إسلام ويب

شرح الأجرومية [2]للشيخ : عبد العزيز بن علي الحربي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما كان علم النحو موضوعه التركيب العربي من حيث أواخر الكلمات فيه، فقد جعل النحاة الأبواب الأولى منه لمحتويات التركيب من اسم وفعل وحرف، وكذلك لأوصاف هذه المفردات من حيث ثباتها أو تحولاتها بتغير العوامل الداخلة في باب الإعراب والبناء وتوابعه من معرفة علامات الإعراب والبناء وما يعرب بالحركة والحرف منها.

    1.   

    علامات الاسم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء وخاتم المرسلين،

    وبعد:

    كان بعض العلماء إذا جلس إلى بعض أصحابه جلسوا يتحاورون في مسائل في النحو، ويضربون بعض الأمثلة على ذلك، فلم يعجبه كلامهم؛ لما فيه من غرابة عليه؛ فقال:

    سأترك النحو لأصحابه وأصرف الهمة في الصيد

    إن ذوي النحو لهم همة موسومة بالمكر والكيد

    يضرب عبد الله زيداً وما يريد عبد الله من زيد

    فإن كان معنا من في صدره حرج من ضرب عبد الله زيداً، أو ضرب زيد عمرواً فإننا اليوم سوف ننصف عمراً من زيد! ولن يكون ثمة ضرب ولا شيء من ذلك.

    ثم ليعلم أنه ليس هنالك ضرب ولا شيء آخر، وإنما هي أمثلة وفقط، مثل بها العلماء حين وجدوا أن هذه الأسماء خفيفة وصالحة للأمثلة.

    نحن بالأمس شرحنا الكلام، وعرفنا أنواع الكلام، وذكرنا علامات الاسم، وقلنا: إن هنالك علامات نستطيع أن نميز بها الأسماء، وذكر المصنف من علامات الاسم: الجر، والتنوين، ودخول الألف واللام، وحروف الجر، وحروف القسم، يعني الجر الذي هو الأثر، وحروف الجر الحروف التي هي: من وإلى.. وذكرها، و (أل) وهذا عرفناه.

    فلو سألناكم مثلاً، نريد أن نعرف الأسماء في سورة الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4]، هذه كلها أسماء، (بسم) لفظ اسم هذا ماذا؟ اسم لماذا؟ ما العلامة؟ دخول حرف الجر، وهو مجرور، (الله) أيضاً كذلك مجرور، اسم، بعد ذلك: (الرحمن) (الرحيم)،كذلك (مالك)، كذلك (يوم)، كذلك (الدين) وهو معرف أيضاً بـ(أل)، كل هذه أسماء.

    لكن إن جاءك في كلام العرب لفظ دخل عليه (أل)، ولكنه بعد التأمل ليس باسم، فاعرف أنه خرج عن القاعدة لأمر من الأمور، أو أن هذا الحرف ليس بـ(أل) التي عرفتها، وإنما هي (أل) من نوع آخر.

    وجدنا مثلاً بعض العرب قال: (ما أنت بالحكم التُّرضى حكومته)، (فالتُّرضى) هذا فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله، وهذه سوف نأخذها إن شاء الله فيما بعد في هذا الكتاب أو في غيره، و(أل) هنا اسم موصول، يعني: ما أنت بالحكم الذي ترضى.

    ثم الأمر أيضاً أهون من ذلك، فليس هنالك شواهد على مثل هذا، وليس هنالك خروج عن هذه القاعدة إلا في ألفاظ قليلة، وهذا القليل أو النادر لا حكم له، فـ(أل) إذا دخلت على لفظ فهو اسم.

    وحروف القسم التي هي: الواو والتاء والباء، لا تدخل إلا على الاسماء، والله وتالله هذه كلها في القرآن، وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ[الأنعام:23]، وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ[الأنبياء:57]، لكن التاء ما جاءت في القرآن إلا مع لفظ الجلالة، وهي أيضاً كذلك خاصة بلفظ الجلالة، ووردت أيضاً مقترنة بـ(رب) نحو: ترب الكعبة، وإلا فهي في الأصل دائما مع لفظ الجلالة، أما باء (بالله)،فالباء حرف قسم، هل جاءت في القرآن؟

    لم ترد، بعضهم تكلف فقال: جاءت في القرآن مرتين: في قوله سبحانه: ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً[النساء:62]، يرى أن الوقف على (يحلفون)وقف تام، بعد ذلك (بالله) يعني: نقسم بالله إن أردنا، والصحيح خلاف ذلك؛ فـ(بالله) الباء متعلقة بـ(يحلفون)، يعني يقسمون بالله، فالباء ليست للقسم.

    الموضع الثاني: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ[لقمان:13]، هذا وقف عند من اختار هذا القول، بعد ذلك: بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[لقمان:13]، وهذا أيضاً ليس بصحيح، بل المعنى: لا تشرك بالله، فـ(بالله) متعلق بـ(لا تشرك)، فليس في القرآن قسم بالباء، لكن نستطيع أن نمثل أمثلة من عند أنفسنا؛ إذا أدخلت الباء على اسم وأردت القسم تقول: بحقك، أو: بنفسك، أو: بأبيك مثلاً، أو كذا.. هذا موجود في كلام العرب، لكنه عقيدة ليس بصحيح؛ لأن القسم لا يجوز إلا بالله، إذا أردت أن تقسم بالله تقول: بالله إنني لصادق، فتدخل بالباء على لفظ الجلالة، وتدخلها على غير لفظ الجلالة أيضاً.

    1.   

    علامات الفعل

    ثم بعد ذلك شرع في ذكر علامات الفعل، فقال رحمه الله: [ والفعل يعرف بقد والسين وسوف وتاء التأنيث الساكنة ].

    نحن عندنا كم من الأفعال؟ ثلاثة أفعال، ونحتاج إلى ضوابط تضبط لنا هذه الأفعال، وتميز كل فعل عن الآخر؛ فعندنا فعل مضارع وفعل ماض وفعل أمر، وهو ذكر علامات ولم يفصل، لكننا سوف نعرف من خلال التفصيل أن (قد)تدخل على الفعل الماضي، وتدخل على الفعل المضارع، لكنها لا تدخل على الاسم، هو يريد هنا أن يذكر علامات الفعل.

    كثيراً ما تدخل (قد) على الفعل المضارع، وأكثر من ذلك على الفعل الماضي، قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ[المؤمنون:1]، فإذا جاءتك (قد) مع الفعل الماضي فهي للتحقيق، يعني شيء محقق ومؤكد، ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)).

    و(قد) تدخل على الفعل المضارع، وحينئذ تفيد التحقيق أم تفيد في الأصل التقليل؟ تقول: قد ينجح الكسلان، الأصل أنه لا ينجح، ولكنه قد ينجح، تأتي الأسئلة سهلة أو من المواضع التي ذاكرها فينجح، فهذا للتقليل، لكن لو قلت: قد ينجح المجتهد، هل تكون هذه العبارة صحيحة؟

    العبارة صحيحة، قال الله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً[النور:63]، قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ[الأحزاب:18]، فدخلت على الفعل المضارع الذي فاعله يحقق الفعل.

    قالوا: إنها في مثل (قد ينجح المجتهد) للتكثير، وقال بعضهم: إنها للتحقيق، فإذا كان الفاعل فيها هو الله فهي للتحقيق، مثل ((قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ))، وإذا قلت: للتكثير فلا حرج في ذلك؛ لأنه كثير باعتبار عملهم هم؛ فالمعوقون كثير، وعلم الله كثير بالنسبة لهذا.

    مثلاً يقول الشاعر:

    قد يحمل الشيخ الكبير جنازة الطفل الصغير

    فيحمل فعل مضارع، و(قد) هنا للتحقيق أم للتكثير أم للتقليل؟ السياق دائماً هو الذي يحدد..

    وهذا كثير، فكثيراً ما يموت الأطفال، وكثيراً ما يعيش الكبير ويموت الصغير، نحن لم نقل: إنه أكثر، لكنه كثير، عندنا كثير يقابله قليل، ويقابله كثير أيضاً؛ يكون هؤلاء كثير وهؤلاء كثير، أو هذا كثير وهذا كثير، وتقول: هذا قليل وهذا قليل، صح أو لا؟

    وتقول: هذا كثير وهذا قليل، وتقول: هذا كثير وهذا أكثر، لكن لا تقل: هذا كثير وهذا أقل، ما يصلح، فالله عز وجل حينما يقول: وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ[المائدة:15]، يحتمل أن يكون المقابل أكثر أو كثير، أو قليل.

    طيب! يقول الشاعر أيضاً:

    قد يدرك المتأني بعض حاجته..

    هذا أيضاً للتكثير، فالمتأني كثيراً ما يدرك بعض حاجته.

    فقد لا تدخل إلا على الفعل، ولكنها تدخل على الفعل الماضي والمضارع.

    وأما السين و(سوف) فهاتان العلامتان خاصتان بالفعل المضارع، لماذا؟ تعرف هذا بالبديهة؛ لأن السين للمستقبل، والفعل المضارع للمستقبل، وكذلك سوف؛ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ [النبأ:4]، كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ [التكاثر:3]، هذا أمر اضح، لا تدخل (سوف) على الماضي أبداً، ولا السين، يقولون عنهما: إنهما للتنفيس، يعني لشيء آت، يعني كأنه بعد أن يتنفس الإنسان.

    وكذلك تاء التأنيث. قال المصنف رحمه الله: (وتاء التأنيث ساكنة)، ولو قال: وتاء التأنيث لكان هذا أحسن وأجمع؛ لأن كل تاء ما دامت للتأنيث فإنها علامة للفعل، هذه التاء علامة لأي فعل؟ علامة للفعل الماضي فقط، سواء كانت ساكنة أو كانت متحركة، لو قال: التاء، التاء تكون للمتكلم، وتكون للمخاطب، وتكون للتأنيث، وقد تكون ساكنة وقد تكون متحركة، حينما تقول مثلاً: ضربت، هذه تاء المتكلم، ليست تاء التأنيث، لكنها أيضاً لا تدخل إلا على الماضي، يقول ابن مالك:

    وماضي الأفعال بالتاء مز.. يعني ميز ماضي الأفعال بالتاء، هذه الميزة الأولى والأخيرة، هي الميزة الكبرى التي تميز الفعل الماضي، نحن عندنا ميزة معنوية، وهي أن الفعل يدل على شيء مضى، لكني أريد لفظية؛ لأن الكتاب للأطفال، للصغار، للمبتدئين، فنريد ميزة لفظية نميز بهذا هذا الفعل.

    ثم إنه قد يأتينا فعل يشكل علينا، لا ندري هل هو فعل أم هو اسم؛ كما في: بئس و ليس، ولذلك اختلف العلماء في بئس ونعم وليس وعسى، هل هي أسماء أم أفعال، بأي شيء عرف البصريون أن هذه أفعال؟ أدخلوا عليها التاء، فوجدوها منقولة عن العرب بالتاء؛ فقالوا: إنها أفعال، ورأينا أن التاء تدخل على الفعل الماضي فعرفنا أنها ماضوية، أنها أفعال للماضي، والخلاف في هذا لا نحتاج إلى أن نذكره، جاء في الحديث: ( نعمت المرضعة، وبئست الفاطمة )، وهنالك حديث: ( من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل )، هذا الحديث فيه ضعف، لكن الشاهد فيه (فبها ونعمت)، دخلت التاء، كذلك قول الشاعر:

    لولا جرير هلكت بجيلة نعم الفتى وبئست القبيلة

    ففي (بئست) التاء دخلت على (بئس) فهي فعل ماض، ومن دخولها على نعم قول الشاعر: (نعمت جزاء المتقين الجنة..)، فبدخول التاء على هذا اللفظ عرفنا أنه فعل ماض.

    نرجع إلى التاء: التاء تكون للمتكلم، نحو: (ضربت) أو (تكلمت) مثلاً، وتكون للمخاطب تقول: (تكلمتَ) أو (قرأتَ)، وتكون أيضاً للمخاطبة، نحو: (قرأتِ)، وتكون أيضاً للتعبير عن الأنثى والإخبار عنها تقول: (قرأتْ)، فالتاء إذا كانت مضمومة أو كانت مفتوحة أو ساكنة أو متحركة بالكسر فإنها تكون علامة للفعل الماضي، فإذا وجدت لفظة اقترن بها تاء - أي تاء - فهو فعل ماض.

    هنالك ألفاظ ليست أفعالاً محضة، وليست أسماءً محضة، ولكنهم ألحقوها بالأسماء؛ لأنه يدخلها التنوين، هذه نسميها أسماء أفعال، لم يذكرها المصنف، ومن أمثلته قول الله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ[الإسراء:23]، فـ (أفٍ) هذا ليس باسم من الأسماء التي عرفناها وليس بفعل، ولكنه اسم فعل؛ لأنه أخذ شيئاً من خواص الاسم: التنوين، وهو فعل؛ لأن معناه فعل، فهو بمعني أتضجر، أتأفف، فهذا سموه اسم فعل.

    كذلك مثلاً (هيهات) هذا اسم فعل ماض، (أف) اسم فعل مضارع؛ لأنه بحسب التعبير الذي تعبر به، فـ (أف) يعني أتضجر؛ إذاً هو اسم فعل مضارع، و(هيهات) بمعنى (بعُد)؛ إذاً هو اسم فعل ماض.

    ومثلاً (شتان) بمعنى (افترق)، وعندما تقول: (مه) يعني: اكفف، فهذا اسم فعل أمر، وعندما تقول: (صه) أي: اسكت، فهذا اسم فعل أمر.

    المصنف رحمه الله لم يذكر علامة لفعل الأمر، لكنه ذكر علامة الفعل المضارع والماضي، ونحن عندنا ثلاثة أفعال، وعندنا قاعدة: إذا كان هنالك ثلاثة أشياء وعرَّفت بشيئين فقد عرفت الثالث، فإذا وجدت لفظاً آخر، وهو ليس اسماً وليس بحرف، ولا يقبل قد ولا السين ولا التاء، فهو فعل أمر، لكن العلماء ذكروا له علامة تميزه، وهي قبوله لياء المخاطبة، مع دلالته على الطلب، فقبوله لياء المخاطبة مع دلالته على الطلب، هذه العلامة لا يقبلها الماضي ولا المضارع.

    المثال على ذلك قوله سبحانه: فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً[مريم:26]، (كلي) الياء ياء المخاطبة، (واشربي) الياء ياء المخاطبة، (وقري) الياء ياء المخاطبة، هذه الأفعال الثلاثة تدل على الطلب، فهو يطلب منها ذلك، يأمرها.

    هذه الآن أفعال أمر، فلو أردنا أن نعرب (فكلي) نقول: الفاء على حسب ما قبلها ـ إذا جاءك حرف عطف في أول الكلام قل: على حسب ما قبله، وتنتهي المشكلة ـ كلي: فعل أمر، مبني على حذف النون، وسوف يأتينا بعد قليل، ونعرف هذا التفصيل في الأفعال الخمسة، فالأمر يبنى على السكون، أو يبنى على حذف حرف العلة، أو يبنى على حذف النون؛ كما قال بعضهم:

    والأمر مبني على السكون أو حذف حرف علة والنون

    مثال المبني على السكون: كل.. اشرب.. اضرب.. قم.. اقعد.. اجلس.. كل هذه مبنية على السكون، هذا هو الأصل، حتى الحريري يقول:

    والأمر مبني على السكون مثاله احذر صفقة المغبون

    هنالك بيت آخر يفهمه الكبار في العلم:

    والأمر مبني على ما يجزم به مضارع أيا من يفهم

    الأمر مبني على ما يجزم به مضارعه، خليك على البيت الأول الذي فيه التفصيل، مبني على السكون؛ كما مثلنا: أو حذف حرف علة، يعني عندما تقول: (امش) هذا مبني على حذف الياء، (ارم) مبني على حذف الياء، (ادع) أصلها: (ادعو)، ولكننا نحذف الواو ونقول: مبني على حذف الواو، وكذلك (اسع) مبني على حذف الألف.

    عندما تقول: (كلي) أو: كلوا، اشربوا، اشربا، كلا، فالفعل هنا مبني على حذف النون.

    والألف في مثل كلا فاعل، وسوف يأتينا هذا، فلا تستعجلوا!..

    إن فعل الأمر مبني، وليس من المعربات، وسيأتينا التفصيل.

    هنالك علامة أخرى لفعل الأمر بعضهم يذكرها كـابن مالك مثلاً، وهي قبوله لنون التوكيد، أيضاً مع دلالته على الأمر، نحو: اضربن، كلن، اشربن.. وغير ذلك، وهذا أمر معروف.

    1.   

    علامة الحرف

    نأتي الآن إلى علامة الحرف، نحن قلنا: الكلمة تنقسم إلى اسم وفعل وحرف. قال: (والحرف ما لا يصلح معه دليل الاسم ولا دليل الفعل).

    القاعدة التي قلناها قبل قليل خذها الآن معك: إذا كان هنالك ثلاثة أشياء وقد عرفت اثنين فقد عرفت الثالث، إذا قلت لك: سوف يأتيك صالح وخالد وعمرو فاستقبلهم في البيت، فجاءك الثلاثة، وقال الأول: أنا صالح، وقال الثاني: أنا خالد، من بقي؟..

    بقي عمرو، وقد عرفته بمعرفة غيره.

    فالحرف علامته عدم العلامة، علامته عدمية؛ فعدم العلامة علامة بالنسبة له، ولهذا كفانا الحريري المئونة فقال:

    والحرف ما ليست له علامة فقس على قولي تكن علامة

    لأن النحو كثيراً ما يكون فيه القياس، وهو علم يحتاج إلى أن الإنسان يوقظ ذهنه فيه، وأن يقيس الألفاظ بعضها على بعض، فحروف المعاني عرفناها.

    الآن كلمة (لم) حرف أم لا؟ حرف.

    ما علامته؟ أنه لا يقبل علامة الاسم ولا علامة الفعل، ليس له علامة، كذلك: حتى، لا، ثم، رب، من، إلى.. كل الحروف التي عرفناها، وبالنسبة لكلمة (أنت) و (أنتم) و (هؤلاء) و (هذا) هل هذه حروف أم أسماء؟

    أسماء، فلا تشتبه عليك، فيها مشابهة للحرف، تشبه الحرف من بعض الوجوه؛ ولذلك كانت مبنية كما سوف يأتيك، وهذا سوف نعرفه في شرحنا لباب الإعراب.

    1.   

    الإعراب والبناء

    قال رحمه الله: [ الإعراب هو: تغيير أواخر الكلم؛ لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً ].

    الإعراب له معان في اللغة العربية، ولكن المعنى الأول له هو الإفصاح، كما قال الشاعر:

    ولكن سليقي أقول فأعرب..

    تقول: فلان يُعرب، ولا تقل: يعَرب، تقول: أنا أعرب، وتقول: أعرِب ما يأتي، ولا تقل: اعرب ما يأتي، قل: أعرِب، فإذا تكلمت عن نفسك تقول: أعرِب.

    فالإعراب: الإفصاح، تقول: أعرب المجلس عن كذا، أي أفصح، لكنه في اصطلاح النحويين هو: تغيير أواخر الكلمات؛ لاختلاف العوامل الداخلة على هذه الكلمات، يعني هو تغير يحصل في آخر الكلمة، بسبب عامل أثر في هذه الكلمة فأحدث تغييراً، بخلاف اللفظ المبني؛ فإنه يلزم حالة واحدة، مهما دخل عليه من شيء فإنه لا يؤثر فيه.

    نستبق الكلام ونقول -مثلاً-: كلمة (هؤلاء) هذا اسم إشارة مبني، أدخل عليه كل كلام الدنيا، لا يمكن أن يتزحزح، الهمزة مكسورة، تقول: إن هؤلاء، رأيت هؤلاء، جاء هؤلاء، هؤلاء كثير، فـ (هؤلاء) دائماً تلزم حالة واحدة، لكن حينما تقول: زيد، فهو على حسب العوامل، إن كان فاعلاً أو كان خبراً أو كان مبتدأً فإنه يكون مرفوعاً، تقول: جاء زيد، زيد قائم.. وهكذا، فإذا أدخلت عليه حرف جر صار مجروراً، فتقول: مررت بـزيد، ذهبت إلى زيد، نظرت إلى زيد.. وهكذا، وإذا كان منصوباً: إن زيداً، رأيت زيداً، أخبرت زيداً، ظننت زيداً.. وهكذا، فيتغير، فهذا الاسم المعرب هو الذي يتغير.

    الممنوع من الصرف

    أحياناً يتغير أكثر من تغيرين -يعني تغيرات- لكن هنالك أسماء تغيرها خفيف، لكنها تتغير؛ مثلاً كلمة: أحمد، فأحمد هذا اسم ممنوع من الصرف، فما تستطيع أن تقول: مررت بـأحمدٍ كما تقول: مررت بـزيدٍ، هذا لا تستطيع أن تنونه ولا تستطيع أن تجره بالكسرة، لكن تقول: جاء أحمدُ، ورأيت أحمدَ و مررت بـأحمدَ، فتجره بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، وهكذا الاسماء الأخرى، لكن هو ما دام قد حصل فيه تغير ولو تغيراً واحداً فهو ليس بمبني، إذاً هو معرب.

    أنواع التغيير في المعرب

    فالمعرب هو الاسم الذي يتغير آخره بسبب العامل الداخل عليه، والعلماء هنا أحدثوا معركة في هذا التعريف، وقالوا: هل هو تغير أم تغيير، وهناك ردود ومقالات، كل هذه لا يحتاج إليها طالب العلم، المسألة أهون من ذلك وأيسر، الأثر الذي يحصل في آخر الكلمة -وهو التغير- هو الذي يهمنا فنحن ملاحقتنا في النحو لأواخر الكلم، سوف نلاحق الألفاظ في أواخرها فقط، ليس لنا شغل بأولها ولا بوسطها، نتتبع العامل وأثر العامل، هذا هو وظيفتنا أن نتتبع الأثر، وما السبب؟ فقط. ما الذي أحدث هذا الحدث؟ كيف كان هذا الحدث؟ ما هو هذا الحدث؟ هذه هي وظيفتنا، لكنه هو عبر تعبيراً دقيقاً فقال: (لاختلاف العوامل..) العوامل معروفة، يعني الآن (إن) هي العامل في: إن زيداً، (رأيت) هي العاملة في: رأيت زيدًا، جاء زيد العامل (جاء) هي العاملة وهكذا، العبارة الدقيقة في قوله: (لفظاً أو تقديراً) يعني ذلك الأثر أو التغيير الذي يحصل في آخر الكلمة تجده ملفوظاً به أو تقدره أنت، أحياناً لا تجده ملفوظاً به، ما مثال ذلك؟ مثال ذلك: الأسماء المقصورة، والأسماء المنقوصة، حينما تقول: جاء يحيى، يحيى هذا اسم معرب، وهو هنا فاعل، وهو مرفوع، فهذا التغيير الذي حصل فيه مقدر، نقدره فنقول: يحيى: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر أم الثقل؟ التعذر.

    ما معنى التعذر؟ التعذر يعني أنه يستحيل عليك أن تأتي بالحركة، لا يمكن أصلاً. الألف كما قال الشاعر:

    .. فكأنني ألف وليس بممكن تحريكه

    الألف لا يمكن تحريكه إن حركته كسرته وصار شيئاً آخر، هل تستطيع أن تقول: يحيىِ؟ ما تستطيع أن تأتي بالضمة، لو قلت: يحييُ جئت بياء، ونحن نريد الألف، فتقول: إنه مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر.

    لكن أحياناً يمكن أن تأتي بالحركة ولكنها ثقيلة، واللغة العربية مبنية على الخفة وتفر من الثقل، والعرب يفرون من الثقل ومن الثقلاء، حتى إن عائشة قالت في قوله سبحانه: وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ[الأحزاب:53]، قالت: هذه آية للثقلاء، الذين يجلسون بعد الطعام.

    وهذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ليس معنى هذا أن الإنسان يسترشد بالآية على أنه لا يجلس بعد العشاء أو بعد الطعام ويشرب الشاي، ليس في ذلك بأس.

    فإذا قلت مثلاً: جاء القاضي، جاء: فعل ماض مبني على الفتح، والقاضي: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره، التي منع من ظهورها الثقل؛ لأنك تستطيع أن تقول: جاء القاضيُ، وكذلك في حالة الجر تقول: مررت بالقاضي، وتقول: إنه مجرور، علامة جره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها الثقل؛ لأنك تستطيع أن تقول: مررت بالقاضيِ، لكن الفتحة في: رأيت القاضيَ، هل نقول: إنها مقدرة، الفتحة أخف من السكون، وهو أخف الحركات، إذا جاء مع الياء في مثل هذه اللفظة فإنه لا يكون فيه ثقل؛ ولهذا لا نقول إنها مقدرة، القاضي اسم منقوص أم مقصور؟

    منقوص، فالاسم المنقوص هو الاسم المعرب الذي آخره ياء مكسور ما قبلها، نحو: قاضي، ساعي، داعي.. ونحو ذلك، والاسم المقصور آخره ألف، قبلها فتحة، نحو: يحيى، عيسى، هدى، عصى.. وهكذا.

    بالنسبة للإعراب هل يكون في الاسماء فقط؟ الأصل أنه في الأسماء، هل يكون في الأفعال؟ يعني هل هنالك عندنا من الأفعال ما يتغير آخره بسبب العوامل الداخلة عليه؟ نحن عندنا مثلاً: اضرب، قم، اقعد.. أدخل عليه أي شيء، ما يتأثر، كذلك: ضرب، تقول: ضرب، ما ضرب، لا يتأثر، فهذا مبني، لكن وجدنا الفعل المضارع هو الذي يتأثر، وهو الذي يتغير آخره، يكون مرفوعاً: يضربُ، ويكون منصوباً: لن أضربَ، ويكون مجزوماً نحو: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1]، لم أضرب.. وهكذا.

    فإذاً: الأسماء الأصل فيها الإعراب، وأما الأفعال فليس هنالك فعل معرب إلا الفعل المضارع، يقول الحريري :

    وليس في الأفعال فعل يعرب سواه والتمثيل فيه يضرب

    وابن مالك يقول:

    وفعل أمر ومضي بنيا وأعرب مضارعاً

    لكن عليك أن تعلم أن الفعل المضارع لا يكون معرباً في كل الحالات؛ فهنالك حالتان يكون فيهما مبنياً: حالة يكون فيها مبنياً على السكون، وحالة يكون فيها مبنياً على الفتح؛ فمثلاً إذا اقترن بالفعل المضارع نون النسوة، نحو: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ[البقرة:228]، الفعل أصله: يتربصُ، اقترن به نون النسوة، هنا يبني على السكون، فإذا أعربت مثلاً هذه الجملة تقول: والمطلقات: الواو على حسب ما قبلها، المطلقات: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، يتربصن: يتربص: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، ونون النسوة: فاعل، هذه الجملة في محل رفع خبر، ذكرت المبتدأ ابحث عن الخبر، دائماً.

    كذلك إذا اتصلت به نون التوكيد، نحو: وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ[الأنبياء:57]، (لأكيدن) أين نون التوكيد؟ نون التوكيد هذه النون الثقيلة في (لأكيدن)، هذه اللام للقسم: و(أكيدن) أكيد: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد اتصالاً مباشراً، نون التوكيد: حرف مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.

    وهنالك في الأفعال يكون الإعراب تقديرياً أيضاً، فحينما تقول: (يدعو) الآن هذا مرفوع وعلامة رفعه ضمة ظاهرة أم مقدرة؟ مثلما عرفته في الأسماء، كذلك (يسعى) مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها التعذر, (يرمي) مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها ماذا؟ الثقل.. وهكذا.

    عرفنا المعرب وما عداه هو المبني، المبنيات: الضمائر، الحروف، خذ قاعدة ذكرها ابن مالك:

    كل حرف مستحق للبناء، وقاعدة ثانية: الأصل في البناء السكون، يقول:

    وكل حرف مستحق للبناء والأصل في المبني أن يسكن

    المبنيات مثلاً: الضمائر، أسماء الإشارة، كل هذه مبنيات، أسماء الموصول، جميع الحروف كلها من المبنيات.

    أقسام الإعراب

    قال بعد ذلك رحمه الله: [ أقسام الإعراب: وأقسامه أربعة: رفع ونصب وخفض وجزم ].

    الإعراب كيف يكون؟ بماذا يكون؟ يكون بالرفع ويكون بالنصب ويكون بالخفض ويكون بالجزم، وليس عندنا شيء آخر، فالألفاظ إما أن تكون مرفوعة، وإما أن تكون منصوبة، وإما أن تكون مجرورة، وإما أن تكون مجزومة، وسوف نعرف أن الجر خاص بالأسماء والجزم خاص بالفعل المضارع.

    قال بعد ذلك رحمه الله مفصلاً: [ فللأسماء من ذلك الرفع والنصب والخفض ولا جزم فيها ]، هل هنالك كلام أسهل من هذا الكلام؟ هذا كلام سهل، للأسماء الرفع والنصب والخفض ولا جزم فيها، وللأفعال.. الآن يستبعد الحروف، الحروف لا نتكلم فيها؛ لأن الحروف ليس هنالك حرف يعرب، وأما الأفعال أيضاً فنستبعد منها الماضي والأمر؛ فنحن الآن سوف ندرس الأسماء المعربة فقط، وندرس الفعل المضارع حينما يكون معرباً، فالأفعال لها الرفع والنصب والجزم ولا خفض فيها؛ فهنالك اشتراك إذاً في الرفع والنصب بين الأسماء والأفعال، يعني هذا الكلام فيه قواعد أربع: القاعدة الأولى: حظ الأسماء من علامات الإعراب الأربع ثلاث علامات، هي: الرفع والنصب والخفض، يعني الاسم يكون مرفوعاً ويكون منصوباً ويكون مجروراً، وهذا أمر معروف.

    القاعدة الثانية التي ننتزعها من هذا الكلام: ليس للأسماء جزم، هذه قاعدة.

    القاعدة الثالثة: حظ الفعل -يعني نصيب الفعل- من الإعراب الرفع والنصب والجزم؛ لأن الفعل المضارع إما أن يكون مرفوعاً، نحو: يقومُ، وإما أن يكون منصوباً، نحو: لن يقومَ، وإما أن يكون مجزوماً نحو: لم يقمْ، ولا تقمْ، لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا [التوبة:108]، هذا مجزوم.

    القاعدة الرابعة التي ننتزعها من كلام المصنف: ليس في الفعل جر، الفعل المضارع لا يجر، لماذا؟ لأن الجر خاص بالأسماء، يقول ابن مالك :

    والاسم قد خصص بالجر كما خصص الفعل بأن ينجزما

    فالقاعدتان الكبريان في هذا الموضوع: الجر خاص بالأسماء والجزم خاص بالأفعال، وما عدا ذلك يشترك فيه الرفع والنصب، فالرفع والنصب يشترك فيه الفعل والاسم.

    1.   

    معرفة علامات الإعراب

    علامات الرفع

    وفي باب معرفة علامات الإعراب يقول رحمه الله: [ للرفع أربع علامات ]، نحن الآن عرفنا أن الألفاظ تكون مرفوعة، لكن كيف تكون مرفوعة، ما علامة الرفع؟ قال رحمه الله: [ علامات الرفع: الضمة - وهي الأصل - والواو، والألف، والنون ]، فإذا وجدت اسماً مرفوعاً فقد يكون مرفوعاً بالضمة، وقد يكون مرفوعاً بالواو، وقد يكون مرفوعاً بالألف، وقد يكون مرفوعاً بثبوت النون، النون موجودة، لم تحذف.

    فالضمة هي الأصل، والواو -كما تعلمون- تكون في الأسماء الخمسة: جاء أبوك و أخوك وحموك وفوك وذو مال، وسوف يفصل هذا الكلام، وتكون أيضاً في جمع المذكر السالم: جاء المسلمون، والمؤمنون، والألف كذلك تكون في التثنية، والنون تكون في الأفعال الخمسة، نحو: يضربان و تضربان و يضربون و تضربون و تضربين.

    قال رحمه الله - فصل هذا الكلام- : [ فأما الضمة فتكون علامة للرفع في أربعة مواضع: في الاسم المفرد، وجمع التكسير، وجمع المؤنث السالم، والفعل المضارع الذي لم يتصل بآخره شيء ].

    الرفع بالضمة وبالواو والألف والنون، بدأ المصنف أولاً بالرفع بالضمة، قال: إنها تكون علامة للرفع في الاسم المفرد، الاسم المفرد مثل: زيد ومحمد وأحمد وصالح ونحو ذلك، وجمع التكسير، وهو قريب من الاسم المفرد، نحو: الأبناء، الفرسان، الأسود، القوم، الملائكة، كل هذا جمع تكسير، جمع التكسير هو الجمع الذي ليس بسالم، سمي بذلك لأنك كسرته حينما جئت إلى اللفظ المفرد وجمعته، كيف كسرته؟ عندما تجمع مثلاً طالب، هات الجمع من طالب جمع تكسير، تقول: طلاب، فتكسر هذا اللفظ، الفتحة التي كانت على الطاء صارت ضمة، وبدلًا من أن تأتي بالألف حذفت الألف، وجئت باللام وشددتها، فحصل تكسير، ولم يسلم اللفظ، وحينما لم يسلم قلنا: إنه جمع تكسير، لكن حينما يسلم الجمع من مثل ذلك يقال له: سالم.

    نفس الكلمة مثلاً: طالب، إذا جمعتها جمعاً سالماً، تقول: طالبون، (طالب) كما هي، لا تفعل فيها شيئاً، ولا تحدث فيها تكسيراً ولا تضيف الواو والنون، فتقول: طالبون، فهو سالم، وهو باق على ما هو عليه، وأما التكسير فقد حصل فيه تكسير، أحياناً التكسير يكون خفيفاً، مجرد حركة تتغير، وأحياناً يكون كثيراً، مثل: (أسد) يجمع على (أسْد) و(أسود) هذا تكسير واضح، لكن (أسْد) حصل تغيير بسيط في الحركات.

    كذلك جمع المؤنث السالم أيضاً يرفع بالضمة، يعني الاسم المفرد يرفع بالضمة، جمع التكسير يرفع بالضمة، أيضاً كذلك جمع المؤنث السالم يرفع بالضمة، قال الله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ[النساء:23]، هذا كله جمع مؤنث سالم، أمهاتكم.. إلخ، هذه الألفاظ كلها مرفوعة بالضمة.

    (أمهاتكم) نائب فاعل، عندما تقول: حرم، تبحث عن الفاعل، (حرِّم) ذهب الفاعل، يوجد نائب فاعل، نائب الفاعل يأخذ حكم الفاعل؛ لأن النائب يأخذ مكان من ناب عنه.

    كذلك الفعل المضارع، الفعل المضارع أيضاً يرفع بالضمة نحو: يدخل، يخرج، يقوم، يقعد، يجلس.

    حينما قال هو هناك: الاسم المفرد، ما المراد بالمفرد؟ يعني الذي ليس مثنىً ولا جمعاً، فأصبح عندنا الآن أربعة أشياء: الاسم المفرد، وجمع التكسير، وجمع المؤنث السالم، والفعل المضارع، هذه الأربعة ترفع بماذا؟ ترفع بالضمة، يعني نقول: ترفع بالضمة؛ لأنه سوف تأتينا ألفاظ نرفعها بالواو، وألفاظ نرفعها بثبوت النون، وألفاظ نرفعها بالألف، فانتبه لهذا!

    قال عبارة دقيقة! قال: (والفعل المضارع الذي لم يتصل بآخره شيء) ماذا يريد؟ يريد أن يخرج الأفعال التي هي من باب أفعال المضارعة، ولكنها اتصل بآخرها شيء، الأفعال الخمسة: (تذهبين) مثلاً، (تذهبون) هذه اتصل بآخرها شيء، لها حكم آخر، فخذ هذا الآن، هذا الضابط بهذا القيد؛ الفعل المضارع الذي لم يتصل بآخره شيء.

    الأصل إذاً في الرفع يكون بماذا؟ بالضم، فإذا جاءنا شيء بعد ذلك فهو من باب النيابة، يعني إذا جاءنا لفظ مرفوع بغير الضم، فكان مرفوعاً بالواو أو بالألف أو بثبوت النون، فهو نيابة عن الضمة، الضمة الآن غير موجودة وناب عنها ما سيأتي، فقال في نيابة الواو عن الضمة: (وأما الواو فتكون علامة للرفع في موضعين: في جمع المذكر السالم، وفي الأسماء الخمسة) وفصلها، وهي: أبوك وأخوك وحموك وفوك وذو مال، (أبوك) معروف، وممكن أن تقول: أبوه، أيضاً، المهم أن تأتي بضمير فقط، أبوه، أبوها، أبوك. فقط! اصطلحوا على هذا، أبوك و أخوك و حموك.. الحم هو قريب الزوج، فوك، أي: فمك، ذو مال: صاحب مالب، هذه معروفة.

    وجمع المذكر السالم عرفناه، هو الذي سلم من التكسير، فحينما أردنا أن نجمعه جمعناه بإضافة الواو والنون، فنقول في جمع المذكر السالم مثلاً: الطالبون، الموقنون، المسلمون وغيرها، قال الله تعالى - اسمعوا هذه الآية التي جمعت ألفاظاً كثيرة لجمع المذكر السالم -: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ[التوبة:112]، (المؤمنين) أيضاً جمع مذكر سالم، لكن هو منصوب، هذه مرفوعة: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ[التوبة:112].. إلخ، هذه كلها من باب جمع المذكر السالم، وهو مرفوع وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة، إن أردت أن تقول: نيابة عن الضمة فهذا طيب، وإن لم تقل ذلك فلا حرج عليك، لو قلت: إنه مرفوع بالواو، فلا بأس، لكن العبارة الأدق: أنه مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة.

    الأسماء الخمسة هي عند الكوفيين خمسة وعند البصريين ستة، زادوا اسماً وهو: هنوه، وهي: أخوك.. مثل: أخوك من صدقك لا من صدّقك، أخوك يعني صاحبك، هو يقصد بالأخ أي أخ، سواءً كان من النسب أو أخاً في الله، أو صاحباً، (أخوك من صدقك لا من صدّقك)، أعرب هذا الكلام؟ أخوك: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو، لماذا؟ لأنه من الأسماء الخمسة، وأما في الإعراب التفصيلي: فأخو: مبتدأ، وهو مضاف، والكاف مضاف إليه، مبني على الفتح في محل جر، وإذا قلت: مبتدأ، فابحث عن الخبر فوراً، أين الخبر؟ من صدقك؛ لأن الخبر دائماً هو الجزء الذي يتم الفائدة، وبه تتم الجملة، أخوك من صدقك، (لا من صدّقك) هذا كلام إضافي، الخبر من يعني الذي، فتقول: إنه اسم موصول، وتقول: إنه في محل رفع، وهذا كلام حسن صحيح، أن أخاك الصادق هو الذي يصدقك في كلامه وفي صحبته، لا الذي يصدّقك، ويهز رأسه ويقول: إيه، صادق.. صادق.. صادق، ولكنه ليس بصادق، هو ليس بصادق حينما يخبرك ولا حينما يصدقك، فالعبرة بالصدق، من صدقك لا من صدّقك.

    إذاً: (من) تقول: إنها اسم موصول، وهو مبني على السكون في محل رفع، وجملة صلة الموصول (صدّقك) لا محل لها من الإعراب.

    كذلك تقول: أبوك وأخوك وحموك كرماء، كذلك تقول: فوك حسن، فوك، إذا قلت: فمك، خرجت اللفظة عما نحن بصدده الآن، سوف تعرف الشروط، وتقول: عبد الرحمن ذو مال، (ذو) بمعنى صاحب، عبد الرحمن: مبتدأ، و ذو مال: خبر، (ذو) هذا مرفوع وعلامة رفعه الواو، لماذا؟ لأنه من الأسماء الخمسة، (ذو) مضاف، ومال مضاف إليه.

    وتقول: محمد ذو علم، وهكذا.

    يقول الشاعر:

    فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويت

    هذه قبيلة تستعمل (ذو) على معنى الذي، فلا يلبس عليك هذا الشاعر القاعدة، فذو هنا ليست بمعنى صاحب، هذه جاءت في هذا الباب، (ذو حفرت) يعني وبئري الذي حفرت والذي طويت.

    الآن لو أردنا من خلال الأمثلة التي ذكرناها في الأسماء الخمسة أن نعرف ما هي الشروط التي يجب أن تكون متوافرة في الأسماء الخمسة، يعني هل كل أب كذلك لو قلت مثلاً: جاء أبٌ، هل هذا من الأسماء الخمسة؟ لا.

    إذاً لابد أن تكون على هذه الصورة: جاء أبوك، أن تكون مضافة، وأن تكون إضافتها إلى غير ياء المتكلم، فلو قلت: أبي، خرجت عن القاعدة، لابد أن تكون مضافة إلى ضمير، ذكروا شروطاً لا نحتاج إليها، أن تكون مفردة، أن تكون مكبرة، كل هذا معروف، نعرفه بالمثال، يعني أنت لو قلت: آباء، خرجت عن القاعدة، هذا جمع؛ لأنها جمع، أو أبوان؛ لأنه مثنى، وكذلك لو قلت: أبي و أخي و ذوي، كل هذه لا دخل لها، ابن مالك يقول:

    وشرط ذا الإعراب أن يضفن لا للياء كجاء أخو أبيك ذا اعتلا

    وشرط ذا الإعراب يعني هذا الإعراب، أن يضفن يعني هذه الأسماء الستة، وذكر ستة أسماء، أن يضفن لا للياء؛ كجاء أخو أبيك ذا اعتلا.

    إذاً عرفنا الأشياء التي ترفع بالضمة، وعرفنا أيضاً الواو تكون علامة للرفع في ماذا؟ عرفنا هذا.

    ذكر المصنف رحمه الله بعد ذلك متى تكون الألف نائبة عن الضمة؟ قال: (وأما الألف فتكون علامة للرفع في تثنية الأسماء خاصة).

    الحمد لله، المسألة الآن أيسر من ذي قبل، ليس عندنا إلا موضع واحد: الألف تكون علامة للرفع في شيء واحد، في تثنية الأسماء خاصة، قال سبحانه: قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ[المائدة:23]، رجلان: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنها هي الأصل.

    فالمثنى في الأصل جاء به العرب للاختصار، واللغة العربية لغة ذكية، تدل على ذكاء أصحابها وحسهم الدقيق؛ لأنهم يختارون اللفظة المناسبة واللفظة الموجزة، التي تعبر عن المقصود بأقل شيء ممكن، فإن زادوا فإنه يكون للتقرير والإيضاح، وهذا يكون حين يحتاج المقام إلى بسط، وإلا فإنهم في وضعهم للألفاظ وضعوها مختصرة، فهم بدلًا من أن يقولوا: جاء رجل ورجل قالوا: قال رجلان أو جاء رجلان، وجعلوا لذلك علامة وانتهت المشكلة، مثلاً حينما نقول: أخرجه الشيخان، فالشيخان: فاعل مرفوع علامة رفعه الألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، ويقولون: إن النون عوض عن التنوين في الاسم المفرد عند الإعراب، يعني أخرجه الشيخان، الآن تقول: أخرج: فعل ماض مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، الهاء مفعول به، ضمير مبني على الضم في محل نصب، يعني الهاء مفعول به، يكفي أن تعرف أنه مفعول به، أخرجه يعني أخرج الحديث الشيخان، والشيخان في هذا السياق المراد بهما البخاري ومسلم ، نحن عندنا الشيخان في القراءات حمزة والكسائي، عندما تقول: قرأ الشيخان، أي: حمزة والكسائي، وعندما نقول: الشيخان في سياق الكلام عن الصحابة، من الشيخان؟ أبو بكر وعمر، فكل شيء على حسب سياقه، عندما تقول: الكتاب في سياق الكتب المنزلة ننصرف إلى القرآن، لا ننصرف إلى التوراة ولا إلى الإنجيل ولا إلى صحف إبراهيم، وعندما تقول: الكتاب في سياق كتب البشر تنصرف فوراً إلى كتاب سيبويه، هذا من عظمة هذا الكتاب أيضاً، وهو أول كتاب صنف، وهذا كتاب غريب عجيب، لم يكتب مثله، كتاب سيبويه الذي كتبه وهو صغير، بين الثلاثين والأربعين، ولكنه كتاب متقن، بلغ حداً كبيراً في الإتقان، ينصرف فوراً إليه، وهكذا، ابن عقيل .. عندنا ابن عقيل نحوي وابن عقيل حنبلي، فعندما تقول: قرأ الأخوان، كذلك سمعت الفتاتان، الألف هنا هي علامة الرفع، لا يجتمع سيفان في غمد، الألف أيضاً كذلك علامة للرفع؛ لأنه مثنى.

    كلها في هذه الأمثلة فاعل، لكن هل لا يكون إلا فاعلاً؟ لا، قد يكون خبراً، وقد يكون مبتدأً؛ تقول: الطالبان هنا، وهكذا.

    ثم بعد ذلك ذكر نيابة النون عن الضمة فقال: (وأما النون فتكون علامة للرفع في الفعل المضارع إذا اتصل به ضمير تثنية، أو ضمير جمع، أو ضمير المؤنثة المخاطبة).

    النون تكون علامة للرفع، نختصر المسألة في الأفعال الخمسة، نحن عندنا أفعال خمسة، أصبح مصطلحاً عليها، هذه الأفعال الخمسة نعبر عنها بيفعلان وتفعلان، ويفعلون وتفعلون، وتفعلين، هذه هي الأفعال الخمسة، مع أن هذه ما هي إلا أمثلة، يمكن أن تأتي بأمثلة أخرى: يقرآن وتقرآن ويقرءون وتقرءون و تقرئين، وهكذا في كل فعل كان على هذا الوزن، يعني الفعل الذي يدل على المثنى، أوله ياء أو تاء، وكذلك الفعل الذي يدل على الجماعة وأوله ياء أو تاء، وكذلك الفعل الذي فيه ياء المخاطبة وأوله تاء.

    فهذه النون في هذه الأفعال الخمسة تكون علامة للرفع نيابة عن الضمة، فإذا جئت وأردت أن تعرب هذا الألفاظ فإنك تقول في مثلٍ مثنى، نحو: أنتما تقرآن، أنتما: مبتدأ، تقرآن: هذا هو الخبر، وبالتفصيل تقول: تقرآن: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، الألف: فاعل، الضمائر في هذه الأفعال الخمسة فاعل، على طول الخط، يعني الألف فاعل، الواو فاعل، الياء فاعل، في أنتما تقرآن، أو هما يقرآن، الألف فاعل، والنون هي علامة الرفع، وفي يقرءون وتقرءون، الواو فاعل، والنون علامة للرفع، وفي تقرئين الياء فاعل، والنون علامة للرفع، فهذا هو إعراب هذه الأفعال الخمسة من حيث الرفع، لكنها تكون مجزومة وتكون منصوبة، ولا نستعجل، سوف يذكر ذلك، متى يكون الجزم بحذف النون؟ ومتى يكون كذلك النصب بحذف النون؟

    علامات النصب

    ثم بعد ذلك شرع في علامات النصب، قال رحمه الله: وللنصب خمس علامات: [ الفتحة والألف والكسرة والياء وحذف النون ].

    كل كلمة منصوبة لابد أن يكون لها علامة نصب، هذه العلامة علامة واحدة هي الفتحة، هذه أم العلامات، الأصل أن الشيء يكون منصوباً وعلامة نصبه الفتحة، عندما تقول مثلاً: رأيت زيداً، زيداً الآن مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة، ومثله الكتاب من قولك: قرأت الكتاب، عندما تقول: إن زيداً، منصوب، وعلامة نصبه الفتحة، عندما تقول: أمرت أن يقرأ، هذا منصوب وعلامة نصبه الفتحة، الفتحة هي الأم لأنها هي الأكثر، ويتفرع عنها أشياء، أو ينوب عنها: الألف، والكسرة، والياء، وحذف النون.

    فصل بعد ذلك فقال رحمه الله: [ فأما الفتحة فتكون علامة للنصب في ثلاثة مواضع: في الاسم المفرد ]، كما كانت الضمة هنالك علامة للرفع، في الاسم المفرد، [ وجمع التكسير، والفعل المضارع إذا دخل عليه ناصب ولم يتصل بآخره شيء ]، قال سبحانه: فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا[عبس:27-31]، حباً.. وعنباً.. وقضباً.. وزيتوناً.. ونخلاً.. وغلباً.. وفاكهةً.. وأباً، هذه كلها أسماء مفردة، وهذه كلها منصوبة، وإذا أعربتها تقول: إنها منصوبة وعلامة نصبها الفتحة، طيب! حباً في الإعراب هنا، ما إعرابها؟ فأنبتنا: الفاء: على ما حسب ما قبلها، عاطفة يعني، هنا، أنبتنا: أنبت: فعل ماض، ونا: فاعل، وفيها جار ومجرور متعلق بـأنبتنا، وحباً: مفعول به منصوب، هذا هو الشاهد، علامة نصبه الفتحة، وعنباً معطوف عليه، وقضباً كذلك، وزيتونا كذلك، ونخلاً كذلك، وحدائق، هل حدائق اسم مفرد؟

    هو أيضاً كذلك يأخذ نفس الحكم؛ لأنه سوف يذكر جمع التكسير، وجمع التكسير أيضاً كذلك، لكنه ليس باسم مفرد، وهو منصوب هنا، ولكنه ممنوع من الصرف فلم ينون؛ صيغة منتهى الجموع وما يشبهها، وغلباً كذلك، لكن غلبا هنا صفة، وفاكهة: معطوف على وحدائق، وأباً معطوف على وفاكهة.

    الثاني: جمع التكسير، قال سبحانه: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا[التوبة:31]، فـ(أحبار) هذا جمع تكسير، مفرده (حبر) بالكسر أو بالفتح؟

    بالفتح، ولكن الأفصح الكسر، الأفصح (حِبر) تقول: حِبر.

    وعالم حِبر وأيضاً حَبر وليس في المداد إلا الكسر

    الحِبر الذي هو المداد ليس فيه إلا الكسر، وأما هذا فالكسر أفصح والفتح أشهر، الأشهر عند الناس -على ألسنة الناس- هو الفتح، ولكن الكسر أفصح، ولا بأس أن تقول: حَبر، يعني قل: حَبر أو قل: حِبر، لكن لا تخطِّئ من يقول: إن المفرد هو حِبر بالكسر، بل هو الأفصح.

    طيب! (أحبارهم) هذا منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، وهو هنا مفعول به، و(رهبانهم) مفرده راهب، منصوب وعلامة نصبه الفتحة على النون؛ لأن الضمير هذا مضاف إليه، و (أرباباً) أيضاً هو جمع تكسير، مفرده (رب) وكسر أو جمع على أرباب، وإعراب (أرباباً) مفعول به ثان؛ لأن اتخذ تحتاج إلى مفعولين؛ فأحبارهم ورهبانهم، أحبارهم مفعول أول، ورهبانهم معطوف عليه، و(أرباباً) مفعول ثان، يعني صيروهم أرباباً، كقوله سبحانه: وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا[النساء:125]، فإبراهيم: مفعول أول، و خليلا: مفعول ثان.

    الثالث: الفعل المضارع إذا دخل عليه ناصب ولم يتصل بآخره شيء، قوله: لم يتصل بآخره شيء قولنا فيه كقولنا في اللفظة السابقة، وإنما قال: لم يتصل بآخره شيء؛ لأنه يريد أن يخرج الأفعال الخمسة، قال سبحانه: قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى[طه:45]، الذي يتكلم هو الله عز وجل يخبر عن موسى وهارون أنهما يقولان: (إننا نخاف أن يفرط)، أي فرعون (علينا أو أن يطغى)، نحن عندنا ثلاثة أفعال، الشاهد في اثنين: نخاف: وهذا فعل مضارع مرفوع، ونحن الآن نتكلم عن المنصوب، (أن يفرط) هذا فعل مضارع منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، هو لم يتصل بآخره شيء، و(أن يطغى) يطغى أيضاً فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر؛ لأنه يتعذر النطق بها.

    ثم بعد ذلك قال رحمه الله: في نيابة الألف عن الفتحة: [ وأما الألف فتكون علامة للنصب في الأسماء الخمسة، نحو: رأيت أباك وأخاك وما أشبه ذلك ].

    الألف تكون علامة للنصب في الأسماء الخمسة فقط، فتقول مثلاً في الأسماء الخمسة التي عرفناها: رأيت أباك أو أكرمت أباك، وأكرمت أخاك، وأكرمت حماك، ورأيت فاك، وأكرمت ذا مال، أو رأيت ذا مال، كل هذا نقول عنه: إنه منصوب وعلامة نصبه الألف نيابة عن الفتحة؛ لأنه من الأسماء الخمسة.

    ثم قال: في نيابة الكسرة عن الفتحة: [ وأما الكسرة فتكون علامة للنصب في جمع المؤنث السالم ].

    الكسرة تكون علامة للنصب في شيء واحد، وهو جمع المؤنث السالم، أيضاً جمع المؤنث السالم سلم من التكسير، عندما تجمع (مؤمنة) تقول: مؤمنات، تائبة: تائبات، عابدة: عابدات.. وهكذا، تضيف الألف والتاء، وهو يرفع كما سبق بالضمة، لكنه ينصب بماذا؟

    ينصب بالكسرة، وهنا نيابة الكسرة عن الفتحة، عندما تقول: قال الله عز وجل: إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ[الأحزاب:35]، وهكذا، عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ[التحريم:5]، هذه كلها مكسورة، منصوبة وعلامة نصبها الكسرة.

    فإذاً: تقول في إعرابه في مثل: رأيت المسلمات، رأيت: فعل وفاعل، المسلمات: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة، لماذا؟ لأنه جمع مؤنث سالم، جمع مؤنث سالمٍ أم سالمٌ؟

    سالمٌ؛ لأنه صفة لجمع، يعني السلامة هنا ليست في لفظ مؤنث، السلامة في الجمع، يعني جمع سالم مؤنث، إذاً سالمٌ..

    وفي نيابة الياء عن الفتحة قال: [ وأما الياء فتكون علامة للنصب في التثنية والجمع ].

    الياء تكون علامة للنصب في موضعين: في التثنية وفي الجمع، أي جمع؟

    جمع المذكر السالم.

    ففي التثنية نحن قلنا: إن المثنى يرفع وتكون علامة الرفع فيه الألف، وفي حالة النصب تكون علامة النصب فيه الياء، تقول: رأيت المحمدين، رأيت الطالبين، أكرمت الطالبين، منصوب وعلامة نصبه الياء، نيابة عن الفتحة لأنه مثنى، فأنت الآن اجمع القواعد بعضها إلى بعض، الآن المثنى عرفنا كيف يرفع، يرفع بالألف، ينصب بالياء، سوف تعرف أنه أيضاً يجر بالياء، سوف يذكر ذلك، وكذلك الجمع، جمع المذكر السالم أيضاً ينصب بالياء، سمعت أنت وعرفت أنه يرفع بالواو، وسمعت الآية التي في سورة الأحزاب: إِنَّ المُسْلِمِينَ[الأحزاب:35]، هذا الآن شاهد لجمع المذكر السالم، ((إِنَّ المُسْلِمِينَ))، هذا منصوب، وعلامة نصبه الياء، منصوب بـ(إن)؛ لأن (إن) تنصب الاسم وترفع الخبر، سوف تجد الخبر في آخر الآية: أَعَدَّ اللهُ لَهمْ مَغْفِرَةً[الأحزاب:35]، هذا هو الخبر، إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ[الأحزاب:35].. إلى آخر الآية، كل هذا منصوب وعلامة نصبه الياء.

    فهذه الآية التي في سورة الأحزاب فيها عشرون جمعاً سالماً منصوباً، لكن عشرة منها للمذكر وعشرة منها للمؤنث، وكلها نسميها جمعاً سالماً.

    وفي نيابة حذف النون عن الفتحة: قال رحمه الله: [ وأما حذف النون فيكون علامة للنصب في الأفعال الخمسة التي رفعها بثبات النون ] يقال: بثبات أو بثبوت، كل ذلك واحد.

    إذاً: الأفعال الخمسة عرفنا أنها ترفع بثبوت النون، يعني عندما نقول: أنتما تقرآن، هذا مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، وكذلك: تقرءون ويقرءون ويقرآن وتقرئين، لكن حينما ننصب فنقول مثلاً: أنتما لن تقرآ، أنتما لن تتكلما، أنتم لن تقرءوا، أنت لن تقرئي.. ونحو ذلك، نقول عن هذه الأفعال: إنها منصوبة بالعامل الذي دخل عليها، وعلامة نصبها حذف النون، كان الأصل في النص ما هو؟

    الأصل كان الفتح، لكن لا يوجد فتح هنا، هنا حذف؛ ولذلك قال ابن مالك :

    وحذفها للجزم والنصب سمة..

    هي إعرابها هكذا، الأفعال الخمسة على طريقة الشيخ، إعرابها أنها ترفع بثبوت النون، وتنصب وتجزم بحذف النون، هذه هي المسألة من أولها إلى آخرها، هذه الأفعال الخمسة ترفع بثبوت النون وتجزم وتنصب بحذفها، ولكنه فصل هذا التفصيل.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3009614771

    عدد مرات الحفظ

    721743153