إسلام ويب

مقصورة ابن دريد [9]للشيخ : عبد العزيز بن علي الحربي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اللغة العربية لغة مميزة وواسعة، فمن سعتها وجود الكلمات المثلثة، وقد جمع ذلك في مصنفات خاصة، وأما ميزة اللغة فهي في استعمال أسلوب الحذف لفائدة بلاغية، وكذلك من ميزاته استعمال أسلوب القسم في المقام المناسب، وقد أشار الناظم إلى ذلك من خلال وصف أسلافه وأجداده وافتخاره بهم.

    1.   

    شرح قول الناظم: (هم الذين دوخوا من انتخى...)

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم،

    وبعد:

    قال المؤلف ابن دريد رحمه الله تعالى:

    [هم الذين دوخوا من انتخى وقوَّموا من صعر ومن صغا]

    معنى دوخ وانتخى

    (دوخ) في الأصل معناها كما يقول أهل اللغة: الذلة أو الذل، إذا جئت بالتاء في الذل فاكسر الذال، وإذا حذفت التاء فالذال مضمومة، تقول: الذل، فإذا كسرت أتيت بتاء التأنيث، كذلك الصح والصحة، ثم توسع في هذا المعنى، الذليل كما تعلمون يحتاج إلى من يأخذ بيده، ويحتاج إلى من يقيمه، وكذلك الإنسان الذي داخ، داخ أي: أصبح جسمه قد فقد شيئاً من التوازن، فيحتاج إلى من يقيم أوده، وإلى من يقوم بحاله حتى يستقيم، هكذا توسعوا في هذه الكلمة، ولكنهم جعلوا هذا التوسع من باب المجاز، وإلا فالحقيقة أن هذه المادة دوخ بمعنى أذل، وقالوا: إنه من المجاز أن يقال: دوخني الحر أي: أمرضني، فعلى كل حال هو يصفهم بأنهم أذلوا؛ لأن أيضاً السياق يشهد لهذا المعنى، أذلوا كل من تكبر وتجبر وتغطرس، وعبر عن ذلك بقوله: (دوخوا من انتخى).

    و(من انتخى) هذا مأخوذ من النخوة، والنخوة: هي الكبر والزهو، (وقوموا من صعر ومن صغا)، صعر مصدر، وصغا مصدر، يعني قوموا كل من اتصف بهذه الصفات، يقال: فلان قوم الشيء أي: جعله مستقيماً، ومن الخطأ أن نقول: تقييم الأشياء، تقييم الأمور، التقييم إذا أطلق فالمقصود به تعيين القيمة، مأخوذ من القيمة، أما التقويم فهو من قام يقوم من الاستقامة، إذا أقمت الشيء وقومته جعلته مستقيماً تقول: إن هذا تقويم ولا يقال: إنه تقييم، وهو من الخطأ الشائع.

    معنى صعر وصغا

    وأما الصعر فهو ميل من حيث الجملة، لكنه خص بالوجه، وأصله داء يكون في عنق البعير، وإذا أصابه أصبح خده مائلاً، من أجل هذا الألم الذي يكون في عنقه، هكذا أصل الألفاظ من حيث المعنى هي في الأصل حسية، ثم توسع فيها بعد ذلك، وأحياناً يكون للفظ قصة من القصص، ثم بعد حصول هذه القصة استعملته العرب على هذا الأساس، ككلمة الثواب، الثواب معروف أنه الأجر، وهو الجزاء، أصله أن الإنسان السابق كان إذا أراد أن يصنع له ثوباً جز أصواف الغنم، ثم ذهب بعد ذلك بها إلى الناسج، وقال له: انسج لي ثوباً من هذا الصوف، ويمكث عنده، ثم إذا رده إليه يقال: إن هذا الصوف ثاب إليه، فسموه ثوباً، وأصبح بعد ذلك ما يرجع على الإنسان، ويعود عليه من عمل هو ثواب، كما رجع ذلك الثوب إلى صاحبه.

    الصعر خاص بالخد، ولهذا قال الله: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ [لقمان:18]، وفي قراءة: (ولا تصاعر)، يقال في هذا السياق: زاغ ومال واعوج وصور وصعر وصيد، كل هذه الألفاظ بالكسر، وانظر إلى هذه الألفاظ التي جاءت بالكسر المعبرة عن الميل؛ لأن الميل انحدار إلى أسفل، فهم يراعون حتى في الحركات المعاني، من فقه اللغة فهم هذه الأشياء، ومراعاة هذه الأشياء، فإنهم يعبرون بها كما سبق لك في بعض الأمثلة.

    علاقة الحركة من أعلى وأسفل بالمعنى

    أحياناً يعبرون بالشيء الذي فيه علو بالحركة التي هي من علو من فوق، ويعبرون عن المعنى الذي فيه انحدار وانحطاط بالحركة التي تكون من أسفل وهي الكسرة، ولم يكن عندهم كسر ولا فتح ولا ضم، إنما جاء التشكيل بعد ذلك، لكن التعبير عن هذا بالكسر وبالفتح هذا مفهوم من قديم، حينما قالوا مثلاً: رقي الإنسان حينما يبدأ الرقي، في الأصل هو من أسفل، قالوا: رقي، ثم عبروا بعد ذلك في المضارع حين يسعى هذا الرقي قالوا: يرقى، ولم يقولوا: يرقي، فهو صعود من أسفل إلى فوق من رقي يرقى، وأما رقى يرقي فهذا من الرقية، رقاه يرقيه.

    ومثال ذلك أيضاً قولهم عن الشيء: هوى، الشيء حينما يسقط من فوق إلى أسفل، يكون في الأول في البداية يكون فوق ثم ينحدر إلى أسفل، فقالوا: هوى بفتح الواو في الماضي؛ لأن الشيء حينما يبدأ الهوي يكون فوق، فلما وصل أو شرع في هذا الانحدار قالوا: يهوي؛ لأنه الآن في سقوط، وعبروا عن ذلك بالحركة التي هي من أسفل؛ لأن المعنى يئول إلى أسفل، ولكنهم في الحب عكسوا هذا، فقالوا: هوي يهوى؛ لأنهم يقولون: إن الحب يرتقي بصاحبه إلى المعالي، ولذلك قالوا: من لم يتفتَّ لم يحسن يتقوى، فهو في العادة أن المحب يتهذب ويتجمل ويتزين ويتثقف؛ حتى يحبه محبوبه وحتى يكون في نظر من يحبه إنساناً يستحق أن يعنى به، ولذلك تجد الشاب أحياناً لا يعتني بملابسه ولا بثيابه، فإذا دخل في هذا بدأ بعد ذلك يصلح من حاله ومن ثيابه ومن شكله، إذا وجدت مثل هذا فاعلم أنه قد تغير حاله لسبب من هذه الأسباب، فهذا هو معنى قوله: (وقوموا من صعر ومن صغا).

    المعنى واضح يقول: إن هؤلاء هم الذين أذلوا من تغطرس وتكبر وتجبر، وقوَّموا كل من صعر خده وصغا أيضاً كذلك برقبته أو بجسده؛ لأن الصغو ميلان بالمطلق من غير تحديد، ليس خاصاً بالوجه ولا بشيء، ولهذا قال الله: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ [الأنعام:113]، (ولتصغى) أي: تميل، فلان أصغى إلى فلان؛ لأنه أمال رأسه إليه ليسمعه، وتقول: أصغيت الإناء.. وهكذا، فهو ليس خاصاً بالصعر، إذاً يقول: هم الذين أذلوا كل من تكبر في الأرض، وهم الذين قوموا رقاب الذين صعروا خدودهم، وصغت رءوسهم كبراً وغطرسة.

    1.   

    شرح قول الناظم: (هم الذين جرعوا من ماحلوا...)

    ثم قال رحمه الله بعد ذلك:

    [ هم الذين جرعوا من ما حلوا أفاوق الضيم ممرات الحسا ]

    (هم الذين جرعوا)، هذا مأخوذ من الجرعة، يعني مادة الجيم والراء والعين، يقال: جُرعة وجِرعة وجَرعة هي مثلثة الجيم، هذا المثلث من السعة في اللغة العربية بحيث إذا تلفظت بأي لفظ فإنك لا تخطئ سواء قلت: الجُرعة أم الجِرعة أم الجَرعة، وهذا معروف ومجموع في كتب، يوجد مثلث متفق المعنى ومثلث مختلف المعنى، وسيأتينا كثيرًا حتى في درس اليوم، وهذه المادة موجودة في القرآن الكريم، يقال سبحانه: يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم:17] أي: يتحساه جرعاً جرعاً، يعني: جرعةً بعد جرعة.

    (جرعوا من ما حلوا) أي: عادوا، ومحل أيضاً مثلث الحاء، تقول: محَل ومحُل ومحِل، وذكر ذلك ابن مالك في المثلث:

    وقل لمن نم لوال: يا فتى محَلت أو محِلت أو محُلت فامح الذنب بالمساجد.

    (أفاوق) بيان أصلها ومعناها

    ( أفاوق ) هذه المادة أيضاً موجودة في القرآن، وأصلها أفاويق، ولكنه وقع في حرج الوزن فحذف الياء واكتفى بالكسرة دليلاً عليها، فقال: أفاوق، والأصل أفاويق، وبعضهم يقول: إنها لغة، كما نقول في مفاتيح ومفاتح، وأن هذا ليس بضرورة بل هو لغة، والأصل الإفاقة وهي رجوع الفهم إلى الإنسان بعد إغماء أو بعد جنون أو بعد نوم، وفي القرآن: فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ [الأعراف:143]؛ لأنه خر صعقاً حينما اندك الجبل، الأفاوق أو الأفاويق هي جمع إفاقة، وبعضهم يقول: إنها جمع فواق، وفي القرآن: مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ [ص:15]، وفي قراءة: ( مَا لَهَا مِنْ فِواق )بكسر الفاء، وهما قراءتان صحيحتان سبعيتان، ولغتان أيضاً، يعني الضم لغة في هذه الكلمة فِواق وفَواق، إذا جمعت قلت: أفاويق، وما هي الإفاقة أو الفواق؟ هي ما بين الحلبتين، حينما تحلب الناقة أو البقرة بين كل حلبة وحلبة هذه الفترة يقال لها: فواق، ومن جميل الشعر في هذا وحكمه قول الشاعر في وصف حال موجود في كل زمان وفي كل مكان:

    وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها أفاويق حتى ما يدر لها ثعل

    هذا حال الناس، الكل يذم الدنيا، الذي بيده الدنيا والذي ليست بيده، ومعظم الناس يذم الدنيا ولكنه يركض فيها ركض الوحش، وتجد أكثر من يذم الدنيا الأغنياء الذين شربوا منها ولم يرووا، ولهذا شبه الدنيا بالبقرة الحلوب، وهؤلاء رضعوا من هذه البقرة التي هي الدنيا رضعوا منها وامتصوها مصاً حتى كأنه لم يبقَ فيها شيء، ولم يبقَ في ضروعها شيء، فعبر عن ذلك بهذا الكلام الذي قال فيه:

    وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها أفاويق حتى ما يدر لها ثعل

    فتجد أنهم ينهبون الدنيا ثم يذمونها بعد ذلك ويلعنونها.

    معنى الضيم والحسا

    و(الضيم) في الأصل الذل والقهر، يعني فلان أصيب بضيم أي: أصيب بقهر حتى رأى من نفسه ذليلاً.

    و(ممرات الحسا) هذا مأخوذ من أمَرَّ، الشيء المُمِر هو الذي أوجد المرارة، يقول: فلان أمرني، أي: أدخل في قلبي المرارة من فعله وصنعه وقوله ومخالفته.. إلى آخره، فهذا هو معنى قولهم: شيء ممر، ابن فارس جعل لهذه الكلمة التي هي الميم والراء والراء أصلين: المرور والمرارة، المرارة معروفة، والمرور معروف، فجعل كلاً أصلاً مستقلاً، وقد يجمع بين الأصلين؛ لأن من شأن المرارة أن تمر على القلب وتضيِّق عليه، بعد ذلك يكون أثرها كأنه مر على الجسد كله، فتعود إلى أصل واحد وهو المرور.

    و(الحسا): اسم جمع حسوة، وهو ما يحتسى أي: ما يشرب، ومنه الحسي، وهو المكان الذي ينبع منه الماء، وكان في الأصل قبل أن يسمى حسياً مردوماً بحجارة أو تراب أو رمل أو غير ذلك، ثم بعد ذلك كشف عنه فسمي حسياً، وهو معروف ومستعمل على لسان بعض القبائل.

    ومعنى البيت: هم الذين سقوا وأذاقوا العداة من كأس الضيم، هم الذين جرعوا كل من عادوهم، وأذاقوهم سوء العذاب، وجرعوهم من الذل ومن الضيم ومن القهر شيئاً كثيراً، حتى تجرعوا ذلك الظلم وذلك الضيم جرعاً جرعاً، واحتسوه حسوةً حسوة. هذا الكلام من قوله: (ألية باليعملات يرتمي..) إلى هنا كم بيت؟ أبيات كثيرة جداً، أقسم أولاً باليعملات، ثم قال:

    (بذاك أم بالخيل تعدو المرطى ناشزةً أكتادها قب الكلى)

    ثم عدل عن هذين القسمين وأضرب عنهما بقوله:

    (بل قسما بالشم من يعرب هل لمقسم من بعد هذا منتهى)

    هذه أقسام، وكل قسم له جواب قسم، جواب القسم هو هذا الذي قال فيه:

    1.   

    شرح قول الناظم: (أزال حشو نثرة موضونة...)

    قال رحمه الله:

    [ أزال حشو نثرة موضونة حتى أوارى بين أثناء الجثى ]

    ومن عادة العرب أنهم يقسمون أحياناً بأشياء كثيرة، ويكون المقسم به في العادة - وهذا نعرفه بالعقل - أكبر من المقسم عليه من جواب القسم، إنك تقسم بشيء عظيم حتى يصدق السامع، وهذا في الغالب، وليس في كل حال، تجدون في القرآن أقساماً كثيرة، أحياناً إحدى عشر قسماً، وأكثر ما اجتمع في القرآن من الأقسام المتتابعة قسم بعد قسم في قوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:1-7]، كم هذه إحدى عشرة أو اثنتا عشرة؟ إحدى عشرة، هذا أكثر ما جاء في القرآن، بعد ذلك جاء جواب القسم، قَدْ أَفْلَحَ [الشمس:9]، هذا هو جواب القسم، وإذا جاء القسم في القرآن ففيه دلالتان:

    الدلالة الأولى: أن الله عز وجل له أن يقسم بما شاء من خلقه، والدلالة الثانية: أن هذا الذي أقسم به شيء عظيم.

    حذف (لا) النافية من الأفعال الناسخة

    إذاً جواب القسم: ( أزال حشو نثرة موضونة )، حينما قال: (ألية باليعملات..)، أجاب عن هذا القسم بقوله: (أزال)، أي: لا أزال، ولكن لا النافية حذفت؛ لأنه ممكن أن يكون ما أزال، يجوز أن تأتي كلمة زال وبرح بعد نفي تقول: ما برح وما زال، وكذلك قالوا: إنه يجوز حذف النفي في مثل هذا، وهذا مسموع في كلام العرب، وجاء في القرآن: قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا [يوسف:85]، أي: لا تفتأ تذكر يوسف، والشيء يحذف ولكن الحذف لا بد أن يكون لفائدة ولنكتة، قد يكون في غير القرآن للإيجاز والاختصار، وأحياناً يحذف؛ لأنه مفهوم، ونحن عندنا قاعدة ذهبية معروفة كبيرة: (وحذف ما يعلم جائز)؛ لأن الحذف كثير جداً في اللغة العربية، ولهذا قالوا: لولا الحذف والتقدير لعرف النحو الكثير، هم قالوا: الحمير، والحمير لا يمكن أن تعرف النحو مهما علمت، فالحذف كثير في اللغة العربية، في الشعر جاء في قول امرئ القيس:

    فقلت: يمين الله أبرح قاعداً ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

    هذا عاشق وفي، فقلت: يمين الله أبرح، أي: لا أبرح، ما الذي جعله يحذف (لا)؟ لأن حذفها معلوم؛ ولأنه لا يستطيع أن يدخلها هنا في هذا البيت، فالبيت لا يتزن مع وجود لا، إذاً هذا القسم من أجل نفسه، هذه الأقسام التي تقدمت هو مدح أولئك الشم، ثم الآن بدأ يمدح نفسه وهو بعيد عن هذا الكلام الذي وصف به نفسه، لكنه جرى على ما جرى عليه الشعراء من أنهم يمدحون أنفسهم، وربما تغزل الواحد منهم، وجاء بكلام في النسيب والغزل وهو بعيد عن هذه الأشياء، ليس من أهل الغزل وليس من أهل الحب والهوى، ولكنه جرى على ما جرى عليه الشعراء، فهو ما كان مقاتلاً ولا محارباً، بل كان هو ونفطويه بينهم بعض المعارف العلمية والأدبية حينما قال عن ابن دريد:

    ابن دريد بقرة وفيه عي وشره

    وهو رد عليه بعد ذلك بأبيات سمعتموها في الدرس الأول.

    معنى (نثرة) ودلالة مادتها اللغوية

    قال: ( أزال حشو ) حشو أي: وسط داخل؛ لأن الحشوة تكون في داخل الشيء، وهو يريد أن يقول: إنني لا أزال في داخل نثرة، والنثرة: هي الدرع، والدرع مؤنثة، والدرع يلبسها المحارب، يقول: أنا دائماً مستعد للحرب وللقتال؛ لأنني لا أخلو من لبس هذه الدرع، و(موضونة) معناها منسوجة نثرة ونفلة، نثرة مادة، وهي معروفة في اللغة العربية، الشيء المنثور أي: الشيء المتفرق، فهي كلمة تدل على تفرق أشياء، وفي الغالب تكون دقيقة، هذا في الأصل، الله أعلم لماذا سميت الدرع نثرة، وليس فيها هذا المعنى، هل لأنه يتناثر عليها السهام؟ لأنها تتلقى السهام، أو تتلقى أشياء أخرى، أو يتناثر عليها الدم، لا ندري، ولا نتكلف شيئاً لا نعرفه.

    قال المصنف رحمه الله:

    [هم الذين دوخوا من انتخى وقوموا من صعر ومن صغا

    هم الذين جرعوا من ما حلوا أفاوق الضيم ممرات الحسا

    أزال حشو نثرة موضونة حتى أوارى بين أثناء الجثى

    وصاحباي صارم في متنه مثل مدب النمل يعلو في الربى

    أبيض كالملح إذا انتصيته لم يلق شيئاً حده إلا فرى

    كأن بين عيره وغربه مفتأداً تأكلت فيه الجذى

    يري المنون حين تقفو إثره في ظلم الأكباد سبلاً لا ترى

    إذا هوى في جثة غادرها من بعدما كانت خساً وهي زكا

    يقول ابن دريد رحمه الله في سياق وصف من أقسم بهم قسماً ثابتاً حينما قال:

    (بل قسماً بالشم من يعرب هل لمقسم من بعد هذا منتهى)

    وصفهم بأوصاف ابتداءً من قوله:

    (هم الألى إن فاخروا قال العلا بفي امرئ... )

    إلى آخره.

    ثم ثنى بقوله:

    (هم الألى أجروا ينابيع الندى)

    ثم ثلث بقوله:

    (هم الذين دوخوا من انتخى وقوموا من صعر ومن صغا)

    كل هذه الأوصاف هي أوصاف لهم بأنهم شجعان، وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ [النمل:33]، وألو قوة.

    وإعراب (هم الذين) مبتدأ وخبر.

    هم الذين دوخوا من انتحى وقوموا من صعر ومن صغا

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011496680

    عدد مرات الحفظ

    722149986