أرمق)، ما أدري حينما اكتتبت هذه اللفظة من الشيخ كتبت أنظر، ولذلك زدت بين قوسين (أسدد)، يعني هو أرمق كأعطى، يعني أعطي نفسي ما يُبقي رمقي هذا في الأصل، يعني يعطى من العيش ما يبقي رمقه، والذي يريد الحياة لا شك أنه ينظر أو ينتظرها، ويكون في ذلك تسليم، ومعنى العيش معروف، العيش الحياة، كل شيء يعاش به أو فيه فهو معاش، واللفظة قرآنية معروفة وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [النبأ:11]، يعني محلاً للعيش، والبرض في أصل اللغة الأصيل يدل على قلة الشيء، ولذلك فسر به هنا، ومنه البارض أول ما يبدو من النبات، فإن رمت أي: أردت ارتشافاً التصاقاً؛ لأن الرشف هو أخذ الماء بالشفتين، وإذا أردت الدقة في اللغة العربية فهو فوق المص، يعني مص هذا أدنى من رشف، الرشف يكون فوق ذلك، ثم يأتي بعد ذلك الشرب.

    (فإن رمت ارتشافاً رمت صعب المنتهى)، يقول: أعطى من العيش ما يمسك رمقي، فإن أردت الزيادة صعب ذلك، يعني هو لا يعطى إلا ما يبقي له الحياة فقط، وأما ما فوق ذلك فإنه لا يصل إليه، فإن أردت الزيادة فإنني حينئذ أكون كمن يطلب ما لا يمكن، وهو معنى قول صالح بن عبد القدوس الذي له شعر كثير في الحكمة:

    وارض من العيش في الدنيا بأيسره ولا ترومن إن رمته صعبا

    1.   

    شرح قول الناظم: (أراجعٌ لي الدهر حولاً كاملاً...)

    ثم قال رحمه الله بعد ذلك:

    [ أراجعٌ لي الدهر حولاً كاملاً إلى الذي عود أم لا يرتجى ].

    الهمزة للاستفهام، والهمز أصل باب الاستفهام؛ لذلك احتوى على أحكام: جواز حذفه، وتعميم الطلب، وكونه في الصدر في أعلى الرتب، يعني هي أم أدوات الاستفهام، كما قلنا: أم أدوات النداء (يا).

    (أراجع لي الدهر حولاً كاملاً)، لي الياء تسقط من أجل التقاء الساكنين، حولاً هذا مفعولاً به، المعنى: أريد أن يرد لي الدهر عاماً واحداً من الأيام السابقة الجميلة؛ لأنه الآن في أيام بائسة، ولماذا انتصبت كلمة حولاً؟ لأنه مفعول به لكلمة راجع، وراجع اسم فاعل من رجع، ورجع تكون متعدية تقول: رجَّعت الكتاب وأرجعت الكتاب والأفصح أن تقول: رجعت الكتاب، فإذا قلت: أرجعت فهذا مقبول في اللغة العربية، وقد ذكر ابن قتيبة الوجهين، لكن الذي جاء في القرآن كله جاء في التعدي بلفظ رجع، قال الله تعالى: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ [التوبة:83]، فإن رجعك عند الإعراب، رجع فعل ماض وهو ثلاثي، والكاف مفعول به، وقال عز وجل: فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ [الممتحنة:10]، ترجعوهن، ولم يقل: تُرجعوهن، هذا من رجع وليس من أرجع، لو كان من أرجع لكان تُرجعوهن بضم التاء، وقال عز وجل: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ [الملك:4]، ارجع البصر ولم يقل: أرجع البصر، ارجع إذاً هو من رجع، والبصر مفعول به، إذاً هو ثلاثي.. وهكذا، ربِ ارجعون، وفي ربِ ارجعون أيضاً ياء مفعول به محذوفة مقدرة ارجعوني؛ لأنه من رجع، والواو فاعل.. وهكذا، مثل كلمة أيضاً حضر، حضر متعدية بنفسها، تأتي لازمة وتأتي متعدية، ورجع تأتي لازمة وتأتي متعدية طبعاً، وحضر أيضاً كذلك، تقول: حضرت الكتاب، حضرت، وتقول: أحضرت لك هذا، كما قال عز وجل: حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ [البقرة:133]، وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون:97-98]، (يحضرون) فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون، يعني أن يحضرونني، لكن النون حذفت، ومثله قوله تعالى: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا [الأنبياء:37]، هذه لا ناهية، والنون التي كانت للرفع ذهبت، ولا الناهية جازمة، والجزم في الأفعال الخمسة يكون بحذف النون، وهذه نون الوقاية، ونون الوقاية دائماً مكسورة، سميت نون الوقاية بنون الوقاية؛ لأنها تقي الفعل من الكسر، حينما تفصل عندما تقول مثلاً: يعجبني، الياء يناسبها الكسرة، يعني الأصل أن نكسر الباء، فلم نكسرها، جئنا بنون الوقاية فأصلحت بينهما، ولم يكن هنالك كسر، فهي وقت الفعل، يعني هي مثل محامي واحد، وهكذا مثلاً قوله عز وجل: قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ [النمل:32] أيضاً كذلك، لذلك هنا في هذه الألفاظ كلها قرأ يعقوب بالياء، أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون:98]، في آخر سورة الذاريات: فَلا يَسْتَعْجِلُونِ [الذاريات:59]، في سورة الأنبياء: تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37]، وهنا: لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ [يوسف:94]، حَتَّى تَشْهَدُونِ [النمل:32] أيضاً كذلك مثله، إذا قيل لك: صل ... تصل بالكسر، أما الوقف فيستوي فيه تقف بالسكون.

    سؤال ...: من الشواهد الشعرية في مسألة رجع قول ذي الرمة:

    وهل يرجع التسليم أو يكشف الأذى ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع

    يرجع التسليم من اللازم كقوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41]، يقول: هل يرد إلي الدهر عاماً واحداً من الأعوام الأولى التي كنت أنعم فيها بالقوة والشباب، أم لا يرتجى منه ذلك؟ لا يرتجى منه ذلك؛ لأنه لا يرجع أبداً اليوم الذي ذهب، لا يمكن أن يرجع أبداً.

    نقف هنا، ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    مخاطبة إبراهيم عليه السلام للأصنام حال غياب قومه

    السؤال: يقول: كيف نفسر قول إبراهيم عليه السلام: مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ [الصافات:92] وهو يحدث الأصنام، دون أن يكون ذلك أمام قومه؛ حتى يكون عبرةً وعظةً لهم؟

    الجواب: هذا، أولاً: ليس فيه دليل على أنه لم يكن هنالك أحد.

    ثانياً: قال ذلك على سبيل التهكم، والإنسان حينما يضرب شيئاً وهو غضبان يتكلم ويكلمه حتى ولو كان جماداً، هذا عادة يدفعها القوى الغضبية المعروفة.

    المدة المقررة لإكمال الكتاب

    السؤال: أحسن الله إليك. هل نكمل الكتاب قبل الاختبارات؟

    الجواب: ما أظن إلا إذا كان الدرس في كل يوم مرةً أو مرتين، ولكن سوف نستمر إن شاء الله مهما طال الزمان، إن شاء الله بإذن الله.

    معنى قول الناظم: (أسأره شحط النوى)

    السؤال: ما معنى قوله: أسأره شحط النوى؟

    الجواب: أسأره بمعنى أبقاه؛ لأن السؤر معناه البقية، (سؤر المؤمن شفاء) جاء في حديث لا يصح، وسؤر الهرة أيضاً جاء في الحديث ما تبقيه الهرة بعد شربها، وأما الشحط فهو البعد لكنه البعد زيادة، يعني هو بمعنى النوى من إضافة الشيء إلى نفسه.

    نسبة الأفعال إلى الدهر

    السؤال: قول ابن دريد رحمه الله: [ ما قلت إن الدهر يثنيني ] هل فيه شيء يخالف العقيدة بنسبته الفعل للدهر؟

    الجواب: لا، ليس فيه شيء من هذا، فإن كنت تقول بأن الدهر من أسماء الله فهذا شيء آخر أيضاً، لكن هذا من الألفاظ التي جرت العادة في أن تنسب الأشياء إلى ظروف الأزمان أو الأماكن، من غير أن يعتقد الإنسان أن هذه الأشياء هي المباشرة، أو أن لها أثر في الشي.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011579980

    عدد مرات الحفظ

    722168997