إسلام ويب

علم البلاغة [10]للشيخ : عبد العزيز بن علي الحربي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يتقدم المسند إليه لأغراض بلاغية كثيرة، كما أن لتأخره أغراضاً بلاغية أيضاً، وتوجد صور كثيرة للخروج عن مقتضى الظاهر، منها: وضع المضمر موضع المظهر وعكسه، والالتفات، وتلقي المخاطب بغير ما يترقب، ومنها أيضًا: الإخبار عن المستقبل بلفظ الماضي، والقلب.

    1.   

    أغراض تقديم المسند إليه

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان، والصلاة والسلام على خير من نطق بالضاد، الذي أعطي جوامع الكلم، القائل: (إن من البيان لسحراً )، صلى الله عليه وآله وسلم.

    أما بعد:

    فنأتي بعد ما تقدم إلى شيء مهم جداً، وهو ما يتعلق بتقديم المسند إليه، سوف ندرس ذلك، وندرس أيضاً تأخيره، فالغرض المتبادر للذهن تقديم المسند إليه، والمسند إليه هو الرئيس في الموضوع، وهو الأصل لأن ذكره أهم، ولا مقتضي للعدول عنه.

    ومن أغراض تقديم المسند إليه: من أجل أن يتمكن الخبر في ذهن السامع، ويكون فيه تشويق إليه، كما قال صاحب التلخيص، واستشهد بقول أبي العلاء المعري:

    والذي حارت البرية فيه حيوان مستحدث من جماد

    حينما قرأت كتاب التلخيص على بعض المشايخ وهو الشيخ الشنقيطي، أحسن الله ذكره قال: إن المقصود بهذا البيت -الذي هو حيوان مستحدث من جماد- ناقة صالح؛ لأنها كما جاء في الأخبار خلقت من عرض جبل، ولكن الظاهر خلاف هذا وهو الصحيح، وهو أن المراد بذلك الإنسان، الذي خلق من نطفة، وهي في الظاهر جماد، هذا هو المتبادر للذهن بقوله:

    والذي حارت البرية فيه حيوان مستحدث من جماد

    والشاهد فيه، هو أنه قدم المسند إليه؛ ليتمكن الخبر في ذهن السامع؛ لأن فيه تشويقاً إليه، وحينما يقال: والذي حارت البرية فيه، لا شك أن السامع سوف يشتاق إلى الخبر الذي قال عنه المتكلم: إن هناك شيئاً حارت البرية والخليقة فيه، فأخبر عنه بعد ذلك بأنه حيوان مستحدث من جماد.

    قال صاحب التلخيص: إن المسند إليه قد يقدم لتعجيل المسرة أو المساءة أو للتفاؤل، أو للتطير، والأمثلة على هذا واضحة، عندما تقول لطالب ينتظر النتيجة: الناجح أنت، وتقدم له اللفظ الذي يدل على نجاحه ففي ذلك تعجيل للمسرة، وكذلك العكس، فحينما تقول: الراسب أنت، فكذلك، الأول بإدخال السرور والثاني بعكسه يعني لإدخال المساءة عليه، ولو قلت: أنت الناجح أو أنت الراسب، لم يكن في ذلك تعجيل، لا بالمسرة ولا بالمساءة.

    وقال: إنه قد يكون للتفاؤل أو للتطير، ومثلنا لذلك بمثال سبق أن قلناه، وهو: سعد في دارك، والسفاح في دار صديقك، هذا هو المثال الذي مثّل به في التلخيص، يعني أن تأتي باسم يدل على البشارة ويدل على الخير والبركة، بدل أن تقول: في دارك سعد، تقول: سعد في دارك، أو هنالك امرأة اسمها بركة تقول: بركة في دارك، وكذلك العكس إذا أردت التشاؤم، وعبارة التشاؤم أحسن من التطير؛ لأنه قد جاء النهي عن الطيرة، فتقول: السفاح في دار صديقك، وكلمة (السفاح) معروفة، كلمة تسمى بها شخص، ولكن الذهن حينما ينطق بها يربطها بالدم المسفوح.

    المهم في تقديم المسند إليه هو ما ذكره عبد القاهر الجرجاني، وهو اختصاص المسند إليه بالخبر الفعلي الذي يكون فعلاً، إذا سبق بنفي، قال في التلخيص نقلاً عن عبد القاهر: (وقد يقدم ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي إن ولي حرف النهي نحو: ما أنا قلت هذا) أي: لم أقله مع أنه مقول لغيري، وما أنا فعلت هذا، المسند إليه أنا، والمسند: فعلت، هذه جملة المسند إليه فيها مسبوق بنفي، الخبر فعل، وهذه عبارة دقيقة؛ كما يقول عبد القاهر، حينما تسمع قائلاً يقول: أنا ما فعلت هذا تفهم ثلاثة أمور:

    أن هنالك فاعلاً فعل لابد، ما دام قد قال المتكلم: ما أنا فعلت، وينفيه عن نفسه، ولكن الفعل موجود، وتفهم أيضاً أن ذلك الشخص لم يفعل؛ لأنه نفى الفعل عن نفسه فقال: ما أنا فعلت.

    وتفهم أيضاً أن هنالك فعلاً قد حصل من ذلك الفاعل، فإذا قال المتكلم: ما أنا فعلت هذا، فإنه أثبت الفعل، وأثبت الفاعل، ونفى الفعل عن نفسه، بخلاف ما لو قال: ما فعلت؛ لأنه يحتمل أن يكون، أو يحتمل أن لا يكون هنالك من فعل فعلاً أصلاً، وإنما هو ينفي الفعل عن نفسه، ولكنه لا يحصره عليه، لأن هذا الحصر حينما يقول: ما أنا فعلت، يفيد أن غيره فعل؛ ولهذا يصح أن تقول: ما أنا فعلت هذا، بل فعله غيري، فهل يصح أن تقول: ما أنا فعلت هذا ولا غيري؟ لا يصح.

    لا يصح أن تقول: ما أنا كتبت هذا الكلام ولا غيري، لا يمكن؛ لأنك قد أثبت أن هنالك كتابة، وهذه الكتابة لابد أن يكون قد فعلها فاعل، وأنت قد نفيت الفعل عن نفسك وعن غيرك، فمن الذي فعل هذا الفعل؟ فهذا كلام لا يجوز لغة، ولا عقلاً، فإن حذفت (أنا) وقلت: ما فعلت هذا ولا غيري؛ كأن تقول: ما شربت هذا ولا غيري، هل هذا الكلام أيضاً صحيح؟ ليس بصحيح، السبب في ذلك اسم الاشارة.

    زجاج مكسور: قلت: ما كسرت هذا الزجاج، ولا غيري، هذا كلام لا يصح.

    دار مبنية: لا يصح أن تقول: ما بنيت هذه الدار ولا غيري، لكن يصح أن تقول: ما رأيت ولا غيري؛ لأنه ليس هنالك شيء أشرت إليه، وليس هنالك حدث أحدثته، هذه مسألتنا الأولى، والفرق بين هذا وهذا أنه لا يصح أن تقول: ما أنا خرجت ولا غيري، ويصح أن تقول: ما خرجت ولا غيري، والفرق بين ذلك أنك حين تقول: ما أنا خرجت، فأنت بحصرك هذا، الذي دل عليه نفيك للفعل مقصوراً عليك فقط، أنت الذي لم تخرج يفيدنا لغة وعقلاً أن هنالك خروجاً قد حصل، ولكنك تنفيه عن نفسك، وحينما تنفيه عن نفسك بهذا الأسلوب وبقولك: ما أنا خرجت أفدتنا بذلك أن هنالك خروجاً قد حصل من غيرك.

    وذكر مسائل يطول شرحها، وبيننا وبين عبد القاهر فيها نزاع، لكن الذي لا خلاف فيه مما قاله عبد القاهر: أن التقديم قد يأتي للتخصيص، رداً على من زعم مشاركة أو أن إنساناً فعل ذلك الفعل الذي سوف يمثل له، ومثل له بقوله: أنا فعلت في حاجتك، هذا هو المثال، أيضاً هذا يفيد التخصيص، حينما تقول: أنا قرأت هذا الكتاب فكأنك تقول: وهو لم يقرأ غيرك هذا الكتاب، ولم يقرأ معك أحد هذا الكتاب، فتنفي المشاركة، وتنفي أن يكون هنالك فاعل آخر هو الذي فعل هذا الفعل، وكذلك تقول: أنا سعيت في حاجتك، يصح أن تقول: لا غيري، أنا سعيت في حاجتك لا غيري، إذا كان المخاطب يعتقد أن الذي سعى في حاجته هو إنسان آخر، فإن كان يعتقد أن مشاركاً شاركك في هذا فإنك تقول: أنا سعيت في حاجتك وحدي، حتى تنفي المشاركة، لكن حينما تنفي الغيرية فيكون أحد فعل هذا الفعل وأنت لم تفعله تقول: لا غيري، أنا فعلت هذا لا غيري، أنا سعيت في حاجتك لا غيري.

    ثم قال شيئاً ثالثاً: إنه قد يأتي المسند إليه مقدماً لتقوية الحكم، ومثّل له بنحو: هو يعطي الجزيل، هو، ويمكن أن توضح هذا بمثال فيه اسم ظاهر: محمد يعطي الجزيل، يقول: إنه يفيد تقوية الحكم، والحكم بهذا أقوى من قولك: يعطي محمد الجزيل، وأنت إذا تأملت تجد الفرق، فحينما تقول: محمد يعطي الجزيل؛ تكبسها هنا فاعلين: محمد وهو اسم ظاهر، والمقصد بالفاعل هنا ليس الفاعل النحوي، محمد، ثم هنالك ضمير في يعطي تقديره هو، فكأنه: محمد يعطي، محمد الجزيل.

    وكذلك إذا كان الفعل منفياً نحو: أنت لا تكذب، فإنه أشد في نفي الكذب من: لا تكذب ومن لا تكذب أنت، حينما تقول لإنسان: أنت لا تكذب يكون هذا الكلام أقوى، وأشد لنفي الكذب من قولك: لا تكذب، أو لا تكذب أنت، لما عرفت من قبل أن هنالك فاعلين في المثال الأول، وفاعلاً واحداً في: لا تكذب ولا تكذب أنت، وهذا واضح.

    ثم جاء بعد ذلك عبد القاهر، وقد أحسن صاحب التلخيص حينما نقل كثيرا من كلامه في هذا الباب، وأساء من جهة أخرى في أنه نقل عن السكاكي كلاماً كثيراً أدخله المنطقيون على البلاغة؛ ولهذا لن نتعرض له؛ لأنه سوف يأخذ منا وقتاً كبيراً، لكننا سوف نلم بشيء منه فيما يتعلق بسلب العموم وعموم السلب، بعد قليل.

    فذكر بعد ذلك: مثل، غير، من بديع كلام العرب أنها أحياننا تطلق الاسم الذي لا يصدق صدقاً مباشراً على الشخص ويكون أبلغ في خطابه وفي الثناء عليه وفي مدحه، وذلك نحو مثل و غير، فتقول لإنسان تمدحه: مثلك لا يبخل، مثلك لا يترك الصلاة، مثلك لا يهمل درس التفسير والبلاغة، مثلك هذه تساوي أنت، أي: أنت لا تهمل، لكنك حينما نفيت أن يكون من كان مثلك لا يهمل درس التشكيل، فهو من باب أولى لا يفعل، فأنت الآن تخاطبه وتمدحه وتثني عليه، وتعرض أيضاً بالخطاب، ولم تأت له بخطاب مباشر.

    وهنالك جملة معروفة: مثلك لا يبخل، وغيرك لا يجود، يعني أنت لا تبخل وأنت تجود، مثلك لا يبخل يعني أنت لا تبخل، غيرك لا يجود يعني أنت تجود، يعني أن كل من عداه هو الذي يبخل وأما هو فإنه يجود، فقد نفى الجود عن كل أحد وأثبته له، وهذا غاية البلاغة والبراعة.

    وأما إذا كان ما يقصد المتكلم ذلك فليس واجباً عليه أن يقدم مثل و غير، هنا يجب التقديم، هو لم يقل: إنه يجب، ولكنه قال: ومما يرى تقديمه كاللازم يعني هو أشبه بأن يكون واجباً، يصلح أن تقول: مثلك لا يبخل، ولا يبخل مثلك، لكن حينما تقول: مثلك لا يبخل يكون المعنى أقوى، إن كان غير و مثل استعملت الاستعمال العقلي فلك أن تقدم وأن تؤخر، فلو قلت مثلاً في قول الشاعر:

    غيري جنى وأنا المعاقب فيكم فكأنني سبابة المتندم

    جنى غيري، فلا إشكال في ذلك، إذا كان الكلام لك وأنت القائل، لا يكون هنا تقديمه كاللازم.

    ننتقل بعد ذلك إلى ما قاله عبد القاهر ونقله عنه في التلخيص، فيما يتعلق بسلب العموم وعموم السلب، السلب يعني النفي، عموم السلب يعني عموم النفي، قال عبد القاهر: إن كانت كل داخلة في حيز النفي، بأن أخرت عن أداته،

    نحو قول الشاعر:

    ما كل ما يتمنى المرء يدركه

    أو معمولة بالفعل نحو: ما جاء القوم كلهم، أو: ما جاء كل القوم، فوجّه النفي إلى الشمول خاصة، وأفاد ثبوت الفعل، وإلا عم، أي كان من باب عموم السلب، ومثل لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال له ذو اليدين: (أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: لم أنس ولم تقصر)، يريد عبد القاهر من هذا الكلام أن يقول: إن لفظ كل إذا سبقت بنفي، هذا واحد، مثل:

    ما كل ما يتمنى المرء يدركه..

    نختصر الطريق ونقول: إنه يريد أن يقول: إن هذا من باب سلب العموم، يعني أنه يمكن أن يخرج من هذا العموم أفراد، يعني هنالك أشياء يتمناها المرء ويدركها، ولكن الشاعر أراد أن يقول: ما كل ما يتمناه المرء يدركه، ولذلك يصح أن تقول: بل يدرك بعضها، فهذا من باب سلب العموم.

    ثم أيضاً إذا كان في حيز النفي وكان معمولاً للفعل، يعني (كل) كانت معمولة للفعل، نحو: ما جاء القوم كلهم بل بعضهم.

    أما حين يكون من باب عموم السلب فلا يصح الاستثناء، وكذلك حينما تقول: ما جاء كل القوم، وكذلك حينما تقول: لم آخذ كل الدراهم، هنالك نفي، وهنالك فعل، والفعل مسلط على لفظ (كل) هذا هو القيد الذي ذكره، حينما تقول: لم آخذ كل الدراهم، أو كل الدراهم لم آخذ، فإنه لا يفيد استقصاء الأفراد، بل هو من باب سلب العموم، ويبقى البعض؛ كما قلنا لكم في الكل وفي الكلية، الكل حكمنا على المجموع، والكلية حكمنا على الجميع، هذا يتبين بضده، وهو إذا كان عاماً، يصح أن يستثنى منه شيء، وهو الذي مثل له بحديث ذي اليدين، السابق في الصحيحين: (حينما صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي صلى ركعتين وسلم، فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: كل ذلك لم يكن )، ولم يقل: لم يكن كل ذلك، فإن هنالك فرقاً بين: كل ذلك لم يكن، وبين: لم يكن كل ذلك، فلو قال: لم يكن كل ذلك، لكان من باب سلب العموم، لا عموم السلب، يعني أن هذا لا يمكن أن يقوله النبي صلى اللهُ عليه وسلم، لأن معناه أن مجموع هذا لم يحصل لكن حصل بعضه.

    ولهذا قالوا: إنه جاء في بعض الروايات أن ذا اليدين قال له: (بل بعض ذلك كان)؛ لأنه قصد عموم السلب، أي النفي للجميع بحيث إنه ليس هنالك استثناء، قال: كل ذلك لم يكن، والعجيب أنه بعد ذلك استشهد بالبيت الذي هو في التلخيص:

    قد أصبحت أمُّ الخيارِ تَدَّعي عليَّ ذنباً كلُّه لم أَصنعِ

    كيف يقال في البيت؟

    علي ذنباً كله لم أصنع

    هكذا الرواية التي رواها بالرفع؛ فإذا كانت الرواية بالرفع فهي شاهد على عموم السلب، يعني ما صنع شيئاً.

    والفعل هنا ليس مسلطاً على كل، لا علاقة له، ابحث له عن مفعول، فإن كان الكلام: كله لم أصنع فلا يصح أن يستشهد به عبد القاهر، وفي الشروح الخفيفة لم أجد من بحث هذا بحثاً يثبت فيه الصحيح في الرواية.

    هذه لمحة دالة دلالة يسيرة على ما ذكره عبد القاهر فيما يتعلق بالتقديم، وفيما يتعلق بـمثل و غير، وفيما يتعلق بسلب العموم.

    1.   

    أغراض تأخير المسند إليه

    وأشار إشارة خفيفة عندكم في الكتاب إلى تأخير المسند إليه متى يؤخر، متى يؤخر المسند إليه؟ الجواب على ذلك سهل، وهو اقتضاء المقام، حينما يكون هنالك داع للتأخير أخرنا، ونعرف ذلك بالنظر إلى المسند ومتى يجب تقديمه أو يستحسن تقديم المسند، حينما نعرف ذلك نعرف متى يجب تقديم المسند إليه أو يحسن تأخيره، وستجدون أنه مثل لذلك بقوله سبحانه: لا فِيهَا غَوْلٌ[الصافات:47]، فالمسند إليه غول، وقد تأخر، المسند (فيها)، وهذا فيه إشارة إلى أن هذا النفي مقصور على خمر الآخرة، هي التي ليس فيها غول، بخلاف خمور الدنيا، فإن فيها غولًا؛ ولذلك لم يقل: ذلك الكتاب لا فيه ريب، ولو كان الكلام كذلك لفهم المتلقي أن الكتب الأخرى فيها ريب، ولكنه نفى الريب عن هذا الكتاب والكتب الأخرى، نحن نعرف من خلال آيات أخرى أنه لا ريب فيها.

    وقد يكون تأخير المسند إليه للتشويق، نحو قول الشاعر:

    ثلاثةٌ تُشرقُ الدُّنيا ببهجتها شمس الضحى وأبو أسحاقَ والقمرُ

    فإن المتكلم حينما يقول: (ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها) فلا شك أنه سوف يشتاق إلى هذا الخبر الذي يجعله يرى الكون من خلال أشياء تشرق في هذا الكون وتضيء.

    1.   

    صور الخروج عن مقتضى الظاهر

    وهناك مسألة كبيرة من المسائل التي ختم بها صاحب التلخيص المسند إليه، وهي الخروج عن مقتضى الظاهر، يعني الخروج عن مطلوب الظاهر، ما يتطلبه الظاهر، متى يحسن الخروج، ذكر ذلك وأطال فيه.

    وضع المضمر موضع المظهر وعكسه

    وقال: وقد يخرج الكلام على خلافه فيوضع المضمر موضع المظهر.

    الأمثلة على ذلك من القرآن كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى[البقرة:282] هنا بالعكس؛ وضع المظهر موضع المضمر، نحن ندرس المسألة عموماً سواء كان المظهر قد وضع موضع المضمر أو العكس؛ فالكلام هنا خرج عن الأصل، الأصل أن يكون الكلام: أن تدل إحداهما فتذكرها الأخرى، وشرحنا هذا الكلام وقلنا: منهم من قال: للتوكيد، ومنهم من قال: لدفع اللبس، ومنهم من قال أشياء ليست بصحيحة، والصحيح هو ما ذكرناه سابقاً.

    مثال آخر أيضاً، هنالك ثلاثة أمثلة في القرآن هي أصعب الأمثلة، وهي التي أشكلت على كثير من العلماء، قوله سبحانه في قصة يوسف: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ[يوسف:76]، يعني كان الأصل من وعائه؛ لأن الأخ مذكور، وهو أقرب مذكور، ونحن عندنا قاعدة: الضمير يعود إلى أقرب المذكور أو إلى من سيق إليه الكلام، أحياناً لا يكون أقرب مذكور، ولكن الكلام من أوله صفة له، عندما تقول: جاءني المدير ومعه صالح وعمرو وزيد وأكرمته، من الذي أكرمت؟ الأول؛ لأن الكلام سيق له، فهنا أحسن الأجوبة أنه من أجل ألا يحصل لبس؛ لأنه قد يتوهم المتوهم أنه لو قال: ثم استخرجها من وعائه أن الضمير يعود إلى يوسف فقال مرة أخرى: ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ[يوسف:76].

    وكذلك مثلاً قوله سبحانه: حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا[الكهف:77]، الظاهر أن الكلام كان يكون على هذا الوجه: حتى إذا أتيا أهل قرية استطعماهم، ولكنه كرر كلمة (أهل) مرة أخرى، وهنالك أجوبة كثيرة تجدونها في كتاب روح المعاني للألوسي، من ذلك أنه للتبكيت على أولئك البخلاء، الذين بخلوا على هذين النبيين، وقد كان الخضر على الصحيح نبياً؛ لأنه قال في آخر القصة: وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي[الكهف:82]، ولم يكرموهما فذكرهم مرتين للتشنيع عليهم والتبكيت عليهم.

    أحياناً بدلًا من أن يكون الاسم ضميراً يكون ظاهراً، ولكنه اسم إشارة، يقول في التلخيص: إنه لكمال العناية لتمييزه أكمل تمييز، واستشهد على ذلك ببيتين، منسوبين لـابن الراوندي، الذي قيل: إنه كان زنديقا:

    كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

    هذا الذي ترك الأوهام حائرة وصير العالم النحرير زنديقا

    كلامه الأول صحيح، وكلامه الثاني أيضاً صحيح، هنالك من تزندق؛ لأنه لم يفهم أسرار فتنة الله تعالى في الكون، ونحن لا نقول: إنه تزندق من أجل هذين البيتين بل من أجل أشياء أخرى، والله أعلم.

    الحق لأنه قال: هذا الذي، الأصل أن يقول: هو الذي، يعني هذا الأمر، ولكنه أشار إليه كأنه أمر محسوس، جسده حينما تكلم عنه وصوره تصويراً فأصبح كأنه جسد وجسم طويل عريض عميق، يحتاج إلى قرار يشغله، فأشار إليه بالإشارة، فقال: هذا الذي ترك الأوهام حائرة.

    قال: وعليه من غير هذا الباب، طبعاً هذا للمسند إليه، نحن جئنا بالأمثلة مشتركة، منها ما هو من باب المسند إليه، ومنها ما هو للمسند.

    قال: وعليه من غير هذا الباب قول الشاعر:

    تعاللت كي أشجى وما بك علة تريدين قتلي قد ظفرت بذلك

    تعاللت يعني أنها تمارضت من أجل أن يشجى، أي أن يحزن، وما بك علة، تريدين قتلي قد ظفرت به، هذا هو الأصل أن يقول: به، ولكنه قال: بذلك أيضاً لتمييزه أكمل تمييز.

    وقال: إنه قد يكون أيضاً لزيادة التمكين والتقرير؛ كما ذكرناه لكم، فمثلاً في قوله سبحانه: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ[الإخلاص:1-2]، عادة في أكثر الكلام إذا ذكر الاسم فإنه إذا جاء خبر بعد ذلك عنه في جملة اسمية يأتي بالضمير، لكنه أتى بالاسم الظاهر لزيادة التمكين والتقرير.

    ومثل له أيضاً بالاسم: وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ[الإسراء:105]، والحق هنا هو الحق هناك، ولكنه أيضاً للتقرير والتمكين، والأصل أن يكون الكلام: وبالحق أنزلناه وبه نزل، ونحو مثلاً: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ[آل عمران:159]، توكل عليه، وقال: إنه قد يضع الظاهر موضع المضمر من باب الاستعطاف؛ كقول الشاعر:

    إلهي عبدك العاصي أتاك مقراً بالذنوب وقد دعاك

    والشاهد فيه: إلهي عبدك العاصي أتاك، أصل الكلام: أنا العاصي، ولكنه وضع المظهر موضع المضمر للاستعطاف؛ فلم يقل: أنا العاصي؛ لأنه أراد أن يستعطف المولى سبحانه.

    الالتفات

    ثم بعد ذلك قال: إن هذا الخروج عن الظاهر ليس خاصاً بهذا الأمر وهو وضع المضمر موضع المظهر أو العكس، بل يكون أيضاً كذلك في شيء نسميه الالتفات، وهو من أشهر موضوعات البلاغة، ويعرف بأنه التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاث بعد التعبير عنه بآخر منها، نحن عندنا الالتفات في الكلام، والكلام إما أن يكون من باب التكلم أو الخطاب أو الغيبة، هذه هي الثلاثة.

    فهو إذًا انتقال الخطاب من خطاب إلى متكلم أو العكس، أو إلى غيبة، أو من غيبة إلى خطاب أو تكلم أو العكس، انتقال من أسلوب إلى أسلوب، انتقال من واحد من هذه الثلاثة إلى واحد منها أيضاً، والثلاثة هي: التكلم والخطاب والغيبة، وهو من أسهل الموضوعات ومن أعجبها وأقربها، ومثل له في التلخيص بستة أمثلة؛ لأننا نحتاج إلى مثال: الانتقال من تكلم إلى خطاب وإلى غيبة، ومن خطاب إلى تكلم وإلى غيبة، ومن غيبة إلى تكلم وإلى خطاب، فثمة ستة، سواء للسائلين، ومثل لذلك كله من القرآن وأعياه مثال واحد، فمثل له بالشعر، كأنه لم يجد من القرآن مثالاً له، وأنا ما بحثت في هذا، لكن لأول وهلة لا تجد مثالاً لذلك، فقال: مثال الانتقال من التكلم إلى الخطاب قوله سبحانه: وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[يس:22]، هو يتكلم عن نفسه: ((وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي))، وبعد ذلك: ((وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ))، نقله إلى الخطاب، ولو كان جارياً على الأصل وهو التكلم لقال: ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه أرجع، ولكنه نقله إلى مخاطبين، نقل الأسلوب من التكلم إلى الخطاب، فقال: (وإليه ترجعون).

    وقد يكون الانتقال أو الالتفات من التكلم إلى الغيبة، ومثل له بقوله سبحانه: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ[الكوثر:1-2]، فنقل الأسلوب من تكلم إلى غيبة، (فصل لربك)، ولو كان الكلام جارياً على أصله، والمولى يخبر عن نفسه بلسان العظمة لكان الكلام: ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)) فصل لنا، ولكنه نقله إلى الأسلوب الآخر وهو أسلوب الغيب، وسوف تعرفون النكتة العامة، والسر اللطيف.

    بعد ذلك الانتقال من الخطاب إلى التكلم، مثل له بقول الشاعر، هذا هو الذي لم يجد له مثالاً في القرآن، قال الشاعر:

    طحا بك قلب في الحسان طروب بعيد الشباب عصر حان مشيب

    تكلفني ليلى وقد شط وليها وعادت عواد بيننا وخطوب

    ومعنى طحا بك: أي اتسع وذهب بك كل مذهب، وطروب: مأخوذ من الطرب، وهو استخفاف القلب في الفرح، أي له طرب في طلب الحسان ونشاط في مراودتهن، ومعنى بعيد الشباب: حين ولي وكاد ينصره، ومعنى عصر حان مشيب: أي زمان قرب المشيب وإقباله على الهجوم، ومعنى شط: بعد، والولي: القرب، والعوادي: الصوارف، وعوادي الدهر: عوائقه، والخطوب: جمع خطب، وهو الأمر العظيم.

    والشاهد فيه: الالتفات من الخطاب في طحا بك إلى التكلم في تكلفني وفاعله ضمير القلب، وليلى مفعوله الثاني، وروي بالتاء الفوقانية على أنه مسند إلى ليلى، والمفعول محذوف، أي تكلفني شدائد فراقها.

    قال تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ[فاطر:37]، النذير الصحيح أنه كل نذير، من القرآن إلى الرسول وإلى كل ما ينذر الإنسان، ولكن بعضهم فسروه بالشيب، وأنه نذير للإنسان، والشاعر الذي ذكر مراحل العمر قال:

    وابن خمسين مر عنه صباه فيراه كأنه أحلام

    وابن ستين صيرته الليالي هدفًا للمنون في سهام

    وابن سبعين لا تسلني عنه فابن سبعين ما عليه سلام

    فإذا زاد بعد ذلك عشراً بلغ الغاية التي لا ترام

    وابن تسعين عاش ما قد كفاه واعتراه وساوس وسقام

    وإذا زاد بعد ذلك عشراً فهو حي كميت والسلام

    وأما الأول فغرام وشدة وتمام وإلى.. أبيات محصورة، معروفة.

    فهذا يقول: (بعيد الشباب عصر حان مشيب)، وقت حان المشيب، طحا بك، هو الآن يخاطب نفسه، هذا كالتجريد الذي سوف نعرفه، ثم قال في البيت الثاني: تكلفني ليلى، (تكلفني) هذا أسلوب تكلم، الأول كان خطاب والآن تكلفني أنا، وما دام يصح أن تقول: أنا إذاً هو تكلم؛ لأن ضمير المتكلم أنا وضمير المخاطب أنت، فهناك يقول: طحا بك أنت، وهنا تكلفني أنا، فانتقل من الخطاب إلى التكلم، ومعنى البيت الثاني تكلفني ليلى بسبب البعد، والبين والنأي، والممانعة، وقد شق، أي: بعد، وليها أي قربها، تكلفني ليلى وقد بعد قربها، وعادت عواد بيننا وخطوب، هنالك أمور كثيرة حالت بيني وبينها؛ فهذا فيه أسلوب التفات، وهو انتقال من خطاب إلى تكلم، وقد يكون من خطاب إلى غيبة، ومثل له عندكم بقوله سبحانه: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ[يونس:22]، حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم، حتى إذا كنتم أنتم، هذا خطاب، وبعد ذلك: وجرينا بهم، هذا غيبة، فهو انتقال من خطاب إلى غيبة.

    انتهينا من التكلم ومن الخطاب، بقي بعد ذلك الغيبة، نريد مثالاً لانتقال من غيبة إلى تكلم، ومن غيبة إلى خطاب، من غيبة إلى تكلم مثل له في الكتاب بقوله سبحانه: وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ[فاطر:9] (والله الذي أرسل) هذا خطاب الغائب، أسلوب غيبة، الله الذي أرسل هو، عندما تقول مثلاً: محمد حضر، هذا أسلوب غيبة وليس بخطاب ولا تكلم، والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه، ولو كان الكلام جارياً على أصله من حيث الغيبة لكان الكلام هكذا: فساقه، ولكنه انتقل الأسلوب من غيبة إلى تكلم: فسقناه نحن.

    وبقي لنا مثال سادس، وهو المثال الثاني بالنسبة للغيبة انتقال من غيبة إلى خطاب، هذا مثل له بمثال كلنا نحفظه، في سورة الفاتحة، أول مثال لهذا الأسلوب وهو الالتفات قال سبحانه: بسم الله الرحمن الرحيم: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:2-4]، هذا أسلوب غيبة، ((الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) نحن لم نقل: الحمد لك، فيكون خطاباً، والله لم يخبر عن نفسه بأسلوب التكلم، وإنما قال الله هذا الكلام حتى نقوله نحن تعبداً، فنحن الذين نقول: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:2-4]، بعد ذلك: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[الفاتحة:5]، (إياك) هذا أسلوب خطاب، انتقل إذاً الكلام من غيبة إلى خطاب.

    قال في التلخيص: (ووجه الالتفات أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن لنشاط السامع وأكثر أيقاظاً للإصغاء إليه، قال: وقد تختص مواقعه بلطائف كما في الفاتحة، وإن العبد إذا ذكر الحق بالحمد عن قلب حاضر يجد من نفسه محركاً للإقبال عليه، وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام قوي ذلك المحرك إلى أن يئول الأمر كله إلى أن هنالك الجزاء والحساب، وحينئذ يجب الإقبال عليه والخضوع والاستعانة به في المهمات، أو بغاية الخضوع والاستعانة به في المهمات).

    هذا كلامه النفيس ذكره عندكم في الكتاب بعد أن ذكر الوجه الذي من أجله يؤتى بهذا الأسلوب، وهو الالتفات.

    تلقي المخاطب بغير ما يترقب

    بعد ذلك قال في التلخيص: ومنه -أي مما هو خارج عن مستوى الظاهر- تلقي المخاطب بغير ما يترقب، كقول القبعثري، رجل اسمه القبعثري، مثل قرعبلانة هذا الاسم الطويل، هذا أكبر اسم في اللغة العربية، ليس هنالك اسم مكون من ثمانية حروف إلا هذا، وهو لأصغر مخلوق نراه، يعني من المخلوقات الحية، كالنملة، القملة تسمى قرعبلانة، وإلا فكما يقول ابن مالك:

    ومنتهى اسم خمس أن تجردا وإن يزد فيه فما سبعا عدا

    ما يزيد على سبعة مع الزيادة لكن هذي ثمانية.

    القبعثري لقي الحجاج وكان قد أذنب، والويل لمن أذنب لدى الحجاج! فقال الحجاج له: لأحملنك على الأدهم، الأدهم يقول ابن مالك في الألفية:

    فالأدهم القيد لكونه وضع في الأصل وصفا انصرافه منع

    الأدهم: القيد، وهو من الألفاظ المشتركة، يسمى به القيد الذي يوضع في الرجل، تقيد به رجل الإنسان، والأدهم: الفرس، هكذا قال له الحجاج على سبيل التهديد والوعيد الشديد، لأحملنك على الأدهم، يعني لأقيدن رجليك، لأن الإنسان حينما يكون مقيداً يصبح كأنه محمول للقيد، فهو الذي يسيره، فقال له: لأحملنك على الأدهم، فقال: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، فنقله إلى شيء آخر، ونحن عرفنا الشيء الآخر بقرينة لفظية وهي الأشهب، فنقله إلى معنى الأدهم الآخر، وهو الفرس الأدهم، والأدهم: الأسود الذي خالطه بياض، والأشهب: الأبيض الذي خالطة سواد، فقال له: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب، يعني هو مثل الأمير يعطي، ولا يعطي إلا الجزيل، ويعطي الكثير، فيعطي الإنسان جائزة، كأن يعطيه فرساً أدهم، أو فرساً أشهب، فيصبح محمولاً عليه، فنقله بهذا الأسلوب الذكي إلى هذا المعنى، فعفا عنه الحجاج.

    وكثيراً ما كان الكلام والبلاغة سبباً في نجاة الإنسان، وكثيراً ما أهلك الإنسان لسانه.

    أسلوب الحكيم

    وهنالك أسلوب آخر أيضاً ذكره في التلخيص، ونحن درسناه في البلاغة باسم الأسلوب الحكيم، لكنه أحياناً يسمى حكم التعليل، الأولون يسمونه أحياناً إجابة السائل لغير ما يطلب، تنبيهاً له على أن هذا الجواب هو الأولى بحاله، وكان الأصل أن يسأل عنه لا أن يسأل عن هذا، ولذلك أمثلة في القرآن الكريم، والمثال المشهور على ذلك قول الله سبحانه: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ[البقرة:189]، حينما سألوا عن الأهلة، الأهلة جمع لهلال، سألوه: لماذا يبدو الهلال صغيراً ثم يكبر ثم يكبر ثم يكبر ثم يصبح بعد ذلك كاملاً، يقال في اللغة: كبر يكبر في الأجسام، إذا كنت تتكلم عن جسم تقول: كبر الثقل، كبر الصغير يكبر، كما في سورة النساء: أَنْ يَكْبَرُوا[النساء:6]، هذا من (كَبِر) يتكلم عن اليتامى، وأما في المعاني فتقول: كَبُر يكبُر، يعني على وزن عظم يعظم وزناً ومعنىً، ومنه قوله سبحانه: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ[الصف:3]، هذا في المعنى، يعني كبر المقت مقتاً عند الله، أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ[الصف:3]، هذا من باب فعُل يفعُل.

    فهؤلاء قالوا: ما باله يبدو صغيراً ثم يكبر؟ فجاء الجواب غير موافق للسؤال الذي سألوه لأن سؤالهم لا ينبغي الالتفات إليه، ولا يحسن الالتفات إليه، ولا يستحق الإجابة، فصرفهم إلى شيء أهم، وهذا الشيء الأهم هو وظيفة تلك الأهلة، ما هي وظيفة الهلال؟ لأن هذه الوظيفة هي التي تكسب الناس فائدة في معاشهم ومعادهم، فهي متعلقة بأعمالهم الدينية والدنيوية، فقال لهم: هي مواقيت للناس ومواقيت للحج، هذه هي وظيفتها، وكان عليكم أن تسألوا عن مواقيت الأهلة للناس وللحج.

    الإخبار عن المستقبل بلفظ الماضي

    وقال أيضاً: إن مما خرج عنه مقتضى الظاهر الأسلوب الذي يأتي فيه الإخبار عن المستقبل بفعل يدل على المضي والانقضاء والانتهاء، وهذا أيضاً له أمثلة معروفة، وأشهر الأمثلة على ذلك، وأجراها على الألسنة قوله سبحانه في مفتتح سورة النحل: أَتَى أَمْرُ اللهِ[النحل:1]، هذا فعل ماض، أمر الله هو يوم القيامة، ومعلوم أنه لم يأت، لكن هنالك أسلوب عربي وهو التعبير عن المستقبل بالمضي؛ لإفادة تحقق الوقوع، أنه أمرٌ آت لا محالة، كقولك: نزل المطر، وهو لم ينزل، ولكن لقربه، ولأنه قد ظهرت علامات تدل عليه، هذا بالنسبة لك، لكن إذا كان المخبر هو الله، وهو الذي بيده كل شيء، وقد أخبر بأنه أتى فهذا أقوى في الأسلوب، كما تقول أيضاً كذلك: أدركك العدو، ولو كان بعيداً، ولكنك تريد أن تحذره وأن تقول: إن إدراكه أصبح قريباً جداً، وأنه متحقق أو كالمتحقق، حينما نقول: متحقق أو كالمتحقق، هذا بالنسبة للناس، في إخبار الله سبحانه نقول: لتحقق الوقوع في مثل: ((أَتَى أَمْرُ اللهِ))، وهكذا: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ[الزمر:68].

    القلب

    ومنه أيضاً القلب، مما يكون خارجاً عن ما يطلبه الظاهر، سوف يأتينا في باب البيان التشبيه المقلوب، يقلب الكلام أحياناً في التشبيه لنكتة، كذلك أيضاً الكلام يعطف لإفادة أمر بلاغي، أو للتنقل من أسلوب إلى أسلوب، وإظهار أن هذه اللغة مرنة، فلو قلت بهذا يصلح، ولو قلت أيضاً الأسلوب الآخر يصلح.

    حينما تقول: عرضت الناقة على الحوض، قالوا: إن الأصل أن تقول: عرضت الحوض على الناقة، يعني عرضت الناقة على الماء، الأصل أن تقول: عرضت الماء، عندما يقول: عرضت الكتاب على فلان، هذا هو الأصل، لكن عندما تقول: عرضت فلاناً على الكتاب، هذا خلاف الأصل، وله معنىً أقوى، بحسب ما تريد أنت، وما هي الحقيقة، قد يكون الكتاب هنا، وجئت بفلان وعرضته عليه، وقد يكون أنت الذي قدمته له ووضعته بين يديه، لكن في مثل عرضت الناقة على الحوض، الحوض باق في مكانه، فلما كان عرض الأشياء في الأصل يكون بتحريكها، والحوض لا يتحرك؛ لأنه جرم ثابت في مكان، قلنا: نقلنا الكلام إلى ما يتحرك، وقلنا: عرضنا الناقة على الحوض.

    كذلك عندما تقول: أدخلت القلنسوة في الرأس، الطاقية: الكوفية، الكوفية نسبة إلى الكوفة، والطاقية نسبة إلى الطاق، قماش، العمامة، دعونا نقول: عمامة، أدخلت العمامة في الرأس، أدخلت العمامة ما الذي أدخلته في الآخر؟

    الرأس في العمامة، ولكن أجازوا مثل هذا الأسلوب وقالوا: إنه من باب القلب، لكن إذا كان عندك وسواس، وأردت أن تعبر تعبيراً دقيقاً جداً فانظر إن كان الرأس قد تحرك حينما أدخلت العمامة؛ فهذا إدخال للعمامة على الرأس، وإن كان الرأس لم يتحرك وكان ثابتاً كثبوت المسمار في الجدار، وأنت وضعت العمامة على الرأس فهذا أسلوب صحيح، وليس فيه قلب، وكلا الأسلوبين صحيح، هذا ليس من باب القلب، وهو من أدخل القلنسوة في الرأس، وإن كانت قد تحركت، وكان للرأس حركة مساعدة في ذلك وأدخلته في العمامة فالأصل أن تقول: أدخلت الرأس في العمامة، فإن عكست يكون من باب القلب، ما في مشكلة ولا تضيق على أحد في ذلك، ولا توسوس، ولا تدقق فالمسألة واسعة، واللغة العربية واسعة، وعندنا بعد ذلك من كان عنده تبحر في اللغة العربية ومراس في أساليبها فإنه يستطيع أن يحتال بعد ذلك للإجابة المناسبة في كل وقت.

    هذا الأسلوب قال في التلخيص: إن السكاكي قبله مطلقاً، ورده غيره مطلقاً، والصحيح أنه مقبول إذا كان ذلك لنكتة بينة؛ كأن يتضمن تشبيهاً أو نحو ذلك، ومثل له بمثال، وهو قول الشاعر:

    ومهمهٍ مغبرة أرجاؤهُ كأن لون أرضه سماؤهُ

    مهمهٍ مغبرة أرجاءه، المهمه: الصحراء، أصل الكلام: ورب، لكن (رُب) قد تحذف ويبقى عملها وأثرها، ورب مهمه، مغبرة: صفة، أرجاءه: نائب فاعل، كأن لون أرضه سماؤه؛ يريد أن يقول: كأن لون سمائه أرض، هكذا؟

    يريد هو الآن عندما تغبر الأرجاء ما الذي يتلون؟ الأجواء التي فوق، السماء في العلو، ولكنه قلبه، أراد أن يؤكد المعنى وأن يصوره وأن يقول: إن الغبار أو العفير أو القتار كان كثيراً جداً، منتشراً في الكون، حتى لا تدري أين الارض وأين السماء، فقلبه هذا القلب، واستشهد بنصف بيته الأخير، وهو قول الشاعر:

    كما طينت بالفدن السياعا

    هو يتكلم عن إبل؛ لأنها لونها لون الطين، والفدن هو القصر الكبير، والسياع هو الطين، فهو قال: كما طينت بالفدن السياعا، يعني كما طينت بالقصر الطين، هل هذا هو الكلام؟ الأصل أن يقول كما طينت بالطين القصر، كما

    قيمت بالسياع القصر، هذا هو الأصل، ولكنه خرج عن هذا الأسلوب قالوا: إنه لقوة التشبيه.

    قد يقول قائل ما الفرق بين الإبهام والتشكيك؟ فالجواب: الإبهام مثل الإجمال، لكن التشكيك إلباس، يعني التشكيك يستطيع الباحث أو المخاطب أن يتوصل -بعد تأمل- إلى ما تريد، وإما الإبهام فإن اللفظ يحتمل ولا نستطيع أن نفرق بينهما إلا بأسلوب المخاطب، حينما أقول لك: اقرأ هذا أو هذا، أو فعلت هذا أو هذا، قد أريد التشكيك وقد أريد الإبهام، فهذا لا تستطيع أن تعرفه من (أو)؛ لأن (أو) لا تدل دلالة خاصة على واحد من هذين، ما تستطيع أن تعرف ذلك بتأمل، ولكنك قد تعرف ذلك من خلال نطق أو من خلال السياق، فإذا كان في غير ذلك فالإبهام لا يكاد يعرفه أحد إلا المتكلم لأنه لا يزال مبهماً، أما التشكيك فيعرفه بعض الناس بذكائه، ويعرفه أيضاً كذلك المتكلم.

    والحمد الذي بنعمته تتم الصالحات.

    ونحن قد انتهينا ولله الحمد من المسند إليه الذي هو جزء كبير من البلاغة، وفقهنا فيه أموراً نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها، ومن كان قد قرأ هذه الدروس وفهمها فإنه قد وضع قدمه على طريق البلاغة، وهو سائر إن شاء الله إلى أن يتم هذا الطريق.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3010886987

    عدد مرات الحفظ

    722045330