إسلام ويب

مقصورة ابن دريد [10]للشيخ : عبد العزيز بن علي الحربي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الألفاظ التي تختلف شكلاً ورسماً وتدل على مسمى واحد، في الأصل كل واحد منها له دلالة زائدة على الآخر في ماهية المدلول عليه كالجسم والجسد والبدن، وهي وإن تباينت في الدلالات إلا أنه بالبحث والنظر نستطيع اكتشاف علاقات ولو من بعيد، وهذا مع غيره يعتبر دليلاً على حيوية هذه اللغة وحركتها.

    1.   

    شرح قول الناظم: (إذا هوى في جثة غادرها...)

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه،

    وبعد:

    قال رحمه الله تعالى:

    [ إذا هوى في جثة غادرها من بعد ما كانت خساً وهي زكا ]

    الجثة البدن، وورد الجسد في القرآن، وفرق بعضهم بين هذه الألفاظ فقال: الجسم: لما كان عاقلاً وفيه روح، وأما الجسد: فإنه يطلق على ما كان فيه روح وما ليس فيه روح، وما هو عاقل وما ليس بعاقل، وأما البدن: فيكون للعاقل الذي خرجت روحه، وإليك الأمثلة في القرآن الكريم، قال الله تعالى في الجسم: وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:247]، هذا من؟ طالوت، فهذا عاقل وهو أيضاً حي، وقال: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ [المنافقون:4] لم يقل: أجسادهم، وإنما قال: أجسامهم، تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ [المنافقون:4] أي: هيأتهم ومنظرهم، ولكن في الحقيقة كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون:4]؛ لأن الشكل أحياناً يعجب فإذا رأيت إنساناً فأنت لا تعرف عقله ولا تفكيره إلا إذا تكلم، ولهذا قالوا: المرء مخبوء تحت لسانه، وقال زهير:

    لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم تبق إلا صورة اللحم والدم.

    فالإنسان إنما يعرف إذا تكلم.

    تعرفون قصة أبي حنيفة مع ذلك الرجل الذي كان له عمامة كالبرج وأكمام كالخرج، وكان يجلس في مجلس أبي حنيفة، وجلس جلسات طويلة وأبو حنيفة يجله؛ لأن هيئته تدل على شيء ما، وكان لا يمد رجليه احتراماً له وتقديراً له، فقرر أبو حنيفة يوماً مسألةً من المسائل وهي: أن الإنسان إذا فاتته ركعتا الفجر فإنه يؤديها بعد طلوع الشمس، قرر هذا وأخذ يستدل له، وذلك الرجل لم يتكلم أبداً في الأيام الخالية، ولكنه هذه المرة عنَّ له أن يتكلم فكشفه الله، فقال له: افرض يا أبا حنيفة! أن الشمس لم تطلع، أو أن الشمس طلعت قبل الفجر، فقال أبو حنيفة: الآن آن لـأبي حنيفة أن يمد رجليه؛ لأنه كان يريد أن يقول هذا الكلام من قبل حتى يستريح، ولكنه تأخر.

    أحد المشايخ الدعاة يقول: أنا كنت أعظ الناس.. وكذا، وكان أحد الحاضرين حينما تكلمت وقلت: لا إله إلا الله صاح صيحة رجف من خلالها قلبي، فتأثرت واحتجم الخاطر عندي، وبدأت أتحمس في الوعظ بأن أشجعه، فلما انتهينا من المحاضرة قالوا: هذا مجنون، لا تغتر، فهو يقول: (إذا هوى في جثة غادرها)، الجثة الجسم.

    أما الجسد: فالله تعالى يقول: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ [طه:88]، وقال: وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ [الأنبياء:8]، فهي تطلق على هذا وعلى هذا، وأما البدن فهي للعاقل الذي تكون روحه قد خرجت، قال الله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:92]، هذه هي اللفظة الوحيدة (ببدنك)، وهذا الكلام عن فرعون.

    قال رحمه الله تعالى: (إذا هوى في جثة غادرها من بعد ما كانت خساً وهي زكا) غادرها أي: تركها؛ لأن هذه المادة تدل على الترك، والغادر: هو الذي يترك العهد، والغدير: هو المكان الذي يكون فيه مستنقع للماء ويتركه السيل، والغدير أيضاً: الشعر الذي ترك حتى طال، فالمادة كما قال ابن فارس: إن لها أصلاً صحيحاً واحداً وهو ما سمعتم، وفي القرآن: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف:49]، (لا يغادر) أي: لا يترك، وهي كلمة فصيحة من أجمل الكلمات، مستعملة الآن على ألسنة الناس.

    (من بعد ما كانت خساً وهي زكا)، إذاً: هذا السيف إذا هوى في جثة تركها شفعاً بعد أن كانت وتراً، ولكنه عبر عن ذلك بقوله: (من بعد ما كانت خساً وهي زكا)؛ لأن هذا اللفظ مستعمل عندهم، وتأتي خساً مع زكا كثيراً في أشعار العرب.

    1.   

    شرح قول الناظم: (ومشرف الأقطار خاظ نحضه...)

    ثم يقول بعد ذلك:

    [ ومشرف الأقطار خاظ نحضه حابي القصيرى جرشع عرد النسا ]

    جرشع: بضم الشين من الأخطاء المطبعية، وجرشع كقنفذ (عرق النسا)، هذا هو الصاحب الثاني، هو قال: وصاحباي صارم في متنه إلى آخره وذكر السيف، وذكر بعض صفاته، والآن بدأ يذكر الصاحب الثاني وهو: الفرس، يقول: (ومشرف الأقطار) أي: والصاحب الثاني (مشرف الأقطار خاظ نحضه حابي القصيرى جرشع عرد النسا).

    ضابط الكلمات العربية المهجورة وإمكانية وجودها إلى الآن

    في هذا البيت وكذلك البيت الذي بعده والذي بعده والذي بعده.. إلى آخره ألفاظ وكلمات مهجورة، أي: غير مستعملة، كيف تكون الكلمة مهجورة؟ بأن تكون ليست موجودة في قاموس القرآن، وليست موجودة في قاموس السنة، وليست موجودة كثيراً في أشعار العرب الذين كانوا في الحاضرة بعد ذلك، إنما كانت مستعملة في البادية وأصبحت مهجورة، واللغة العربية لا يحيط بها إلا نبي، وهنالك ألفاظ إلى الآن لم تهتد إليها القواميس وهي موجودة، هنالك أناس من العرب، لنقل: قبل خمسين سنة قبل أن تأتي هذه الأجهزة وهذه الوسائل، ولكنهم كانوا في البادية ما اختلطوا بعرب ولا عجم ولا عرفوا شيئاً، ولكنهم يتكلمون بكلمات ليست موجودة في القاموس.

    ولما جاء المستشرق الذي صنف كتاب (تكملة المعاجم) واسمه جوزي جمع من هنا ومن هنا وذهب إلى القبائل، وإلى حائل، وإلى عرعر، وإلى بادية اليمن، والبوادي في مصر، والبوادي في الشام، وجمع بعض الكلمات، وهو طبعاً لا يميز بين ما هو دخيل وما هو عربي مبين، فجمع ألفاظاً موجودة، وها هو الكتاب اثنا عشر مجلداً، وهو لا يستطيع أن يحوي جميع الألفاظ خاصةً اللهجات؛ لأن اللهجات واسعة كثيراً؛ ولأن العربي عربي ما لم يختلط بأحد ولو بقي إلى الآن يعني! بقي نسله بالتوالد وبقيت القبيلة.

    نفرض أن قبيلة بالتوالد بقيت إلى الآن لم يخرج منهم أحد، ولم يدخل إليهم أحد، ما الذي يجعلنا لا نقبل كلامهم؟ إنما لا نقبل كلامهم خشية أن يكون قد ورد عليهم كلام ليس من كلامهم وإنما تلقفوه، فبعضهم ذهب للتجارة وجاء به، وبعضهم جاء إليه، بعض القبائل جاء الناس إليها، فإما أن يكونوا ليسوا من العرب، أو من العرب الذين اختلطوا بالعجم ونقلوا بعض الألفاظ الأخرى، لكن الباحث يستطيع أن يعرف أن هذه اللفظة دخيلة أم ليست بدخيلة، ويستطيع أن يعرف أنها أعجمية أم عربية، إلا ما ندر.

    فها هنا كلمة (خاظ) هذه لفظة غير موجودة الآن في الاستعمال، (نحضه) قليلة الاستعمال، (القصيرى) و (جرشع) كذلك (عرد) كلمة أيضاً كذلك من الكلمات المهجورة، (مشرف) أي: عالم، (الأقطار): النواحي، وكلمة أقطار جاءت في القرآن: أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ [الرحمن:33]، أي: نواحي السموات؛ لأن هذه المادة ابن فارس جعلها أصولاً؛ لأن هنالك القِطر الذي هو النحاس المذاب، وهنالك القَطر الذي هو المطر، وهنالك القُطر الذي هو الناحية، وجعل لكل أصلاً، ويمكن أن تجمع بعض الأصول إلى بعضها كالنحاس المذاب فإنه سمي بذلك أيضاً؛ لأنه يتقاطر حينما يذوب.

    أسباب تأثر الأسماع ببعض الكلمات

    (مشرف الأقطار) أي: عالي النواحي، هو يريد أن يقول: إنه طويل عالم، لكنه عبر عن ذلك بهذا اللفظ، فبدلًا من أن يقول: إنه طويل عالم، ماذا قال؟ قال: (مشرف الأقطار)، والكنايات والألفاظ التي تأتي في صورة تشبيهية، أو في مجاز، أو فيها تحليق على المعاني بتركيب الألفاظ، فإنها تكون أوقع في ذهن السامع، ألا ترى أن الشاعر حينما قال - مع أنه يذم الآن، وهذا الكلام فيه ذم -: (وليس لمخضوب البنان يمين). يعني يقول: إنه ليس هنالك عهد ولا ذمة للمرأة، ولكنه جاء بهذا الكلام الذي هو ذم فانقلب إلى مدح بسبب أنه صوره بهذا التصوير؛ لأنه لو قال لك: المرأة ليس لها عهد سوف تنكر هذا المعنى، لكنه حينما قال لك: (وليس لمخضوب البنان يمين) سوف يذهب عقلك وحسك إلى تصور يدها، وإلى ذلك الخضاب، ثم بعد ذلك يسري بك القلب إلى أشياء أخرى، وهذا كله في لحظة، وتتناسى هذا الذم الذي ذكره، فالكنايات هي التي تجعل المعنى رفيعاً.

    أمثلة على دقة اللغة العربية

    و(مشرف الأقطار خاظ) أي: مكتمل؛ لأنه مأخوذ من خظى، خاظ، يقال: خظي لحمه في اللغة العربية أي: اكتمل، ويقال: لحمه خظى ... أي: مكتنز مكتمل؛ لأن بعض الألفاظ تأتي للإتباع فقط كما يقال: عطشان نطشان، ويقال: حسن بسن، وشيطان ليطان، هنا إتباع، فلذلك لا يجوز أن تقول في اللغة: فلان ليطان، لا، إنما تأتي ليطان مع شيطان، ولا تقل: فلان بسن أو هذا شيء بسن، إنما تقول: حسن بسن، وتقول: عطشان نطشان.. وهكذا، لكن هذه في بعض الألفاظ التي تكون خاصة ببعض المعاني، فكلمة خظي اللحم أي: كنز خاصة باللحم، فلا تقل لشيء آخر مكتنز: خظي، فهي من الألفاظ الخاصة؛ لأن هذا من الدقة في اللغة العربية، وفي اللغة العربية إذا سقط الجدار تقول عنه: انقض، وهذه العبارة الدقيقة، وتقول: ضاع فص الخاتم، ولا تقول: سقط، وتقول: سقط النصيف الذي هو: الخمار، كما قال الشاعر: (سقط النصيف ولم ترد إسقاطه)، وتقول: هوى النجم ولا تقول: سقط، فإذا قلت كان المعنى صحيحاً، والذي جعل القرآن معجزاً مثل هذه الألفاظ، وليس هنالك لفظة إلا وهي في موضعها الدقيق، بحيث لو جئت بلفظة أخرى مكان تلك اللفظة لنقص المعنى، تقول: هوى النجم، انقض الجدار، سقط النصيف، ضاع الفص.. وهكذا، وخر الشخص أيضاً، الخرور بالنسبة للسقوط، والخرور كذلك السجود وَخَرَّ رَاكِعًا [ص:24] لكن ليس معناها: سقط؛ لأن هذا خرور بغير إرادة.

    معنى جرشع

    (ومشرف الأقطار خاظ نحضه) (النحض) هو اللحم، (حابي) مرتفع، (القصيرى) الأضلاع، (جرشع) هذه لفظة رباعية وأكثر الألفاظ الرباعية فيها نحت، أي: نحت من لفظين.

    وابن فارس عقد لهذا في كل باب في الآخر فصلاً لمثل هذه الألفاظ الرباعية، يعني مثلاً قالوا: إن جرشع هذا مأخوذ من جرش ومن جشع، وبعثر مأخوذ من بعث وأثير، ومثلاً أيضاً في الكلمات التي فيها دين كلمة جذمور، وهو يقال لما بقي من سعف النخل، قال ابن فارس: إن هذا مأخوذ من الجذر والجذم، الجذم هو القطعة من الشيء، والجذر معروف، وكذلك مثلاً من الكلمات التي فيها جيم: جردب، تعرفون معنى جردب، جردب فلان؟ هي كلمة غير مستعملة، جردب هذه صفة من صفات الإنسان الجشع الذي فيه بخل وشح، إذا كان أمامه طعام ووضع يديه عليه حتى لا يتناوله أحد يقال: فلان جردب، يعني بيديه جردب، وهو على وزن فعلل، قال: هذا مأخوذ من الجراب؛ لأنه فيه تغطية.

    وكذلك من الجدب لأنه لا يبقى شيء ولا يبقى أثر، ومنه أيضاً كذلك الجلمود مأخوذ من جلد ومأخوذ من جمد لأنه جامد، والجلد أيضاً كذلك ليس بعده شيء، هذه ألفاظ تنتبهوا لها؛ لأنها من فقه اللغة، أنا أعطيكم المفاتيح وعليكم بعد ذلك أن تدخلوا.

    و(عرد) العرد هو الشديد من كل شيء، وهذه اللفظة قالها الشيخ وهي موجودة بنصها في المقاييس، ولم يكن عندهم في المدرسة الموريتانية اهتمام بالمقاييس أي: بمقاييس اللغة، لكن عندهم القاموس، ويهتمون بتاج العروس وبالكتب الأخرى.

    و(النَّسَا) هذا عرق معروف يكون من الورك إلى الساق، (النسا) ويقال: عرق النَّسَاء، ويلحن الناس فيقولون: عِرق النساء بكسر النون وما هو بالكسر ولكنه بالفتح، وأما النساء فمعروف النساء كنسوة، والنسأ أيضاً كذلك التأخير، والنسا هو العرق الذي يكون في الإنسان وفي الحيوان، ويعتل الإنسان أحياناً من جرائه، فلا يكون له علاج إلا القطع، إذاً هو الآن يصف هذا الفرس يقول: إنه مشرف الأقطار أي: عال مرتفع، وأنه مكتنز اللحم، وأنه مرتفع الأضلاع، تصور بعد ذلك صورة هذا الفرس، وجرشع أي: صدره عريض، هذا هو الصاحب الثاني والأول هو السيف كما تقدم، يقول: ولي صاحب آخر وهو حصان مرتفع الجوانب، مكتنز اللحم، مرتفع الأضلاع، عريض الصدر، مفتول الذراع، وكنى عن هذا بقوة عرق النَّسَا، وهو العرق الذي يربط الفخذ بالقوائم.

    1.   

    شرح قول الناظم: (قريب ما بين القطاة والمطا...)

    ثم قال رحمه الله بعد ذلك:

    [ قريب ما بين القطاة والمطا بعيد ما بين القذال والصلا ]

    يصف الآن ظهره يقول: إنه (قريب ما بين القطاة والمطا)، (القطاة): هي الموضع الذي يكون محلاً للردف الرديف الذي يكون في آخر الظهر، والمطا: هو الظهر، فهو يقول: المنطقة التي تكون في آخر الفرس حينما تكون مجتمعة ولا يكون هناك انبساط في الآخر هذا من جمال الحصان.

    ولكنه أيضاً (بعيد ما بين القذال والصلا)، القذال: هو آخر الرأس فوق القمحضوة، تعرفون القمحضوة؟ القمحضوة: العظم الذي يكون عظمًا ناشئًا هنا في آخر العنق، ومن آخر العنق من هذه العظمة التي هي القمحضوة إلى آخر الرأس هذا يسمى القذال في اللغة العربية، القذال يكون إذاً في مؤخرة الرأس بالنسبة للإنسان وبالنسبة للحيوان، ولكن الشيخ -ونقلت هذا عنه- قال: إنه عظم ناشئ خلف الأذن، ولم أكن قد تأكدت من صحة هذا المعنى، ولكني رجعت فلم أجد هذا المعنى، وكتبت هنا في الحاشية هكذا كتبته عن الشيخ ولعله سهو مني أو منه، أو أراد بعض معناه، والمعروف في اللغة أنه مؤخر الرأس من الإنسان والفرس، ويسمى معقد العذار من الفرس.

    إذاً هذا هو القذال، أما الصلا فأحد الصلوين وهما عرقان يكونان عند أصل الذنب، هو ماذا يريد أن يقول؟ يقول: إنه طويل الظهر، ظهره طويل، لكنه قال: (بعيد ما بين القذال والصلا)، وفي الشرح يقول: إن ظهره قريب من موضع الردف وهو أيضاً طويل الظهر، وهذا يدل على اتساع حقوه أيضاً فيه لوازم تدل على هذا.

    1.   

    شرح قول الناظم: (سامي التليل في دسيع مفعم...)

    ثم قال رحمه الله بعد ذلك:

    [ سامي التليل في دسيع مفعم رحب اللبان في أمينات العجى ]

    (سامي) معروف من سما يسمو، وهذه اللفظة تدل على الارتفاع، (سامي) أي: مرتفع، و(التليل): هو العنق، هذه اللفظة أصلها في القرآن الكريم، قال سبحانه: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:103] أي: طرحه على عنقه، طرحه على تليله، ثم توسع في هذا اللفظ فأصبح كل من وضع شيئاً وطرحه فإنه يقال في اللغة العربية: تله، ولذلك في الحديث الصحيح في حديث الغلام الذي أراد أن يشرف بفضلة النبي صلى الله عليه وسلم من الشراب، ولم يؤثر على نفسه أحداً جاء في الحديث: (فتله في يده) أي: تل النبي صلى الله عليه وسلم الإناء في يده يعني: طرحه في يده ووضعه، يعني أيضاً فيها إسراع، وضعه هكذا كأنه كاره، والله أعلم.

    (في دسيع مقعم)، الدسيع: هو الصدر، استشهد له في الشرح بقوله:

    يرقى الدسيع إلى هاد له بِتع في جؤجؤ كمداك الطيب مخضوب

    وحتى لا تغتم بعدم فهم البيت فهو موجود في هذا الكتاب، نشرح البيت: يرقى الدسيع، الدسيع: هو الصدر، إلى هاد، الهاد: هو الذي يقوده، والبتع: هو شدة في العنق، والجؤجؤ: الصدر، ويشبه هذا الصدر بأنه كمداك الطيب، مداك هي الصخرة التي يصنع عليها الطيب، ومخضوب صفة لجؤجؤ، في جؤجؤ مخضوب؛ لأن فيه حمرة، كأن فيه حمرة، هذا هو معنى البيت.

    يقول: (سامي التليل في دسيع) أي: إذاً هو مرتفع العنق، وهذا العنق مغروز في صدر مفعم أيضاً ممتلئ؛ لأن مادة فعم الفاء والعين والميم فيها معنى الامتلاء، يقول: سيل مفعم، وتقول: أنا مفعم بكذا أي: ممتلئ، وتقول كما قال الشاعر: (ضخم مقلدها فعم مقيدها)، القيد الذي يكون في الرجل، يعني يريد أن يقول: إن ساقها ضخمة، فعم مقيدها، فكلمة مفعم حيثما جاءت فيها معنى الامتلاء.

    (رحب اللبان)، رحب بمعنى واسع، واللبان هو الصدر، واللبان هو اللبن، واللبان هو شجر، ومنه اللبان الذي نأكله، (في أمينات العجى)، (العجى) مفردها عجايا، وقيل: عجايا، وهي عصب الرجل، معنى البيت يقول: إنه مرتفع العنق مع صدر ممتلئ واسع، وهذا الصدر تتصور هذا الفرس وهو قائم على أربع قوائم، هذا الصدر الآن معتمد على أرساغ مأمونة وعصب طويل متين سليم؛ لأنه عبر عن قوله: سليم بقوله: (أمينات)، يعني: مأمونة، أي: أن هذه العصب التي في الرجل هي مأمونة قوية مشدودة.

    1.   

    شرح قول الناظم: (ركبن في حواشب مكتنة...)

    ثم يقول رحمه الله:

    [ ركبن في حواشب مكتنة إلى نسور مثل ملفوظ النوى ]

    ركبن أي: العجى ركبن.

    قاعدة ما كان على وزن فواعل

    (في حواشب) المفرد حاشبة أو حاشب، وفواعل هذه يوصف بها المؤنث، ويوصف بها غير العاقل من الأشياء المذكرة، لكن لا تصف بها العاقلين، فلا تقل مثلاً: الطلاب بوارع، أو هؤلاء طلاب بوارع، لا يجوز هذا؛ لأن فواعل إنما يكون وصفاً للمؤنث أو للمذكر من غير العاقل، (وشذ في الفارس مع ما ماثله) مثل نوابغ.

    كذلك هذا هو الأصل، لا يقال عن الرجال: إنهم نوابغ، إلا إذا أردت أن تصف بها مجموعة وأردت اللفظ، فقلت: هؤلاء مجموعة نوابغ، فيكون هنا التأنيث من أجل اللفظ ولم تراع المعنى، لكن جاء في الشعر نواكس الأبصار، وجاء فيه أيضاً كذلك فوارس، فيقال: إن هذا شاذ؛ لأنه لم يرد إلا في بعض الأبيات التي هي من باب الآحاد، ولم تأت في المنثور، ولم تأت أيضاً كذلك في كثير من الأشعار، وقال ابن مالك:

    فواعل لفوعل وفاعل وفاعلاء مع نحو كاهل

    ثم قال:

    وشذ في الفارس مع ما ماثله

    لكن في المؤنث تقول: حائض وحوائض، وطالق وطوالق، وناهد ونواهد، وكاعب وكواعب، وفي غير العاقل أيضاً كذلك تقول: حاشب وحواشب.

    (ركبن في حواشب)، الحوشب هنا قال: حواشب جمع حوشب وهو عظم في باطن الحافر، والقياس حاشب أو حاشبة، بعد ذلك سوف أتأكد من صحة هذا، والحوشب في اللغة العربية كما نقلت في القاموس الأرنب، والعجل، والثعلب الذكر، والضامر والمنتفخ الجنبين ضد، يعني الضامر يقال له: حوشب، ويقال أيضاً كذلك للمنتفخ الجنبين بالعكس يقال له أيضاً كذلك: حوشب، وعندنا في المحدثين شهر بن حوشب، وخلف بن حوشب، والعوام بن حوشب، كلهم محدثون، وأبناء حوشب أظنهم ضعفاء جميعاً.

    مادة الكاف والنون ودلالتها اللغوية

    (ركبن في حواشب مكتنة)، الكاف والنون مادة تدل على استتار حيثما جاءت، تقول: فلان مكتن، والجبال جعل الله تعالى فيها أكناناً؛ لأن الناس يستترون بها، لكنهم حينما وصلوا إلى كلمة كنة وهي زوجة الابن يقال لها: كنة ما وجدوا هذا الجامع في هذا اللفظ إلا بتكلف؛ لأنها تستر المحاسن، والله أعلم، تستر محاسن هذه المرأة؛ لأنه دائماً في قاموس المجتمعات الأم تجعل زوجة الابن عدواً مبيناً يكون بينهما عداوة هكذا، حتى صار هذا أصلاً عند الناس، والعداوة التي تنشأ بينهما تكون إما بسبب الزوج الذي هو الابن بسبب غفلته، أو بسبب أنه يولد بينهما هذه الأشياء، ولا يستطيع أن يحل المشكلة بينهما، وإلا لو كان باراً عادلاً قوي الشخصية ما حصل هذا بين الزوجة وبين الأم.

    أسماء في أجزاء النسور

    (إلى نسور) جمع نسر، النسر: طائر معروف، والنسور أيضاً هي بطون الحوافر، عندنا بطون الحوافر، وجوانب الحوافر، ومؤخرة الحوافر، ومقدمة الحوافر، المقدمة تسمى سنابك، والتي في أوساط الحوافر تسمى نسوراً، والمؤخرة يقال لها: الدوابر، والجوانب يقال لها: الحوام، عندهم لكل جزء من كل شيء اسم، واللحمة أو العظم الناتئ أيضاً له اسم، الناتئ: الذي يكون بين الظلفين، هنالك عظم ناتئ في الفرس وفي الدواب هذا له أسماء، ومن أسمائه العامة عير للناتئ بين شيئين؛ لأن عندهم أسماء عامة وأسماء خاصة، فهو يقول: إن هذه العجى أو إن هذا العقب ركب في حواشب التي هي بطون الحوافر مكتنة أي: مستترة ومجتمعة منضمة إلى نسور وهي بطون الحوافر مثل ملفوظ النوى؛ لأنها قوية، الأحسن أن نقول: مثل ملفوظ النوى، أي: النوى الملفوظ، يقول: إنها قوية؛ لأن النوى قوي، ولعله أيضاً أراد تلك العظمة الناتئة التي تكون كملفوظ النوى بين الحافرين.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011284030

    عدد مرات الحفظ

    722121995